الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  
فقالَ برير:
"الحمدُ لله الذي زادَني فيكُمْ بصيرة، أللَّهُمَّ إنّي أبرأُ إليكَ منْ فِعالِ هؤلاءِ القوم! أللّهُمَّ أَلْقِ بأسَهُمْ بينَهُمْ حتى يَلْقُوْكَ وأنتَ عليهِمْ غَضْبان!".
فجعَلَ القومُ يَرْمُونَهُ بالسِّهامِ، فَرجَعَ بريرٌ إلى وَرائِه.

الصفحة (22)

خطبة الحسين عليه السلام الثانية

وتقدَّمَ الحسينُ عليه السلام ورأَى صفوفَهُم كالسَّيْلِ فخطَبَ فقال:
"الحمدُ للهِ الذي خلَقَ الدنيا فجعَلَها دارَ فَناءٍ وزَوال، مُتصرِّفةً بأهلِها حالاً بعدَ حال، فالمغرورُ مَنْ غرَّتْهُ، والشقيُّ من فتَنَتْهُ، فلا تغرَّنَّكُمُ الحياةُ الدنيا ولا يَغُرَّنَّكُم باللهِ الغَرور".

وممَّا قال:
فنِعْمَ الربُّ ربُّنَا وبئِسَ العِبادُ أنتُمْ، أقرَرْتُمْ بالطاعةِ وآمنتُمْ بالرَّسولِ محمَّدٍ، ثُمَّ أنتُمْ رجَعْتُمْ إلى ذُرّيَّتِهِ وعِتْرتِهِ تريدُونَ قتلَهُم، لقدِ استحْوَذَ عليكُمُ الشيطانُ فأنساكُمْ ذِكْرَ اللهِ العظيم، فتَبّاً لكُمْ ولمِا تُرِيدُون، إنَّا للهِ وإنَّا إليهِ راجعون، هؤلاءِ قومٌ كفَرُوا بعدَ إيمانِهِمْ فبُعْداً للقَوْمِ الظالمين.

تبَّاً لكم أيَّتُها الجَماعةُ وتَرْحاً، أَحِينَ اسْتَصْرَخْتُمونا والِهين، فأصرَخْناكُمْ مُوجِفين، سَلَلْتُمْ علَيْنا سيفاً لنا في أيْمانِكُم، وحَشَشْتُمْ علينا ناراً اقْتدَحْناها على عَدُوِّنا وعدوِّكُم، فأصبحتُمْ إلْباً لأعدائِكُمْ على أوليائِكُمْ، بغيرِ عَدْلٍ أفشَوْهُ فيكُمْ، ولا أملٍ أصبحَ لكُمْ فيهِمْ. فهلّا، لكُمُ الويلات، تركْتُمُونا والسيفُ مَشِيمٌ، والجأْشُ طامِنٌ، والرأيُ لمَّا يُستحْصَف، ولكنْ أسرعْتُمْ إلَيْها كطَيْرةِ الدُبى، وتداعيتُمْ إلَيْها كتهافُتِ الفَراش، فَسُحْقاً يا عبيدَ الأمّةِ


الصفحة (23)

وشُذَّاذَ الأحزاب، ونَبَذَةَ الكِتاب، ومُحرِّفي الكَلِم، وعصبةَ الآثامِ ونفثَة َالشَيطان، ومُطْفئِي السُّنَن، أهؤلاءِ تَعْضُدُونَ وعنَّا تتخاذَلُونْ؟ أجلْ والله، ألغَدْرُ فيكُمْ قديم، وشَجَتْ إليهِ أصولُكُم وتأزَّرَتْ عليهِ فُروعُكُم، فكُنتُم أخبثَ ثَمَرٍ، شجّاً للناظرِ وأُكْلةً للغاصِب، ألاَ وإنَّ الدَعِيَّ ابنَ الدعيِّ قدْ رَكَزَ بينَ اثنتين، بينَ السَّلَّةِ والذِلَّة، وهيهاتَ مِنَّا الذِّلَّةُ، يأبى اللهُ ذلكَ لنا ورسولُهُ والمؤمنون، وحُجورٌ طابَتْ وطهُرَتْ، وأنوفٌ حَميّةٌ ونفوسٌ أبيَّةٌ، مِنْ أنْ نُؤْثِرَ طاعةَ اللئامِ على مَصارِعِ الكرام، ألا وإنّي زاحفٌ بهذهِ الأُسرةِ معَ قِلَّةِ العددِ وخُذلةِ الناصر.

ثمَّ أيْمُ اللهِ، لا تَلْبَثُونَ بعدَها إلاَّ كرَيْثِما يُركَبُ الفرَسُ، حتَّى تدورَ بكُمْ دَوْرَ الرَّحى وتقلقَ بكُمْ قلَقَ المِحْوَرِ، عَهْدٌ عَهِدَهُ إليَّ أبي عنْ جدِّي. فأَجْمِعُوا أمرَكُمْ وشُركاءَكُم، ثمَّ لا يكُنْ أمرُكُمْ عليكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقضُوا إليَّ ولا تُنْظِرون، إنّي توكَّلْتُ على اللهِ ربِّي وربِّكُمْ، ما منْ دابَّةٍ إلاّ هوَ آخذٌ بناصِيتِها، إنَّ ربّي على صراطٍ مستقيْم.

ثمّ رَفَعَ يَدَيْهِ نَحْوَ السمَاءِ وَقال:

أللهمَّ احبِسْ عنْهُمْ قَطْرَ السماءِ وابعَثْ عليهِمْ سِنينَ كسِنيّ يُوسُف، وسلِّطْ عليهِمْ غُلامَ ثَقيفٍ فيَسُومَهُمْ كأساً مُصَبَّرةً، فإنَّهُمْ كذَبُونا وخذَلُونا،


الصفحة (24)

وأنتَ ربُّنا عليكَ توكَّلْنا وإليكَ أنَبْنا وإليكَ المصير".

ثُمَّ نزَلَ عليه السلام ودعا بفَرَسِهِ، فركِبَهُ وعَبَّأ أصحابَهُ للقِتالِ...واستدعَى عُمَرَ بنَ سعدٍ ـ وكانَ كارِهاً لا يُحِبُّ أنْ يأتيَهُ, فلمَّا حَضَرَ قالَ لهُ عليه السلام :
"أيْ عُمَر، أتزْعُمُ أنَّكَ تقتُلُني ويُولِّيكَ الدَعِيُّ ابنُ الدَعِيِّ بلادَ الريِّ وجَرْجان؟ واللهِ, لا تَهْنَأُ بذلكَ أبداً، عهدٌ معهود، فاصنَعْ ما أنتَ صانع، فإنَّكَ لا تفرَحُ بعدي بدُنيا ولا آخرة، وكأنّي برأسِكَ على قَصَبةٍ قدْ نُصِبَ بالكوفْة، يترامَاهُ الصِبيانُ ويتَّخِذُونَهُ غرَضَاً بينَهُم".
فغصِبَ ابنُ سعدٍ منْ كلامِهِ، وصَرَفَ وَجْهَهُ عنهُ، ثُمَّ نادى بأصحابِه: ما تنتظِرُون، إحمِلُوا بأجمَعِكُم، إنَّما هيَ أكْلةٌ واحدة.


الصفحة (25)

موقف الحرّ الرياحيّ

وجاءَ الحرُّ بنُ يزيدَ الرياحيُّ، إلى عُمرَ بنِ سعدٍ، فقالَ له: "أمقاتلٌ أنتَ هذا الرجل؟".
قالَ: إيْ واللهِ قتالاً أيْسَرُهُ أنْ تسقُطَ الرؤوسُ وتَطِيحَ الأيدي.
قالَ الحرّ:
"أفما لكُمْ في واحدةٍ منَ الخصالِ التي عرَضَ عليكُمْ رضىً؟".
قالَ عمرُ بنُ سعد: أمَا واللهِ، لو كانَ الأمرُ إلَيَّ لفعَلْتُ، ولكنَّ أميرَكَ قد أبى ذلك.
فأقْبلَ الحُرُّ حتَّى وقَفَ منَ الناسِ موقِفاً، ومعَهُ رجلٌ منْ قومِهِ يُقالُ له قُرَّةُ بنُ قيسْ، فقال:
يا قرّةُ، هل سقَيْتَ فرسَكَ اليوم؟
قالَ: لا.
قالَ: أما تُرِيدُ أنْ تَسْقِيَه؟
قالْ: فظنَنْتُ - واللهِ - أنَّهُ يريدُ أنْ يتنحَّى فلا يشهدَ القتالَ، وكرِهَ أنْ أراهُ حينَ يصنَعُ ذلك.
فقلتُ له: لمْ أسقِهِ وأنا منطلِقٌ فأَسقِيه.

قالَ: فاعتزلْتُ ذلكَ المكانَ الذي كانَ فيهِ، فأخَذَ يدنُو منْ حسينٍ قليلاً قليلاً.


الصفحة (26)

فقالَ لهُ رجُلٌ من قومِهِ يُقالُ لهُ المهاجرُ بنُ أوْس: ما تريدُ يا ابنَ يزيد؟ أتريدُ أنْ تَحْمِل؟
فسكَتَ وأخذَتْهُ رَعْدة.
فقالَ لهُ صاحبُه: يا ابنَ يزيد، واللهِ، إنَّ أمْرَكَ لمَريبٌ، واللهِ، ما رأيتُ منكَ في موقِفٍ قطُّ مثلَ شيءٍ أراهُ الآن، ولو قِيلَ لي من أشجَعُ أهلِ الكوفةِ رجلاً ما عدَوْتُك، فما هذا الذي أرَى منك؟
قالَ الحرّ:
"إنّي - واللهِ - أخيِّرُ نفسي بينَ الجنَّةِ والنار، وَوَاللهِ لا أَختارُ على الجنَّةِ شيئاً ولو قطِّعْتُ وحرِّقْت".

ثُمَّ ضرَبَ فرسَهُ فلحقَ بالحسينِ عليه السلام وقالَ له:
"جَعَلنِيَ اللهُ فِداكَ يا ابنَ رسولِ الله، أنا صاحِبُكَ الذي حبَسْتُكَ عنِ الرجوعِ وسايَرْتُكَ في الطريق، وجعْجَعْتُ بكَ في هذا المكان. واللهِ الذي لا إلهَ إلاَّ هوَ، ما ظننْتُ أنَّ القومَ يَرُدُّونَ عليكَ ما عرَضْتَ عليهِمْ أبداً ولا يبلُغُونَ منكَ هذهِ المَنْزِلة. فقلْتُ في نفسي: لا أبالي أنْ أُطِيعَ القومَ في بعضِ أمرِهِمْ ولا يرَوْنَ أنّي خرَجْتُ من طاعتِهِم. وأمَّا هُمْ فسيَقْبَلُونَ منْ حسينٍ هذهِ الخِصالَ التي يَعْرِضُ عليهِم، وَوَاللهِ، لو ظنَنْتُ أنَّهُمْ لا يقبَلُونَها منكَ ما رَكِبْتُها منك، وإني قدْ جئتُكَ تائباً ممَّا كانَ منّي إلى ربّي،


الصفحة (27)

ومُواسِياً لكَ بنفسي حتَّى أموتَ بينَ يديْك، أفترَى ذلكَ لي توبة؟".

قال عليه السلام:
"نعَمْ يَتُوبُ اللهُ عليكَ ويغَفِرُ لك. ما اسمُك؟".

قال:
"أنا الحرُّ بنُ يزيد".

قالَ عليه السلام:
"أنتَ الحرُّ كما سمَّتْكَ أمُّك، أنتَ الحرُّ إنْ شاءَ اللهُ في الدنيا والآخرة، انزِلْ".

قال:
"أنا لكَ فارِساً خيرٌ مِنّي راجلاً، أقاتِلُهُمْ على فرَسي ساعةً وإلى النُزولِ ما يَصِيرُ آخرُ أمري".

قالَ الحسينُ عليه السلام:
"فاصنَعْ - يرْحَمُكَ اللهُ - ما بدا لك".

فاستقدَمَ أمامَ أصحابِهِ ثُمَّ قال:
أيُّها القوم، ألا تقبَلُونَ منَ الحسينِ خَصْلةً منْ هذهِ الخِصالِ التي عرَضَ عليكُم فيُعافِيَكُمُ اللهُ منْ حرْبِهِ وقِتاله؟
قالوا: هذا الأميرُ عمرُ بنُ سعدٍ فكلِّمْه، فكلَّمَهُ بمثلِ ما كلَّمَهُ بهِ من قَبْلُ


الصفحة (28)

وبمثلِ ما كلَّمَ بهِ أصحابَه.
قالَ عُمَر: قد حرَصْتُ؛ لو وجَدْتُ إلى ذلكَ سبيلاً, فعَلْت.
فقال:
"يا أهلَ الكوفة، لأُمِّكُمُ الهَبَلُ والعِبرُ إذْ دعَوْتُموهُ حتَّى إذا أتاكُمْ أسْلَمتُمُوه، وزعَمْتُمْ أنَّكُمْ قاتلُوا أنفسِكُم دونَهُ ثُمَّ عَدَوْتُم عليهِ لِتَقْتلُوه. أمسكتُمْ بنفسِهِ، وأخذْتُمْ بكَظْمِهِ،
وأحطْتُمْ بهِ منْ كلِّ جانبٍ فمنَعْتُمُوهُ التوجُّهَ في بلادِ اللهِ العريضةِ حتَّى يأْمَنَ ويأمنَ أهَلُ بيتِهِ، وأصبحَ في أيديكُمْ كالأسيرِ لا يَمْلِكُ لنفسِهِ نَفْعاً ولا يَدْفَعُ عنْها ضَرَّاً،
وحَلأْتُموهُ ونساءَهُ وصِبْيَتَهُ وأصحابَهُ عنْ ماءِ الفراتِ الجاري(...)، وها هُم قد صَرَعَهُمُ العطَش، بِئْسَما خَلَّفْتُمْ مُحمَّداً في ذريَّتِه، لا أسْقاكُمُ اللهُ يومَ الظَمَأِ إنْ لم
تتُوبوا وتَنْزِعُوا عمَّا أنتُمْ عليهِ مِنْ يومِكُم هذا في ساعتِكُمْ هذِه".
فحمَلَتْ عليهِ رَجَّالةٌ لهُم ترميهِ بالنَّبْلِ، فأقبلَ حتَّى وقَفَ أمامَ الحسينِ عليه السلام .


الصفحة (29)

بداية الحرب

وتقدَّمَ عمرُ بنُ سعدٍ فرمَى نحوَ عسكَرِ الحسينِ عليه السلام بسهمٍ وقال: اشهَدُوا لي عندَ الأميرِ أنّي أوَّلُ مَنْ رمى. وأقْبلَتِ السِّهامُ مَن القومِ كأنَّها المطَر.

فقالَ عليه السلام لأصحابِه:
"قومُوا رحِمَكُمُ اللهُ إلى الموتِ الذي لا بدَّ منه، فإنَّ هذهِ السهامَ رُسُلُ القومِ إليكم".

فلَمَّا ارْتَمَوْا بالسهامِ خرَجَ يَسارٌ مولَى زيادِ بنِ أبي سفيان، وسالِمٌ مولى عُبَيْدِ اللهِ بنِ زياد، فقالا: مَنْ يُبارِز؟ لِيخْرُجْ إلينا بعضُكُمْ!

فوثَبَ حبيبُ بنُ مُظاهِرٍ وبُريرُ بنُ خُضَيرٍ، فقالَ لهما الحسينُ عليه السلام:
"اجلسا...".

فقامَ عبدُ اللهِ بنُ عُمَيرٍ الكلبيُّ، فقال:
"أبا عبدِ اللهْ! رَحِمَكَ الله، ائذَنْ لي فأَخْرُجَ إلَيْهِما".

فأذِنَ لهُ فشدَّ عليهِما وقتلَهما.

فأخذَتْ أمُّ وهبٍ امرأتُهُ عمُوداً ثُمَّ أقبلَتْ نحوَ زوجِها تقولُ له:
"فِدَاكَ أبي وأمي! قاتِلْ دونَ الطيِّبينَ ذريَّةِ مُحمَّد صلى الله عليه وآله وسلم ".

فأقبلَ إليها يردُّها نحوَ النساء، فأخذَتْ تُجَاذِبُ ثوبَهُ، وهي تقول:
"لن أدعَكَ دونَ أن أموتَ معَك".


الصفحة (30)

فناداها الحسينُ عليه السلام:
"جُزِيتُم منْ أهلِ بيتٍ خيراً، ارجِعِي رحِمَكِ اللهُ إلى النساء، فإنَّهُ ليسَ على النساءِ قتال".

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة