الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

خطبة الإمام الحسين عليه السلام الثانية:

ثمََّّّ إنَّ الحسينَ عليه السلام رَكِبَ فَرسَهُ وأخذَ مِصْحفاً ونَشَرَه على رأسِه، وتقدَّمَ نحو القَومِ، فاستَنصَتَهم، فأنصَتُوا، فَحَمِدَ اللهَ وأثنى عليهِ، وصلّى على النبيِّ محمّدٍ وآلهِ وعلى الملائكةِ والأنبياءِ والرُّسُلِ، وأبلغَ في المَقالِ ثمََّّّ قالَ: "يا قومُ، إنّ بيني وبينَكُم كتابَ الله وسنَّةَ جدّي رسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم أُنْشِدُكُمُ اللهَ هل تعرِفونني"؟ قالوا: اللهُمَّ نَعَم. قالَ عليه السلام: "فَبِمَ تستحِلُّونَ دَمي، وأبي الذائِدُ عنِ الحَوضِ، يذودُ عنهُ رجالاً كما يُذادُ البَعيرُ الصادِرُ عنِ الماءِ، ولِواءُ الحمدِ في يدِ أبي يومَ القيامةِ".

قالوا: قد علِمنا ذلك كلَّهُ، ونحن غيرُ تارِكيك حتى تذوقَ الموتَ عطَشاً.

وتقدَّمَ الحسينُ عليه السلام ورأَى صفوفَهُم كالسَّيْلِ فخَطَبَ فقالَ:


الصفحة (23)

"تَبّاً لكم أيّتُها الجماعةُ وتَرَحاً، أَحِينَ اسْتَصْرَختُمُونا والِهينَ فأَصْرَخناكُم مُوْجِفين، سَللتُم عَلينا سَيفاً لنا في أَيْمانِكم، وحَشَشْتُم علينا ناراً اقْتَدَحْناها على عدوِّنا وعدوِّكُم، فأصبحتُم إلْباً لأعدائِكُم على أوليائِكُم، ويَداً عليهم لأعدائِكم، بغيرِ عَدلٍ أفشَوْهُ فيكُم، ولا أمَلٍ أصبحَ لكُم فيهم، إلَّا الحرامَ من الدّنيا أَنَالُوْكُم وخَسِيسَ عَيْشٍ طَمِعْتُم فيهِ، من غيرِ حَدَثٍ كانَ منّا، ولا رأيٍ تَفيَّل لَكُم، فهَلاَّ لكُمُ الوَيلاتُ إذْ كَرِهتُمونا، تركْتُمونا، والسيفُ مَشِيْمٌ، والجأشُ طامِنٌ، والرأيُ لَمَّا يُستَحْصَفْ، ولكنْ أسرعتُم إليها كََطَيْرَةِ الدُّبَى، وتهافتُّم عليها كتَهافُتِ الفَرَاشِ، ثمَّّ‏ نَقَضْتُموها، فسُحقاً لكُم يا عَبيدَ الأُمَّةِ، وشُذَّاذَ الأحزابِ، ونَبَذَةَ الكِتابِ، ومُحرِّفي الكَلِمِ، ونَفْثَةَ الشيطانِ، وعُصْبَةَ الآثامِ، ومُطفِئي السُّننِ، وقَتَلةَ أولادِ الأنبياءِ، ومُبيرِي عِترةِ الأوصياءِ، ومُلحِقي العَهَارِ بالنَّسَبِ، ومؤذِي المؤمنينَ، وصُرَّاخَ


الصفحة (24)

أئمةِ المستهزئينَ، ﴿الَّذينَ جَعَلوا القرآنَ عِضِينَ﴾(7), ﴿وَلَبِئْسَ ما قدَّمتْ لَهم أنفسُهُم أن سخط الله عليهم وفي العذابِ هُم خالدُون﴾(8). وأنتُمُ ابنَ حَربٍ وأشياعَهُ تَعْتَمِدُونَ، وعنّا تتخاذَلُونَ. أجَلْ واللهِ غَدْرٌ فيكُم قَديمٌ، وَشَجَتْ عَليهِ أصولُكُم، وتأزَّرَتْ عليه فروعُكم، وثبتَتْ عليهِ قُلوبُكُم، وغَشِيَتْ صدورُكُم، فكنتُم أخبَثَ ثَمَرٍ، شَجىً للناظرِ، وأُكْلَةً للغاصِبِ. ألَا لعنةُ اللهِ على الناكِثينَ، الذينَ ينقضُونَ الأَيْمانَ بعدَ توكيدِهَا، وقد جعلتُمُ اللهَ عَليكُم كَفيلاً، فأنتم وَاللهِ هُمْ. ألَا وإنّ الدَعِيَّ ابنَ الدَعِيِّ قدْ رَكَزَ بينَ اثنَتَينِ: بينَ السِّلَّةِ والذِّلَّةِ، وهيهاتَ منّا الذِّلَّةُ، يأبَى اللهُ لنا ذلكَ ورَسُولُهُ والمؤمِنونَ، وحُجورٌ طابَتْ وطَهُرتْ، وأُنُوفٌ حَمِيَّةٌ ونُفُوسٌ أبِيَّةٌ مِنْ أنْ نُؤْثِرَ طاعَةَ اللِّئامِ على مصارِعِ الكِرَامِ. ألَا وَقَدْ أُعْذِرتُ وأَنْذَرْتُ، ألَا وإنِّي زاحِفٌ بهذِهِ الأُسرةِ على قلَّةِ العَدَدِ، وكَثرةِ العدُوِّ، وخِذلانِ الناصرِ".


الصفحة (25)

ثمَّّ قال عليه السلام: "أمَا واللهِ، لا تلبَثونَ بعدَها إلَّا كَرَيثَما يُركَبُ الفَرَسُ، حتى تدورَ بِكُم دَوَرانَ الرَّحى، وتقلقَ بِكم قَلقَ المِحْوَرِ، عهدٌ عَهِدَهُ إليَّ أبي عن جدّي رسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم ﴿فأَجْمِعُوا أمرَكُمْ وشركاءَكُمْ ثمَّّ لا يكُنْ أمرُكُمْ عليكم غُمَّةً ثمَّّ‏ اقْضوا إليَّ ولا تُنْظِرُونِ﴾(9)، ﴿إنّي توكَّلْتُ على اللهِ ربِّي ورَبِّكُمْ ما من دابةٍ إلَّا هو آخذٌ بناصيتِها إنَّ‏ رَبِّي على صراطٍ مستقيمٍ﴾(10).

ثمَّّ رفعَ يدَيهِ إلى السماءِ وقالَ: "اللهمَََّّّ احبِسْ عنهم قَطْرَ السماءِ، وابعثْ عليهم سنينَ كسِنيِّ‏ يوسُفَ، وسلِّطْ عليهم غُلامَ ثقيفٍ يسقيهم كأساً مُصَبّرةً، فإنَّهم كذَّبونا وخَذَلونا، وأنت ربُّنا عليكَ توكَّلنا وإليكَ أَنَبْنَا وإليك المصيرُ".

واستدعى الحسينُ عليه السلام عُمرَ بنَ سَعدٍ وكانَ كارِهاً لا يُحبُّ أنْ يأتيَهُ فلمّا حضرَ قالَ لهُ: "أَيْ عُمَرَ، أتزعَمُ أنّكَ تقتُلُنِي ويُوَلِّيكَ الدعيّ‏ُّ ابنُ الدعيِّ بلادَ الرَّيِّ وجُرجانَ؟ واللهِ لا تهنأُ بذلكَ أبَداً،


الصفحة (26)

عهدٌ مَعهودٌ، فاصنعْ ما أنتَ صانعٌ، فإنَّكَ لا تَفرحُ بعدي بِدُنياً ولا آخرةٍ، وكأنِّي برأسِكَ على قَصَبةٍ قد نُصِبَ بالكوفةِ، يتراماه الصِبيانُ ويتّخذونَهُ غَرَضاً بينهم". فغضِبَ ابنُ سعدٍ من كلامهِ، وصَرفَ وجهَهُ عنهُ، ثمَّّ نادى بأصحابهِ: ما تنتظرونَ به، إحملوا بأجمعِكم، إنّما هيَ أَكلةٌ واحدةٌ. ثمَّّ أخذَ الحسينُ عليه السلام يُنادي:

"أَمَا مِنْ مُغيثٍ يغيثُنا لوجهِ اللهِ، أَمَا مِنْ ذابّ‏ٍٍٍ يذُبُّ‏ عن حُرَمِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم".


الصفحة (27)

موقف الحرّ الرياحيّ:

ولَمَّا رأى الحرُّ بْنُ يزيدَ الرياحيُ أنّ القومَ مصمِّمونَ على قتالِ الحسينِ عليه السلام وسمعَ استغاثتَه، أقبلَ على ابنِ سعدٍ وقالَ لهُ: أَمُقاتِلٌ أنتَ هذا الرجل؟

قالَ: إي واللهِ، قِتالاً أيْسَرُهُ أنْ تَسقُطَ فيهِ الرؤوسُ وتطيحَ الأيدي.

قالَ الحرُّ: أمَا لكم في واحدةٍ من الخِصالِ التي عَرَضَها عليكم رِضىً؟

قالَ ابنُ سعدٍ: لو كانَ الأمرُ إليَّ لَفَعلتُ، ولكنَّ أميرَكَ قد أبى ذلكَ. فتَرَكَهُ، وأقبلَ حتى وقفَ معَ الناس.

وأخذَ الحرُّ يدنو منِ الحسينِ عليه السلام قليلاً قليلاً، فقالَ له المهاجرُ بنُ أوسٍ: أتريدُ أن تحمِلَ؟ فسكتَ، وأخذَتْه مثلُ الرَعْدة!


الصفحة (28)

فقالَ له المهاجرُ: واللهِ إنّ أمرَك لَمُريبٌ، واللهِ ما رأيتُ منكَ في موقفٍ قَطُّ مثلَ ما أراه الآنَ، وَلَو قيلَ لي: مَن أشجعُ أهلِ الكوفةِ لَمَا عَدَوْتُكَ، فما هذا الذي أرى منك؟

فقالَ له الحرُّ: إنّي واللهِ أُخيّرُ نفسي بينَ الجنّةِ والنّارِ، ولا أختارُ على الجنَّة شيئاً، وَلَو قُطِّعتُ وحُرِّقت.

ثمَّّ ضربَ جوادَه، وأقبلَ نحوَ الحسينِ عليه السلام واضعاً يدَه على رأسهِ، مُنكِّساً رُمحَه، قالباً تِرْسَه، وقد طَأطأَ برأسهِ حَياءً من آلِ الرسولِ صلى الله عليه وآله وسلم رافعاً صوتَه بقولهِ: اللهُمَّ إليك أُنيبُ، فتُبْ عليَّ، فقد أرعبْتُ قلوبَ أوليائكَ وأولادِ بنتِ نبيِّك.

ثمَّّ سلَّمَ على الحسينِ عليه السلام وقالَ لهُ: "جَعَلنِيَ اللهُ فِداكَ يا ابنَ رسولِ اللهِ، أنا صاحِبُكَ الذي حبَسْتُكَ عنِ الرجوعِ وسايَرْتُكَ في الطريقِ، وجعْجَعْتُ بكَ في هذا المكانِ. واللهِ الذي لا إلهَ إلَّا هوَ، ما ظننْتُ أنَّ القومَ يَرُدُّونَ عليكَ ما عرَضْتَ عليهِمْ أبداً ولا يبلُغُونَ منكَ هذهِ المَنْزِلةَ. فقلْتُ في نفسي: لا أبالي أنْ أُطِيعَ القومَ في بعضِ أمرِهِم ولا يَرَوْنَ أنِّي خرَجْتُ منْ طاعتِهِم. وأمَّا


الصفحة (29)

هُمْ فسيَقْبَلُونَ منْ حُسينٍ هذهِ الخِصالَ التي يَعْرِضُ عليهِم، وَوَاللهِ، لوْ ظنَنْتُ أنَّهُمْ لا يقبَلُونَها مِنكَ ما رَكِبْتُها مِنكَ، وإنّي قدْ جئتُكَ تائباً ممَّا كانَ منِّي إلى ربّي، ومُواسِياً لكَ بنفسي حتَّى أموتَ بينَ يديْكَ، أفترَى ذلكَ لي توبةً؟".

قال عليه السلام: "نعَمْ يَتُوبُ اللهُ عليكَ ويغَفِرُ لكَ.."، "..إنزِلْ".

قالَ: "أنا لكَ فارِساً خيرٌ مِنِّي راجلاً، أقاتِلُهُمْ على فرَسي ساعةً وإلى النُزولِ يَصِيرُ آخرُ أمري".

قالَ الحسينُ عليه السلام: "فاصنَعْ - يرْحَمُكَ الله - ما بَدا لكَ".

فاستقدَمَ أمامَ أصحابِهِ ثُمَّ قالَ: "يا أهلَ الكوفةِ، لأُمِّكُمُ الهَبَلُ والعِبَرُ إذْ دعَوْتُموهُ حتَّى إذا أتاكُمْ أسْلَمتُمُوهُ، وزعَمْتُمْ أنَّكُمْ قاتلُو أنفسِكُم دونَهُ ثُمَّ عَدَوْتُم عليهِ لِتَقْتلُوه. أَمسكتُمْ بنفسِهِ، وأخذْتُمْ بكَظْمِهِ، وأحطْتُمْ بهِ منْ كلِّ جانبٍ فمنَعْتُمُوهُ التوجُّهَ في بلادِ اللهِ العَريضةِ حتَّى يأْمَنَ ويأمنَ أهَلُ بيتِهِ، وأصبحَ في أيديكُمْ كالأسيرِ لا يَمْلِكُ لنفسِهِ نَفْعاً ولا يَدْفَعُ عنْها ضَرَّاً، وحَلأْتُموهُ ونساءَهُ وصِبْيَتَهُ وأصحابَهُ عنْ ماءِ الفُراتِ الجاري (...)، وها


الصفحة (30)

هُم قد صَرَعَهُمُ العطَشُ، بِئْسَما خَلَّفْتُمْ مُحمَّداً في ذريَّتِهِ، لا سَقاكُمُ اللهُ يومَ الظَمَأ إنْ لم تتُوبوا وتَنْزِعُوا عمَّا أنتُمْ عليهِ مِنْ يومِكُم هذا في ساعتِكُمْ هذِهِ".

فحمَلَتْ عليهِ رَجَّالةٌ لهُم ترميهِ بالنَّبْلِ، فتقهقرَ حتَّى وقَفَ أمامَ الحسينِ عليه السلام.

ـــــــــــــــ
7- الحجر: 91.
8- المائدة:80.
9- يونس:71.
10- هود:56.
الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة