يوم عاشوراء
لما أصبحَ الحسينُ عليه السلام يومَ عاشوراءَ وصلَّى بأصحابهِ صلاةَ الصُبحِ،
قامَ خطيباً فيهِمْ، فحَمِدَ اللهَ وأَثْنى عليهِ، ثُمَّ قالْ:
"إنَّ اللهَ تعالى قد أذِنَ في قتلِكُمْ وقتلي في هذا اليوم، فعليكُمْ بالصبَّرِ
والقتالْ".
ثُمَّ صفَّهُمْ للحرب وكانوا ـ على روايةٍ ـ اثنينِ وثلاثينَ فارساً وأربعين
راجلاً.
فجعلَ زهيرَ بنَ القَيْنِ في الميمنةْ، وحبيبَ بنَ مُظاهِرٍ في الميسرةْ،
وَثَبتَ هوَ عليه السلام في القلبْ، وأعطَى رايتَهُ العُظمى أخاهُ العباسَ عليه
السلام. وجعَلُوا البيوتَ في ظُهورِهِم، وأمرَ الحسينُ عليه السلام بحطَبٍ وقصَبٍ
أنْ يُجْعَلَ في خندَقٍ كانوا حَفَروه، وأنْ تُضْرَمَ بهِ النارُ فلا يأتيهِمُ
العدوُّ من ورائِهِم.
وعبَّأَ عمرُ بنُ سعدٍ أصحابَهُ، وكانوا على بعضِ الرِواياتِ ثلاثينَ ألفاً،
فجعَلَ عمرَو بنَ الحَجّاجِ في المَيْمَنةِ، وشِمْرَ بنَ ذي الجوشَنِ في
الصفحة (13)
الميسَرةْ، وعلى الخَيْلِ عَزْرَةَ بنَ قيسْ، وعلى الرَجَّالةِ شَبَثَ بنَ
رِبعيّ، وأعطَى رايتَهُ ذُويداً مولاه.
ولمّا نظرَ الحسينُ عليه السلام إلى جمعِهِمْ كأنَّهُمُ السيلُ المنحَدِرُ،
رفَعَ يديهِ بالدعاءِ قائلاً:
"أللهُمَ أنتَ ثِقتي في كلِّ كَرْب، ورَجائي في كلِّ شدَّةْ، وأنتَ لي في كلِّ أمرٍ
نزَلَ بي ثِقةٌ وعُدَّةٌ، كمْ منْ همٍّ يَضْعُفُ فيهِ الفؤادُ، وتقِلُّ فيهِ
الحِيلةُ، ويَخْذُلُ فيهِ الصديقُ، ويَشْمَتُ فيهِ العدُوُ، أنزلْتُهُ بكَ،
وشكَوْتُهُ إليكَ، رَغْبةً مِنّي إليكَ عمَّنْ سِواكَ، ففرَّجْتَهُ وكشفتَهُ، فأنتَ
وَلِيُّ كلِّ نِعمةٍ، وصاحبُ كلِّ حسنةٍ، ومنتهَى كلِّ رغبةٍ".
وأقْبلَ القومُ يَجُولُونَ حولَ مُعَسْكرِ الحسينِ عليه السلام وينظُرونَ إلى
النّارِ تضطرِمُ في الخندَق، فنادى شمرُ بنُ ذي الجَوشنِ بأعلى صوتِه: يا حسين،
تعجَّلْتَ بالنارِ في الدنيا قبلَ يومِ القِيامة.
فرفعَ الحسينُ عليه السلام رأسَهُ قائلاً:
"مَنْ هذا؟ كأنّه شِمرُ بنُ ذي الجَوْشَن؟".
فقالوا: نعم.
فقالَ عليه السلام :
".. أنتَ أَوْلى بها صِلِيّاً".
الصفحة (14)
فقالَ لهُ مسلمُ بنُ عَوْسَجة: يا ابنَ رسولِ الله- جُعِلْتُ فِداك-(وقالَ له):
ألا أرميه بسهم؟، فمنعه الحسين عليه السلام وقال له: "لا تَرْمِهِ، فإنّي أكرَهُ
أنْ أبدأَهُمْ
بقِتال".
وجاءَ رجلٌ منْ بَني تميمٍ يُقالُ لهُ عبدُ اللهِ بنَ حَوْزة، حتَّى وقَفَ حِيالَ
الحسينِ عليه السلام ، فقالَ له: أبشِرْ يا حسينُ بالنار!
فقال عليه السلام :
"بل أُقدِمُ على ربٍّ رحيمٍ وشفيعٍ مُطاع".
ثُمَّ قالَ: مَنْ هذا؟
قالوا: ابنُ حوزة.
قالَ عليه السلام :
"حازَهُ اللهُ إلى النار".
فاضطربَتْ فرَسُهُ في جَدْوَلٍ، فعلقَتْ رِجْلُهُ بالرِّكابِ، ووقَعَ رأسُهُ في
الأرْضِ، ونفَرتْ بهِ الفرَس، وعجَّلَ اللهُ بروحِهِ إلى النار.
الصفحة (15)
خطبة الحسين عليه السلام الأولى
ثّم دعا الحسينُ عليه السلام براحلتِهِ فركِبَها، وتقدَّمَ نحوَ القومِ ونادى
بأعلى صوتٍ يُسمِعُ جلَّهم:
"أيُّها الناس، اسمعوا قولي ولا تعجَلُوا حتى أعِظَكُمْ بما يحِقُّ لكُمْ عليّ،
وحتّى أُعْذَرَ إليكُمْ، فإنْ أعطيتُموني النَّصفَ كنتُمْ بذلكَ أسعد، وإنْ لم
تُعطوني النَّصفَ من أنفسِكُمْ فأجمعِوا رأْيَكُمْ ثمّ لا يكُنْ أمرُكُمْ عليكُمْ
غُمّةً. ثُمَّ اقضُوا إليَّ ولا تُنْظِرونْ، إنَّ وليِّيَ اللهُ الذي نزَّلَ
الكتابَ وهو يتولَّى الصالحين".
ثم حمِدَ اللهَ وأثنى عليه وذكَرَهُ بما هو أهلُهُ وصلَّى على النبيِّ وآلهِ
وعلى الملائكةِ والأنبياء.
ثم قال عليه السلام:
"أيّها الناس: فانسِبوُني فانظُروا مَنْ أنا؟ ثُّمَ ارْجِعوا إلى أنفسِكُمْ
وعاتِبوها، فانظُروا هلْ يصلُحُ لكُمْ قتلي وانتهاكُ حُرمتي؟! ألستُ ابنَ بنتِ
نبيِّكُمْ، وابنَ وصيِّهِ وابنَ عمِّهِ وأوَّلَ المؤمنِينَ المصدِّقِ لرسولِ اللهِ
بما جاءَ بهِ من عندِ ربِّه؟ أوليسَ حمزةُ سيّدُ الشهداءِ عمّي؟ أوليسَ جعفرٌ
الطيّارُ في الجنَّةِ بجناحَيْنِ عمّي؟ أَوَلَمْ يبلُغْكُمْ ما قالَ رسولُ اللهِ لي
ولأخي: هذانِ سيِّدا شبابِ أهلِ الجنَّة؟
الصفحة (16)
فإن صدَّقتموني بما أقولُ وهوَ الحَقُّ، فواللهِ ما تعمَّدْتُ كَذِباً منذُ
علمْتُ أنَّ اللهَ يمقُتُ عليْهِ أهلَه، وإنْ كذَّبتُمُوني فإنَّ فيكُمْ منْ إنْ
سأَلتُموهُ عن ذلكَ أخبرَكُم. سلُوا جابرَ بنَ عبدِ اللهِ الأنصاري، وأبا سعيدٍ
الخِدْريّ، وسهلَ بنَ سعدٍ الساعديّ، وزيدَ بنَ أرقَمْ، وأَنَسَ بنَ مالكْ،
يُخْبِرُوكُمْ أنّهم سمعُوا هذهِ المقالةَ من رسولِ اللهِ إليَّ ولأخي، أَمَا في
هذا حاجزٌ لكُمْ عن سفكِ دمي؟!".
ثمّ قال لهم الحسين عليه السلام:
"فإن كنتم في شكٍّ من هذا! أفتشُكُّونَ أنّي ابنُ بنتِ نبيِّكم! فواللهِ ما بينَ
المشرقِ والمغربِ ابنُ بنتِ نبيٍّ غيري فيكُمْ ولا في غيرِكُمْ. ويحَكُمْ!
أتطلبونني بقتيلٍ منكم قتلتُهُ! أو مالٍ لكمُ استهلكتُهُ! أو بقِصاصِ جراحة!؟".
الصفحة (17)
فأخذوا لا يكلِّمونه. فنادى عليه السلام:
"يا شَبثَ بن ربعيّ، يا حجّارَ بنَ أبجَر، يا قيسَ بنَ الأشعث، يا يزيدَ بنَ
الحارث، ألم تكتُبوا إليَّ أنْ قد أينعَتِ الثِّمارُ واخْضَرَّ الجَناب، وإنّما
تُقْدِمُ على جندٍ لك مُجنَّدة؟!".
فقال له قيسُ بنُ الأشعث: ما ندري ما تقول! ولكن انَزِلْ على حُكْمِ بني عمِّك،
فإنّهم لا يُرونَكَ إلا ما تحبّ!.
فقال له الحسينُ عليه السلام:
"أنت أخو أخيك، أتريدُ أن يطلبَكَ بنو هاشمٍ بأكثرَ من دمِ مسلمِ بنِ عقيل، لا
واللهِ، لا أُعطيهِمْ بيدي إعطاءَ الذليلِ، ولا أُقِرُّ إقرارَ العبيد. عبادَ
اللهِ، إنيّ عُذْتُ بربّي وربِّكُمْ أنْ ترجُمون، أعوذُ بربِّي وربِّكُمْ من كلِّ
متكبِّرٍ لا يؤمنُ بيومِ الحساب".
ثُمَّ إنَّهُ أناخَ راحلتَهُ وأمرَ عُقبةَ بنَ سَمعانَ فعَقلَها، وأقبلوا
يزحفونَ نحوَه.
الصفحة (18)
خطبة زهير بن القين
قالَ الراوي: فخرَجَ إلينا زهيرُ بنُ القَيْنِ على فرَسٍ له ذَنوب، شاكٍ في
السلاحِ فقال:
"يا أهلَ الكوفةِ، نَذارِ لكُمْ من عذابِ اللهِ نَذارِ، إنَّ حقاً على المسلمِ
نصيحةُ أخيهِ المسلِم، ونحنُ حتَّى الآنَ إخوةٌ وعلى دينٍ واحدٍ وملَّةٍ واحدةٍ ما
لمْ يقَعْ بينَنا وبينَكُمُ السيفُ، وأنتُمْ للنصيحةِ مِنَّا أهل، فإذا وقعَ السيفُ
انقطعَتِ العِصمةُ وكنَّا أمّةً وأنتُمْ أمّة. إنَّ اللهَ قدِ ابتلانا وإيَّاكُمْ
بذُريَّةِ نبيِّهِ محمّدٍ لينظُرَ ما نحنُ وأنتُمْ عاملون، إنَّا ندْعُوكُمْ إلى
نصرِهِم وخِذْلانِ الطاغيةِ عُبَيدِ اللهِ بْنِ زياد، فإنَّكُمْ لا تُدْرِكُونَ
مِنْهما إلاَّ سُوءَ عُمْرِ سُلطانِهما كلِّه، لَيَسمِّلانِ أعينَكُم، ويُقطِّعانِ
أيديَكُم وأرجُلَكُم، ويُمثِّلانِ بكُم، ويَرْفَعانِكُم على جُذوعِ النَّخْلِ،
ويقْتُلانِ أماثِلَكُم وقُرَّاءَكُم أمثالَ حُجْرٍ بنِ عَدِيٍّ وأصحابِهِ وهانِئ
بنِ عُرْوةَ وأشباهِه".
فَسبُّوهُ، وأثْنَوْا على عُبيدِ اللهِ بنِ زيادٍ ودعَوْا لهُ، وقالُوا: واللهِ،
لا نَبْرَحُ حتَّى نقتلَ صاحبَكَ ومَنْ معَهُ أوْ نَبْعَثَ بهِ وبأصحابِهِ إلى
الأميرِ عُبيدِ اللهِ سَلَمَاً.
فقالَ لهُمْ زهير:
"عِبادَ اللهِ إنَّ وُلْدَ فاطمةَ رضوانُ اللهِ علَيْها أحقُّ بالوُدِّ والنَّصْرِ
منِ ابْنِ سُميَّة، فإنْ لم تنْصُروهُم فأُعيذُكُم باللهِ أنْ تقتُلُوهُم، فخَلُّوا
بينَ هذا الرجُلِ
الصفحة (19)
وبينَ ابْنِ عمِّهِ يزيدَ بنِ مُعاوِية، فَلَعَمْري إنَّ يزيدَ لَيَرْضى مِنْ
طاعتِكُمْ بدونِ قَتْلِ الحسينِ عليه السلام ".
فَرَماهُ شِمرُ بنُ ذي الجوشَنِ بسهمٍ، وقال: اُسْكُتْ، أسْكَتَ اللهُ
نَأمَتَكَ، أَبْرَمْتَنا بكَثرةِ كلامِك.
فقالَ لَهُ زهير:
"ما إيَّاكَ أخاطِبُ...، ما أظنُّكَ تُحْكِمُ منْ كتابِ اللهِ آيتَيْنِ، فأبشِرْ
بالخِزْيِ يومَ القيامةِ والعذابِ الأليم".
فقالَ لهُ شِمر: إنَّ اللهَ قاتلُكَ وصاحِبَكَ عنْ ساعة.
قال:
"أفَبِالموتِ تخوِّفني؟ فواللهِ، لَلْموتُ معَهُ أحَبُّ إليَّ مِنَ الخُلْدِ
معكُم".
ثُمَّ أقبلَ زهيرٌ على الناسِ رافِعاً صوتَهُ فقال:
"عبادَ اللهِ، لا يَغُرَّنَّكُمْ عنْ دِينِكُم هذا الجَلِفُ الجَافي وأشباهُهُ,
فواللهِ، لا تَنالُ شفاعةُ محمَّدٍP قوماً أراقُوا دِماءَ ذرِّيَتِهِ وأهلِ بيتِهِ
وقتَلُوا مَنْ نصَرَهُمْ وذبَّ عنْ
حريمِهِم".
فناداهُ رجلٌ فقالَ لَه: إنَّ أبا عبدِ اللهِ عليه السلام يقولُ لك:
"أقبِلْ، فلَعَمْري لئنْ كانَ مؤمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ نصَحَ لقومِهِ وأبلَغَ في
الدُعاءِ، لقَدْ نصحْتَ لهؤلاءِ وأبلغْتَ لو نَفَعَ النُّصْحُ والإبلاغ".
الصفحة (20)
خطبة بُرَير بن خُضَير
ورُوِيَ أنَّ الحسينَ عليه السلام قالَ لبُريْرِ بنِ خُضَيرٍ الهمدانيّ:
"كلِّمِ القومَ يا بُريرُ وعِظْهُم".
فتقدَّمَ بُرَيرٌ حتَّى وقَفَ قريباً منَ القومِ، والقومُ قَدْ زحَفُوا إليهِ عنْ
بِكرةِ أبيهِم، فقالَ لهُمْ برير:
"يا هؤلاء! اتَّقُوا اللهَ، فإنّ ثِقْلَ محمّدٍ قدْ أصبحَ بينَ أظْهُرِكُم، هؤلاءِ
ذرْيتُهُ وعِتْرَتُهُ وبناتُهُ وحُرَمُه! فهاتُوا ما عندَكُم! وما الذي تريدُونَ
أنْ تَصْنَعُوا بهِم؟!".
فقالوا: نُرِيدُ أنْ نمكِّنَ منهُمُ الأميرَ عُبيدَ اللهِ بنَ زيادٍ فيرَى رأيَهُ
فيهِم:
فقالَ برير:
"أفلا ترْضَوْنَ منْهُمْ أنْ يَرْجِعُوا إلى المكانِ الذي أقبَلُوا منه؟ ويلَكُمْ
يا أهلَ الكوفة! أنسيتُمْ كُتُبَكُمْ إليهِ وعُهُودَكُمُ التي أعطيتُمُوها منْ
أنفسِكُم وأشهَدْتُمُ اللهَ علَيْها وكفَى
باللهِ شهيداً؟! وَيْلَكُم، دعَوْتُمْ أهلَ بيتِ نبيِّكُمْ وزعَمْتُم أنَّكُمْ
تقتُلُونَ أنفسَكُمْ منْ دونِهِم، حتَّى إذا أتَوْكُمْ أسْلَمْتُمُوهُمْ لعُبَيْدِ
الله! وحلَأتمُوهُمْ عن ماءِ الفُراتِ الجاري! بْئِسَما
خلَفْتُمْ محمّداً في ذرِّيَّتِه! ما لكُمْ, لا سَقاكُمُ اللهُ يومَ القيامة؟!
فبئِسَ القومُ أنتُم!".
فقالَ لهُ نفَرٌ منهم: يا هذا, ما نَدْرِي ما تقول؟ |