شهادةُ أهل بيت الحسين عليه السلام:
ولَمّا لم يبقَ معَ الحسينِ عليه السلام إلَّا أهلُ بيتِه، وهم وُلْدُ عليٍّ
عليه السلام، ووُلْدُ جعفرٍ وعقيلَ ووُلْدُ الحسنِ عليه السلام، ووُلْدُ الحسين
عليه السلام، اجتمعوا وجَعلَ يُوَدِّعُ بعضُهم بعضاً، وعَزَموا على ملاقاةِ
الحُتوفِ ببأسٍ شديدٍ ونُفوسٍ أبيّةٍ.
مصرعُ عليٍّ الأكبر
وأوّلُ مَنْ تقدَّمَ عليُّ بنُ الحسينِ الأكبرُ عليه السلام. ولمّا عزَمَ على
القتالِ، وأقبلَ مستأذناً من أبيهِ، نظرَ إليه الحسينُ عليه السلام نَظَرَ آيِسٍ
منه، وأرخَى عينَيْهِ بالدموعِ، ورفعَ شَيبَتهُ نحوَ السماءِ وقالَ:
"اللهمَََّّّ اشهَدْ على هؤلاءِ، فقد بَرزَ إليهِم أشْبهُ الناسِ خَلْقاً
وخُلُقاً ومَنْطقاً برسولِك محمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم، وكنَّا إذا اشتقْنَا
إلى رؤيةِ نبيِّكَ نظرْنَا إليه، اللهمَََّّّ امنعْهُمْ بركاتِ الأرضِ، وفرِّقهُمْ
تفريقاً، ومزِّقْهُم تمزيقاً، واجعلْهُم طرائقَ قِدَداً، ولا تُرْضِ الوُلاةَ عنهم
أبداً، فإنَّهم دَعَوْنا
الصفحة (51)
ليَنْصُرونا، فعدَوْا علينا يُقاتِلُونَنَا".
وصاحَ عليه السلام بعُمرِ بنِ سعدٍ: "ما لكَ يابنَ سعدٍ، قطَعَ اللهُ رَحِمَك،
كما قطعْتَ رَحمِي ولم تحفَظْ قرابتي من رسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم".
ثمَّّ تلا قولَه تعالى: ﴿إنّ اللهَ اصطفَى آدمَ ونوحاً وآلَ إبراهيمَ وآلَ
عِمرانَ على العالَمينَ ذُرّيةً بعضُها من بعضٍ واللهُ سميعٌ عليمٌ﴾(14).
ولَمّا عَزَمَ على الحربَ، عزَّ فِراقُه على مُخَدَّراتِ الإمامةِ، فأَحَطْنَ
بهِ، وتعلَّقنَ بأطرافِه، وقلنَ له: إرحَمْ غُربتَنا، فلا طاقةَ لنا على فِراقِكَ.
فلم يَعبأْ بهنَّ. ثمَّّ تَوَجَّهَ نحوَ القومِ، وشدَّ عليهم شَدّةَ الليثِ
الغَضبانِ، وهو يقولُ:
أنـا عليُّ بنُ الحسينِ بنِ علي نـحنُ وبـيتِ اللهِ أوْلى بالنبي تاللهِ لا يَـحْكُمُ فـينا ابنُ الدَّعِي أَطـعنُكم بـالرُمحِ حتّى يَنْثَني أَضرِبُكُمْ بالسيفِ أَحْمي عن أبي ضَـرْبَ غُـلامٍ هاشميٍّ عَلَوي
|
ولمَ ْيَزَلْ يحمِلُ على المَيمنةِ ويُعيدُها على المَيسَرةِ، ويغوصُ في
الأوساطِ حتى قتلَ منهم مَقتلةً عظيمةً، وضجَّ الناسُ منْ كَثرةِ مَن قُتِلَ
مِنْهم.
الصفحة (52)
ولَمّا اشتدَّ به العطشُ، رَجَعَ إلى أبيهِ الحسينِ عليه السلام قائلاً: يا
أبَهْ، العطشُ قد قتلني، وثِقلُ الحديدِ قد أجْهدَني، فهل إلى شُربةِ ماءٍ من سبيلٍ
أتقوَّى بها على الأعداءِ؟
يبـويه شـربة امـيّه الكبدي اتقوى ورد للميـدان وحدي
يبويه انفطر قلبي وحق جدي العطش والشمس والميدان والحر
فأجابه الحسينُ عليه السلام: "قاتِلْ قليلاً، فما أسرَعَ ما تلقى جَدَّك رسولَ
اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم، فيَسقيكَ بكأسِهِ الأوفى شُربةً لا تَظمأُ بعدَها
أبداً".
فرَجَعَ عليٌّ الأكبرُ إلى المَيدانِ وجعلَ يقاتلُ أعظمَ القتالِ فأكثرَ القَتلَ
في صفوفِ الأعداء.
فقالَ مُرّةُ بنُ مُنقِذٍ العَبْديُّ: عَليَّ آثامُ العربِ إن لم أُثكِلْ به
أباهُ، فطعنَه بالرمحِ في ظهرهِ، وضربَه بالسيفِ على رأسِه ففَلَقَ هامَتَهُ،
وضربَه الناسُ بأسيافهِم، فاعتنقَ فرسَه، فاحتمَلهُ الفرسُ إلى مُعسكَرِ الأعداءِ،
فجعلوا يضرِبونهُ بأسيافهِم، فهَوَى إلى الأرضِ منادياً: عليكَ منِّي السلامُ أبا
عبدِ اللهِ، هذا جَدِّي رسولُ اللهِ قد سَقاني بكأسِهِ الأَوفى شُربةً لا أظمأُ
بعدَها أبداً، وهوَ يقولُ لكَ:
الصفحة (53)
العجلَ، العجلَ، فإنّ لك كأساً مَذْخورةً.
ثمَّّ شَهِقَ شَهقةً كانت فيها نفْسُه وفارقتْ روحُه الدنيا.
فجعلَ الحسينُ عليه السلام يتنفّسُ الصُّعَداءَ، وصاحَ بأعلى صوتهِ: واوَلداه،
فتصارختِ النساءُ، فسَكَّتَهنَّ الحسينُ عليه السلام، وقالَ:
"إنّ البكاءَ أمامَكُنّ". وحمَلَ على القومِ ففرَّقَهم، وأقبلَ إلى ولدهِ
مسرعاً، وهو يقولُ: "ولدي عليّ، ولدي عليّ" حتى وصلَ إليهِ، ورمى بنفسهِ عليهِ،
وأخذَ رأسَه فوضعَه في حِجرِهِ، وجعلَ يمسَحُ الدمَ والتراب عن وَجههِ، واعتنقَهُ
واضعاً خَدَّهُ على خَدِّهِ، وهو يقولُ:
"قَتَلَ اللهُ قوماً قتلوكَ يا بُنيَّ، ما أَجرَأَهُمْ على الرحمنِ، وعلى
انتهاكِ حُرْمةِ الرسولِ صلى الله عليه وآله وسلم! على الدّنيا بعدَكَ العَفا يا
بُنيّ! أمَّا أنتَ فقدِ استرحْتَ من الدّنيا وضَيمِهَا، وقد صِرْتَ إلى رَوْحٍ
ورَيحانٍ، وبَقِيَ أبوكَ، وما أسرَعَ لُحوقِهِ بكَ". وانهملَتْ عيناهُ بالدموعِ.
قعد عنده اوشافه امغمّض العين ابـدمه سـابح امترّب الخدين متواصل ضرب والراس نصّين حنه ظهره على ابنيّه او تحسر
|
الصفحة (54)
يـبويه كول منهو الضرب راسك يـنور الـعين مـن خمّد انفاسك يـعقلي من نهب درعك اوطاسك يـروحي اشـلون أشوفنّك امطبّر يـبويه مـن عدل راسك ورجليك او من غمّض عيونك واسبل ايديك ينور العين كل سيف الوصل ليك قـطع قـلبي او لعند احشاي سدّر
|
وطلَبَ إلى فِتيانِهِ منْ بني هاشمٍ وقالَ لهُم: "احْمِلُوا أخاكُم".
فحملُوهُ منْ مَصْرَعِهِ، وجاؤوا بهِ إلى الفُسطاطِ الذي يُقاتِلُونَ أمامَه،
فخرجَتْ زينبُ بِنْتُ عليٍّ عليها السلام مُسْرِعةً وخلفَها النساءُ والأطفالُ،
وهِيَ تُنادِي: "يا حبيباه، ويابن أُخَيَّاه".
فجاءَتْ وانكبَّتْ عليهِ، فبكَى الحسين ُ عليه السلام رَحْمةً لبكائِها، وقالَ:
"إنَّا للهِ وإنَّا إليهِ راجعونَ...".
وقامَ وأخذَ بيَدِها وردَّها إلى الفُسطاط.
الصفحة (55)
مقاتل آل عقيل
وخرجَ من بعدهِ عبدُ اللهِ بنُ مسلمِ بنِ عقيلٍ، وأمُّه رُقَيَّةُ الكبرى بنتُ
أميرِ المؤمنينَ عليه السلام وهو يقول:
اليومَ ألقى مُسلماً وهو أبي وعُصبةً بادوا على دينِ النبي
فقتلَ جماعةً بثلاثِ حَملاتٍ، ورماهُ لَعينٌ منَ القومِ بسهمٍ، فاتّقاهُ بيدِه
فسَمّرَها إلى جَبهتهِ، فما استطاعَ أن يُزيلَها، فقالَ: اللهُمَّ إنَّهم
اسْتَقَلّونا واستَذَلّونا، فاقتُلْهم كما قَتَلونا.
وبينما هوَ على هذا إذْ حمَلَ عليه رجلٌ برمحهِ فَطَعَنهُ في قلبِه فماتَ رضوان
الله عليه.
ولمّا قُتِلَ عبدُ اللهِ بنُ مسلمٍ حَملَ آلُ أبي طالبٍ حَملةً واحدةً،
فاعتوَرَهم الناسُ وأحاطوا بهم، فصاحَ الحسينُ عليه السلام: "صَبراً على الموتِ يا
بني عُمومَتي، لا رَأَيتُم هواناً بعدَ هذا اليومِ".
فَجَعلوا يقاتلونَ أشَدَّ القتالِ، فوَقَعَ فيهم عَونُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ
الصفحة (56)
جعفرٍ وأمُّه العَقيلةُ زينبُ عليها السلام وأخوهُ محمّدٌ وأمُّه الخَوْصاءُ
وعبدُ الرحمنِ بنُ عقيلٍ وأخوه جعفرُ بنُ عقيلٍ ومحمّدُ بنُ مسلمِ بنِ عقيلٍ
ومحمّدُ ابنُ أميرِ المؤمنينَ عليه السلام وعبدُ اللهِ الأكبرُ ابنُ عقيلٍ وكانَ
آخرَهم محمّدُ ابنُ أبي سعيدِ ابنِ عقيلٍ.
الصفحة (57)
أولادُ الإمامِ الحسنِ عليهم السلام:
ومَازالَ آلُ أبي طالِبٍ يَتَسَابقونَ إلى القتالِ حتَّى وصَلَتْ النوبةُ إلى
أولادِ الإمامِ الحسنِ عليه السلام وخرجَ عبدُ اللهِ الأكبرُ ابنُ الحسنِ عليه
السلام وأمُّهُ رَمْلةُ، فقاتلَ حتى قُتِلَ. وخرج القاسمِ بنِ الحسنِ عليه السلام
وهوَ غلامٌ لم يَبلُغِ الحُلُمَ، وأمُّهُ رَملةُ أيضاً، فأقبلَ إلى عمِّه الحسينِ
عليه السلام يستأذنُهُ في القتالِ، فنظرَ إليهِ الحسينُ عليه السلام ولم يمْلِكْ
نفسَه دونَ أنْ تَقدَّمَ إليه واعتنقَهُ، وجَعلا يبكيانِ، وأَبى أنْ يأذَنَ له،
فلمْ يزَلِ القاسمُ يتوَسَّلُ إليهِ ويُقبِّلُ يدَيهِ حتى أذِنَ له، فبرزَ إلى
الميَدانِ راجلاً وهو يقولُ:
إنْ تُنْكِرُوني فأنا نجلُ الحسَنْ سِبطِ النبيِّ المصطـفى والمؤتمَنْ
هذا حسينٌ كالأسيرِ المرتهَنْ بينَ أناسٍ لا سُقُوا صَوبَ المُزَنْ
فقاتَلَ مُقاتَلةَ الرجالِ والأبطالِ وقَتَلَ عدداً منَ الأعداءِ،
الصفحة (58)
لكنْ بينما هو يُقاتِلُ انقطَعَ شِسْعُ نَعلهِ اليُسرى، فوَقَفَ لِيَشُدَّهُ
غيرَ مكترثٍ بالقومِ مِن حَولِهِ، فقالَ عَمْرُو بنُ سعدِ بنُ نفيل ٍ الأَزْديّ:
واللهِ لأَشُدَّنَّ عليهِ، فمَا ولّى حتى ضربَ رأسَ القاسمِ بالسيفِ فَفَلَقَهُ،
فوقعَ لوجههِ وصاحَ: يا عَمّاه!!
فأتاهُ الحسينُ عليه السلام مسرعاً، وقَتَلَ قاتلَه، ثمَّّ وقفَ عندَ رأسِ
القاسمِ وهُوَ يَفْحَصُ بِرِجْلَيْه فقالَ: "يعِزُّ واللهِ على عمِّكَ أنْ تدعُوَهُ
فلا يجيبُكَ، أو يجيبُكَ فلا يُعينُكَ، أو يعينُكَ فلا يُغني عنكَ، بُعداً لقومٍ
قتلوكَ، هذا يَومٌ كَثُرَ واتِرُهُ وقلَّ ناصِرُه".
بكى او ناداه يجاسم اشبيدي يريت السيف قبلك حزّ وريدي
هان الكم تخلوني اوحيدي وعلى اخيمّي يعمّي الخيل تفتر
ثمَّّ احتَمَلهُ وكانَ صدرُهُ على صَدرِ الحسينِ عليه السلام ورِجلاهُ يخُطَّانِ
في الأرضِ، فجاءَ بهِ إلى الخيمةِ ومدَّدَهُ معَ وَلدهِ عليٍّ الأكبرِ والقتلى منْ
أهلِ بيتهِ.
الصفحة (59)
جـابه وامـدده مـا بين اخوته بـكى عـدهم يويلي وهم موته بـس ما سمعن النسوان صوته إجـت امّـه تـصيح الله أكبر أنا ردتك ما ردت دنيه ولا مال تحضرني لو وقع حملي ولا مال يـجاسم خابت اظنوني والآمال وقـت الضيق يبني اقطعت بيّه
|
إخوةُ العبـَّاسِ عليهم السلام:
ولمّا رأى العبَّاسُ بنُ عليٍّ عليه السلام كَثرةَ القتلى في أهلِ بيتهِ، قالَ
لإخْوَتهِ الثلاثةِ من أمِّهِ (أمِّ البنينَ) وأبيهِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلام
وَهُم عبدُ اللهِ وعُثمَانُ وجعفرٌ: "تقدَّمُوا يا بَني أمِّي حتى أراكم قدْ
نَصَحتم للهِ ولرسولهِ فإنَّه لا وَلَدَ لكم".
فقاتَلوا بينَ يدَي أبي الفضلِ وأَبلَوْا بلاءً حَسناً حتى قُتلوا بأجمعِهم.
ـــــــــــــــ
14- آل عمران:33-34.
|