إنَّ حسيناً أحدُ السبطَيْنِ
من عِترةِ البرِّ التقيِّ الزَّيْنِ
أضرِبُكُمْ ولا أرى من شَيْنِ يا ليتَ نفسي قُسِمَتْ نصفَيْنِ
ثُمَّ برَزَ وقاتلَ قتالاً شديداً حتى استُشْهِد.
فقالَ الحسينُ عليه السلام: "لا يُبْعِدَنَّكَ اللهُ يا زهير، ولعَنَ اللهُ
قاتلِيك!".
ثم برَزَ بُريرُ بنُ خضيرٍ الهَمَدانيُّ إلى الميدانِ وهوَ يقول:
"اقترِبوا منِّي يا قتَلَةَ المؤمنين، إِقترِبُوا منِّي يا قتلَةَ أولادِ
البدْريّين، اقتربُوا منّي يا قتلَةَ أولادِ رسولِ ربِّ العالمينَ وذُرّيَّتِهِ
الباقين".
فقاتلَ حتّى استُشْهِدَ رضوانُ اللهِ عليه.
واشتدَّ القتالُ والتحمَ وكثُرَ القتلُ والجراحُ في أصحابِ أبي عبدِ اللهِ
الحسينِ عليه السلام.
وتقدَّمَ حنظلةُ بنُ أسعدَ الشَّبامِيُّ بينَ يدَي الحسينِ عليه السلام فنادى
أهلَ الكوفة:
"يا قومُ، إنّي أخافُ عليكُمْ مثلَ يومِ الأحزاب. يا قومُ، إنّي أخافُ عليكُمْ يومَ
التناد. يا قومُ، لا تقتلُوا حُسَيْناً فيُسْحِتَكُمُ اللهُ بعذابٍ وقد
الصفحة (42)
خابَ منِ افترَى".
ثمَّ تقدَّمَ فقاتلَ حتَّى قُتِلَ- رحمه الله-.
وتقدَّمَ بعدَهُ شَوْذَبٌ مولى شاكرٍ فقال:
"السلامُ عليكَ يا أبا عبدِ اللهِ ورحمةُ اللهِ وبركاتُه، أستودِعُكَ اللهَ
وأسترْعِيك".
ثمَّ قاتلَ حتى قُتِلَ- رحمه الله-.
ثُمَّ برَزَ إلى الميدانِ عابِسُ بنُ أبي شَبيبٍ الشاكريُّ, فسلَّمَ على الحسينِ
عليه السلام وقال:
"يا أبا عبدِ الله, واللهِ، ما أمسَى على وَجْهِ الأرضِ قريبٌ ولا بعيدٌ أعزُّ
عليَّ ولا أحبُّ إليَّ منك، ولو قدِرْتُ على أنْ أدفعَ عنكَ الضَّيْمَ أو القتلَ
بشيءٍ أعزَّ علَيَّ منْ نفسي ودمِي لَفعَلْت. السلامُ عليكَ يا أبا عبدِ الله،
أشهدُ أنّي على هَداكَ وهدى أبيك".
ثمَّ مضى بالسيفِ نحوَهُم، فقاتلَ حتّى استُشهِد.
بأبي من شَرُوا لقاءَ حسينٍ
بفراقِ النفوسِ والأرواحِ
وقفُوا يَدْرأونَ سُمْرَ العوالي عنهُ
والنَّبْلَ وَقْفَةَ الأشباحِ
فَوَقوْهُ بيضَ الظُّبا بالنحورِ الـ ـبيضِ والنَّبْلَ بالوجوهِ الصبِّاحِ
أدركوا بالحسينِ أكبرَ عيدٍ فغدَوْا في مِنى الطفوفِ
أضاحي
الصفحة (43)
شهادة أهل البيت عليهم السلام
ولمَّا لم يبقَ مع الحسين عليه السلام إلا أهلَ بيتِه عَزَمُوا على الحربِ
ومُلاقاةِ الحتوفِ وأقبلَ بعضُهم يُودِّعُ بَعضَاً:
هذا يشبك ابهذا أويحبه او هذا ابقلب هذا ايحط قلبه
او هذا دمعه الهذا يصبه او هذا يشم خد هذا او يصفر
مصرع عليّ الأكبر عليه السلام
وأوّلُ من تقدَّمَ عليٌّ الأكبرُ بنُ الحسينِ عليه السلام وكانَ مِنْ أصْبَحِ
الناسِ وَجْهاً وأحسنِهِم خُلُقاً فاستأذنَ أباهُ في القِتالِ فأذِنَ لَه، ثُمَّ
نظَرَ إليهِ نظْرةَ آيِسٍ منهُ وأرخى عليه السلام عينَيْهِ وبكَى، محترِقاً قلبُهُ،
مُظْهِراً حزنَهُ إلى اللهِ تعالَى، (ورفَعَ سبَّابتَيْهِ نحوَ السماءِ وقال):
"اللهمَّ اشهَدْ على هؤلاءِ، فقَدْ برَزَ إليهِم أشْبَهُ الناسِ خَلْقاً وخُلُقاً
ومَنْطِقاً برسولِكَ محمَّدِ صلى الله عليه وآله وسلم، وكنّا إذا اشتقْنا إلى رؤيةِ
نبيِّكَ نظَرْنا إليه، اللهمَّ امنعْ عنهم بركاتِ الأرضِ، وفرِّقْهُمْ تفريقاً،
ومزِّقْهُم تمزيقاً، واجعَلْهُم طرائقَ قِدَداً ولا تُرْضِ الولاةَ عنْهُم أبداً،
فإنَّهُم دَعَوْنا لِيَنْصُرُونا فعَدَوْا علينا يُقاتِلُوننا".
وصاحَ عليه السلام بعُمرَ بنِ سعد:
"ما لكَ يا ابنَ سعد، قطَعَ اللهُ رحِمَكَ كما قطَعْتَ رَحِمي، ولم تحفَظْ قرابتي
من رسولِ الله".
الصفحة (44)
ثمَّ رفَعَ الحسينُ عليه السلام صوتَهُ وتلا قولَهُ تعالى:
﴿إنَّ اللهَ اصطفى آدمَ ونوحاً وآلَ إبراهيمَ وآلَ عِمرانَ على العالمينَ ذُرَّيةً
بعضُها منْ بعضٍ واللهُ سميعٌ عليم﴾.
ثُمَّ حمَلَ عليُّ بنُ الحسينِ عليه السلام على القومِ، وهو يقول:
أنا عليُّ بْنُ الحسينِ بْنِ علي
نحنُ وبيتُ اللهِ أوْلى بالنبي
تاللهِ لا يحكُمُ فينا ابنُ الدَّعي
أطعنُكُمْ بالرُّمحِ حتى ينثني
أضرِبُكُمْ بالسيفِ أحمي عن أبي ضرْبَ غُلامٍ هاشميٍّ علوي
فلَمْ يزَلْ يقاتلُ حتَّى ضجَّ الناسُ منْ كَثْرةِ مَنْ قتَلَ منهُم (...).
ثُمَّ رَجَعَ إلى أبيهِ وقدْ أصابتْهُ جراحاتٌ كثيرةٌ فقال:
"يا أبه! ألْعطشُ قد قتَلني وثِقْلُ الحديدِ أجْهَدَني، فهلْ إلى شُربةٍ ماء منْ
سبيلٌ أتقوَّى بها على الأعداء؟".
فبكَى الحسينُ عليه السلام ودفَعَ إليهِ خاتَمَهُ وقال:
"خُذْ هذا الخاتَمَ في فيكَ وارجِعْ إلى قِتالِ عدوِّكَ، فإنّي أرجُو أنَّكَ لا
تُمْسي حتَّى يَسْقِيَكَ جدُّكَ بكأسِهِ الأوفى شَرْبةً لا تظمأُ بعدَها أبداً".
يبويه شربة اميه الكبدي
اتقوى ورد للميدان وحدي
يبويه انفطر قلبي وحق جدي العطش والشمس والميدان
والحر
الصفحة (45)
فرجَعَ إلى موقِفِ النِّزالِ وقاتلَ أعظمَ القِتالِ، فاعترضَهُ مُرَّةُ بْنُ
منقِذٍ فطَعَنهُ فصُرِعَ، واحتواهُ القومُ فأثخَنُوهُ طَعْنَا، فنادى بأعلى صوتِه:
"يا أبتاه! هذا جدِّي رسولُ اللهِ قد سقاني بكأسِهِ الأوفَى شَرْبةً لا أظمأُ
بعدَها أبداً، وهوَ يقولُ لك: العَجَلَ! فإنَّ لكَ كأساً مَذْخورَة".
فصاحَ الحسينُ عليه السلام:
"وا ولداه...".
وأقبل عليه السلام إلى ولدِهِ، وكانَ في طريقِهِ يلهَجُ بذِكْرِهِ ويُكْثِرُ من
قولِه:
"ولدي علِيّ.. ولدي عليّ".
حتَّى وصَلَ إليهِ، فأرخَى رِجلَيْهِ معاً منَ الرِّكابِ، ورمَى بنفسِهِ على
جسَدِ ولدِهِ، وأخَذَ رأسَهُ فوضَعَهُ في حِجْرِهِ، وجعَلَ يمسَحُ الدَّمَ والترابَ
عن وجهِه، وانكَبَّ عليهِ واضِعاً خدَّهُ على خدِّهِ، وجعَلَ يقول:
"قتَلَ اللهُ قوماً قتلُوكَ يا بُنَيّ! ما أجرأَهُم على اللهِ وعلى انتهاكِ حُرمةِ
رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم ".
وانهملَتْ عيناهُ بالدموعِ ثُمَّ قال:
"على الدنيا بعدَكَ العفا".
الصفحة (46)
قـعد عنده اوشافه امغمض العين ابـدمه سـابح امـترّب الـخدين مـتواصل ضرب والراس نصّين حـنه ظهره على ابنيّه او تحسر يـبويه گول منهو الضرب راسك يـنور الـعين مـن خمّد انفاسك يـعقلي من نهب درعك اوطاسك يـروحي اشـلون أشوفنّك امطبّر يـبويه مـن عدل راسك ورجليك او من غمّض عيونك واسبل ايديك ينور العين كل سيف الوصل ليك قـطع قـلبي او لعند احشاي سدّر
|
ثم طلَبَ الحسين عليه السلام من فتيانِهِ منْ بني هاشمٍ وقالَ لهُم:
"احْمِلُوا أخاكُم".
فحملُوهُ منْ مَصْرَعِهِ، وجاؤوا بهِ إلى الفُسطاطِ الذي يُقاتِلُونَ أمامَه.
الصفحة (47)
مقاتل آل عقيل عليهم السلام
ثُمَّ برَزَ أبناءُ عقيلِ بنِ أبي طالِبٍ، وأبناءُ مُسْلمٍ وأبناءُ جعفرِ بنِ
عقيلٍ وجعَلُوا يقاتلونَ قتالاً شديداً والحسينُ عليه السلام يقولُ لهُم:
"صَبْراً على الموتِ يا بَنِي عمومتي، لا رأيتُم هواناً بعدَ هذا اليوم".
فجعلُوا يَسْتَبْسلِونَ في الدِّفاعِ عنِ ابنِ رسولِ اللهِ حتى استُشْهِدُوا
رحِمَهُمُ الله.
وتقدَّمَ القاسمُ بنُ الإمامِ الحسنِ عليه السلام، يستأذُنِ عمَّهُ للقتال ـ
وكأنَّ الإمامَ الحسَنَ عليه السلام أبى إلاَّ أنْ يكونَ حاضراً في كربلاءَ بخمسةٍ
من أولادِهِ، وهوَ القائل: لا يومَ كيومِكَ يا أبا عبدِ الله ـ فخرَجَ القاسمُ
وهُوَ يرتجُزِ ويقول:
إنْ تُنْكِروني فأنا فَرْعُ الحسَن سِبْطِ النبيِّ المصطفى والمؤتمَن
هذا حسينٌ كالأسيرِ المُرْتهَن بينَ أناسٍ لا سُقُوا صَوْبَ المُزُن
وفيما كانَ يجُولُ في المَيْدانِ ويصُولُ، انقطعَ شِسْعُ نعلِهِ، فانحنى
ليُصْلِحَه.
قالَ من شهِدَ الواقعة: فقالَ لي عمرُو بنُ سعدٍ بنِ نفيلٍ الأزْدِيّ: واللهِ،
لأَشُدَّنَّ عليهْ. فقْلُت لهُ: سبحانَ اللهِ، وما تُرِيدُ إلى ذلك؟ يكفيكَ قتلَهُ
الصفحة (48)
هؤلاءِ الذينَ تَراهُم قدِ احتَوَشُوهْ، فقالَ: واللهِ، لأشُدَّنَّ علَيْه. فما
ولَّى حتَّى ضرَبَ رأسَهُ بالسيفِ، فوقَعَ الغلامُ لوجهِهِ، فصاح:
"يا عمَّاه!".
فجَلّى الحسينُ عليه السلام كما يجلِّي الصقرُ، وانجلَتِ الغَبَرَةُ، فإذا بالحسينِ
عليه السلام قائمٌ على رأسِ الغُلامِ والغلامُ يفْحَصُ برجلَيْهِ، والحسينُ عليه
السلام يقول:
"بُعْداً لقومٍ قتلوكَ ومَنْ خصْمُهُم يومَ القيامةِ فيكَ جدُّك".
ثُمَّ قالَ:
"عزَّ - واللهِ - على عمِّكَ أنْ تَدْعُوَهُ فلا يُجيبُك، أو يُجيبَكَ ثُمَّ لا
يَنْفعُكَ، صوتٌ واللهِ كثُرَ واترُهُ وقلَّ ناصرُهُ".
بكى او نادى يجاسم اشبيدي يريت السيف قبلك حزّ وريدي
هان الكم تخلوني اوحيدي على اخيمّي يعمّي الخيل تفتر
قالَ الراوي: ثُمَّ احتملَهُ، فكأنّي أنظُرُ إلى رِجلَي الغُلامِ يخُطّانِ في
الأرضِ وقدْ وضَعَ الحسينُ عليه السلام صدرَهُ على صدرِهِ، قالَ: فقلتُ في نفسي: ما
يصنَعُ بهِ؟ فجاءَ بهِ حتَّى ألقاهُ معَ ابنِهِ عليِّ بنِ الحسينِ وقَتْلى قدْ
قُتِلَتْ حولَهُ منْ أهلِ بيتِهِ، فسألْتُ عنِ الغُلامِ، فقِيلَ: هوَ القاسِمُ بنُ
الصفحة (49)
الحسَنِ بنِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ عليهم السلام.
جـابه اومـدّده مـا بين اخوته بـكى عـدهم يويلي وهم موته بـس ما سمعن النسوان صوته إجـت امّـه تـصيح الله أكبر ردتـك مـا ردت دنيه ولا مال تحضرني لو وقع حملي ولا مال يـبني خـابت اظنوني والامال مـحل الضيق يبني اقطعت بيّه
|
وقدْ رُوِيَ أنَّ الشهداءَ في كربلاءَ منْ أولادِ الإمامِ الحسنِ بنِ عليٍّ عليه
السلام ثلاثةٌ, غيرُ القاسِمِ، وقد جُرِحَ منْهُمْ خامِسٌ، وقُطِعَتْ يدُهُ، وهُوَ
الحسَنُ المثنَّى- رِضوانُ اللهِ عليهِمْ أجمعِين-.
ما ذنبُ أهلِ البيتِ حتَّى مـنْهُمُ أفـنَوْا ربـوعَه تَـركُوهُمُ شـتَّى مَصا رِعُـهُمْ وأجْمعُها فظيعه
|
الصفحة (50)
مقاتل إخوة العباس عليه السلام
ثُمَّ إنَّ أبا الفضلِ العبَّاسَ عليه السلام، قالَ لإخوتِهِ منْ أبيهِ وأمِّهِ
أمِّ البنينَ ـ وهُمْ عبدُ اللهِ وجعفرٌ وعُثمانُ -.
"تقدَّمُوا حتَّى أراكُم قد نصحْتُم للهِ ولرسولِه، تقدَّموا، بنفسي أنتُم،
فحامُوا عن سيِّدِكُم حتى (تُقْتَلُوا) دونَه".
فتقدَّمُوا جميعاً. فصارُوا أمامَ الحسينِ عليه السلام، يَقُونَهُ بوُجوهِهِم
ونُحُورِهِم.
فكانَ أوَّلَ مَنْ برَزَ منهُمْ عبدُ اللهِ بنُ أميرِ المؤمنين عليه السلام ،
وقاتَلَ قِتالاً شديداً، حتّى استُشْهِدَ. ثُمَّ برَزَ بعدَهُ جعفرٌ، ثُمَّ عثمانُ
(وجدُّوا في القتالِ حتَّى قُتِلوا)- رضِيَ اللهُ عنْهُمْ أجمعِين-.
شهادة العباس عليه السلام
ولمّا استُشْهِدَ إِخوةُ العبَّاسِ عليهم السلام، ورآهُم صرعَى على وجهِ
الصعيدِ، لم يستطِعْ صبراً، فجاءَ إلى أخيهِ الحسينِ عليه السلام يستأذِنُهُ
القِتالَ، فبكَى الحسينُ عليه السلام بكاءً شديداً، وقال:
"يا أخي، أنتَ صاحبُ لوائي، وإذا مضيتَ تفرَّقَ عسكري".
فلم يأذَنْ له.
فقالَ العباسُ عليه السلام: |