|
الصفحة (151)
أُسس من تعاليمه النظريّة لفترة
أطول . وقد نشأ عن عهد
عثمان الطويل في الخلافة أنْ تنمو السلطة الاُمويّة ويستفحل
أمرها في الشام وفي غير الشام ...
فلمّا أنْ جاء عليّ
(ع) لمْ يكن من اليسير أنْ يردّ
الأمر إلى نصابه في هوادة . وقد علم
المستنفعون على عهد
عثمان ، وبخاصّة من اُميّة ، أنّ عليّاً
(ع) لن يسكتَ عليهم ، فانحازوا
بطبيعتهم وبمصالحهم إلى معاوية ...
ولقد كان من الطبيعي ألاّ
يرضى المستنفعون عن عليّ
(ع) ، وألاّ يقنع بشرعة
المساواة من اعتادوا التفضيل ، ومن
مردوا على الاستئثار . فانحاز هؤلاء في النهاية إلى
المعسكر الآخر : معسكر
اُميّة ،
حيث يجدون فيه تحقيقاً لأطماعهم ، على حساب العدل والحقّ اللذين يصرّ عليهما
عليّ
(ع) هذا الإصرار ...
والذين يرون في معاوية دهاءً
وبراعة لا يرونهما في عليّ
(ع) ، ويعزون إليها غلبة معاوية في النهاية ، إنّما يخطئون
تقدير الظروف ، كما يُخطّئون فهم عليّ
(ع) وواجبه . لقد كان واجب عليّ
(ع) الأوّل والأخير أنْ
يردّ للتقاليد
الإسلاميّة قوّتها ، وأنْ يردّ إلى الدين روحه
، وأنْ جارى وسائل بني
اُميّة
في المعركة لبطلت مهمّته
الحقيقيّة . ولمّا كان لظفره بالخلافة خالصة من قيمة في حياة
هذا الدين . إنّ عليّاً
(ع) إمّا أنْ يكون عليّاً
(ع) أو فلتذهب الخلافة عنه ، بل فلتذهب حياته
معها . وهذا هو الفهم الصحيح الذي
لمْ يغب عنه (ع) وهو يقول ـ فيما
يروى عنه إنْ صحّت الرواية ـ :
(( والله ، ما معاوية بأدهى منّي
، ولكنّه يغدر ويفجر
؛ ولو لا
كراهيّة الغدر لكنت من أدهى الناس ))
. انتهى .
* * *
الصفحة (152)
ولعلّك ترى الآن فيما أوردنا
من كلام السابقين اتّفاقهم على اختلافهم في
الملامح الرئيسيّة للنظام
الاُموي الذي
أسّسه معاوية ، وهي : النظام مغاير كلّية للنظام الإسلامي
. أو بتعبير
المودودي : تحوّل جذري
عنه . وليس كما زعم ابن خلدون
: أنّ روح الخلافة كانت لا تزال باقية فيه .
الوصول للسلطة تمّ عبّر القهر
والقوّة والجبروت
, فلا اختيار ولا حرّية ولا شورى .
النظام
الاُموي نظام جاهلي :
وهذه أخطر النتائج ، أنّها
سيترتّب عليها عواقب على درجة عُظمى من الأهميّة في الفهم الكلّي لكافة ممارسات النظام
, ومع خطورتها فقد أجمعوا عليها بالنصّ :
أ ـ يقول الشيخ
رشيد رضا : فتوسّلوا بهم إلى سنّ سنّة الجاهليّة والقضاء على خلافة النبوّة
الشرعيّة .
ب ـ ويقول الشيخ أبو زهرة : ولكن تحرّكت
المطامع نحو الملك والعصبيّة العربيّة والإحن الجاهليّة .
ت ـ ويقول الشيخ الغزالي : طويت أعلام الخلافة الراشدة ، وقضى عليها معاوية بن أبي سفيان مقلّداً
المجوسيّة
الفارسيّة والصليبيّة الرومانيّة
دمّرت الأخضر واليابس في الحضارة الإسلاميّة المظلومة .
ث ـ ويقول سيّد قطب :
لمْ يكن
ذلك من وحي الإسلام ، إنّما كان من وحي الجاهليّة الذي أطفأ إشراقه الروح الإسلامي
، وكان هذا الاتّجاه طعنة نافذة في قلب الإسلام ونظام الإسلام واتّجاه الإسلام .
* * *
الصفحة (153)
ب ـ الرقابة على السلطة ،
والموقف من المعارضة :
ما ابتلي نظام قط بسبب مدمّر
على مهل بمثل ما ابتلي باستبداد الرأي
؛ ذلك أنّه كالسوس ينخر في العظام
حتّى تستحيل
فتاتاً . وما أسوأ العاقبة على النظام ذاته ، فضلاً عن غيره . ومهما كان النظام
متّسعاً كنظام الدولة أو مقتصراً على حياة فرد واحد فالعاقبة سواء
, مثله في ذلك
كمثل مَن يسدّ على نفسه نافذته لتيار الهواء الصحّي في غرفة محكمة ، فلا يكون تنفّسه
إلاّ خصماً من نقاء هواء الغرفة ، فلا تجديد ولا تغيير
حتّى تضيق عليه أنفاسه ،
فيسقط في النهاية مختنقاً .
صدق ذلك في
كلّ الأحوال ،
وأينما كان المكان وفي جميع الأزمان
؛ ذلك أنّ العلاقة الأساسيّة للحياة هي علاقة
تواصل وحوار بما يعنيه من أخذ وعطاء وتبادل وتشابك مع الأغيار ، فإذا انعدم الأغيار
انقطع الحوار ، وبذا يسقط شرط استمرار علاقة الحياة .
ألمْ ترَ إلى الجسد الإنساني
يشترط لاكتسابه
المناعة وجود آليّة لتوليد أجسام مضادّة
لمسبّبات الأمراض التي يحفل
بها الجسد ذاته ، إضافة إلى البيئة
المحيطة , فكذلك كلّ نظام ، ولا سيّما النظام
السياسي الذي يكتسب حيويّته ، ويحافظ على بقائه إنْ توفّرت شروط مناعته بوجود الرأي
الآخر الذي يُراجع قراراته ، فيمضي منها الصالح ويعيق السيء ، وينبّه إلى مواطن الزلل
، ويكشف عن مواقع الخلل ، ويستشف مظان الخطر ، ويُساند ويحشد في
الملمّات ، ويقترح
الحلول في المعضلات .
ولهذا كان أتعس نظام الذي يقف
موقف العداء الجهول من الآراء الناقدة ، فيعمل على وأدها بدل الاسترشاد بها ، فيضرّ
نفسه من حيث أراد نفعها .
الصفحة (154)
وقد حرص الإسلام أشدّ الحرص
على تبيان أهميّة هذا
الأمر ،
حتّى إنّه لمْ يجعله حقّاً وإنّما فرضه واجباً ، فشدّد على
وجوب النصح والتناهي عن
المنكر والأمر بالمعروف ؛ ولمْ يستثنِ من هذا الوجوب أحداً من
المسلمين ، وإلاّ عمّ البلاء الجميع
الآثم منهم والمستكين .
قال الله تعالى
يصف عمل المؤمنين : (
وَتَوَاصَوْا
بِالحقّ )(1) . وإخباراً عن نوح :
(
وَأَنْصَحُ
لَكُمْ
)(2) . وعن هود :
( وَأَنَا
لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ
)(3) . ووصفاً لجزيرة بني إسرائيل
الكبرى : (
كَانُوا
لاَ يَتَنَاهُوْنَ عَن مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ
)(4) . وبياناً للمجتمع الإيماني :
( وَالْمُؤْمِنُونَ
وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضَهُمْ أَولِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
وَيَنْهَوْنَ عَنِ
الْمُنْكَرِ )(5) .
وروى مسلم عن رسول الله (صلّى
الله عليه وآله) أنّه قال :
(( الدينُ النصيحةُ )) . قلنا :
لمَن ؟ قال (ص) : (( لله ولكتابهِ
ولرسولهِ ، ولأئمّةِ
المسلمينَ وعامِّتهم
)) .
وفي حديث متّفق عليه
، عن جرير
بن عبد الله ، أنّه قال : بايعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على إقام الصلاة ،
وإيتاء الزكاة ، والنصح لكلّ مسلم .
وروى الترمذي وأبو داوود
، عن
رسول الله (صلّى الله عليه وآله)
، أنّه قال (ص) : (( أفضلُ الجهاد كلمةُ عدل عند سلطانٍ جائرٍ
)) .
ـــــــــــــــ
(1) سورة
العصر / 3 .
(2) سورة
الأعراف / 62 .
(3) سورة
الأعراف / 68 .
(4) سورة
المائدة / 79 .
(5) سورة التوبة / 71 .
الصفحة (155)
ثمّ إنّ الإسلام أرسى قاعدة
أساسيّة يقوم عليها بِناء الدولة
كلّه ، وحياة المسلمين جميعاً
، وهي : الشورى .
وأنت إذا تمعّنت آيات الشورى ،
واطّلعت على أسباب وظروف نزولها ، لانطلقت من فورك مهللاً
لمَا تطّلع عليه ، إذ يقول
الله تعالى : (
فَبِمَا
رَحْمَةٍ مِنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ
لَانفَضّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي
الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكّلْ عَلَى اللّهِ إِنّ اللّهَ يُحِبّ
الْمُتَوَكّلِينَ )(1) .
فقد نزلت هذه الآيات عقب
كارثة هزيمة اُحد ، والتي كان أحد أسبابها خروج
المسلمين لملاقاة العدوّ خارج
المدينة
، وهو ما تمّ بعد
المشاورة وتغلّب الرأي القائل بالخروج
, وبالرغم من هذه النتيجة
التي أسفرت عنها
المشاورة ، فإنّ الله تعالى يحثّ نبيّه على الشورى ، أي
: الاستمرار في
المشاورة .
فإذا علمت أنّ إمضاء الرأي القائل بالخروج قد تمّ
، وفيهم النبيّ (صلّى الله
عليه وآله) الذي كان رأيه التحصّن بالمدينة ، لأدركت أمرين
,
أوّلهما
:
أنّ القيادة
المعصومة بالنصّ هي وحدها صاحبة القرار الصائب الذي لا تجوز مخالفته
، لمَا يقع
بمخالفته من شرور تخفى على الناس إنْ هم أعلموا رأيهم
, يقول الله تعالى :
( الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ
أَحَدًا إِلاَّ اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا )(2) .
وثانيهما
:
ففيما عدا ذلك فالشورى واجبة ، وإنْ أفضت إلى خطأ جزئي ، فذلك أدعى للصحّة
الكلّية , وقد كان أمر الله تعالى لنبيّه (صلّى الله عليه وآله) بالشورى تدريباً
للمسلمين على ممارستها
وهو موجود بينهم
؛ لفهم
المعاني وإدراك المقاصد ، وارتقاء
بوعيهم الكلّي للوصول إلى القرار
ـــــــــــــــ
(1) سورة آل
عمران / 159 .
(2) سورة
الأحزاب / 36 .
الصفحة (156)
الصحيح فيما قد يعن لهم من
مشكلات حتّى يكون
كلّ على بيّنة من أمره ، ولذلك
لمْ تمنع عصمته (صلّى الله عليه وآله) من ممارسته الشورى . وقد أثر عن رسول الله
(صلّى الله عليه وآله) : أنّه لم يكن
أحد أكثر مشورةً لأصحابه من رسول الله (صلّى الله عليه وآله)(1) .
وبذلك تسقط
كلّ حجج المستبدّين
الطُغاة ، فالمشاورة ضرورة ، وحريّة إبداء الرأي واجبة على كافّة
المستويات ، ومهما
تكن النتائج .
ولكن لمّا أفل العصر
الأمثل(2) وأغشى عهد الملك ، تكاثفت ظلم الليل
حتّى صار بهيماً متثاقلاً طويلاً لا يلوح
لصبحه انبلاج قريب
، وتبدّلت
كلّ مظاهر الحياة كما عايشها النّاس في العصر
الأمثل ،
فاستحالت الشورى استبداداً والعدل ظلماً . وأضحت النصيحة جريرة ، والأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر إفساداً في الأرض وتفريقاً للجماعة
، ولمْ تزل تلك سمة
كلّ نظام
استبدادي .
ـــــــــــــــ
(1) السياسة
الشرعيّة ، مرجع سابق
/ 135 .
(2) يرى طه
حسين أنّ أحد أسباب انتثار أمر عليّ بن أبي طالب
(ع) كثرة مشاورته لرعيّته ، على العكس من
معاوية ، فيقول : كان عليّ
(ع) يدبّر أمور أصحابه عن ملأ منهم ، لا يستبدّ من دونهم بشيء ،
وإنّما يستشيرهم في الجليل والخطير من أمره ، وكان يرى لهم الرأي فيأبونه ويمتنعون
عليه ويضطرونه إلى أنْ ينفّذ رأيهم ويحتفظ برأيه لنفسه . وكان ذلك يُغريهم به
ويطمعهم فيه .
ولمْ يكن معاوية يُعطي أصحابه بعض هذا الذي كان يُعطيهم عليّ
(ع) ،
لمْ يكن
يستشيرهم ، وإنّما كان له
المُشيرون من خاصّته الأدنين . فكان إذا أمر أطاعه أهل الشام
دون أنْ يجمجموا فضلاً عن أنْ يُجادلوا ،
ثمّ كان أمور عليّ
(ع) كلّها تدبّر وتبرم على ملأ من
الناس ، لا تخفى على أصحابه من أمره خافية مهما يكن من خطرها . كان عليّ
(ع) يدبّر خلافة
وكان معاوية يدبّر ملكاً ، وكان عصر الخلافة قد انقضى
، وكان عصر
الملك قد أظلّ . طه
حسين ، الأعمال الكاملة
، الخلفاء الراشدون ، عليّ وبنوه
/ 593 ، ط 1 ـ بيروت ـ دار الكتاب
اللبناني / 1973 م .
الصفحة (157)
وقد يجد
المبرّرون أسباباً
، وإنْ وهت ، يتعلّقون بها لتبرير أفعال السلاطين في قمعهم
لمعارضيهم ، بمثل حجّة حصر
الفتنة وحفظ استقرار
المجتمع , وتلك هي الحجّة الدائمة لحكّام الاستبداد وسدنة حكمهم
على مرّ التاريخ
, وأمّا أنْ يُعاقب شخص على حبّ شخص في الله ، فهذا ما لا يقوى على
تجويزه أشدّ المكابرين مماراة .
فكيف إذا بلغت العقوبة حدّ
القتل ؟ وكيف إذا كان
المعاقب فاضلاً
خيّراً صحابيّاً جليلاً ؟ وكيف إذا كان
المحبوب غير
متواجد ، بل مضى إلى أمر ربّه ؟ وكيف إذا كان هذا الحبّ ذاته
بعض الدين ؟
فهذا ما
لمْ نسمع به في قصص
البرابرة ، أو نقرأ عنه في تاريخ الوثنيّين ، فكيف يحدث ذلك في تاريخ الدولة
الإسلاميّة ؟ وممّن ؟ من خليفة
المسلمين !
تلك كانت فجيعة قتل حجر بن
عدي على يد معاوية بن أبي سفيان . وحجر بن عدي كما يعرّف به ابن
الأثير(1) : المعروف بحجر الخير
، وفد على النبيّ (صلّى الله عليه وآله) هو
وأخوه هانئ ، وشهد القادسيّة ، وكان من فضلاء الصحابة .
وكلّ جريرة حجر أنّه كان يعترض
على سبّ عليّ بن أبي طالب
(ع) وأصحابه وآل البيت
(عليهم السلام) على
المنابر ، فاعتبر معاوية ذلك
الاعتراض اجتراء على
عمّاله ، وانتقاصاً من هيبة الحكم ، وإفساداً في الأرض يستحقّ
معه حجر القتل
؛ ذلك أنّ معاوية ـ بعد استيلائه على السلطة ـ سنّ لنفسه ولعمّاله في
الأقاليم سبّ عليّ
(ع) وأصحابه وبنيه
(عليهم السلام) على
المنابر عقب الصلوات وفي خطب الجمعة .
ـــــــــــــــ
(1) أُسد
الغابة ، مرجع سابق 1
/ 461 .
الصفحة (158)
يروي الطبري(1)
: أنّ معاوية
كان إذا قنت لعن عليّاً
(ع) وابن
عبّاس والأشتر وحسناً وحُسيناً
(عليهما السّلام) .
ولكن حجراً
لمْ يكن يطيق سماع
سبّ آل بيت رسول الله (صلوات الله عليهم
أجمعين) ، بينما هو جالس للصلاة بالمسجد ، فكان
يخرج عن صمته رادّاً على
عمّال معاوية مقالتهم .
يروي الطبري(2)
: أنّ
المغيرة
بن شعبة ـ وهو عامل معاوية على الكوفة
ـ كان لا يدع ذمّ عليّ
(ع) والوقوع فيه , فكان
حجر إذا سمع ذلك
، يقول : بل إيّاكم فذمّ اللهُ ولَعن
، إنّ الله عزّ وجل يقول :
(
كُونُوا
قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ للّهِ )(3)
. وأنا أشهد أنّ مَن تذمّون وتعيّرون لأحقّ بالفضل ، وأنّ مَن تزكّون وتطرون أولى بالذمّ
.
فلمّا مضى
المغيرة وولّي زياد
بن سمية ، كان يفعل فعل
المغيرة سنّة معاوية ، وظلّ حجر كذلك على شهادته لله بفضل عليّ
(ع) كلمّا سمع سبّه . إلاّ أنّ زياداً كشّر عن نابيه وتوعّد حجراً بقوله : سقط العشاء بك
على سرحان (4) . وكتب زياد إلى معاوية في أمر حجر وكثّر عليه ، فأمره معاوية بشدّه
في الحديد وإشخاصه إليه بدمشق
, ففعل زياد ، فلمّا قدم حجر على معاوية قدّمه للقتل ،
فضرب بالسيف صبراً .
فعل معاوية إذاً فعلته ، ولمْ
ينسَ منهجه في إخراج أفعاله إخراجاً مشبّهاً ، فجاء بكتاب تشهد فيه بطانة زياد على
خروج حجر عن الجماعة
, كما
لمْ ينسَ إدراج بعض الأسماء
المعروفة بالصلاح زيفاً ،
حتّى لا يقتصر كتاب الشهادة على مَن هم معروفون بالمُداهنة .
ـــــــــــــــ
(1) تاريخ
الطبري ، مرجع سابق 5
/ 71 .
(2) المرجع
السابق / 254 .
(3) سورة
النساء / 135 .
(4) مثل يضرب
في طلب الحاجة
، يؤدّي بصاحبها إلى التلف
. سرحان : الذئب .
الصفحة
(159)
ومن هؤلاء
المزيّفة أسماؤهم
: شريح بن هانيء الذي بلغه ما حدث ، فكتب إلى معاوية كتاباً يبرأ فيه ممّا أُلصق به من
شهادة ، فجاء كتابه دليلاً على زور شهادة
المُداهنين لمعاوية وزياد على دينهم ،
فضلاً عن إلزامه معاوية الحجّة أمام الله
, قال شريح(1) :
بسم الله الرحمن الرحيم
لعبد الله معاوية أمير
المؤمنين من شريح بن هانيء .
أمّا بعد ,
فإنّه بلغني أنّ زياداً
كتب إليك بشهادتي على حجر بن عدي ، وأنّ شهادتي على حجر أنّه ممّن يُقيم الصلاة ، ويُؤتى
الزكاة ، ويديم الحجّ والعمرة ، ويأمر بالمعروف ، وينهى عن
المنكر ، حرام الدم
والمال ، فإنْ شئت فاقتله ، وإنْ شئت فدعه .
ولكنّ معاوية
لمْ يعر كتاب
شريح اهتماماً ، وأمضى في حجر أمره بالقتل ، متعلّلاً بكتاب شهادة شهود زياد ،
حتّى
إذا لامه اللائمون من بعد
، قال : إنّما قتله الذين شهدوا عليه(2) .
وهذه تذكّرنا على الفور بتأوّل
معاوية التأول الفاسد لحديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لعمّار :
(( تقتلك الفئة
الباغية )) . فيقول معاوية بعد قتله
عمّاراً : إنّما قتله مَن
دفعه للقتل .
وبالرغم من هول تلك الفجيعة
التي قتل فيه معاوية حجراً وستّة من أصحابه ، فإنّنا لا نعجب منها
؛ ذلك أنّنا علمنا
منهجه في الإفتئات على الدين بالتأوّل الدائم الفساد ، كما قد علمنا بعد شرهه للملك
، وأنّه ملك عضوض
، أي : يعضّ عليه بالنواجذ ، وأنّ طبيعة مثل هذا
الملك ـ كما وصفه
ابن خلدون ـ الاستئثار بالمجد .
ـــــــــــــــ
(1) تاريخ
الطبري ، مرجع سابق
/ 272 .
(2) ابن كثير
، البداية والنهاية ، مرجع سابق 8
/55 .
الصفحة (160)
وإنّما العجب كلّ العجب أنْ
يأتي المعذّرون من الفقهاء
، أمثال : ابن تيميّة وابن العربي ، ليبرّروا
كلّ أفعال معاوية
مهما كانت ، ظانّين أنّهم بذلك يدافعون عن الإسلام وتاريخه ، غير مميّزين بين
الحقّ
والرجال ، فيضرّوه من حيث أرادوا نفعه ، وهم يظنّون أنّهم يحسنون صنعاً .
ولنرَ معاً مدى تهافت ابن
العربي ، ووهن حجّته في قضيّة حجر
؛ ذلك أنّه يعدّد حججه دفاعاً عن قتل معاوية حجراً
كالتالي(1) :
الأصل أنّ قتل
الإمام بالحقّ ،
فمَن ادّعى أنّه بالظلم فعليه الدليل . لو كان ظلماً محضاً ،
لمَا بقي
بيت إلاّ لعن فيه معاوية .
هذه مدينة السلام بغداد
،
مكتوب على أبواب مساجدها : خير الناس بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أبو بكر
، ثمّ عمر ، ثمّ عثمان ،
ثمّ عليّ (ع) ، ثمّ معاوية خال
المؤمنين (رضي الله عنهم) .
فهل رأيت أبعد من ذلك تهافتاً
ووهناً بل وازدراء بالعقول ؟!
فقد قرّر ابن العربي دون
أدنى مناقشة للواقعة
، أنّ معاوية إمام
الحقّ ، وأنّ كلّ ما يصدر عنه حقّ(2)
حتّى وإنْ
قتل صحابيّاً . وكلّ برهانه في ذلك أنّ أحداً لا يشتم معاوية ، كما أنّ اسمه منقوش على
الأبواب .
لا ، لا يُمكن موافقة ابن
العربي على مثل هذا الهزل الذي يُبيح للحاكم قتل النفوس الحرام بلا نُقاش
, فذلك ما
لمْ تقرّه أعراف الجاهليّة ، فكيف بنظام الإسلام العادل الذي يزعم
المنافحة عنه .
ـــــــــــــــ
(1) العواصم
من القواصم ، مرجع سابق
/ 139 .
(2) في الوقت
الذي ينكر فيه فقهاء السنّة القول بعصمة الأئمة من آل البيت
(عليهم السلام) ، تراهم يطبقون هذا
المعتقد عملياً كما في حالتنا هذه
، ولكن على الحكّام
ـ فقط الحكام ـ ممّن كان قد عاصر
الرسول (ص) . وهذا مصدر آخر
، إضافة إلى ما سبق ذكره من مصادر الازدواجيّة .
الصفحة (161)
ثمّ نعم ، نحن ها هنا نسوق
الدليل على سقوط دفاع ابن العربي ومَن سار على نهجه ، واستنّ بسنّته ونُقيم الحجّة على
معاوية ، ونحتكم في الحكم على فعلته
، على
المبدأ الذي أرساه ربّ العالمين :
(
مَن
قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنّمَا قَتَلَ
الناس جَمِيعاً
)(1) .
فقد أجمعت النصوص على أنّ حبّ
عليّ (ع) من حبّ الله تعالى ورسوله (صلّى الله عليه وآله)
, فهل أظلم ممّن أضمر غير الحبّ
لمَن أحبّه الله ورسوله
؟ وما بالك بمَن أظهره ؟
يروي البخاري في باب غزوة
خيبر : أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال في علي
(ع) : (( لأُعطينّ الراية غداً رجلاً
يفتح الله على يديه ، يحبّ الله ورسوله ، ويحبّه الله ورسوله
)) .
وفضل عليّ
(ع) وسابقته أشهر من أنْ
يُذكّر بها ، ويكفي أنْ تُذكر من منزلته قول رسول الله (صلّى الله عليه وآله) له
، فيما رواه البخاري في باب مناقب علي
(ع) : (( أمَا ترضى أنْ تكون منّي بمنزلة هارون من
موسى ؟ )) .
ثمّ هل هناك من مقام أعظم من
أنْ يشرّف امرؤ بالتوحّد مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله)
؟ فكذلك كان عليّ
(ع) الذي
قال له رسول الله (صلّى الله عليه وآله)
ـ فيما رواه البخاري
ـ : (( أنت منّي وأنا
منك )) .
فهل هناك أخسر ممّن سبّ عليّاً
(ع) وقد علم أنّه بعض رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ؟
ولمْ تكن هذه البغضيّة وهذا
الامتزاج بين رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وعليّ
(ع) من تكثّر محبّي عليّ
(ع) ، ولكنّها
كانت بالنصّ من رسول الله (صلّى الله عليه وآله)
، وهو ما حدا باُمّ سلمة أنْ تروع عندما
بلغها سبّ عليّ
(ع) ، فقالت(2) ـ فيما رواه أحمد ـ :
ـــــــــــــــ
(1) سورة
المائدة / 32 .
(2) البداية
والنهاية ، مرجع سابق 7
/370 .
الصفحة (162)
أيُسبّ رسول الله
(ص) فيكم على
المنابر ؟!
وبمثل ما ثبت النصّ على حبّ
عليّ (ع) ، فقد ثبت كذلك النصّ على النهي عن إضمار البغض له . يروي البخاري في كتاب
المغازي : ... وبعث عليّ
(ع) وخالد إلى اليمن
، أنّه
لمّا حدثت جفوة بين بريدة وعلي
(ع) ، وجاء
بريدة إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله)
، فقال له : (( يا بريدة ، أتبغض عليّاً
؟ )) .
فقلت : نعم . قال (ص) :
(( لا تبغضه ))
.
وفي رواية أحمد : قال رسول
الله (صلّى الله عليه وآله) لبريدة :
(( أتبغض عليّاً
؟ )) . قال ، قلت : نعم
. قال (ص) : (( فلا
تبغضه ، وإنْ كنت تحبّه فازددْ له حبّاً
)) .
ولكي تقف على حقيقة منزلة
عليّ (ع) ، وتدرك فداحة ما اقترفه معاوية ، فيكفي أنْ تعلم أنّ حبّ عليّ
(ع) أو بغضه
لمْ يكن كما لم يزل ، استشعارهما ممّا يكتمل به الإيمان أو ينقص
، ولكنّهما علامتان فارقتان
على الإيمان والنفاق . جاء في صحيح مُسلم
، عن عليّ بن أبي طالب
(ع) قوله : (( إنّه لعهد
النبيّ الاُمّي إليّ
، أنّه لا يحبّني إلاّ مؤمن ، ولا يبغضني إلاّ منافق
)) .
ثمّ إنّ معاية كلّم وعُوتب وذكّر
بمدى إثم الوقوع في عليّ
(ع) ، ناهيك عن السبّ البواح له ، فلمْ يحرّك
كلّ ذلك في نفسه
شيئاً ولمْ يصغِ ، ولم يأبه ولم يتب . وقد كان حريّاً به أنْ يفعل فعل بريدة ، إذ
ما أنْ نهاه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عن بغض عليّ
(ع) ، حتّى تاب وقال ـ وفي رواية أحمد ـ : فما كان في الناس أحد بعد قول رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أحبّ
إليّ من عليّ (ع) .
يروي مسلم وأحمد والترمذي(1)
إنكار سعد بن أبي وقّاص لفعل معاوية : أمر معاوية بن أبي سفيان
سعداً ، فقال : ما يمنعك أنْ تسبّ أبا تراب ـ يقصد عليّاً
(ع) ـ ؟ فقال :
أمّا ما ذكرت
ثلاثاً قالهنّ له رسول الله (صلّى الله عليه وآله)
, لأنْ تكون لي
ـــــــــــــــ
(1) البداية
والنهاية ، مرجع سابق
/ 352 .
الصفحة (163)
واحدة منهنّ أحبّ إليّ من حمر
النعم , سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول ـ وخلّفه في بعض مغازيه ـ فقال
له عليّ (ع) : (( يا رسول الله ، أتخلّفني مع النساء والصبيان ؟
)) . فقال رسول الله (صلّى الله
عليه وآله) :
(( أمَا ترضى أنْ تكون منّي بمنزلة هارون من موسى ، إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي
؟ ))
. وسمعته يقول يوم خيبر :
(( لأُعطينّ الراية رجلاً يحبّ الله ورسوله
، ويحبّه الله ورسوله
)) . قال : فتطاولت لها
. قال (ص) : (( ادعوا لي عليّاً ))
. فأُتى به أرمد ، فبصق في عينيه ودفع
الراية إليه ، ففتح الله عليه .
ولمّا نزلت هذه الآية :
( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا
نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا
وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ
)(1)
. دعا رسول الله
(صلّى الله عليه وآله) عليّاً وفاطمة وحسناً وحُسيناً
(عليهم السّلام) ، ثمّ قال : (( اللهمّ
، هؤلاء أهلي )) .
ثمّ نهض سعد قائلاً
لمعاوية : لا أدخل عليك داراً بعد هذا اليوم
.
ثمّ نفض رداءه ثمّ
خرج .
فقد ذكّر معاوية إذاً بالله ،
فلمْ يشأ أنْ يذكر ، فما أتعسه إذ نصب نفسه حرباً لله
, يقول رسول الله (صلّى الله
عليه وآله) ـ ذكره البخاري في الحديث القدسي ـ قال الله تعالى :
(( مَن عادى لي وليّاً
، فقد آذنته بالحرب
)). فما بالك بعداء مَن كان مولىً لكلّ مؤمن؟ قال رسول الله (صلّى
الله عليه وآله)
ـ وثبت ذلك بطرق متعدّدة(2)
ـ: (( مَن كنت مولاه فعليّ مولاه،
اللهمّ والِ مَن والاه، وعادِ مَن عاداه
)) .
فإذا كان حبّ عليّ
(ع) علامة على
الإيمان ، وبغضه آية على النفاق ، وعداؤه عداء لله ورسوله
(ص) ، فكيف بمَن
لمْ يكتفِ بحرب
عليّ (ع) بل تسلط على رقاب العباد ، فجعل حياتهم رهن سبّ عليّ
(ع) وإعلان البراءة منه
؟
ـــــــــــــــ
(1) سورة آل
عمران / 61 .
(2) جمع ابن
كثير في البداية والنهاية
7 / 360 ، طرق رواية الحديث
، وهو
المشهور بـ ( حديث غدير خم
) .
الصفحة (164)
إقرأ معي فجيعة من فجائع
الدهر ، ومأساة من مآسي التاريخ ،
ثمّ أمعن النظر في أبشع صور الاستبداد والطغيان
تمثّلت في مخزى من مخازي معاوية رأس النظام
الأموي ، يروي الطبري(1)
: أنّ معاوية
أرسل رسوله إلى حجر بن عدي وأصحابه في السجن
، يعرض عليهم تركهم إنْ هم لعنوا عليّاً
(ع) ،
فيقول لهم : إنّا قد أُمرنا أنْ نعرض عليكم البراءة من عليّ
(ع) واللعن له ، فإنْ فعلتم
تركناكم ، وإنْ أبيتم قتلناكم
؛ فابرأوا من هذا الرجل ، نخلِّ سبيلكم
. فقالوا :
اللهمّ ، إنّا لسنا فاعلي ذلك
، بل نتولاّه ، ونتبرّأ ممّن تبرّأ منه .
وهذا زياد بن سميّة
عامل
معاوية على الكوفة
، يأتي بصيفي بن فسيل صاحب حجر بن عدي
، فيقول له : يا عدوّ الله ،
ما تقول في أبي تراب ؟ قال : ما أعرف أبا تراب
. قال : ما أعرفك به ! فقال : ما
قولك في عليّ (ع) ؟ قال : أحسن قول أنّا قائله في عبد من عباد الله
المؤمنين . قال :
اضربوا عاتقه بالعصا
حتّى يلصق بالأرض . فضُرب
حتّى لزم الأرض . ثمّ قال : أقلعوا عنه ،
إيه ، ما قولك في عليّ
(ع) ؟ قال : والله ، لو شرحتني بالمواسي والمدى ما قلت إلاّ ما
سمعت منّي . قال : لتلعنّنه أو لأضربنّ عنقك
. قال : إذا تضربها والله قبل ذلك ، فإنْ
أبيت إلاّ أنْ تضربها
، رضيت بالله وشقيت أنت
. قال : ادفعوا في رقبته .
ولمّا جِيء بعبد الرحمن العنزي
إلى معاوية ، قال له :
ما قولك في عليّ (ع) ؟ قال : دعني ولا تسألني
, فإنّه خير لك . قال :
والله ، لا أدعك
حتّى تخبرني عنه . قال : أشهد أنّه كان من الذاكرين الله كثيراً ، ومن
الآمرين بالحقّ ، والقائمين بالقسط ،
ـــــــــــــــ
(1) تاريخ
الطبري ، مرجع سابق 5
/ 275 .
الصفحة (165)
والعافين عن الناس . فبعث به معاوية إلى
زياد ، وكتب إليه : أمّا بعد ، فإنّ هذا العنزي شرّ مَن بعثت ، فعاقبه عقوبته التي
هو أهلها ، واقتله شرّ قتلة . فما كان من زياد إلاّ أنْ دفنه حيّاً .
وهكذا قتل معاوية حجراً وأصحابه الستّة
على حبّ عليّ (ع) .
أفلا يذكّرنا ذلك بفعل أبيه أبي سفيان
عندما أحاطوا بزيد بن الدثنة ، مبعوث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى مكّة ،
فإذا بأبي سفيان يُحاول بشتّى الطرق انتزاع كلمةً من زيد ، وهو في موقف الموت تسيء
إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فيأبى زيد ، فيقتلوه .
على أنّه ممّا لا يدع أدنى مجال لمعذّر
لمعاوية ، أنّ حجراً وأصحابه حاجّوا معاوية وألزموه الحجّة ، رغم يقينهم أنّه
قاتلهم ، بحيث لا يجد عليهم سبيلاً تعلقاً بنقض البيعة ، تبياناً للناس حقيقة أمر
حكمه ؛ ذلك أنّ حجراً حين حُمل إلى معاوية ، قال له : السّلام عليك يا أمير المؤمنين
ورحمة الله وبركاته . فقال معاوية : أمير المؤمنين ! أمَا والله ، لا أقيلك ولا
أستقيلك ، أخرجوه فاضربوا عنقه .
ولمّا دخل الخثعمي على معاوية ، قال له :
الله الله يا معاوية ، فإنّك منقول من هذه الدار الزائلة إلى الدار الآخرة الدائمة
، ثمّ مسؤول عمّا أردت بقتلنا ، وفيمَ سفكت دماءنا ؟ فيصم معاوية أذنيه عن المناشدة
بالله ، أنّه لا يريد إلاّ سماع سبّ عليّ (ع) ، فيعود قائلاً للخثعمي : ما تقول في
عليّ (ع) ؟
قال الحسن بعد أنْ بلغه قتل حجر وأصحابه :
حاجّوهم وربّ الكعبة .
وقال الحسن البصري(1)
: أربع خصال كنّ في معاوية ، لو لمْ تكن فيه منهنّ إلاّ واحدة لكانت مُوبقة :
انتزاؤه على هذه الاُمّة بالسفهاء حتّى ابتزّها أمرها بغير
ـــــــــــــــ
(1) المرجع
السابق / 279 .
الصفحة (166)
مشورة منهم
وفيهم بقايا
الصحابة وذو الفضيلة
, واستخلافه ابنه بعده سكّيراً خميراً يلبس الحرير ويضرب
بالطنابير , وادّعاؤه زياداً
، وقد قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) :
(( الولد
للفراش ، وللعاهر الحجر
)) . وقتله حجراً ، ويلاً له من حجر
! ويلاً له من حجر
!
فلمّا قارب الأجل
المحتوم من
النهاية ، وجاءت سكرات
الموت ، وأيقن معاوية أنّها آخر لحظات الدنيا ، وأوّل العهد
بالآخرة , حضره شبح حجر ، واستحضر ما قدّمت يداه .
يقول ابن سيرين(1) : فبلغنا أنّه
لمّا حضرته الوفاة ، جعل يُغرغر بالصوت
، ويقول : يومي منك يا حجر
، يوم طويل !(2)
* * *
وقد أدرك
المعاصرون لأمر حجر
حقيقة هذا الموقف ـ كما نحلّله نحن الآن ـ فلم يسيغوا تأوّل معاوية لقتل حجر وأصحابه
ـ كما يفعل المعذّرون
لمعاوية ـ ، ولكن فهموه على أنّه حرص النظام الحاكم على قتل
المعارضة أيّاً كان نوعها ، وإنْ كانت تَعني النهي عن
المنكر والأمر بالمعروف وهو بعض
الدين ، إضافة إلى إرهاب مَن تسوّل له نفسه التفكير في نقد النظام . يدلّ على ذلك ما
رواه الطبري عن أبي إسحاق قوله : أدركت الناس
وهم يقولون : إنّ أوّل ذلّ دخل الكوفة
موت الحسن بن علي
(ع) ، وقتل حجر بن عدي ، ودعوة زياد
.
ويدلّ عليه أيضاً ما أيقنه
الناس من إمعان النظام الحاكم في تجبّره
ـــــــــــــــ
(1) المرجع
السابق / 257 .
(2) بينما
كانت آخر كلمات حجر ـ قبل أنْ يُقدّم للقتل ـ لبناته : إنّ الذي كان يرزقكنّ ويكفيني
مؤنتكنّ هو الله تعالى وهو حيّ لا يموت ، وأرجو ألا يُضيعكنّ وأنْ يحفظني فيكنّ
. وقال
لأهله : لا تطلقوا عنّي حديداً ، ولا تغسّلوا عنّي دماً
؛ فإنّي اُلاقي
معاوية غداً على
الجادّة .
الصفحة (167)
بعد قتل
المعارضة ، وهو ما
تعبّر عنه هند الأنصاريّة شعراً بقولها(1) :
تجبرت الجبابر بعد حجر
وطاب لها الخورنق والسدير
* * *
لمْ يكن قتل حجر وأصحابه مجرد
حادث عارض ، ولكنّه كان منهج معاوية ومَن أتى بعده في التعامل مع
المعارضة ، الاستئصال
من الجذور ، مهما كانت تلك
المعارضة على درجة من الحصانة تكفلها الصحبة أو السابقة
. وقد كان ذلك منهجاً أصيلاً وليس مجرد تعامل ظرفي
، فهل من حسن السياسة والتدبير
والحلم الذي زعمه الزاعمون
لمعاوية إصراره على سبّ عليّ
(ع) وبنيه (عليهم السّلام) وصحبه عقب الصلوات
ـ ولم يُبن لنا ابن العربي ولا غيره كيف تكون صلاة مَن يقول في تشهّد الختام منها :
اللهمّ ، صلِّ على
محمّد وعلى آل محمّد ، ثمّ يعقّب الصلاة بلعن آل
محمّد (صلّى الله عليه
وآله) ـ أمْ أنّها سياسة استفزاز متعمّد لأصحاب عليّ
(ع) ومَن يرى رأيه ؟ فمَن أجبر نفسه على
السماع والصمت فقد ضمن معاوية قهر نفسه واعتيادها على القهر
, وأمّا مَن أبت نفسه
إلاّ الشهادة بالحقّ
، فهذا لا علاج له عند معاوية إلاّ السيف
المصلت يتقدّمه كتاب
شهادة الزور بالمروق من الدين والخروج عن الجماعة
.
ـــــــــــــــ
(1) قالت هند في رثائه :
تـرفع أيـها الـقمرُ iiالمنير تبصّر هل ترى حجراً iiيسير
يسير إلى معاوية بن iiحرب لـيقتله كـما زعـم iiالأمير
تـجبرت الجبابر بعد حجر وطاب لها الخورنق والسدير
وأصبحت البلاد بها iiمحولاً كـأن لم يحيها مزن iiمطير
ألا يا حجر ، حجر بن iiعدي تـلقتك الـسلامة والسرور
أخـافُ عليك ما أردى iiعدياً وشـيخاً في دمشق له iiزئير
يـرى قتل الخيار عليه iiحقاً لـه مـن شـر امته وزير
الصفحة (168)
ولعلّ في ذلك تكون الإجابة
لمَن
وقف متسائلاً عن سبب سنّ معاوية سنّة لعن عليّ
(ع) وبنيه (عليهم السّلام) على
المنابر ، ومن هؤلاء نذكر
أستاذاً(1) للتاريخ الإسلامي واضح
الميل لمعاوية ودولته ، ولكنّه
لمْ يرَ مخرجاً
لمعاوية من هذا الفعل
، فيقول : ممّا ننقده على هذا العهد اهتمام معاوية بالتشهير
بعليّ (ع) على المنابر
، مع أنّ الرجل قد لحق بربّه وانتهى بأمره . وكان يعلم يقيناً أنّ هذه
الأقوال ممّا يهيج صدور شيعته
، وتجعلهم يتأفّفون ويتذّمرون
، ولا ندري ما الذي حمله أنْ
جعل ذلك فرضاً حتماً في
كلّ خطبة ، كأنّه ركن من أركانها لا تتمّ إلاّ به
.
نعم ، قد علم معاوية يقيناً
أنّ لعن عليّ (ع) يدعو للتذمّر ، وهذا لا يدعو للدهشة ، فقد علم يقيناً أيضاً أنّ مَن يقوى
على التذمّر لحب عليّ
(ع) ـ وقد مضى عليّ
(ع) إلى ربّه ـ فمعناه البقاء على الاستمساك بقيم
عليّ (ع) ومبادئه ومنهجه
. يقول أيّوب السختياني(2) ـ فيما أورده الذهبي(3) ـ : مَن
أحبّ عليّاً (ع) فقد استمسك بالعروة الوثقى . وتلك هي
المفرزة التي يُريدها معاوية ليحصد
خرجها أوّلاً بأوّل
، ومن هنا استمراره في سنّته إلى أنْ قضى مع توريثه إيّاها
لمَن بعده
.
على أنّ
الأمر ذا الأهميّة هنا
معرفة أنّ الأمر لا يتعلّق تحديداً بعليّ
(ع) ذاته ، فإنّما عليّ
(ع) رمز لا شية فيه للقيم
الخالصة والمبادئ الخالصة
، أي : للدين الخالص
. فمَن استمسك به
، فهو حقّاً أخطر أعداء
معاوية ، ولكن هذا لا يمنع أنّ نظام معاوية لا
ـــــــــــــــ
(1) الشيخ
محمّد الخضري بك ، تحقيق الشيخ
محمّد العثماني ، الدولة
الاُمّوية / 449 ، ط 1 ـ بيروت ـ دار القلم
/
1986 م .
(2) محمّد شمس
الدين الذهبي ، الكبائر
/ 179 ـ القاهرة ـ دار التراث العربي
/ 1982م .
(3) من عجائب
الأمور ، أنّ الذهبي يعدّ سبّ الصحابة من الكبائر
المخرجة من الملّة ، ومع ذلك لا يطبّق هو
أو غيره من فقهاء السنّة تلك القاعدة أبداً على معاوية
! وهذا سبب إضافي لازدواجيّة
الشخصيّة .
الصفحة (169)
يطيق ولا يسمح بأيّ نوع من
المعارضة ، سواء كانت من شيعة عليّ
(ع) أو من الخوارج عليه أو من غيرهم ، فقد اتّخذ لنفسه
ولعمّاله سياسة التنكيل والبطش بلا رحمة في تعاملهم مع
المعارضة .
هل رأيت زياد بن سميّة
، عامل
معاوية على البصرة
، ثمّ عليها وعلى الكوفة معاً
، يقتل أعرابيّاً رغم علمه ببراءته
؛ لأنّه رأى في قتله إرهاباً لغيره .
ذكر ابن
إسحاق(1) ما قاله
رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يوم عرفة
، من حجّة الوداع إذ كان يردّد صارخه : يقول
له رسول الله (صلّى الله عليه وآله) :
(( قل يا أيّها الناس ، إنّ رسول الله ، يقول : هل تدرون أيّ شهر هذا ؟
)) . فيقول لهم ، فيقولون : الشهر الحرام
.
فيقول (ص) : (( قل لهم : إنّ الله قد حرّم عليكم دماءكم وأموالكم إلى أنْ تلقوا ربّكم
، كحرمة
شهركم هذا )) . ثمّ يقول
(ص) : (( قل : يا أيّها الناس ، إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله)
، يقول : هل تدرون أيّ بلد هذا ؟
)) . قال : فيصرخ به
. قال ، فيقولون : البلد الحرام
. قال
، فيقول (ص) : (( قل لهم : إنّ الله قد حرّم عليكم دماءكم وأموالكم إلى أنْ تلقوا ربكم
، كحرمة
بلدكم هذا )) . قال :
ثمّ يقول (ص) : (( قل : يا أيّها الناس ، إنّ رسول الله (صلّى الله عليه
وآله) ، يقول : هل تدرون أيّ يوم هذا ؟
)) . قال : فيقوله لهم . فيقولون : يوم الحجّ الأكبر
. قال : فيقول (ص) :
(( قل لهم : إنّ الله قد حرّم عليكم دماءكم وأموالكم إلى إنْ تلقوا ربّكم
، كحرمة يومكم هذا
)) .
ج ـ سياسة
المال :
إحدى أهمّ خصائص نظم الحكم على
اختلافها ، وبالأخصّ نظام الحكم الإسلامي ،
لمّا كانت سياسة المال فيه مضبوطةً كلّيةً
بشرع الله . وإذا كانت
ـــــــــــــــ
(1) سيرة ابن
هشام ،
مرجع سابق 4
/ 605 .
الصفحة (170)
هناك فسحة لاجتهاد الحاكم ،
فهو محدّد بالتزام العدل وأداء
الأمانة مُطلقاً دون اتّباع هوىً أو مجرد الاقتراب من
مظنّة الشبهات .
يقول الله تعالى :
(
يَا
دَاوُدُ إِنّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ
الناس
بِالحقّ وَلاَ تَتّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلّكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ )(1) .
( إِنّ
اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدّوا
الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا
حَكَمْتُم بَيْنَ
الناس أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ
)(2) .
وقد وضع الفقهاء شروطاً ثلاثة
للخليفة في سياسته للمال(3) :
أ ـ جباية الفيء والصدقات على ما
أوجبه الشرع نصّاً واجتهاداً من غير خوف ولا عسف .
ب ـ تقدير العطايا وما يستحقّ في
بيت المال من غير سرف ولا تقتير ، ودفعه في وقت لا تقديم فيه ولا تأخير .
ت ـ استكفاء
الأمناء وتقليد
النصحاء فيما يفوّض
إليهم من الأعمال ويكله إليهم من
الأموال ؛ لتكون الأعمال بالكفاءة مضبوطةً والأموال
بالأمناء محفوظةً .
فليس
للحاكم إلاّ أن يتّبع قواعد العدل
المُطلق فيما أراد الشارع من سياسته للمال ، وليس
له أنْ يجبي وأنْ يُعطي وأنْ يمنح وأنْ يمنع إلاّ طِبقاً لقواعد الشرع .
يقول رسول
الله
(صلّى
الله عليه وآله) ـ في رواية البخاري ـ :
(( ما أُعطيكم ولا أمنعكم ، أنا قاسم أضع حيث
اُمرت )) .
ـــــــــــــــ
(1) سورة ص
/
26 .
(2) سورة
النساء / 58 .
(3) الماوردي
،
الأحكام السلطانيّة ، مرجع سابق
/ 18 .
الصفحة (171)
وقد بلغت الحساسيّة مبلغها
الأقصى في فعل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حرصاً على
المال ، ألاّ يُوضع في غير
موضعه ، وإن قسراً للنفس وإرغاماً على غير ميلها الفطري
. فقد حُدّث أنّ فاطمة بنت
رسول الله (صلّى الله عليه وآله) اشتكت ما تلقى من الرحى ممّا تطحن ، فبلغها أنّ
النبي (صلّى الله عليه وآله) أتى بسبي ، فأتته تسأله خادماً ، فذكر الحديث
. وفيه : (( ألاَ
أدلُّكما على خير ممّا سألتما
؟ )) . فذكر الذّكر عند النوم
, فمنع رسول الله (صلّى الله
عليه وآله) ابنته وأعزّ النّاس عليه من قرابته ، بينما أعطى غيرها .
وقد كان حريّاً بالنفوس أنْ
تشرب رحيق هذا الحسّ
المرهف ، فضلاً عن التزام قواعد
الحقّ والعدل المُطلق . وقد علم
الناس تلك القواعد من نصوص دينهم ، وخبروها من فعل نبيّهم
(ص) بما لا يدع مجالاً للإبدال
والمغايرة .
يروي أحمد في مسنده : كان
عمر يحلف على أيمان ثلاث : والله
، ما أحد أحقّ بهذا
المال من أحد ، وما أنا أحقّ به من
أحد . ويعلّق الشوكاني على ذلك بقوله(1) : فيه دليل على أنّ
الإمام كسائر الناس ،
لا فضل له على غيره في تقديم ولا توفير نصيب .
ثمّ سارت الأمور على النحو
الذي سارت عليه من التباعد قليلاً قليلاً عن النهج النبويّ
،
ثمّ بمعدّل متزايد
حتّى كاد
القوم يضلّون الطريق .
ثمّ أتى عليّ
(ع) خليفة لتشقى
بورعه وتحرجه في أموال
المسلمين ، أقوام استمرأوا التفضيل بغير
الحقّ ،
حتّى تضخّمت
ثرواتهم وتضخّمت معها مطامع ومطامحهم ، شأنهم في ذلك شأن
كلّ طبقة تملك قوّة
المال
فتسعى واعية للتقوى بقوى النفوذ والسلطان تصون بها مصالحها وتستأمن بها على غدها .
أدّى ذلك بطبيعة الحال إلى تحالف
كلّ القوى صاحبة المصلحة ألاّ يكون عليٌّ
(ع) حاكماً ،
وهي تعلم يقيناً مَن هو عليّ
(ع) .
ـــــــــــــــ
(1) نيل
الأوطار ،
مرجع سابق 8
/ 75 .
الصفحة (172)
فعليّ (ع) يرفض
ـ وهو والٍ على اليمن
من قبل الرسول (صلّى الله عليه وآله) ـ السّماح للصاحبة بركوب إبل الصدقة قائلاً :
(( إنّما لكم منها سهم كما
للمسلمين )) .
وعليّ (ع) وهو أمير
المؤمنين يأكل
الشعير ، تطحنه بيديها
سيّدة نساء العالمين [
فاطمة الزهراء ] (عليها السّلام) ،
ثمّ يختم على جراب الدقيق
، ويقول : (( لا
أُحبّ أنْ يدخلَ بطني إلاّ ما أعلم
)) .
وعليّ (ع) وهو رأس الدولة يرعد
شتاء في لباس له ، فيكلّمه الناس : إنّ الله قد جعل لك ولأهلك في هذا
المال نصيباً
، وأنت تفعل هذا بنفسك
؟ فيقول
(ع) : (( والله ما أزرأكم شيئاً
، وما هي إلاّ قطيفتي التي
أخرجتها من المدينة
))(1) .
هذا هو إذاً عليّ
(ع) كما عرفه
الناس ، محسنهم ومسيئهم على السواء
, فأمّا
المسحنون ، فقد استمسكوا به ونافحوا عنه
حتّى
الممات , وأمّا المسيئون
، فقد عادوه وحاربوه
حتّى مات .
وربّما زعم زاعم أنّ سلوك عليّ
ذاك سلوك مثالي
، وأنّه تكلّف مشقةً لا تلزم بالضرورة أنّ فهم عليّ
(ع) للمسألة هو الفهم
الإسلامي الحقّ ، فلمْ يكن ليغيب عنه أنّ له حقّاً في
المال العام ، ولكنّه
الحقّ الذي
يُكافئ وظيفته التي يؤدّيها للناس ، ومكافئها يتحدّد اجتماعيّاً لا مُطلقاً ، فإنْ كان له
ما يسدّ حاجته وترك هذا
المكافئ ، فذاك هو الإحسان .
أراد عليّ (ع) إذاً أنْ يُنبّه الناس إلى تلك
الحقيقة بحدّه للحقوق ، وأنّه ليس مُطلق اليد في منح نفسه أو منع غيره أو صلة قرابته
ومَن يراه ، وقد كان يسعه أنْ يتأوّل تأوّل عثمان : أنا أصل قرابتي في الله . أو تأوّله
: إنّ لي في هذا المال حقّاً وإنْ رغمت أنوف . ولكنّ عليّاً (ع) في هذه الحالة لن يكون
عليّاً (ع) ـ حسْبَ تعبير سيّد
ـــــــــــــــ
(1) ابن
الأثير ، الكامل ، مرجع سابق 3
/ 264 .
الصفحة (173)
قطب ـ صاحب إعادة التمكين
للمشروع الإسلامي في أرض الواقع ، وهو الذي ردّ على
عثمان مقالته بتذكيره أنّ السابقة
في العطاء كما في البلاء
، إنّما يقع أجرها على الله
، ولا تُستوفى من أموال
المسلمين .
أين هذا إذاً من سيرة معاوية
وعُصبته ؟
رأينا من قبل حدثاً واحداً
وموقفين مختلفين : عقيل يطلب من أخيه عليّ
الإمام (ع) إعطاءه من بيت
المال ، فيرفض عليّ
(ع) مذكّراً أخاه أنّه مُؤتمن على مال
المسلمين وإنْ فعل يكن سارقاً
، فيذهب عقيل إلى
معاوية بالشام
، فيغدق عليه بغير حرج ، لا لشيء إلاّ ليفرّق جماعة عليّ
(ع) وليطمع فيه
غيره من المترّددين .
ومعاوية يعد
المواكب الحافلة
، ويري عمر ـ عند زيارته الشام ـ
أبهة
الملك وزينته من مال
المسلمين زاعماً أنّ ذلك
أدعى لإلقاء الروع في قلوب الروم
.
على أنّ هناك واقعة بعينها
ربّما أغنى ذكرها عن سوق
الأمثلة كشفاً عن بنية نظام الحكم
الاُموي ، والقواعد التي
أرساها المؤسّس العملي الأوّل معاوية ، وتلك هي الصفقة التي عقدها معاوية وعمرو بن
العاص معاً حرباً لعليّ
(ع) ، وتصوّرها
المحاورة التالية كما ذكرها
المسعودي(1) :
يقول معاوية لعمرو : بايعني . عمرو : لا ، والله لا أُعطيك
من ديني حتّى أنال من دنياك . معاوية : سلْ . عمرو : مصر طعمة
. معاوية : نعم .
ـــــــــــــــ
(1) المسعودي
، مروج الذهب
2 / 363
ـ بيروت ـ
المكتبة الإسلاميّة .
الصفحة (174)
فيقول عمرو :
مـعاوي لا أعطيك ديني ولم iiأنل به من دنياك فانظرن كيف تصنع
فإن تعطني مصراً فأربح iiبصفقة أخـذت بـها شيخاً يضر iiوينفع
وربما قال قائل : إنّ ذلك تكلّف
يبدو من الخيار
المكشوف للدنيا على حساب الدين ، وإنّ الأطماع لا تُعالج بمثل تلك
المكاشفة الفجّة
حتّى بين الأنداد العاديّين ، فإنّما جرت العادة على تغليف الأطماع
وتعليلها بإضفاء نوع من شرعيّة وإنْ زائفة عليها ، فكيف بمَن كان بمثل دهاء وتحفّظ
معاوية وعمرو ؟
وربما طعن آخر في مصداقيّة
المسعودي باعتبار أنّ به تشيعاً
، ربما حمله على شوب التاريخ بالرأي ، أو على التهاون
في التحقق ممّا يروي
، فيما يتعلّق بمدح عليّ
(ع) وقدح مناوئيه .
وأيّاً ما كان
الأمر ، فإنّ
الثابت الذي لا مراء فيه أنّ معاوية ولّى عمراً مصر عام ( 38 هـ )
، بعد
صفّين وبعد قتل
محمّد بن أبي بكر والي مصر من قبل عليّ
(ع) وظلّ والياً عليها
حتّى قضى ، ثمّ تولاّها ابنه
عبد الله من بعده .
والثابت أيضاً في كتب التاريخ
على اختلافها ، أنّ خراج مصر تركه معاوية لعمرو طيلة حياته فيما عبّر عنه بالطعمة .
يذكر المقريزي(1) :
أنّ مصر
جُعلت له طعمة بعد عطاء جندها والنفقة في مصلحتها .
فإذا علمت أنّ خراج مصر كان في
ذلك الوقت أربعة عشر مليون دينار ،
ـــــــــــــــ
(1) المقريزي
، الخطط 1
/ 300 ، ط 2 ـ القاهرة
ـ مكتبة الثقافة الدينيّة
/ عام 1987 م .
الصفحة (175)
عرفت لمّا كان
حرص عمرو على مصر , وعندما مات ترك سبعين بهاراً دنانير ـ والبهار
: جلد ثور ، ومبلغه أردبان بالمصري
ـ (1) .
هذا في الوقت الذي
لمْ يبنِ
عليّ (ع) آجرةً على آجرةٍ ، ولا لبنةً على لبنةٍ ، ولا قصبةً على قصبةٍ
، كما يقول سفيان ،
وأنّه عندما تُوفّي
لمْ يترك ـ كما قال الحسن
(ع) ـ بيضاء ولا صفراء إلاّ
ثمانمئة أو
سبعمئة أرصدها لجارية(2) .
قضيّة أبي ذر :
وقضيّة أبي ذر بسيطة وبيّنة
بساطة وبيان الإسلام ذاته ، وهي كما يُعبّر عنها بكلمات قليلة كان يقولها للناس : يا معشر الأغنياء وأسوا
الفقراء ، بشّر الذين يكنزون الذهب والفضة
، ولا ينفقونها في سبيل الله
بمكاوٍ من نار
، تُكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم .
وقال
لعثمان : لا ترضوا من الأغنياء
حتّى يبذلوا المعروف ويُحسنوا إلى الجيران والإخوان
، ويصلوا القرابات(3) .
فلمْ يكن
أبو ذر إذاً يرى أنّ أداء الزكاة هي
كلّ حقّ المال ، وإنّما ما زاد على قوته وقوت مَن
يعولهم وكفاية حاجاتهم ، فالجماعة أولى بالاستفادة منه على نحو يكفل الحياة الكريمة
للجميع ، فإنْ لم يفعل يكن كانزاً للمال بما يستحقّ معه عقوبة الكنز
المقرّرة بالقرآن
: (
يَاأَيّهَا
الذينَ آمَنُوا إِنّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ
أَمْوَالَ الناس بِالْبَاطِلِ وَيَصُدّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَالذينَ
يَكْنِزُونَ
ـــــــــــــــ
(1) المرجع
السابق / 301 .
(2) ابن
الأثير ، مرجع سابق 3
/ 10 .
(3) المرجع
السابق / 11 .
|