الحملة الأولى
وكانتِ الحملةُ الأُولى على مُعَسكرِ الإمامِ الحسينِ عليه السلام، فحمَلَ عمرُو
بنُ الحَجَّاجِ في مَيْمَنةِ جيشِ عُمَرَ بنِ سعدٍ من نَحْوِ الفُراتِ فاضطربُوا
ساعة، وما ارتفعَتِ الغَبَرَةُ إلا ومُسلِمُ بنُ عوسجةَ الأسدِيُّ صريعٌ، فمشَى
إليهِ الحسينُ عليه السلام فإذا بهِ رَمَقٌ، فقالَ له:
"رحِمَكَ اللهُ يا مُسلِم، ﴿فمنهُمْ مَنْ قضَى نَحْبَهُ ومنْهُمْ مَنْ ينتظِرُ وما
بدَّلُوا تبديلاً﴾".
ودَنا منهُ حبيبُ بنُ مظاهرٍ، فقال:
"عزَّ عليَّ مصرَعُكَ يا مُسلِم! أبشِرْ بالجنَّة!".
فقالَ لهُ مسلمٌ قولاً ضعيفاً:
"بشَّرَكَ اللهُ بخير".
فقالَ لهُ حبيب:
"لولا أنّي أعلَمُ أنّي في أثَرِكَ لاحِقٌ بكَ مَنْ ساعتي لأحببْتُ أنْ تُوصِيَني
بكلِّ ما أهمَّك".
فقالَ لهُ مسلم:
"فإنّي أُوصِيكَ بهذا ـ وأشارَ إلى الحسينِ عليه السلام ـ فقاتِلْ دونَهُ حتَّى
تموت".
الصفحة (32)
گربت يبن ظاهر منيتي
ما وصّيك بعيالي او بيتي
إنكان نيتك مثل نيتي بالحسين واعياله وصيتي
فقالَ لهُ حبيب:
"لأُنعِمَنَّكَ عيناً".
ثُمَّ فاضَتْ روحُهُ الطاهرةُ، رِضوانُ اللهِ عليه.
وهجَمَ شمرُ بنُ ذي الجوشَنِ في أصحابِهِ، على خِيَمِ الحسينِ عليه السلام،
فحمَلَ عليهِم زهيرُ بنُ القينِ رحمه الله في عشَرَةٍ منْ أصحابِ الحسينِ عليه
السلام فكشَفَهُمْ عنِ الخِيَم، وقُتِلَ بعضُهُمْ وتفرَّقَ الباقون.
وخَرَجَ يزيدُ بنُ معْقِلٍ منْ جيشِ ابْنِ سعدٍ، فقال: يا بُريرَ بنَ خُضَير,
كيفَ ترَى اللهَ صنَعَ بكْ؟
قال:
"صنَعَ اللهُ - واللهِ - بي خيراً وصنَعَ اللهُ بكَ شرّاً".
قالَ: كذَبْتَ وقبلَ اليومِ ما كنتَ كذّاباً.
فقالَ لهُ بُرَير:
".. لِنَدْعُ اللهَ أنْ يلعنَ الكاذبَ وأنْ يقْتُلَ المُبْطِلَ, ثُمَّ اخرُجْ,
فَلأُبارِزْك".
الصفحة (33)
قال: فخَرَجا, فرفَعا أيديَهُما إلى اللهِ يَدْعُوانِهِ أنْ يلعنَ الكاذبَ وأنْ
يَقْتُلَ المُحِقُّ المُبطِلَ. ثُمَّ برَزَ كلُّ واحدٍ منْهُما لصاحبِهِ فاختلَفا
ضرْبتَيْنِ: فضرَبَ يزيدُ بنُ مَعْقِلٍ بُريرَ بنَ خُضَيرٍ ضربةً خفيفةً لمْ
تَضُرَّهُ شيئاً، وضرَبَهُ بُريرُ بنُ خُضَيرٍ ضربةٍ قدَّتِ المِغْفَرَ وبلَغَتِ
الدِماغ، فخَرَّ كأنَّما هوَى من حالِقٍ، وسيفُ ابْنِ خُضَيرٍ لَثابتٌ في رأسه.
ثُمَّ تراجَعَ القومُ إلى الحسينِ عليه السلام، فحمَلَ شمرُ بنُ ذي الجوشَنِ -
لعَنَهُ اللهُ - على أهلِ المَيْسَرةِ فَثَبتُوا لَهُ فطاعَنُوهُ، وأُحِيطُ
بالحسينِ عليه السلام وأصحابِهِ من كلِّ جانِب، وكانَ أصحابُ الحسين عليه السلام
أطوادَ بصيرةٍ وهدىً وثَباتٍ، يقتُلونَ كلَّ مَنْ يَبْرُزُ إليهِمْ.
فقالَ عمرُو بنُ الحجَّاجِ ـ وكانَ على الميمنة ـ ويلَكُمْ، يا حُمَقاء.
مهلاً! أتدْرُونَ مَنْ تُقاتِلون؟ إنَّما تقاتلُونَ فرسانَ المِصرِ، وأهلَ
البصائرِ وقوماً مستمِيتينَ، لا يبرُزُ لهُم منكُم أحدٌ إلاَّ قتلُوهُ على
قِلَّتِهِم، واللهِ، لو لم ترْمُوهُم إلاَّ بالحجارةِ لقتَلْتُمُوهُم.
فقالَ ابنُ سعدٍ: صدَقْت. الرَّأيُ ما رأيْت، فأرْسَلَ في العسكَرِ يعزُمُ عليهم
أنْ لا يبارِزَ رجلٌ منْكُم، فلو خرجْتُم وُحْداناً لأَتَوْا عليكُمْ مُبارزَة.
فأخذَتِ الخيلُ تحمِلُ، وأصحابُ الحسينِ يَثْبُتُون، وإنَّما هُمُ اثنانِ وثلاثونَ
الصفحة (34)
فارساً، ولم يكونُوا يحمِلونَ على جانبٍ من هذا الجيشِ إلا كَشفُوه.
فبَعَثَ عمر بن سعد المجَفِّفةَ ـ وهيَ قوةٌ كانَتْ تحتمِي معَ خُيولِها
بالدُروعِ ـ وخمسَمِئةٍ منَ الرُّماةِ، فأقبَلُوا حتى إذا دنَوْا من الحسين عليه
السلام وأصحابِهِ رشقُوهُم بالنَّبْلِ، فلم يَلْبَثُوا أنْ عَقَرُوا خيولَهُم
وصاروا رَجَّالةً كلُّهُم.
الصفحة (35)
صلاة الظهيرة
وبقيَ القِتالُ على أَشُدِّهِ حتَّى انتصفَ النهار، فكانَ إذا قُتِلَ الرجُلُ
والرجلانِ من أصحابِ الحسينِ عليه السلام يَبِينُ ذلكَ فيهِمْ لِقلَّتِهِم، ولا
يَبينُ القتْلُ في جيشِ عُمَرَ بْنِ سعدٍ معَ كَثْرةِ مَنْ يُقتَلُ منْهُم
لِكَثْرَتِهِم.
وكان قد قُتلَ منْ أنصارِ الإمامِ عليه السلام أكثرُ منْ أربعين.
واقتربَ وقتُ زَوالِ الشمسِ، فقالَ أبو ثُمامةَ الصائدِيّ:
"يا أبا عبدِ الله! نفسِي لكَ الفِداء، إنّي أرَى هؤلاءِ قدِ اقتربوا منك، لا
واللهِ، لا تُقْتَلُ حتَّى أُقتلَ دونَكَ إنْ شاءَ الله، وأُحِبُّ أنْ ألقَى ربِّيَ
وقد صلَّيْتُ هذهِ الصلاةَ التي قد دَنا وقتُها".
فرفَعَ الحسينُ عليه السلام رأسَهَ ثم قال:
"ذَكرْتَ الصلاةَ، جعلَكَ اللهُ من المُصلِّينَ الذاكرين، نعَمْ هذا أوَّلُ
وقتِها".
ثُمَّ قالَ عليه السلام:
"سَلُوهُم أنْ يَكُفُّوا عنَّا حتّى نصلّي".
ففعلوا.
فقالَ لهُمُ الحُصَينُ بنُ تميم: إنَّها لا تُقْبَل.
الصفحة (36)
فردَّ عليهِ حبيبُ بنُ مُظاهِر:
"زعمْتَ الصلاةَ منْ آلِ الرسولِ صلَّى اللهُ عليهِمْ لا تُقْبَلُ، وتُقْبَلُ منكَ
يا خَمَّار!".
فحمَلَ عليهِ الحصينُ بنُ تميمٍ فخرَجَ إليهِ حبيبُ بنُ مُظاهِرٍ فضرَبَ وجْهَ
فرسِهِ بالسيفِ، فشَبَّ ووقَعَ عنه، وحمَلَهُ أصحابُهُ فاستنقذُوه.
وأخذَ حبيبٌ يقول:
أُقسِمُ لو كنّا لكم أعدادا
أو شَطْرَكُمْ ولَّيْتُمُ أكتادا
يا شرَّ قومٍ حسَبَاً وآداً
وجعَلَ يقولُ يومَئذٍ:
أنتُمْ أعدُّ عُدَّةً وأكثرُ
ونحنُ أوفَى منكُمُ وأصْبَرُ
ونحنُ أعلى حُجَّةً وأظهَرُ حقاً وأتقَى منكُمُ وأعْذَرُ
وقاتلَ حبيب قتالاً شديداً حتّى استُشْهِدَ، فهدَّ ذلكَ الحسينَ عليه السلام،
وقال:
"عندَ اللهِ أَحتسِبُ نفسي وحُماةَ أصحابي".
وكانَ حبيبٌ منْ خواصِّ أميرِ المؤمنِينَ عليه السلام ، ومنَ السبعينَ الذين
نصَرُوا الحسينَ عليه السلام ولَقُوا جبالَ الحديدِ واستقبَلُوا الرِماحَ
بصُدورِهِمْ والسيوفَ بوُجوهِهِم، وهمْ يُعْرَضُ عليهِمُ الأمانُ والأموالُ
فيأبَوْنَ ويقولُونَ:
الصفحة (37)
لا عُذْرَ لنا عندَ رسولِ اللهِِ صلى الله عليه وآله وسلم إنْ قُتِلَ الحسينُ
وفينا عَيْنٌ تَطْرِفُ حتَّى قُتلوا حولَه..
ولما قُتِلَ حبيبٌ أخَذَ الحرُّ يقاتِلُ راجلاً، فحمَلَ على القومِ معَ زهيرِ
بنِ القَيْن، فكانَ إذا شَدَّ أحدُهُما فاستلْحَمَ شدَّ الآخرُ واستنقذَه، ففعَلا
ذلكَ ساعة.
فبَيْنا الناسُ يتجاوَلُونَ ويقْتتِلُونَ والحُرُّ يَحْمِلُ على القومِ
مُقْدِماً، فبرَزَ لهُ يزيدُ بنُ سُفيان، فما لَبِثَ الحرُّ أنْ قتلَهُ(..).
واستبسَلَ يضربُهُم بسيفِهِ وتكاثَرُوا عليهِ حتَّى استُشهِدَ رِضوانُ اللهِ
عليه، فحمَلَهُ أصحابُهُ ووضعُوهُ بينْ يدَيْ الإمامِ الحسينِ عليه السلام وبهِ
رَمَقٌ، فجعَلَ الحسينُ عليه السلام يمسَحُ وجهَهُ ويقول:
"أنتَ الحرُّ كما سمَّتْكَ أمُّك، وأنتَ الحرُّ في الدنيا وأنتَ الحرُّ في الآخرة".
وصلَّى الحسينُ عليه السلام بأصحابِهِ صلاةَ الظُّهر.
فوصَلَ إلى الحسينِ عليه السلام سهمٌ فتقدَّمَ سعيدُ بنُ عبدِ اللهِ الحنَفِيُّ
ووقَاه بنفسِهِ ما زالَ ولا تخَطَّى حتَّى سقَطَ إلى الأرضِ وهُوَ يقول:
"أللَّهُمَّ العنْهُمْ لعنَ عادٍ وثمود، اللهمَ أَبْلِغْ نبيَّكَ عنّي السلامَ
وأبْلِغْهُ ما
الصفحة (38)
لَقِيتُ من ألَمِ الجِراحِ فإنّي أردْتُ ثوابَكَ في نَصْرِ ذريَّةِ نبيِّك".
ثُمَّ التفتَ إلى الحسينِ عليه السلام، فقالَ لهْ:
"أَوفَّيْتُ يا ابنَ رسولِ الله؟".
فقالَ الإمامُ عليه السلام:
"نعمْ، أنتَ أمامي في الجنَّة".
ثُمَّ قَضى نحبَهُ رِضوانُ اللهِ عليهِ، فوُجِدَ بهِ ثلاثَةَ عشَرَ سَهْماً سوَى
ما بهِ منْ ضَرْبِ السيوفِ وطَعْنِ الرِماح.
الصفحة (39)
الحملة الثانية
ثمَّ قالَ عليه السلام لبقيَّةِ أصحابِه:
"يا كِرام، هذهِ الجنَّةُ فُتحَتْ أبوابُها واتَّصلَتْ أنهارُها وأينعَتْ ثِمارُها،
وهذا رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم والشهداءُ الذينَ قُتلِوا في سبيلِ اللهِ
يتوقَّعُونَ قدومَكُم، ويتباشَرُونَ بكُمْ، فحامُوا عن دينِ اللهِ ودينِ نبيِّهِ،
وذُبُّوا عن حُرَمِ رسولِ الله".
وجعلَ أصحابُ الحسينِ عليه السلام يسارِعونَ إلى القِتالِ بينَ يديهِ، وكانَ
كلُّ مَنْ أرادَ القِتالَ يأتي إلى الحسينِ عليه السلام يودِّعُهُ، ويقول:
"السلامُ عليكَ يا ابنَ رسولِ الله".
فيجيبُهُ الحسينُ عليه السلام:
"وعليكَ السلامُ، ونحنُ خلفَك، ويقرأ:﴿فمنهُمْ منْ قضى نحبَهُ ومنهُمْ من ينتظِرُ
وما بدَّلوا تبديلاً﴾".
واستأذنَ الصحابيُّ الجليلُ أَنَسُ بنُ الحارِثِ الكاهليُّ الإمامَ
الصفحة (40)
الحسينَ عليه السلام بالمبارَزةِ فأذِنَ لهُ، فنزَلَ إلى الميدانِ شادّاً
وسَطَهُ بالعِمامةِ، رافعاً حاجبَيْهِ بالعِصَابةِ لِكِبَرِ سِنِّه، فلمّا رآهُ
الحسينُ عليه السلام بهذهِ الهيئةِ، بكى، وقالَ له:
"شكَرَ اللهُ لكَ يا شيخ".
وكانَ هذا الصحابيُّ ممَّنْ سمعَ حديثَ رسولِ اللهِِ صلى الله عليه وآله وسلم،
عن شهادةِ الحسينِ عليه السلام، والحثِّ على نصرتِه، وقد قاتَلَ رضوانُ اللهِ عليهِ
قتالَ الأبطالِ حتَّى نالَ الفوزَ بالشهادة.
ثُمَّ تقدَّمَ زهيرُ بنُ القَيْنِ واستأذنَ بالقِتالِ، ووضَعَ يدَهُ على
مَنْكِبِ الحسينِ عليه السلام وهوَ يقول:
أقدِمْ فُدِيتَ هادياً مَهْديَّاً
فاليومَ تَلْقَى جدَّكَ النبيّا
وحَسَناً والمرُتضَى عليَّا وذا الجناحيْنِ الفتى الكَمِيّا
وأسَدَ اللهِ الشهيدَ الحيّا
ثُمَّ برَزَ وهوَ يرتجِزُ ويقول:
أنا زهيرٌ وأنا ابْنُ القَيْنِِ
أَذُودُهُمْ بالسيفِ عنْ حسينِ
وانبرَى يقاتِلُ لم يُرَ مثلُهُ ولم يُسمَعْ بشِبْهِه، وكانَ يحمِلُ على القومُ
وهوَ يقول:
|