الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  
"قد ضاقَ صَدْري وسئِمْتُ منَ الحياةِ، وأريدُ أنْ أطلُبَ ثأري من هؤلاءِ المُنافقِين".

فقالَ الحسينُ عليه السلام:
"فاطلُبْ لهؤلاءِ الأطفالِ قليلاً منَ الماء".

فذهَبَ العباسُ عليه السلام إلى عسكَرِ عُمَرَ بنِ سعدٍ ووعَظَهُم وحذَّرَهُم فلم ينفعْهُم، فرجَعَ إلى أخيهِ فأخبرَه، (وسمعَ أبو الفضلِ عليه السلام الأطفالَ ينادُون:
"العطَشَ العطشَ". فخرَجَ يطلُبُ الماءَ ليوصِلَهُ إليهِم).

وركِبَ فرَسَهُ وأخذَ رمحَهُ وسيفَهُ والقِربةَ، فأحاطَ بهِ الذينَ كانوا مُوكَلِينَ بالفُراتِ، وأخَذُوا يرْمُونَهُ بالنَّبالِ، فلَمْ يعبَأ بجَمْعِهِم، ولا راعتْهُ كثْرَتُهُم. فكشَفَهُم عن وجهِهِ، ودخَلَ الفراتَ مطمئنّاً غيرَ هيَّاب لذلكَ الجَمْعِ الغفير.

ثُمَّ اغتَرفَ منَ الماءِ غُرْفةً وأدناها من فمِهِ ليشرَبَ، فتذكَّرَ عطَشَ أخيهِ الحسينِ عليه السلام وعَطاشى أهلِ بيتِهِ وأطفالِهِ عليهم السلام، فرمى الماءَ مِنْ يدِهِ وقال:

يا نفسُ من بعدِ الحسينِ هوني      وبعدَهُ لا كنتِ أن تكوني
هذا حسينٌ وارِدُ المَنُونِ           وتشربينَ بارِدَ المعِينِ


الصفحة (52)

تاللهِ ما هذا فِعَالُ ديني        ولا فِعَالُ صادقِ اليقين

اشلون اشرب واخوي احسين عطشان    وسكنه والحرم واطفال رضعان
اظن قلب العليل التهب نيران       يريت الماي بعده لا حلى او مرّ

ثُمَّ ملأَ القِرْبةَ وحمَلَها على كتِفِهِ اليُمنى، وركِبَ جوادَهُ، وتوجَّهَ نحوَ الخِيامِ مُسْرِعاً ليوصِلَ الماءَ إلى عَطاشى أهلِ البَيْتِ عليهم السلام، فأخذُوا عليهِ الطريقَ، وتكاثَرُوا عليهِ وأحاطُوا بهِ من كلِّ جانب.

فجَعَلَ يَصُولُ في أوساطِهِم ويضرِبُ فيهِمْ بسيفِهِ، فحمَلُوا عليهِ وحمَلَ هوَ عليهِم [ففرَّقَهُم] وأخذُوا يَهْرُبونَ من بينِ يدَيْهِ، فكَمَنَ لهُ زيدُ بنُ الرقَّادِ الجهينيُّ مِنْ وَراءِ نخلةٍ فضرَبَهُ على يمينِهِ بالسيفِ فبَراها.

فأخذَ العبّاسُ السيفَ بشِمالِهِ، وضَمَّ اللّواءَ إلى صدرِهِ، وحمَلَ القِربةَ على كتِفِهِ اليُسرى، وحمَلَ عليهِم وهُوَ يرتجِز:

واللهِ إنْ قطعْتُمُ يميني      إنّي أحامي أبداً عن ديني
وعن إمامٍ صادقِ اليقين    نجلِ النبيِّ الطاهرِ الأمين

وقاتَلَ حتّى ضعُفَ عنِ القِتالِ، فضرَبَهُ حكيمُ بنُ الطُفَيْلِ على شِمالِهِ فقطَعَها منَ الزَّند، فوقَعَ السيفُ منْ يدِ العبّاسِ، وأخذَ القِربَة بأسنانِهِ، وقالَ عليه السلام:


الصفحة (53)

يا نفسُ لا تخشَيْ منَ الكفّارِ       وأبْشِرِي برحمةِ الجبار
مــعَ النبيِّ السيِّدِ المختار     قد قطعوا ببَغْيِهِم يساري
فأصـْلِهِم يـا ربِّ حـرَّ النـار

وجعَلَ يسرِعُ لعلَّهُ يوصِلُ الماءَ إلى المخيَّم. فلمّا نظرَ ابْنُ سعدٍ إلى شدّةِ اهتمامِ العباسِ عليه السلام بالقِربةِ صاحَ بالقومِ: ويلَكُم، أُرْشُقُوا القِربةَ بالنَّبْلِ، فَوَاللهِ، إنْ شرِبَ الحسينُ من هذا الماءِ أفناكُم عنْ آخرِكُم.

فقطَعُوا عليهِ طريقَهُ، وازدحَمُوا عليهِ، وأتتْهُ السِّهامُ كالمطرِ من كلِّ جانِبٍ، فأصابَ القِرْبةَ سهمٌ فأُريقَ ماؤُها، وجاءَ سهْمٌ فأصابَ صدرَهُ، وسهمٌ آخرُ أصابَ إحدى عينيْهِ، فأطْفَأها، وجمَدَتِ الدِّماءُ على عينِهِ الأخرى، فلم يُبْصِرْ بها [فضرَبَهُ ملعونٌ بعَمُودٍ من حديد].

أيها الموالي: الفارس عندما يقع إلى الأرض يتلقى الأرض بيديه، لكن إذا كانت يداه مقطوعتان والسهام في صدره فبأي حال يقع إلى الأرض.!!

فانقلَبَ عن ظَهْرِ فرسِهِ وخرَّ إلى الأرضِ صريعاً،فهجم عليه القومُ بأسيافِهِم، فنادَى برفيعِ الصوت:


الصفحة (54)

"أخي أبا عبدِ اللهِ، عليكَ منِّي السلام".

فأدركَهُ الحسينُ عليه السلام وبهِ رمَقٌ منَ الحياةِ، فلمّا رآهُ الحسينُ عليه السلام [صريعاً] على شطِّ الفراتِ بكى [بكاءً شديداً]، فأخذَ رأسَهُ الشريفَ ووضَعَهُ في حِجْرِهِ، وجعَلَ يمسَحُ الدَّمَ والتّرابَ عنهُ، ثُمَّ بكى بكاءً عالياً، قائلاً: "ألآنَ انكسَرَ ظَهْري، وقلَّتْ حيلتي، وشَمِتَ بي عدوِّي".

يخويه انگسر ظهري اول اگدر اگوم    صرت مركز يخويه الكل الهموم
يخويه استوحدوني عگبك القوم        ولا واحد عليّه بعد ينغر

ثُمَّ انحنى عليهِ واعتنَقَهُ، وجَعَل يُقبِّلُ مَوْضِعَ السُيوفِ من وجهِهِ ونَحْرِهِ وصَدْرِه. ثُمَّ فَاضَتْ نَفْسُ العبَّاسِ المُقَدَّسَةُ ورأسُه في حِجْرِ أَخيه..
واعبَّاساه... واسيِّداه...

وقد ترَكَ الحسينُ عليه السلام أخاهُ العبَّاسَ في مَكانِهِ، وقامَ عنْهُ بعدَ أنْ فاضَتْ نفسُهُ الزكيَّةُ، ولمْ يحمِلْهُ إلى الفُسطاطِ الذي كانَ يَحْمِلُ القَتْلى من أهلِ بيتِهِ وأصحابِهِ إليه.

يخويه احسين خليني ابمكاني       يگله ليش يا زهرة زماني
يگله واعدت سكنه تراني      ابماي اومستحي منها امن اسدر

وعادَ إلى المخيَّمِ فاجتمعَتِ النِّساءُ حولَهُ وجعلْنَ يَبْكِينَ العباسَ عليه السلام ويندُبْنَهُ، والحسينُ عليه السلام يبكي مَعهُنّ..


الصفحة (55)

شَهادةُ الإِمام الحُسين عليه السلام:

ولما بَقِيَ الحُسَينُ عليه السلام وَحيدَاً فَرِيدَاً قَدْ قُتِلَ جَميعُ أَصحابِه وأَهلُ بَيتِه، وَرآهُم عَلى وجهِ الأَرضِ مُجزّرينَ كَالأضَاحِي، وَلم يَجِدْ أَحَدَاً يَنْصُره وَيذبّ عَن حَريمِه، وَهو إِذْ ذَاك يَسمعُ عَويلَ العيالِ وصُراخَ الأطفَال.

عندَ ذلك نَادَى بِأعلَى صَوتِه: "هَل مِنْ ذَابٍ عَن حُرمِ رَسُولِ الله، هَل مِن مُوحّدٍ يَخافُ اللهَ فِينا؟ هَل مِن مُغيثٍ يَرجُو اللهَ في إِغَاثَتِنا".

فارتَفعتْ أَصواتُ النّساء بِالبُكاءِ وَالعَويْل.

الوَداعُ الأَول:

ولمَّا عَزمَ الحُسين عليه السلام عَلَى مُلاقاةِ الحُتُوف، جَاءَ وَوَقَفَ بِبَابِ خَيمةِ النّساء مُودّعاً لحُرمه مُخَدَّراتِ الرِّسَالة وَعَقائِل النُبوَّة، وَنَادَى:
"يَا زَينب، ويَا أُمّ كُلثوم، ويَا فَاطِمة، ويَا سُكينة، عَليكنّ مِنّي السَّلام".

فَنَادته سُكينة: يَا أَبَه، أستسلمتَ للِموت؟

فَقَال: كيفَ لا يستسلمُ لِلموت مَن لا نَاصرَ لَه ولا مُعين؟

فَقَالت: رُدَّنا إِلى حَرمِ جَدّنَا رَسُولِ الله.

فَبَكَى الحُسَينُ عليه السلام بُكاءً شَدِيدَاً، وَقال: هَيهَات!! لَو تُرك القَطا لَغَفَا وَنَام..


الصفحة (56)

فَرفَعت سُكينةُ صَوتَها باِلبُكاءِ وَالنّحِيب، فَضَمَّها الحُسَين عليه السلام إِلى صَدرِه، وَمَسَحَ دُمُوعَها بِكَمّه، وَكَانَ يُحبُّها حُبّاً شَدِيدَاً، وَجَعَلَ يقولُ:

 سَيطولُ بُعدي يَا سُكينةُ فَاعلَمِي      مِـنكِ  البُكاءُ إِذَا الحِمَامُ  دَهَانِي
 لا تُـحرقِي قَلبِي بِدَمعِكِ  حَسرَةً      مَا  دَامَ مِنّي الروحُ فِي  جُثمَانِي
 فَـإِذَا قُـتِلتُ فَأَنتِ أَولَى  بِالَّذِي      تَـأتِينَه يَـا خِـيرةَ  الـنسوانِ

وّنَهَضَ عَليُّ بنُ الحُسَين زينُ العَابدين عليه السلام وَخَرَجَ يتوكَّأُ عَلَى عَصَاً وَيَجُرُّ سَيفَه، إِذْ لا يَقدِرُ عَلَى حَملِهِ لأنَّه كَانَ مَريضَاً لا يستطيعُ الحَرَكة.

فَصَاحَ الحُسَينُ عليه السلام بأمِّ كُلثوم: اِحبسيه يَا أُختَاه، لِئَلا تَبقَى الأرضُ خَاليةً مِن نَسلِ آلِ مُحمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم.

فَقَالَ زينُ العَابدين: يَا عَمَّتَاهُ، ذرينِي أُقَاتِل بَينَ يَدَي بنَ رَسُولِ الله.

فَأَخَذت أُمُّ كُلثوم تُمانِعُه، وتُنادِي خَلفه: يا بُنيَّ ارجِع، حتَّى أَرجَعتهُ إِلى فِراشِه.


الصفحة (57)

مصرعُ عبدِ اللهِ الرَّضيع:

ثمَّ تَقَدَّم عليه السلام إِلى بَابِ الخَيمة، وَدَعَا بِابنِه عَبدِ اللهِ الرَّضيع لِيودّعه، فأَجلَسَه فِي حِجرِه، وَأَخذَ يقبِّلُهُ وَيقُولُ:
"وَيلٌ لِهَؤُلاءِ القَومِ إِذَا كَانَ جَدُّكَ المُصطَفَى خَصمَهُم".

وفي بَعضِ المَقَاتِل: "ثمَّ أَتَى بِهِ نحوَ القومِ يطلبُ لهُ المَاءَ، وقالَ: إنْ لَمْ تَرحمونِي فارحَمُوا هَذَا الطفل".

فَرَمَاه حَرملَةُ بنُ كاهلِ الأَسَدي بسهمٍ فَذَبَحَهُ- وَهُوَ فِي حِجرِ أَبيه- فَتَلقَّّى الحُسَينُ عليه السلام الدَّمَ بِكَفّه، وَرَمَى بِهِ نَحوَ السَّماء.

فَعَنِ الإِمَامِ البَاقِرِ عليه السلام أَنَّه لَمْ يَسقُط مِن ذَلِكَ الدَّم قَطرةٌ إِلى الأَرض.

وَعن الإِمامِ الحُجّة- كَمَا فِي الزّيارةِ المَنسوبةِ إِلى النّاحيةِ المقدّسة-: "السَّلامُ عَلَى عبدِ اللهِ بنِ الحُسَينِ الطّفلِ الرَّضيعِ، المَرمِيِّ الصَّريعِ، المتُشحِّطِ دَمَاًًََ، المُصعّدِ دَمُهُ فِي السَّماءِ، المَذبوحِ بِالسّهمِ فِي حِجرِ أَبيه..".

ثمَّ قَالَ الحُسَينُ عليه السلام: "هَوَّنَ مَا نَزَلَ بِي أَنَّه بِعينِ الله، اللهمَّ لا يَكُن أَهونَ عَلَيكَ مِن فصيل[ناقة صالح]، اللهمَّ إِنْ كُنتَ حَبَستَ عَنَّا النَّصرَ فاجعلهُ لِمَا هُوَ خيرٌ مِنه، وَانتقِم لَنَا مِن الظَّالِمين..".


الصفحة (58)

ثمَّ نَزَلَ عليه السلام عَن فَرَسِه، وَحَفَرَ لَه بِجِفنِ سَيفِه، وَصَلَّى عَلَيه وَدَفَنَه مُرَمّلاً بِدَمِه. وَيُقال: وَضَعَه مَعَ القَتلى مِن أَهلِ بَيتِه.

يا ناس حتى الطفل مذبوح    دمه على زند حسين مسفوح
وين اليساعدني ويجي ينوح     قلبي على فرگاه مجروح


الصفحة (59)

الوداع الثاني:

ثمَّ إِنَّه عليه السلام أَمَرَ عِيَالَه بِالسُّكوتِ، وَوَدَّعَهم ثَانِياً..

ثمَّ تَقَدَّمَ عليه السلام نَحوَ القَومِ مُصلتاً سَيفَه، عَازِمَاً عَلَى الشَّهادَة، فَدَعَا النَّاسَ إِلَى البِرَازِ، فَلَم يَزَلْ يَقتلُ كلَّ مَن بَرَزَ إِليه حَتَّى قَتَلَ جَمعاً كَثيرَاً.

ثمّ حَمَل عَلَى المَيمَنَةِ، وَهَوَ يقول:

المَوتُ أَولَى مِنْ رُكُوبِ العَارِ      وَالعَارُ أَولَى مِنْ دُخُولِ النَّارِ

ثمَّ حَمَلَ عَلَى المَيسَرةِ، وَهَوَ يَقول:

أَنَا الحُسَينَ بنُ عَلي       آليتُ أَنْ لا أَنثنِي
أَحمِي عِيالاتِ أَبِي     أَمضِي عَلَى دِينِ النَّبِيّ

قَالَ بعضُ مَن حَضَرَ المعرَكَة: "فَوَاللهِ مَا رأيتُ مَكثورَاً قَطّ، قَد قُتلَ وُلدُه وَأهلُ بيتِه وَصحبُه أَربطَ جَأْشَاًً مِنه، وَلا أَمضَى جِنَانَاً وَلا أَجْرأَ مَقدَمَاً، وَلَم أَرَ قبلَه وَلا بَعدَه مثلَه، وَلقد كَانت الرِّجالُ لَتَشدُّ عَلَيه، فَيشدُّ عَلَيها، فَتَنكشفُ بينَ يَديه...".

ولَقَد كَانَ يَحملُ فِيهِم، وَقَد تَكامَلَوا ثَلاثِينَ أَلفَاً، فَينهزِمونَ بينَ يَديه كَأنَّهم الجَرَادُ المنتشرُ، وَلَم يثبتْ لَه أَحَدٌ، ثمَّ يَرجعُ إِلى مَركَزِه وَهَوَ يقولُ: "لاحولَ وَلا قوّةَ إِلا بِاللهِ العَلِيِّ العَظيم"، حتَّى قَتَل مِنهم مَقَتلةً عَظِيمَة.

فَقَصَدَهُ القومُ واشتدَّ القِتَالُ، وجَعَلَ يحمِلُ عليهم ويحملونَ عليهِ،


الصفحة (60)

وقَدْ اشتدَّ بهِ العطَشُ، وكلَّمَا حمَلَ بفرسِهِ على الفراتِ حملوا عليهِ حتى أجلّوه عنه.

ودنَا من الفراتِ- ثانياً- فرمَاه الحُصينُ بنُ نُمَير بسهمٍ وقعَ في فمِهِ الشريفِ، فجعَلَ يتلقّى الدمَ مِن فمِهِ، ويرمي بهِ نحوَ السماءِ.

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة