الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة (126)

وأمّا حكم هؤلاء ، فقد جاء في قوله تعالى : ( وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى‏ فَقَاتِلُوا الّتِي تَبْغِي حَتّى‏ تَفِي‏ءَ إِلَى‏ أَمْرِ اللّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُقْسِطِينَ )(1) .

وبذلك يتّضح الفرق الدقيق بين البغي والحرابة من ذات تعريف البغي ، فالذي يُخرجه من كونه بغياً إلى الحرابة ، هو : عدم توفّر التأويل السائغ , ولذلك فإنّ الخروج لمُقاتلة المسلمين بتأويل غير سائغ ، هو حرابة مؤكّدة .

ويعلّق صاحب فقه السنّة على ذلك بقوله(2) :

أمّا إذا كان القتال لأجل الدنيا ، وللحصول على الرئاسة ومُنازعة أُولي الأمر ، فهذا الخروج يُعتبر محاربة ، ويكون للمحاربين حكم آخر يُخالف حكم الباغين .

ثمّ هو يُورد حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الذي رواه البخاري ومسلم : (( مَن حمل علينا السّلاح ، فليس منّا )) .

ويفسّره بقوله ، أي : حمله لقتال المسلمين بغير حقّ . ثمّ يُورد ما ذكره القرطبي في الحرابة : يحاربون الله ورسوله (صلّى الله عليه وآله) ، استعارة ومجاز ، إذ الله سبحانه وتعالى لا يُحارب ولا يُغالب ، لمَا هو عليه من صفات الكمال ، ولمَا وجب له من التنزيه عن الأضداد والأنداد ، والمعنى : يُحاربون أولياء الله ، فعبّر بنفسه العزيزة عن أوليائه إكباراً لأذيّتهم .

ـــــــــــــــ

(1) سورة الحجرات / 9 .

(2) المرجع السابق ، فقه السنّة 2 / 602 ـ القاهرة ـ  دار الريّان للتراث .


الصفحة (127)

وأمّا حكم المحاربين ، فقد جاء في قوله تعالى : ( إِنّمَا جَزَاءُ الذينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتّلُوا أَوْ يُصَلّبُوا أَوْ تُقَطّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِنْ خِلاَفٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِلّا الذينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ )(1) .

وقد قسّم الفقهاء الخروج ـ بحسب ظروفه ـ إلى أنواع كتقسيم ابن حزم التالي(2) :

1 ـ بُغاة خرجوا على تأويل في الدين هُم فيه مُخطئون ، كالخوارج ، لمْ يُخالفوا فيه إجماعاً ، ولا قصدوا فيه خلاف القرآن وحكم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .

2 ـ بُغاة خرجوا على إمام حقّ مُريدين لأنفسهم غلبةً في الدنيا ، ولكنّهم لمْ يُخيفوا طريقاً ولمْ يسفكوا دماً جزافاً ، ولمْ يأخذوا المال ظلماً .

3 ـ فإنْ تعدّت هذه الطائفة إلى إخافة الطريق أو إلى أخذ مال مَن لقوا أو سفك الدماء هملاً ، انتقل حكمهم إلى حكم المحاربين .

فأصحاب التأويل معذورون وحكمهم حكم المجتهد المخطئ ، وأمّا مَن تأوّل تأويلاً فاسداً فلا يُعذر فيه ، وأمّا مَن قام في طلب الدنيا مجرّداً بلا تأويل ، فلا يُعذر أصلاً ؛ لأنّه عامد لمَا يدري أنّه حرام .
فصحّ أنّ لهذا الأمر أهلاً لا يحلّ لأحد أنْ يُنازعهم إيّاه , وأنّ تفريق هذه الاُمّة بعد اجتماعها لا يحلّ ، فصحّ أنّ المُنازعين في الملك والرياسة مُريدون تفريق جماعة هذه الاُمّة ، وأنّهم مّنازعون أهل الأمر أمرهم فهم عُصاة .

ـــــــــــــــ

(1) سورة المائدة / 33 ـ 34 .

(2) ابن حزم ، المحلّى 11 / 97 ـ بيروت ـ  دار الآفاق الجديدة .


الصفحة (128)

4 ـ فإنْ زاد الأمر حتّى يخرقوا الإجماع فهم مُرتدّون .

ويؤكّد هذا المعنى ما ذكره أبوبكر الجصاص بقوله(1) في تفسير آية الحرابة :

ويحتمل أنْ يريد الذين يحاربون أولياء الله . ويدلّ على ذلك أنّهم لو حاربوا رسول الله لكانوا مُرتدّين بإظهار محاربة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .

ثمّ يُورد الجصاص حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) قال لعليّ وفاطمة والحسن والحُسين (عليهم السّلام) : (( أنا حربٌ لمَن حاربتم ، سلمٌ لمَن سالمتم )) . ويُعقّب على الحديث بقوله : فاستحقّ مَن حاربهم اسم المحارب لله ولرسوله ، وإنْ لمْ يكن مُشركاً .

ج ـ التأويل :

تناول علماء أصول الفقه التأويل بالدرس ، وحدّدوا معناه وشروطه كالتالي(2) : التأويل هو إخراج اللفظ عن ظاهر معناه إلى معنى آخر يحتمله ، وليس هو الظاهر فيه .

وأمّا شروط التأويل ، فهي :

1 ـ أنْ يكون اللفظ مُحتملاً للمعنى الذي ، يؤوّل إليه .

2 ـ أنْ يكون ثمّة مُوجب للتأويل :

أ ـ بأنْ يكون ظاهر النصّ مخالفاً لقاعدة مقرّرة معلومة من الدين بالضرورة .

ب ـ أنْ يكون ظاهر النصّ مخالفاً لنصّ أقوى منه سنداً .

ج ـ أنْ يكون النصّ مُخالفاً لمَا هو أقوى منه دلالة .

ـــــــــــــــ

(1) أبو بكر الجصاص ، أحكام القرآن 4 / 51 ـ بيروت ـ  دار إحياء التراث العربي .

(2) أبو زهرة ، المرجع السابق / 126 .


الصفحة (129)

3 ـ ألاّ يكون التأويل من غير سند ، بل لا بدّ أنْ يكون له سند مستمدّ من الموجبات له .

والتأويل على ذلك نوعان :

 تأويل صحيح : إذا كان مُستوفياً للشروط السابقة .

 تأويل فاسد : إذا لمْ يكن ثمّة مُوجب له ، أو كان له مُوجب ولكن لمْ ينهج فيه منهاج التأويل الشرعي ، أو كان التأويل مُناقضاً للحقائق الشرعيّة ، ومُخالفاً للنصوص القطعيّة .

د ـ النتيجة :

ونحن إنْ عرضنا تأوّل معاوية بقوله : إنّما قتله مَن جاؤوا به . على شروط التأويل , لمْ نجد شرطاً واحداً يُجيزه , ولم نجد بين آراء أكثر الذابين عن معاوية إلاّ مُعترفاً بفساد تأويله ، أو عامداً للإبهام في المسألة ، أو مُتعمّداً للصمت . فابن كثير لمْ يستطع أنْ يجد لمعاوية مبرّراً لتأوّله ، فيعلّق عليه ـ باقتضاب ـ بقوله(1) : وهذا التأويل الذي سلكه معاوية ( رضي الله عنه ) بعيد .

وأمّا ابن حجر الهيتمي ـ الذي صنّف كتابه كلّه في الدفاع عن معاوية ـ فيقول(2) : وأخرج معاوية لفظ الحديث عن حقيقته إلى مجازه ، لمّا قام عنده من القرائن المقتضية لذلك ، فهو تأويل يُمكن على المجتهد أنْ يقول به لمَا قام

ـــــــــــــــ

(1) البداية والنهاية ، المرجع السابق 7 / 11 .

(2) تطهير الجنان واللسان ، المرجع السابق / 50 .


الصفحة (130)

عنده من القرائن الصارفة له عن حقيقته إلى مجازه . وإنْ كان الحقّ أنّ الحديث ظاهر ، بل صريح في أنّ قاتله إنّما هو مَن باشر قتله ، وأقرب من تأوّل معاوية هذا تأويل عمرو بن العاص ، فإنّه جاء في رواية : (( أنّ قاتل عمّار في النار )) . فالفئة الباغية محمولة على مباشر قتله والمُعين عليه .

وأنت ترى أنّ ابن حجر ، وإنْ كان لمْ يستطع أنْ يقرّ معاوية على تأويله ، إلاّ أنّه حاول تسويق تأويل عمرو بحصر الفئة الباغية كلّها في فرد واحد هو المباشر بالفعل للقتل ، وكأنّ لا علاقة لمعاوية ولا لعمرو بقتل عمّار ، وكأنّ قاتل عمّار ليس جنديّاً في جيش معاوية وعمرو ، وكأنّه ليس مأموراً من قبلهما بقتال عليّ (ع) وجيشه . ثمّ إذا أخذنا الرواية التي أوردها الهيتمي : (( أنّ قاتل عمّار في النار )) . فهل نفت تلك الرواية حديث : (( تقتلك الفئة الباغية )) . وماذا فعلا بقاتل عمّار ؟ هل عاقباه وقد علما أنّه من أصحاب النّار ... أم كافآه ؟! ولقد مرّ بك محاجّة شبث بن ربعي سفير عليّ (ع) لمعاوية ، وقوله : أيسرّك يا معاوية ، أنّك أمكنت من عمّار ، تقتله ؟ فيردّ معاوية : والله ، لو أمكنت من ابن سميّة ، ما قتلته بعثمان ، ولكن كنت قاتله بناتل مولى عثمان .

وأمّا ابن تيميّة الحنبلي ، فإنّ مَن يتمعّن مناقشته لحديث : (( تقتلك الفئة الباغية )) . يقف على مثل واضح آخر كالهيتمي لذوي الخطورة الشديدة على هذا الدين من داخله ، في ليّ عنق الحقيقة والتكلّف الشديد والتهافت الأشد ، وهم يظنّون أنّهم يحسنون صنعاً .

فابن تيميّة(1) يُثبت أوّلاً صحّة الحديث بقوله : قد ثبت في الصحيح أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) قال لعمّار (رضي الله عنه) : (( تقتلك الفئة الباغية )) . ثمّ يُعلّق عليه بقوله : ومنهم مَن تأوّله على أنّ الباغي الطالب ، وهو تأويل ضعيف .

ـــــــــــــــ

(1) منهاج السنّة ، مرجع سابق 2 / 204 .


الصفحة (131)

وطالما أنّ ابن تيميّة ضعّف هذا الرأي ، فقد كان الأولى به أنْ يستمرّ في مناقشته لصلب المسألة ، إلاّ أنّك تراه ينحي منحى آخر في المناقشة ، فيذكر رأياً خطيراً على أنّه اتّفاق أهل السنّة ، فيقول : فإنّ البغي إذا كان بتأوّل كان صاحبه مجتهداً ، ولهذا اتّفق أهل السنّة على أنّه لا تُفسّق واحدة من الطائفتين ، وإنْ قالوا في إحداهما أنّهم كانوا بُغاة ، لأنّهم كانوا متأوّلين مجتهدين ، والمجتهد المُخطئ لا يُكفّر ولا يُفسّق ، وإنْ تعمّد البغي فهو ذنب من الذنوب ، والذنوب يُرفع عقابها بأسباب متعدّدة كالتوبة والحسنات الماحية .

فأنت ترى أنّه أقرّ بصحّة الحديث ، ثمّ حكم بالضعف على تأويل من تأوّله ، ومع ذلك يضفي صفة الاجتهاد على الباغي المتأوّل مطلقاً ، دون أنْ يُبيّن أنّ ذلك مشروط بأنْ يكون التأويل سائغاً . والأخطر من كلّ هذا أنْ يقول : إنّ الباغي المتعمّد البغي لا يُفسّق . ومعنى ذلك أنّ قتلة عمّار قد قتلوه وهُم متعمّدون القتل ، رغم علمهم بنصّ حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، ومع هذا لا يُفسّقون , فهل رأيت أبعد من ذلك ؟

يقول الله تعالى : ( وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً )(1) . ولهذا قال ابن عبّاس(2) : (( لا توبة لقاتل مؤمن عمداً )) . لأنّها آخر ما نزل ولمْ ينسخها شيء .

ورسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، يقول ـ رواه ابن ماجة ـ : (( لزوالُ الدنيا أهونُ على الله من قتلِ مؤمنِ بغيرَِ حقّ )) .

ـــــــــــــــ

(1) سورة النساء / 93 .

(2) فقه السنة ، مرجع سابق / 509 .


الصفحة (132)

ويقول (صلّى الله عليه وآله) ـ أيضاً رواه الترمذي ـ : (( لو أنّ أهلَ السماء وأهلَ الأرض اشتركوا في دم مؤمن ، لأكبّهم الله في النار )) .

ثمّ هلاّ رأيت مَن يُذكّر بأمر الله ، لعلّه يفيق إنْ كان غافياً ، فإذا به يعرض عن الذكر ويضع أصابعه في أُذنيه ، ويطلب ممّن ذكّره بالله أنْ يكفّ ويصفه بالجنون ، فكذلك فعل معاوية . يذكر ابن حجر الهيتمي(1) : وبسند رجاله الثقات ، أنّ رجلين اختصما في قتل عمّار عند معاوية لأجل سلبه ، وعبد الله بن عمرو (رضي الله عنه) حاضر ، فقال عبد الله لهما : سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، يقول : (( تقتله الفئة الباغية )) . فأنكر كلّ منهما أنّه قتله . فقال له معاوية : فما بالك معنا ؟ فقال : إنّ أبي عمرو بن عاص شكاني إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فقال : (( أطعْ أباك مادام حيّاً ولا تعصه ، فأنا معكم ولستُ أقاتل )) .

وفي رواية سندها صحيح ، أنّ معاوية قال لعمرو : ألاَ تكفّ عنّا مجنونك ، فما له معنا ؟ فقال عبد الله ما ذُكر .

وأمّا ابن العربي المالكي ، فيذكر(2) حديث : (( تقتلك الفئة الباغية )) . عرضاً ضمن أحاديث اُخر ، ولمْ يُناقشه البتّة ، بل علّق عليه بقوله : فهذه كلّها اُمور جرت على رسم النزاع ، ولمْ تخرج عن طريق من طُرق الفقه ، ولا تعدّت سبيل الاجتهاد الذي يؤجر فيه المُصيب عشرة ، والمُخطئ أجراً واحداً .

وواضح من كلام ابن العربي أنّ الحديث أوضح من أنْ يُجادل فيه ، ولو وُجد ما يُنافح به عن معاوية لمَا صمت ، ولمَا لجأ إلى عموميّات لا تُغني من

ـــــــــــــــ

(1) تطهير الجنان ، مرجع السابق / 43 .

(2) العواصم من القواصم ، مرجع سابق / 173 .


الصفحة (133)

الحقّ شيئاً ، وإنْ كان قد لجأ إلى أسلوب التهوين ، وردّ المسألة إلى مجرّد الاجتهاد البريء ، ولمْ ينسَ أنْ يؤجر المُخطئ مرّة .

وأمّا ابن حزم الظاهري فإنّه يرى أنّ معاوية ومَن معه مجتهدون مُخطئون ، رغم أنّه يقرّر صراحة : أنّ الباغي العامد مُحارب ـ على العكس من كلام ابن تيميّة ـ ، فيقول(1) : المجتهد المُخطئ إذا قاتل على ما يرى أنّه الحقّ ، قاصداً إلى الله تعالى بنيّته ، غير عالم بأنّه مُخطئ ، فهو فئة باغية ، وإنْ كان مأجوراً ولا حدّ عليه إذا ترك القتال ، ولا قود ، وأمّا إذا قاتل وهو يدري أنّه مُخطئ ، فهذا مُحارب تلزمه حدود المحاربة والقود ، وهذا يُفسّق ويُخرج ، لا المجتهد المُخطئ . فهذا معنى قولنا دون تكلّف تأويل ، ولا زوال عن موجب ظاهر الآية .

فهل لمْ يدرِ معاوية بالحديث ؟ أمْ لمْ يذكّره به أحد ؟ أمْ لمْ يستبن معناه ؟ أمْ لمْ يتكلّف التأويل ؟ أرأيتم إلى عمر بن الخطاب يحدّ الصحابي البدري قدامة بن مظعون ، أنّه شرب الخمر متأوّلاً قول الله تعالى : ( لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) (2) .

فيُقيم عمر عليه الحدّ ، ولكن يزيده أسواطاً عن الحدّ لسوء التأويل(3) .

ـــــــــــــــ

(1) ابن حزم ، الفصل في الملل والأهواء والنحل 4 / 242 ـ بيروت ـ  دار الجيل / 1985 .

(2) سورة المائدة / 93 .

(3) أبو زهرة ، أصول الفقه ، المرجع السابق / 113 .


الصفحة (134)

مسألة غريبة

فلقد أقام معاوية دعوته كلّها على أساس أنّه وليّ دم عثمان ، وقد قال الله تعالى : ( وَمَن قُتِلَ مُظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ سُلْطَاناً فَلا يُسْرِف فِي الْقَتْلِ إِنّهُ كَانَ مَنصُوراً )(1) .

والشيء الغريب حقّاً أنّ تُورد كتب التاريخ هذا الأمر وكأنّه مقرّر(2) دون أدنى مناقشة له . فمَن الذي عيّن معاوية خاصّة وليّاً لدم عثمان دون بنيه وورثته وأبناء عمومته الأقربين ، كما ترى في شجرة نسبه ؟

وإذا رجعنا للفقهاء(3) ، لوجدنا إجماع الأئمّة على أنّ أولياء الدم هُم الورثة الشرعيّون للقتيل , ولمْ يكن معاوية وارثاً لعثمان ، فقد كان له أبناء ذكور بالغون عند مقتله .

ثمّ إنّه يشترط في القصاص إجماع المستحقّين من الورثة ، فإن اختلفوا في القصاص ، فطلب بعضهم القصاص وعفا البعض الآخر عن الجاني ، فإنّه يسقط القصاص ، وتجب الدية في مال القاتل وتُقسّم على الورثة .

ـــــــــــــــ

(1) سورة الإسراء / 33 .

(2) الطبري ، المرجع السابق 4 / 68 .

(3) عبد الرحمن الجزيري ، الفقه على المذاهب الأربعة 5 / 266 ـ بيروت ـ  دار الفكر / 1392 هـ .


الصفحة (135)

ويقول المالكيّة : يسقط القصاص إنْ عفا رجل من المستحقّين .

ويقول الأئمّة الثلاثة : كلّ وارث يُعتبر قوله في إسقاط القصاص ، وإسقاط حقّه من الدية .

أورد الشوكاني(1) حديث عائشة الذي رواه أبو داود والنسائي ، واستدلّ به على أنّ الدم حقّ لجميع الورثة من الرجال والنساء ، فإنْ وقع العفو فالدية كالتركة .

 عن عائشة أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، قال : (( وعلى المُقتتلين أنْ ينحجزوا ، الأوّل فالأوّل ، وإنْ كانت امرأة )) . وأراد بـ (( المقتتلين ))  : أولياء المقتول الطالبين القود . (( وينحجزوا )) ، أي : ينكفّوا عن القود بعفو أحدهم ، ولو كانت امرأة . وقوله : (( الأوّل فالأوّل )) ، أي : الأقرب فالأقرب .

ولمْ يحدّثنا التاريخ أبداً عن اجتماع لجميع ورثة عثمان ليقرّروا قصاصاً أو عفواً ، كما لمْ يحدّثنا أبداً عن وكالة شرعيّة من الوارثين لمعاوية ليكون وكيلهم في طلب الدم .

ثمّ لنفترض جدلاً ـ وهو ليس بحقّ ـ أنّ طلب الدم حقّ للعصبة وليس للورثة ، فإنّ القاعدة ستُطّبق ها هنا أيضاً ، وهي أنّ اختلاف العصبة في القود يُسقط القصاص ويستبقي الدية . ونحن نعلم أنّ مُحمّد بن أبي حذيفة ابن خال معاوية وحفيد ربيعة ، أخي اُمّية الأكبر ، كان في فئة عليّ بن أبي طالب (ع) .

فمُحمّد وعثمان إذاً كلاهما يُنتسب إلى جدّهما المشترك عبد شمس ، فمَن الذي أثبت حقّ معاوية من هذه العصبة وأسقط حقّ محمّد ؟ ولكن محمّد بن أبي حذيفة كان من المُنكرين على عثمان وتولّى مصر لعليّ (ع) حتّى قتله أتباع معاوية ، فهنا أيضاً شبهة تسقط القصاص .

ـــــــــــــــ

(1) الشوكاني ، نيل الأوطار 7 / 28 ـ القاهرة  ـ  دار الحديث .


الصفحة (136)

ـــــــــــــــ

أطلس تاريخ الإسلام ، المرجع السابق .


الصفحة (137)

النظام الاُموي

أنساق الحياة الماديّة


الصفحة (138)

لما كان الغرض من النظام بأكمله قد تحدّد ـ كما سلف بيانه ـ بالقبض على زمام السلطة ، والعمل على استمرار هذا القبض ، فلنا أنْ نتوقّع أشكال وسمات الأنساق الفرعيّة المشكّلة للهيكل العام للنظام بدرجة كبيرة من الصحّة ؛ إذ لمّا زال مفهوم الخلافة بمقتل عليّ (ع) وتأكّد عهد الملك المتوارث على يد معاوية ، تغيّرت بالتبعيّة أساليب الحياة بما يتوافق والنظام الجديد .

ولمْ يكن المسلمون يعرفون منذ نبيّهم (صلّى الله عليه وآله) معنى الملك ، ولمْ يكن أبغض عندهم من أيّ عمل يتّصل بسبب بمعنى الملك ، فكانوا يُطلقون أوصاف : الهرقليّة و الكسرويّة ، على أعمال الاستبداد والأثرة والاستعلاء والتجبّر والترف .

ذُكر(1) أنّ عمر بن الخطاب عندما قدم إلى الشام , رأى معاوية في أبّهة الملك وزيه من العديد والعدّة ، استنكر ذلك وقال : أكسرويّة يا معاوية ؟! (2)

ـــــــــــــــ

(1) ابن خلدون ، المقدّمة ، المرجع السابق 1 / 169 .

(2) تأوّل معاوية أيضاً في إجابته على استنكار عمر ، بقوله : إنّه يُباهي العدوّ بهذه الزينة وتلك الأبهة ؛ لأنّ بين أظهر المسلمين جواسيس العدوّ . ومن العجيب أمر الذين يُسوّغون مثل هذه التأويلات لمعاوية ، أنّهم أنفسهم الذين يروون عن عمر قصص الشظف في العيش والتحرّج الشديد في الإنفاق ، وأنّهم جعلوا هذه السيرة مُدعاةً لإعجاب العدوّ قبل الصديق ، مثل القصّة الشهيرة لمجيء رسول العجم ، فوجد عمر نائماً تحت الشجرة , فلو كانت حجّة معاوية سائغة أولى بها رأس الدولة ، وهو يستقبل رُسل الجبابرة . ولكن الأغرب من ذلك ، هو قبول عمر لحجّة معاوية وتثبيته على الشام ! وهذا وذاك من عوامل بذر الازدواجيّة في شخصية المسلم .


الصفحة (139)

ولمْ يكن الفرق بين الخلافة والملك خافياً على المسلمين . قال عمر ذات يوم لسلمان(1) : أملك أنا أم خليفة ؟ قال له سلمان : إن أنت جبيت من أرض المسلمين درهماً أو أقلّ أو أكثر ، ووضعته في غير حقّه ، فأنت ملك غير خليفة .

ويفرّق ابن خلدون بين الخلافة والملك ، بقوله(2) : وكذا الملك لمَا ذمّه الشارع ، لمْ يذمّ منه الغلب بالحقّ وقهر الكافة على الدين ومُراعاة المصالح ، وإنّما ذمّه لمَا فيه من التغلّب بالباطل وتصريف الآدميين طوع الأغراض والشهوات .

ولمّا أراد معاوية أنْ يجعل الملك في ولده ، كتب إلى مروان بن الحكم عامله على المدينة ، أنْ يأخذ البيعة ليزيد , فخطب مروان فقال(3) : إنّ أمير المؤمنين رأى أنْ يستخلف عليكم ولده يزيد سنّة أبي بكر وعمر . فقام عبد الرحمن بن أبي بكر ، فقال : بل سنّة كسرى وقيصر .

وهكذا فإنّ العهد الذي استهلّه معاوية لمْ يكن عهد خلافة كما وعاه المسلمون ، وإنّما عهد مُلك كما لمْ يُعانوه ، فما هي سمة هذا الملك ؟

مؤشرات النظام الاستبدادي

هناك في الواقع عدّة مؤشرات يُمكن التعويل عليها في كشف طبيعة

ـــــــــــــــ

(1) ابن الأثير ، الكامل ، مرجع سابق 2 / 455 .

(2) المقدّمة ، مرجع سابق 1 / 169 .

(3) السيوطي ، تاريخ الخلفاء ، مرجع سابق / 196 .


الصفحة (140)

أيّ نظام ، وهي ما سنعتمد عليها في بحث طبيعة النظام الاُموي حال سيطرته على السلطة , وهذه المؤشرات هي :

أ ـ كيفيّة انتقال السلطة .

ب ـ الرقابة على السلطة والموقف من المعارضة .

ج ـ سياسة المال .

ولنبحث كلّ مؤشر على حدة بشيء من التفصيل .

أ ـ كيفيّة انتقال السلطة :

يرى جمهور فقهاء السنّة أنّ الإمامة عِقد مستكمل الشروط بين طرفين هما الاُمّة والإمام ، وأنّ صحة هذا العِقد تتعلّق بصحة شروطه ، وهي : البيعة والعدالة والشورى .

يقول الماوردي(1) : الإمامة عِقد .

ويقول البغدادي(2) ، قال الجمهور الأعظم من أصحابنا أهل السنّة ، ومن المعتزلة والخوارج والنجاريّة : أنّ طريق ثبوتها الاختيار من الاُمّة .

فهل حققّت ولاية معاوية الشروط التي تواضع عليها فقهاء أهل السنّة ؟

فقد أجمع أهل السنّة على صحة ولاية عليّ بن أبي طالب (ع) ، وأنّه الإمام الحقّ ، وأنّ كلّ خارج عليه باغٍ , وقد خرج عليه معاوية بدعوى القود لعثمان ، فكاد له كيداً مكشوفاً ، ثمّ حاربه حرباً سافرةً حتّى كانت واقعة التحكيم ، فقُتل عليّ (ع) ثمّ إلجاء الحسن (ع) إلى التسليم .

ـــــــــــــــ

(1) الأحكام السلطانيّة ، مرجع سابق / 10 .

(2) البغدادي ، أصول الدين ، مرجع سابق / 279 .


الصفحة (141)

وقد مثّلت واقعة التحكيم بخاصّة فصلاً حاسماً في الصراع ، لمَا أسفرت عن زيادة أسهم معاوية وتدعيم موقفه ، بما تغيّرت معه المسألة تغيّراً كيفيّاً بدخول عنصر مستجدّ ، وهو مبايعة أهل الشام لمعاوية بالخلافة ، ذلك الذي لمْ يكن مطورحاً من قبل في الظاهر على الأقلّ , بينما اضطرب معسكر عليّ (ع) عليه ، وأصابت الشروخ جبهته ، إنّ بفعل انشقاق الخوارج أو الاختراق الداخلي لجماعته باستمالة معاوية لرؤوس جند عليّ (ع) أو بالحرب المعنويّة المُخذلة والمُوهنة لعزم الرجال حول عليّ (ع) .

وإنّا نظنّ أنّ أيّ باحث عن الحقيقة سيكتشف أنّه لأوّل مرّة تُكتب شهادة وفاة قبل حدوثها ! فذلك ما حدث في حكومة دومة الجندل ، إذ فيها كُتبت شهادة وفاة الخلافة عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وبالتالي النظام الإسلامي ، ثمّ تحقّقت بالفعل بمقتل إمام الحقّ عليّ بن أبي طالب (ع) .

ولنقرأ معاً تفاصيل خدعة التحكيم ، والحيل التي تخللتها هروباً من مأزق الاستمرار في مواجهة عليّ (ع) وجيشه في حرب صفّين عام ( 37 هـ ) ، وذلك فيما رواه أبو الحسن الأشعري(1) ، وذكره فيما رآه من أسباب اختلاف المسلمين حتّى اليوم : ... فقال معاوية لعمرو بن العاص : يا عمرو ، ألمْ تزعم أنّك لمْ تقع في أمر فضيع فأردت الخروج منه إلاّ خرجت ؟ قال : بلى . قال : فما المخرج ممّا نزل ؟ قال له عمرو بن العاص : فلي عليك ألاّ تخرج مصر من يدي ما بقيت ؟ قال : لك ذلك ، ولك به عهد الله وميثاقه ، قال : فأمر بالمصاحف فتُرفع ، ثمّ يقول أهل

ـــــــــــــــ

(1) أبو الحسن الأشعري ، مقالات الإسلاميّين واختلاف المصلّين / 62 ـ القاهرة  ـ مكتبة النهضة المصريّة / 1969 .


الصفحة (142)

الشام لأهل العراق : يا أهل العراق ، كتاب الله بيننا وبينكم ، البقيّة البقيّة ! فإنّه إنْ أجابك إلى ما تُريده خالفه أصحابه ، وإنْ خالفك خالفه أصحابه . وكان عمرو بن العاص في رأيه الذي أشار به كأنّه ينظر إلى الغيب من وراء حجاب رقيق ، فأمر معاوية أصحابه برفع المصاحف وبما أشار به عليه عمرو بن العاص ، ففعلوا ذلك ، فاضطرب أهل العراق على عليّ (ع) وأبوا عليه إلاّ التحكيم ، وأنْ يبعث عليّ (ع) حَكَماً ويبعث معاوية حَكَماً ، فأجابهم عليّ (ع) إلى ذلك بعد امتناع أهل العراق عليه ألاّ يُجيبهم إليه ، فلمّا أجاب عليّ (ع) إلى ذلك ، بعث معاوية وأهل الشام عمرو بن العاص حَكَماً ، وبعث عليّ (ع) وأهل العراق أبا موسى حَكَماً .

ولمْ تكن تلك الحيلة لتخفي أبعادها على عليّ (ع) ، فهو كما قال عن نفسه : (( لست بالخَب ولا الخَبُ يخدعني )) . ولكنّها كانت قد أحدثت أثرها ـ كما توقّع عمرو ـ في صفوف أصحابه ، فاضطر لقبولها اضطراراً .

 يروي الطبري(1) أنّ عليّاً (ع) قال للناس يوم صفّين : (( لقد فعلتم فعلةً ضعضعت قوّة ، وأسقطت منّة ، وأوهنت وأورثت وهناً وذلّةً ، ولمّا كنتم الأعلين ، وخاف عدوّكم الاجتياح ، واستحر بهم القتل ووجدوا ألمَ الجراح ، رفعوا المصاحف ودعوكم إلى ما فيها ليفثؤوكم عنهم ، ويقطعوا الحرب فيما بينكم وبينهم ، ويتربّصوا بكم ريب المنون خديعةً ومكيدةً ، فأعطيتموهم ما سألوا ، وأبيتم إلاّ أنْ تُدهنوا وتجوزوا , وأيمَ الله ، ما أظنّكم بعدها توافقون رشداً ، ولا تصيبون باب حزم )) .

وهذا ما قد حدث ، فقد تظاهر عمرو بالاتّفاق مع أبي موسى على خلع عليّ (ع)

ـــــــــــــــ

(1) تاريخ الطبري ، مرجع سابق 5 / 56 .


الصفحة (143)

ومعاوية(1) وترك الأمر شورى للمسلمين يختارون مَن أحبّوا , فلمّا حان موعد إعلان نتيجة الحكومة , قدّم عمرو أبا موسى أوّلاً ـ رغم تحذير عبد الله بن عبّاس لأبي موسى ألاّ يفعل بقوله(2) : إنّ عمراً رجل غادر ، ولا آمن أنْ يكون قد أعطاك الرضا بينك وبينه ، فإذا قُمت في الناس خالفك ـ فأعلن أبو موسى ما استقرّا عليه , ثمّ إذا بعمرو يقوم قائلاً : إنّ هذا قد قال ما سمعتم وخلع صاحبه ، وأنا أخلع صاحبه كما خلعه ، وأثبّت صاحبي معاوية . فقال أبو موسى : مالك لا وفّقك الله ، غدرت وفجرت , إنّما مثلك كمثل الكلب إنْ تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث . فقال عمرو : إنّما مثلك كمثل الحمار يحمل أسفاراً .

فكان أبو موسى يقول(3) : حذّرني ابن عبّاس غدرة الفاسق ، ولكنّي اطمأننت إليه ، وظننت أنّه لن يُؤثر شيئاً على نصيحة الاُمّة .

وهكذا كان البغي على الإمام الحقّ ، وسفك دماء الاُمّة ، ورشوة معاوية لعمرو بإطعامه مصر ما بقي حيّاً ، وخدعة عمرو لأصحاب عليّ (ع) طريقهم للوثوب على الحكم . فأين هذا إذاً من شروط الإمامة الشرعيّة ؟

على أنْ معاوية ذاته لا ينكر هدفه من القتال ، ولا وسيلته لتحقيق غايته ، فيقول ـ فيما يروي ابن كثير(4) ـ في خطبة الجمعة بالنخيلة خارج الكوفة :

ـــــــــــــــ

(1) من عجيب أمر هذه الحكومة ، أنّ الحَكَمين أصدرا حُكماً على غير موضوع ، فقد كانت دعوى معاوية الطلب بالقود من قتلة عثمان ، بزعم أنّه ولّي دمه . وكان ردّ عليّ (ع) : أنّ على معاوية أنْ يدخل في الجماعة ولا يسفك دماء المسلمين هملاً ، ثمّ يُقيم دعواه لدى وليّ الأمر الشرعي . فما بال الحكومة تخلع عليّاً (ع) ومعاوية ؟ وهل كان معاوية مثبتاً أصلاً حتّى يُخلع ؟

(2) المرجع السابق 5 / 70 .

(3) المرجع السابق / 71 .

(4) البداية والنهاية ، مرجع سابق 8 / 134 .


الصفحة (144)

ما قاتلتكم لتصوموا ، ولا لتُصلّوا ولا لتحجّوا ولا لتزكّوا ، قد عرفت أنّكم تفعلون ذلك ، ولكن إنّما قاتلتكم لأتأمّر عليكم ، فقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون .

ثمّ يقول في خطبته في المدينة(1) : أمّا بعد ، فإنّي والله ما وليت أمركم حين وليته وأنا أعلم أنّكم لا تسرّون بولايتي ولا تحبّونها ، وإنّي لعالم بما في نفوسكم من ذلك ، ولكنّي خالستكم بسيفي هذا مخالسةً .

إذاً حاز معاوية السلطة مغالبةً وقهراً بحدّ السيف ، فإذا أُضيف إلى ذلك استخدام كلّ الوسائل الغير مشروعة ـ كما فصّلنا من قبل ـ من رشوة وخداع وتضليل وتحريف للكلم عن مواضعه ، لمْ يتبقَّ شرط واحد تتوفّر فيه المطابقة والشروط التي وضعها فقهاء السنّة لصحّة الإمامة ، باعتبارها اختياراً من الاُمّة بعقد مكتمل الشروط ، من حيث المبايعة الحرّة من غير إكراه ، والعدالة الجامعة والشورى العامّة بين المسلمين .

ومن هُنا تجد حجم التناقض الهائل الماثل في تحليلات التاريخ السياسي الإسلامي ، والتي حفلت بها الصيغ التراثيّة ، وهي لا تعدو في تحليلها الأخير كونها صيغاً تلفيقيّة لا يُمكنها الصمود طويلاً أمام النقد ؛ لأنّها لا تحتوي على أيّ قدر من الإقناع لأيّ باحث عن الحقيقة , ولذلك كان أمراً متّسقاً أنْ تجد هذه التحليلات مصحوبةً دائماً بقدر هائل من الأخبار الموضوعة التي تعلو إلى درجة تقديس شخصيات هذا التاريخ ، وتحذّر من مجرد مناقشة أمورهم بموضوعيّة تحذيراً يصل إلى درجة التكفير .

ـــــــــــــــ

(1) المرجع السابق / 135 .


الصفحة (145)

فقد أجمع فقهاء السنّة على صحّة إمامة عليّ (ع) ، وكذلك أجمعوا على صحّة قتاله لمعاوية . يقول البغدادي (1) : أجمع أهل الحقّ على صحّة إمامة عليّ (ع) وقت انتصابه لها بعد قتل عثمان (رضي الله عنه) . ويقول : أجمع أصحابنا أهل السنّة على أنّ عليّاً (ع) كان مُصيباً في قتال أصحاب الجمل ، وفي قتال أصحاب معاوية بصفّين .

إلاّ أنّهم مع ذلك جعلوا معاوية ـ رغم خطئه ـ مجتهداً مأجوراً . يقول ابن حزم(2) : فبهذا قطعنا على صواب عليّ (ع) وصحّة إمامته ، وأنّه صاحب الحقّ وأنّه له أجرين أجر الاجتهاد وأجر الإصابة ، وقطعنا أنّ معاوية (رضي الله عنه) ومَن معه مُخطئون مأجورون أجراً واحداً .

وكذلك فعل ابن خلدون ، إلاّ أنّه زاد على ذلك بالتماس الأعذار لمعاوية في استيلائه على السلطة ، واستبداد بني اُمّية بها ـ طِبقاً لنظريته في الملك المؤسّس على العصبيّة ـ فيقول(3) : كلّ واحد نظر صاحبه باجتهاده في الحقّ ، فاقتتلوا عليه وإنْ كان المُصيب عليّاً (ع) ، فلمْ يكن معاوية قائماً فيها بقصد الباطل ، إنّما قصد الحقّ وأخطأ ، والكلّ كانوا في مقاصدهم على حقّ ، ثمّ اقتضت طبيعة الملك الانفراد بالمجد واستئثار الواحد به ، ولمْ يكن لمعاوية أنْ يدفع ذلك عن نفسه وقومه ، فهو أمر طبيعي ساقته العصبيّة بطبيعتها ، واستشعرته بنو اُمّية .

ـــــــــــــــ

(1) أصول الدين ، مرجع سابق / 286 .

(2) الفصل في الملل والأهواء والنحل ، مرجع سابق 4 / 242 .

(3) المقدّمة ، مرجع سابق / 171 .


الصفحة (146)

ولقد سبق لنا مناقشة أمر الاجتهاد المأجور ، ودللّنا على بطلان الرأي القائل باجتهاد معاوية لأسباب كثيرة عدّدناها . وكذلك سبق لنا بيان ـ كما هو معلوم من الدين بالضرورة ـ أنّ الإسلام نقيض الجاهليّة ، وأحد أسّسها العصبيّة القِبليّة . ولسنا نرى أدحض لكلام ابن خلدون من رأي أحد الفقهاء المحدّثين ، وهو الشيخ رشيد رضا(1) الذي نُورد رأيه بنصّه فيما يلي :

لأنّ الإسلام قضى على هذه العصبيّة الجاهليّة ـ يعترف ابن خلدون كغيره بذلك ـ فلا يُمكن أنْ يجعلها علّة من علل شرعه القويم الذي مداره على جعل القوّة تابعة للحقّ ، خلافاً لسائر المبطلين من البشر الذين يجعلون القوّة فوق الحقّ ، فإمّا أنْ يكون تابعاً لها , وإمّا أنْ تقضي عليه قبل أنْ يقضي عليها .

وبهذا البيان الوجيز يُعلم سائر ما في كلام ابن خلدون ، من شوب الباطل بتحكيم قاعدته في تصحيح عمل معاوية حتّى في استخلاف يزيد ، وجعله مجتهداً مُخطئاً في قتال أمير المؤمنين عليّ (ع) ، ومُصيباً في استخلاف يزيد الذي أنكره عليه أكبر علماء الصحابة فنفّذه بالخداع والقوّة والرشوة ، فهو يزعم أنّ معاوية كان عالماً بقاعدته في أنّ الأمور العامّة لا تتم إلاّ بشوكة العصبيّة ، وبأنّ عصبيّة العرب كلّهم قد انحصرت في قوّة بني اُمّية ، وأنّ جعل الخلافة شورى في أهل الحلّ والعقد من أهل العلم والعدل والكفاية من وجهاء قريش غير بني اُمّية لمْ يعد مُمكناً ، وكلّ هذا باطل .

وفي كلام ابن خلدون شواهد على بطلانه ، وليس من مقصدنا إطالة القول في بيان ذلك كلّه .

وحسبنا أنْ نقول : إنّ عصبيّة العرب لمْ تنحصر في بني اُمّية ، لا بقوّتهم الحربيّة ولا بثقة الاُمّة بعدلهم وكفاءتهم ، وإنّما افترضوا حياء عثمان وضعفه

ـــــــــــــــ

(1) الشيخ محمّد رشيد رضا ، الخلافة / 150 ـ القاهرة ـ الزهراء للإعلام العربي / 1988 م .


الصفحة (147)

فنزوا على مناصب الإمارة والحكم في الأمصار الإسلاميّة التي هي قوّة الدولة ومددها , واصطنعوا من محبّي الدنيا من سائر بطون قريش وغيرهم مَن يعلمون أنّهم يواتونهم ، وأكثر هؤلاء ممّن لمْ يعرفوا من الإسلام إلاّ بعض الظواهر ، وهم مع الحكّام أتباع كلّ ناعق ، فتوسّلوا بهم إلى سن سنّة الجاهليّة والقضاء على خلافة النبوّة الشرعيّة .

ولو شاء معاوية أنْ يجعلها شورى كما نصح له بعض كبراء الصحابة (رضي الله عنهم) ، ويجعل قومه وغيرهم مؤيّدين لمَن ينتخب انتخاباً شرعيّاً بالاختيار من أهل الشورى لفعل ، وما منعه إلاّ حبّ الدنيا وفتنة الملك ، ولكن عمر بن عبد العزيز لمْ يكن يستطيع ذلك بعد أنْ استفحلّ أمرهم ، وصاروا مُحيطين بمَن يتولّى الأمر منهم .

وفي كتاب الفتن من صحيح البخاري : أنّ أبا برزة الصحابي الجليل سُئل ـ وكان بالبصرة ـ عن التنازع على الخلافة بين مروان وابن الزبير والخوارج ، وهو أثر سنّة معاوية ، فقال : أحتسب عند الله أنّي أصبحت ساخطاً على أحياء قريش ، إنّكم يا معشر العرب ، كنتم على الحال الذي علمتم من الذلّة والقلّة والضلالة ، وإنّ الله أنقذكم بالإسلام وبمُحمّد (صلّى الله عليه وآله) حتّى بلغ بكم ما ترون ، وهذه الدنيا التي أفسدت بينكم ، إنّ ذاك الذي في الشام والله إنْ يُقاتل إلاّ على الدنيا ، وإنّ هؤلاء الذين بين أظهركم إنْ يُقاتلون إلاّ على الدنيا ، وإنّ ذاك الذي بمكّة والله ، إنْ يُقاتل إلاّ على الدنيا . انتهى .

ويكاد يتطابق الرأي السابق للشيخ رشيد رضا ، ورأي الشيخ أبو زهرة في هذا الأمر بقوله(1) :

ـــــــــــــــ

(1) الشيخ محمّد أبو زهرة ، تاريخ المذاهب الإسلاميّة  / 88 ـ القاهرة ـ  دار الفكر العربي .


الصفحة (148)

ولكن معاوية لمْ يُمهل إمام الهُدى عليّ (ع) حتّى ما ابتدأ ، بل حارب البيعة وانتقض على المسلمين ، واتّهم مبايعيه ، ووجد من مبايعيه من انتقض عليه ، وهكذا ابذعر الأمر واضطرب . ... وقد جاءت البيعة من كلّ البلاد ما عدا الشام . وكان على معاوية أنْ يخضع لمصلحة الإسلام ورأى الكثرة الكبرى ، ومكانة عليّ (ع) ، فقد كان إمام المسلمين في ذلك الوقت غير منازع ، أو كما يعبّر بلغة العصر : كان رجل الساعة . ولكن تحرّكت المطامع نحو الملك ، والعصبيّة العربيّة والإحن الجاهليّة ، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله تعالى .

وعلى بالعكس من رأي ابن خلدون الذي وإنْ أقرّ بتحوّل الخلافة إلى الملك على يد معاوية ، إلاّ أنّه اعتبر مع ذلك أنّ معاني وروح الخلافة كانت لا تزال باقية ، على العكس من ذلك نرى واحداً من أكثر المفكّرين الإسلاميين تأثيراً في العصر الحديث ، وهو أبو الأعلى المودودي ، يرى(1) أنّ ما قام به معاوية يُعدّ تحوّلاً جذرياً ، إذ أنّه أحلّ أسلوب التنصيب بالقوّة كطريق للوصول إلى السلطة وأسلوب لممارستها ، محل البيعة الحرّة الشورية .

وهذا الرأي الذي أبداه المودودي ، هو عين ما توصّل إليه الباحثون المحدثون على اختلاف مناهج البحث السياسيّة والاجتماعيّة . يقول الدكتور الريس(2) :

أمّا بعد عصر الراشدين ، فالكلّ مجمع على أنّه حدث تطوّر أو تغيّر ، وإنْ كانوا يختلفون في المدى الذي ذهب إليه التغيير , فإنّ تولّي معاوية الخلافة لمْ يتمّ في الأصل بالمبايعة الحرّة أو الاختيار من جميع الاُمّة ، وإنّما الذي بايعه أهل

ـــــــــــــــ

(1) أبو الأعلى المودودي ، الخلافة والملك / 112 ـ الكويت ـ  دار القلم / 1978 م .

(2) النظريّات السياسيّة الإسلاميّة ، مرجع سابق / 186 .


الصفحة (149)

الشام الذين كانوا في ولايته ، ثمّ بايعه سائر الناس الذين بايعوه بعد عام الجماعة ، ولكن كان هذا في حقيقة الأمر اعترافاً بالواقع وحرصاً على حفظ وحدة الاُمّة . فهنا دخل عنصر القوّة والاضطرار بدل الاختيار التامّ أو الشورى ، فيُمكن القول : بأنّه هنا حدث التفارق بين المثال والواقع .

وتؤكّد إحدى الدراسات المعاصرة الاُخرى(1) : إنّ أهم ما ميّز أسلوب الوصول إلى السلطة في ظلّ هذا النموذج ـ الملك ـ هو الاعتماد على البطش والقوّة ، بل إنّ معاوية عمد بعد ذلك إلى جعل منصب القيادة وراثياً .

ومن ثمّ أصبحت قيادة الاُمّة شبه ملك خاصّ يتركه الحاكم لابنه ، كما يترك الوالد لولده مزرعةً أو تجارةً أو صناعةً . وبذلك يُنظر إلى معاوية على أنّه مؤسّس أوّل ملك عضوض في الإسلام ، حيث انقلبت الخلافة على يديه إلى ملك . وعلى الرغم من الإبقاء على تلقيب الحاكم بلقب الخليفة أو أمير المؤمنين ، إلاّ أنّ نظام الحكم أصبح يسوده نموذج الملك لا نموذج الخلافة .

وفي بحثه عن أسباب انهيار الحضارة الإسلاميّة ، يرى فقيه آخر(2) أن كلّ الأدواء الفكريّة والخلقيّة والاجتماعيّة مردّها إلى الفساد السياسي الذي صدّع بناء هذه الحضارة . يقول الشيخ : بدأ هذا بجذع الحكم ، وأصله الأوّل ، أعني : الخلافة ، فالمفروض عقلاً ونقلاً أنْ يختار المسلمون خليفتهم من بين أعظم الكفايات فيهم ، إلاّ أنّ سطوة العصبيّات وغلبة الشهوات هدمتا هذه القاعدة ، فإذا

ـــــــــــــــ

(1) د . نيفين عبد الخالق مصطفى ، المعارضة في الفكر السياسي الإسلامي / 195 ـ القاهرة ـ  مكتبة الملك فيصل / 1985 م .

(2) الشيخ محمّد الغزالي ، حقيقة القومية العربيّة / 257 ـ القاهرة ـ  مكتبة دار العروبة .


الصفحة (150)

الخلافة ميراث شخصي يتركه الوالد لولده ، لكن هذا الهزل هو الذي ساد بلاد الإسلام دهراً ، بعد أن طويت أعلام الخلافة الراشدة ، وقضى عليها معاوية بن أبي سفيان . إنّ توريث إمارة المؤمنين الذي ابتدعه معاوية مقلّداً المجوسيّة الفارسيّة ، والصليبيّة الرومانيّة كان بداية الشرر الذي تحوّل على مرّ الليالي حريقاً مستعرة دمّرت الأخضر واليابس في الحضارة الإسلاميّة المظلومة .

ونختتم بحث هذه الجزئيّة الخاصّة بآليّة انتقال السلطة ، كمؤشر على طبيعة النظام الاُموي بإيراد تحليل أحد كبار الدُعاة الأصوليّين في العصر الحديث ، وهو سيّد قطب الذي يقول(1) : فلمّا جاء الاُمويون ، وصارت الخلافة الإسلاميّة ملكاً عضوضاً في بني اُمّية ، لمْ يكن ذلك من وحي الإسلام ، إنّما كان من وحي الجاهليّة الذي أطفأ إشراقه الروح الإسلامي ...

وكان هذا الاتّجاه طعنة نافذة في قلب الإسلام ونظام الإسلام واتّجاه الإسلام ...

ومضى عثمان إلى رحمة ربّه ، وقد خلف الدولة الاُمويّة قائمة بالفعل بفضل ما مُكّن لها في الأرض ، وبخاصّة في الشام ، وبفضل ما مُكّن للمبادئ الاُمويّة المجافية لروح الإسلام ، من إقامة الملك الوراثي والاستئثار بالمغانم والأموال والمنافع ، ممّا أحدث خلخلةً في الروح الإسلامي العام ...

ولقد كان من جرّاء مباكرة الدين الناشيء بالتمكين منه للعصبة الاُمويّة على يدي الخليفة الثالث عثمان في كبرته ، أنّ تقاليده العمليّة لمْ تتأصّل على

ـــــــــــــــ

(1) سيّد قطب ، العدالة الاجتماعيّة في الإسلام / 207 وما بعدها ، ط 7 ـ القاهرة ـ دار الشروق / 1980 .

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة