الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة (101)

أصيل ، لا ينقص منه ولا يزيده تمسّك النّاس به من عدمه ، أو كما قال عليّ بن أبي طالب (ع) : (( الحقّ لا يُعرف بالرجال ، ولكن اعرفْ الحقّ تعرفْ أهله ))(1) .

ـــــــــــــــ

(1) يُثير هذا القول عدّة مسائل :

أوّلاً : مدى حُجيّة قول وفعل الصحابي مطلقاً ، ولعلماء الأصول فيه آراء مختلفة :

فمنهم مَن قال بحجيّة أقوالهم بعد النصوص إذا اجتمعوا عليها , وأمّا إذا اختلفوا ، فيؤخذ بأقربها إلى الكتاب والسنّة .

فأبو حنيفة ، يقول : إنْ لمْ أجد في كتاب الله تعالى ولا في سنّة رسوله (صلّى الله عليه وآله) ، أخذت بقول أصحابه ، آخذُ بقول مَن شئت وأدع مَن شئت ، ولا أخرج من قولهم إلى قول غيرهم .

والشافعي يقول في الأم : إنْ لمْ يكن في الكتاب والسنْة ، صِرنا إلى أقاويل أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أو واحد منهم ، ثمّ كان قول أبي بكر وعمر أو عثمان إذا صِرنا فيه إلى التقليد أحبّ إلينا ، وذلك إذا لمْ نجد دلالةً في الاختلاف تدلّ على أقرب الاختلاف من الكتاب والسنّة ، لنتبع القول الذي معه الدلالة .

ومنهم مَن قال بعدم الأخذ بقول الصحابي إلاّ فيما لا يكون إلاّ نقلاً ، وتركه فيما يكون اجتهاداً ، وهذا هو قول الكرخي : والحجّة في ذلك أنّ ما يكون نقلاً فهو سنّة , وأمّا ما يكون أساسه الرأي ، فهو اجتهاد يحتمل الخطأ .

وقد كان ابن مسعود يقول في رأيه الذي يكون نتيجة اجتهاد : إنْ يكن خطأ فمنّي ومن الشيطان ، وإنْ يكن صواباً فمن الله .

فإذا كانوا هم يتظنّنون في آرائهم ، فكيف يتبعون فيها إذاً من غير دليل ؟

ومنهم كانوا هم يتظنّنون في آرائهم ، فكيف يتبعون فيها إذن من غير دليل ؟

ومنهم من رفض حجيّة قول الصحابي ، فيقول الشوكاني : والحقّ أنّه ليس بحجّة ، فإنّ الله تعالى لمْ يبعث إلى هذه الاُمّة إلاّ نبيّاً واحداً محمّداً (صلّى الله عليه وآله) ، وليس لنا إلاّ رسول واحد وكتاب واحد ، وجميع الاُمّة مأمور باتّباع كتابه وسنّة نبيّه (ص) ، ولا فرق بين الصحابة ومن بعدهم في ذلك ، فكلّهم مكلّفون التكاليف الشرعيّة واتّباع الكتاب والسنّة ، فمَن قال أنْ تقوم الحجّة في دين الله عزّ وجلّ بغير كتاب الله تعالى وسنّة رسوله (صلّى الله عليه وآله) وما يرجع إليهما ، فقد قال في دين الله بما لا يثبت , وأثبت في هذه الشريعة الإسلاميّة شرعاً لمْ يأمر الله به , وهذا أمر عظيم وتقوّل بالغ . راجع : أصول الفقه ، محمّد أبو زهرة / 198 , القاهرة ,  دار الفكر العربي .

ثانياً : ضرورة تحديد معنى الصحبة المعدلة ، وللفقهاء في تحديد الصحبة أقوال :

فأبو الحسن الأشعري يقول : كلّ من صحب النبي (صلّى الله عليه وآله) ولو ساعة ، أو رآه ولو مرّة مع إيمانه به وبما دعا إليه ، أفضل من التابعين بذلك .


الصفحة (102)

 

ـــــــــــــــ

أصول أهل السنّة والجماعة / 101 ، رسالة الثغر , القاهرة , سلسلة التراث السلفي / 1987م .

وكذلك جمع ابن الأثير مختلف الآراء في معنى الصحبة ، فيذكر قول سعيد بن المسيب : الصحابة لا نعدّهم إلاّ من أقام مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) سنة أو سنتين ، وغزا معه غزوة أو غزوتين .

قول الواقدي ، ورأينا أهل العلم يقولون : كلّ مَن رأى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وقد أدرك الحلم فاسلم وعقل أمر دينه ورضيه ، فهو عندنا ممّن صحب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ولو ساعة من نهار ، ولكن أصحابه على طبقاتهم وتقدمهم في الإسلام .

قول أحمد بن حنبل : أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كلّ مَن صحبه شهراً أو يوماً أو ساعةً ، أو رآه .

قول البخاري : مَن صحب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، أو رآه من المسلمين فهو من الصحابة .

قول الغزالي : لا يُطلق اسم الصحبة إلاّ على مَن صحبه ، ثمّ يكفي في الاسم من حيث الوضع ، الصحبة ، ولو ساعة ، ولكن العُرف يخصّصه بمَن كثرت صحبته . أُسد الغابة في معرفة الصحابة ، المرجع السابق 1 / 18 .

وقد بنو على أساس هذا التعريف للصحبة تعديل الصحابة :

فقال ابن الأثير : الصحابة كلّهم عدول ، لا يتطرّق إليهم الجرح . المرجع السابق / 10 .

وقال أبوبكر الباقلاني عن الحصابي : إنّ خبر الثقة الأمين عنه مقبول ومعمول به ، وإنْ لمْ تطل صحبته ، ولا سمع منه إلاّ حديثاً واحداً . المصدر نفسه / 10 .

وقال ابن أبي حاتم الرازي : إنّهم عدول الاُمّة . الجرح والتعديل 1 / 7 .

ونقول كيف يتأتّى إطلاق الثقة هكذا على كلّ مَن صحب الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، مع اختزال معنى الصحبة في ساعة من نهار ؟ بل إلى مجرد الرؤية ، وجعلوا ذلك معياراً للعدالة غير القابلة للجرح , كيف وقد عرفوا أنّه كان هناك ظاهرو النفاق ، كعبد الله بن أبي بن سلول ؟ فكيف إذاً بمَن لمْ يتعيّن من المنافقين الذين حدّد الله بعضهم لنبيّه (صلّى الله عليه وآله) وعرّفهم بدوره فقط لحذيفة ، وآخرين لمْ يعلمهم رسول الله ذاته ؟

لقد كان حقّ رسول الله (ص) في صيانة سنّته باتّخاذ معيار موضوعي للعدالة ، بدلاً من تعليقها على مجرّد الرؤية ، أولى من أيّ سبب آخر حملهم على ذلك مهما حسنت النيّة .


الصفحة (103)

 

ـــــــــــــــ

ثالثاً : منهج المعرفة ، فليس الرجال دليلاً على الحقّ مهما بلغوا ، وإنّما الحقّ دليل عليهم ، والحقّ في الكتاب والسنّة الصحيحة ، فهذا هو الأصل الثابت الذي لا يتغيّر ولا يتبدّل ، والرجال يتغيّرون ويتبدّلون ، وهل أدلّ على ذلك ممّا ذكره الله تعالى وصفاً للإيمان ذاته بالزيادة والنقصان : ( وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً ) . سورة الأنفال / 2 ، ( الذينَ قَالَ لَهُمُ الناس إِنّ الناس قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً ) . سورة آل عمران / 173 .

هذا وقد قال عليّ بن أبي طالب (ع) قوله ذلك في منهج معرفة الحقّ ، ردّاً على مَن شكّ في خطأ أصحاب الجمل ، وفيهم اُمّ المؤمنين عائشة وطلحة والزبير ، عندما خرجوا مقاتلين لعليّ بن أبي طالب (ع) ومَن معه , فسمّاها عليّ (ع) : (( حرب الناكثين )) . واقرأ معي خبراً من أخبار تلك الحرب ، تقف على معنى التغيّر والتبدّل .

يروي الطبري (1) بسنده : أنّ عائشة ( رضي الله عنها ) لمّا انتهت إلى سرف راجعة في طريقها إلى المدينة ، لقيها عبد ابن اُمّ كلاب ، وهو عبد الله بن أبي سلمة ، يُنسب إلى اُمّه ، فقالت له : مَهيم ؟ قال : قتلوا عثمان (رضي الله عنه) فمكثوا ثمانياً . قالت : ثمّ صنعوا ماذا ؟ قال : أخذها أهل المدينة بالاجتماع ، فجازت بهم الأمور إلى خير مجاز , اجتمعوا على عليّ بن أبي طالب (ع) . فقالت : والله ، ليت أنّ هذه انطبقت على هذه إنْ تمّ الأمر لصاحبك ، ردّوني ، ردّوني . فانصرفت إلى مكّة وهي تقول : قُتل والله عثمان مظلوماً ، والله لأطلبنّ بدمه . فقال لها ابن اُمّ كلاب : ولِمَ ؟ فوالله إنّ أوّل مَن أمال حرفه لأنت ، ولقد كنت تقولين : اقتلوا نعثلاً فقد كفر . قالت : إنّهم استتابوه ثمّ قتلوه ، وقد قلت وقالوا ، وقولي الأخير خير من قولي الأوّل . فقال لها ابن اُمّ كلاب :

فـمنك  الـبداءُ ومنك iiالغير      ومـنك  الرياح ومنك iiالمطر
وأنـت  أمـرت بقتل iiالإمام      وقـلت  لـنا إنـه قـد iiكفر
فـهبنا أطـعناك فـي قـتله      وقـاتله عـندنا مـن iiأمـر
ولـم يسقط السقف من iiفوقنا      ولـم  تنكسف شمسنا iiوالقمر
وقـد بـايع الـناس ذا iiتدرا      يـزيل الـشبا ويقيم iiالصّعر
ويـلبس  لـلحرب iiأثـوابها      وما من وفى مثل من قد غدر

الطبري ، المرجع السابق 4 / 459 .


الصفحة (104)

النظام الاُموي ـ المحاور والسمات

أسفرت دراستنا السابقة للنظامين الجاهلي والإسلامي عن تحديد المحاور الأساسيّة التي يتمحور حولها كلّ من النظامين ، ومن ثمّ تطرّقنا إلى السمات الواسمة لهما ، بما أفضى إلى استخلاص معايير يُمكن التعويل عليها كمرجعيّة في التفرقة بين النظم ، وتلك هي :

1 ـ نسق القيم في ارتباطه بانساق الحياة الماديّة .

2 ـ ماهيّة الانتماء السائد .

3 ـ كيفيّة تمثّل مفهوم الألوهيّة .

ودراسة النظام الاُموي طِبقاً لهذه المرجعيّات ، نتوقّع لها أنْ تكشف لنا عن جوهر هذا النظام ، بما يُمكننا من تحديد إحداثياته ، ورصد موقعه النسبي من كِلا النظامين .

نظام الحكم

لعلّه أوّل مطلب يجب تحقيقه ، لما له ـ خاصّة في مثل المجتمع محلّ الدراسة ـ من أهميّة بالغة نظراً لانعكاساته على كافة الممارسات الاُخرى شكلاً وموضوعاً .

وربما كانت خطورة هذا المبحث ـ في حالة الدولة الإسلاميّة ـ أنّ هذا الجانب السياسي ظاهراً ، كان المصدر الأساسي لاختلاف الاُمّة ونشأة الفرق ، وما


الصفحة (105)

صاحب ذلك من مذاهب للمتكلمين ، كلّ يُحاول إثبات صحة فرقته وتخطئة الآخرين ، ونشوب الحروب المفنيّة بين المسلمين ، وافتراق الاُمّة ذلك الافتراق الذي شرخ وحدتها حتّى اليوم .

وقد نظر دوماً إلى نظام الحكم الاُموي ـ من وجهة نظر أهل السنّة ـ على أنّه امتداد لنظام الخلافة(1) عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وظلّ رأس النظام يدّعى

ـــــــــــــــ

(1) عمّم كثير من الباحثين المحدثين حكمهم على نظام الحكم الإسلامي ، ولمْ يُفرّقوا بين النظريّة والتطبيق ، انطلاقاً من الممارسات الأولى للنظام الاُموي الذي أرسى قواعد ظلّت معمولاً بها فيما أعقبها من أنظمة , وقد ساهم العلماء والفقهاء المسلمون في شيوع مفهوم هؤلاء الباحثين ، باعتقادهم الخاطئ أنّ الذبّ عن الإسلام يلزمه تبرير أفعال الحكّام مهما ثبت خطؤوهم . وهذا ما أدّى بالمستشرقين أنْ كادوا يجمعون على أنّ حكومة الإسلام هي الحكومة الاستبداديّة المُطلقة . وهم في ذلك يجمعون لها مساوئ الثيوقراطيّة ( Theocracy ) والأوتوقراطيّة ( Autocracy ) ، بمعنى : الحكومة المُدّعية لإرادة الله المُطلقة .

وحكومة الاستبداد :

يقول موير W. Muir في كتاب ( The callifate ) : المثال والنموذج للحكم الإسلامي هو الحاكم المستبدّ المُطلق .

ويقول ما كدونالد D. B. Macdonald في كتابه ( Development of Muslim Theology ) : مع بعض القيود يلزم أنْ يحكم الإمام كحاكم مُطلق .

ويقول ما جليوث Margoliouth في كتابه ( MUHAMMEDANISM ) : إنّه يُمكن أنٍْ يُقال ، إنّ مبدأ الحكومة الأوتوقراطيّة ، أي : الاستبداديّة ، قد ظلّ مسلّماً بها ، لا يُجادل أحد فيه في الأقطار الإسلاميّة حتّى القرن التاسع عشر . راجع د . محمّد ضياء الدين الريّس ، النظريّات السياسيّة الإسلاميّة / 366 ، ط 7 ـ القاهرة ـ دار التراث / 1976 .

ويعلّق د . الريس على أحكام المستشرقين بقوله : إنّ مصدر هذا الخطأ أنّهم ينظرون إلى الخلافة الواقعيّة التاريخيّة ـ وفي أسوأ عصورها ـ ويظنّون أنّ هذه هي الخلافة التي يعترف بها الإسلام .


الصفحة (106)

بأمير المؤمنين , وبالرغم من ذلك كان لهذا النظام دوماً معارضوه ونقّاده ، مع استمرار النظام وفقهائه بوصمهم بالمروق من الدين ، وتفريق الجماعة ، وأنّهم أصحاب نحل وأهواء .

وقد مرّ بنا من قبل رأي الجاحظ في رأس النظام معاوية ، الذي أخرج الجاحظ أفعاله من حكم الفسق إلى حكم الكفر .

وعلى العكس من ذلك تماماً ، ترى فريقاً آخر يمجّد معاوية حتّى ليشبّهوه برسول الله (صلّى الله عليه وآله) . فهذا ابن تيميّة يقول(1) : لمْ يكن من ملوك المسلمين ملك خيراً من معاوية ، ولا كان الناس في زمان ملك من الملوك خيراً منهم في زمن معاوية ، إذا نُسبت أيّامه إلى أيّام من بعده .

وحشد ابن تيمية ، في منهاج السنّة كثيراً من الشهادات على فضائل ومناقب معاوية ، منها :

ما أُسند إلى قتادة : لو أصبحتم في مثل عمل معاوية ، لقال أكثركم هذا المهدي .

وما أُسند إلى مجاهد : لو أدركتم معاوية ، لقلتم هذا المهدي .

وما أُسند إلى أبي الدرداء : ما رأيت أحداً أشبه صلاة بصلاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من إمامكم هذا ، يعني : معاوية .

وما أُسند إلى ابن عبّاس قوله في معاوية : إنّه فقيه .

وأمّا أبوبكر بن العربي فيرفض حديث الرسول (صلّى الله عليه وآله) : (( الخلافة ثلاثون عاماً ، ثمّ تعود ملكاً عضوضاً )) . فيقول(2) : هذا حديث لا يصحّ . ثمّ يعدّد فضائل معاوية ، فيقول(3) :

ـــــــــــــــ

(1) ابن تيميّة ، منهاج السنّة 3 / 185 ـ بيروت ـ  دار الكتب العلميّة .

(2) العواصم من القواصم ، المرجع السابق / 208 .

(3) المرجع السابق / 209 .


الصفحة (107)

معاوية اجتمعت فيه خصال : وهي أنّ عمر جمع له الشامات كلّها وأفرده بها ، لما رأى من حسن سيرته ، وقيامه بحماية البيضة وسدّ الثغور ، وإصلاح الجُند والظهور على العدوّ وسياسة الخلق . وقد شهد له في صحيح الحديث بالفقه ، وشهد بخلافته في حديث اُمّ حرام : أنّ ناساً من اُمّته يركبون ثبج البحر الأخضر ملوكاً على الأسرّة ، أو مثل الملوك على الأسرّة ، وكان ذلك في ولايته .

وجمع فقيه آخر (1) فضائل اُخَر لمعاوية ، مثل :

ما أُسند إلى أبي نعيم : كان معاوية من كتّاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حسن الكتابة ، فصيحاً حليماً وقوراً .

وما أُسند إلى المدايني : كان زيد بن ثابت يكتب الوحي ، وكان معاوية يكتب للنبيّ (ص) فيما بينه وبين العرب .

وما أُسند إلى عبد الله بن المبارك قوله عندما سُئل : أيّهما أفضل ، معاوية أو عمر بن عبد العزيز ؟ فقال : والله ، إنّ الغبار الذي دخل في أنف فرس معاوية مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أفضل من عمر بألف مرّة .

وما ذكره برواية الترمذي : أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) دعا لمعاوية ، فقال : اللهمّ ، اجعله هادياً مهديّاً .

وما أُسند إلى عوف بن مالك ، قال : إنّّه كان قائلاً نائماً بمسجد بأريحياء ، فإذا أسد يمشي إليه ، فأخذ سلاحه ، فقال له الأسد : صهْ ، إنّما أُرسلت إليك برسالة لتبلغها . قلت : مَن أرسلك ؟ قال الله أرسلني إليك لتُعلم معاوية أنّه من أهل الجنّة . قلت : ومَن معاوية ؟ قال : ابن أبي سفيان .

* * *

ـــــــــــــــ

(1) أحمد بن حجر الهيثمي ، تطهير الجنان واللسان عن الخطورة والتفوّه بثلب سيّدنا معاوية بن أبي سفيان / 13 وما بعدها , بيروت , دار الكتب العلمية / 1983 م .


الصفحة (108)

وهكذا نجد أنفسنا أمام مُعضلة من المعضلات ، فقد جرى المألوف على التراوح اليسير على جانبي ، أي : مسألة يختلف فيها الناس ، لا سيّما إذا كانت محدّدة الوقائع محدّدة الأعيان , وأمّا أنْ يتّسع التراوح بحيث يصير تناقضاً تامّاً ، فهذا هو غير المألوف الذي يستوجب أناةً في التحليل ودقّة في التحقيق ، وصبراً على ذلك كلّه .

وحالتنا هذه أولى بكلّ هذا لمَا تراوح الرأي فيها بين هُدى تامّ ، وكفر بواح .

وأجدر بنا ـ ونحن نناقش نظام الحكم الاُموي ـ أنْ نتعرّف على أنظمة الحكم المختلفة التي خبرتها البشريّة ، وموقع نظام الحكم الإسلامي منها .

وربما كان أقرب من يسعفنا في ذلك ابن خلدون ، الذي قسّم أنظمة الحكم تقسيماً وظيفيّاً إلى ثلاثة (1) :

1 ـ الملك الطبيعي ، وتعريفه له : هو حمل الكافة على مقتضى الغرض والشهوة . ثمّ يشرحه بقوله :

أحكام صاحبه في الغالب جائرة عن الحقّ ، مُجحفة بمَن تحت يده من الخلق في أحوال دنياهم ، لحمله في الغالب على ما ليس في طوقهم من أغراضه وشهواته .

ويحدّد عاقبة هذا النظام بقوله : تعسر طاعته لذلك ، وتجيء العصبيّة المُفضيّة إلى الهرج والقتل .

2 ـ الحكم أو الملك السياسي , وتعريفه له : هو حمل الكافة على مقتضى النظر العقلي في جلب المصالح الدنيويّة ودفع المضار .

ويزيدها وضوحاً بقوله : فإذا كانت هذه القوانين مفروضة من العقلاء وأكابر الدولة وبصرائها ، كانت سياسة عقليّة .

ـــــــــــــــ

(1) مقدّمة ابن خلدون مرجع سابق  1 / 158 .


الصفحة (109)

على أنّه يرفض هذا النظام أيضاً كرفضه لسابقه بقوله : وما كان منه بمقتضى السياسة وأحكامها ، فمذموم أيضاً ؛ لأنّه نظر بغير نور الله ( وَمَن لّمْ يَجْعَلِ اللّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ )(1) . لأن الشارع أعلم بمصالح الكافة فيما هو مغيّب عنهم من اُمور آخرتهم ، وأعمال البشر كلّها عائدة عليهم في معادهم من ملك أو غيره ، وأحكام السياسة إنّما تطلع على مصالح الدُنيا فقط : ( يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدّنْيَا )(2) .

3 ـ نظام الخلافة ، ويعرّفه بقوله : هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخرويّة والدنيويّة الراجعة إليها ، إذ أحوال الدنيا ترجع كلّها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة ، فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين ، وسياسة الدنيا .

ولن تجد تعريفاً آخر للخلافة يختلف عن تعريف ابن خلدون ، وهاك بعض التعريفات الاُخرى :

الماوردي(3) : الإمامة موضوعة لخلافة النبوّة في حراسة الدين ، وسياسة الدنيا .

التفتازاني(4) : رئاسة عامّة في الدين والدنيا ، خلافة عن النبي (صلّى الله عليه وآله) .

عضد الدين الإيجي(5) : خلافة الرسول (ص) في إقامة الدين وحفظ حوزة الملّة ، بحيث يجب اتّباعه على كافة الاُمّة .

ـــــــــــــــ

(1) سورة النور / 40

(2) سورة الروم / 7

(3) أبو الحسن الماوردي ، الأحكام السلطانيّة والولايات الدينيّة / 5 , بيروت , دار الكتب العلميّة .

(4) د . ضياء الريّس ، المرجع السابق / 122 .

(5) المرجع السابق / 123 .


الصفحة (110)

وهكذا نرى أنّ هذه التعريفات تجمع على مضمون واحد ، وإنْ كان أكثر تفصيلاً لدى ابن خلدون ،  يحدّد جوهر نظام الخلافة في الآتي :

* تماهي الدنيا في الآخرة ، فلا فصل مطلقاً بينهما .

* الارتباط العضوي بين السياسة والدين ، فالمصالح المعتبرة بالسياسة ليست مطلقة ، وإنّما مقيّدة بأعراض الدين وقِيمه .

* الحكم تحديداً هو خلافة عن صاحب الشرع .

* وظيفيّة الخلافة ، فإنّما هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي .

وهذا يعني أنّ التصدي للخلافة لا بدّ وأنْ يكون بغرض حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي ، وتصبح بالضرورة كلّ الأغراض الاُخرى مُسقطة لمعنى الخلافة وفاقدة لشرعيّتها ، مهما تزيّنت تلك الأغراض بما يسوغها لدى الناس من مبرّرات ، مِن مثلِ توّفر القدرة على جمع الناس وعدم فرقتهم ، أو مثل ظرفيّة مجابهة الأعداء ، أو تغليب صلاحيّة سياسة الناس على التقوى .

وقد شدّد الإسلام كثيراً على هذا المعنى نظراً لخطورته الشديدة . روى مسلم : أنّ رسول الله (ص) قال في الإمارة : (( إنّها أمانة ، وإنّها يوم القيامة خِزي ونَدامة ، إلاّ مَن أخذها بحقّها ، وأدّى الذي عليه فيها )) .

وروى البخاري : أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) ، قال : (( إذا ضيعت الأمانة ، انتظر الساعة )) . قِيل : يا رسول الله ، وما إضاعتها ؟ قال (ص) : (( إذا وسد الأمر إلى غير أهله ، فانتظر الساعة )) .

وبهذا المعيار الذي يتوفّر لدينا للحكم على مشروعيّة النظام ، نسأل : هل التزم مؤسّسو النظام الاُموي به ؟


الصفحة (111)

أمْ أنّه كانت أغراض اُخرى ؟

تقدم استعراض الظروف التي نشأ فيها هؤلاء القوم ، وكذلك الصفات الخاصّة التي ميّزت هذا الحي من قريش ، إضافة إلى أحاديث نبوءات الكهنة التي تعلّقت بها هند لابنها معاوية : أنّه يوماً سيصير ملكاً . وتعلّق معاوية ذاته بادّعاء على النبي (صلّى الله عليه وآله) أنّه يتنبّأ له بالملك ، ثمّ نصائح هند وزوجها أبي سفيان لولدهما معاوية ألاّ يأتي فعلاً من عند نفسه ، يغضب مستعمله فيعطّله عن إدراك مراميه .

ونحن نزعم أنّ ذلك لمْ يكن أمر معاوية وحده ، وإنّما كان أمر بني اُميّة جميعاً . وبين أيدينا العديد من الأخبار والشواهد الكفيلة بإخراجه من كونه زعما إلى تأكيده يقيناً .

فعندما عزل عثمان بن عفّان سعد بن ابي وقّاص عن الكوفة ، ولّى مكانه الوليد بن عقبة ، فكأنّما دهش سعد لتولية عثمان الوليد بدلاً منه ، فسعد مَن قد علم الناس مكانته ، والوليد مَن قد عرف الناس كذبه على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) . يروي ابن الأثير(1) : فلمّا قدم الوليد ، قال له سعد : أكست بعدنا أمْ حمقنا بعدك ؟ فقال : لا تجزعنّ يا أبا إسحاق ، كلّ ذلك لمْ يكن ، وإنّما هو الملك يتغدّاه قوم ويتعشّاه آخرون . فقال سعد : أراكم جعلتموها مُلكاً .

فواضح أنّ سعداً لمْ يرَ في الإمارة إلاّ الأهليّة ، بينما لمْ يرَ الوليد إلاّ أنّها المُلك يتداول بين الناس(2) .

ـــــــــــــــ

(1) ابن الأثير ، الكامل في التاريخ ، المرجع السابق 2 / 477 .

(2) كان ممّا عابه الناس على عثمان استعماله الأحداث في وجود أصحاب السابقة من صحابة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , وتولية الوليد ممّا عابه الناس على عثمان ، فلا وجه للمقارنة بين سعد والوليد .

فإنّ قِيل : إنّ القاعدة استعمال الأصلح باعتبار الظرف ، فلمْ يقل منصف إنّ الوليد أصلح من سعد ، خاصّة وقد كانت الكوفة وقتئذٍ إحدى الأمصار الأربع الخطيرة ، ولمْ يكن كسرى يزدجرد قد هلك بعدُ ، فلا يكون الوليد أصلح من قائد جيش القادسيّة , ثمّ إنّ سعداً هو أحد المرشحين الستّة من قبل عمر للخلافة العظمى ، فما بالك بإمارة مصر من الأمصار .

وربما هذه إحدى غرائب المتصدّين للاعتذار عن أفعال حكّام الدولة الإسلاميّة مهما كانت ، مثل ابن تيميّة الذي يقع في تناقض خطير مع نفسه فيما ذكره عن هذه المسألة في كتابه السياسة الشرعيّة , حيث جمع أحاديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فذكر منها قوله : (( مَن ولي من أمر المسلمين شيئاً ، فولّى رجلاً وهو يجد مَن هو أصلح للمسلمين منه ، فقد خان الله ورسوله )) . ثمّ يقول ابن تيميّة : فإن عدل عن الأحقّ الأصلح إلى غيره ، لأجل قرابة بينهما أو ولاء عتاقة أو صداقة ، أو موافقة في بلد أو مذهب أوطريقة أو جنس ، كالعربيّة والفارسيّة والتركيّة والروميّة ، أو لرشوة يأخذها منه من مال أو منفعة ، أو غير ذلك من الأسباب ، أو لضغن في قلبه على الحقّ ، أوعداوة بينهما ، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين ، ودخل فيما نهى عنه في قوله تعالى : ( يَاأَيّهَا الذينَ آمَنُوا لاَتَخُونُوا اللّهَ وَالرّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) . الأنفال / 27 . ابن تيميّة ، السياسة الشرعيّة في إصلاح الراعي والرعيّة / 9 , بيروت ,  دار الآفاق الجديدة / 1988 م .

على أنّه يعود في منهاج السنّة فيبرّر توليّة الوليد احتجاجاً بقول عثمان : أنا لمْ أستعمل إلاّ مَن استعمله النبي (صلّى الله عليه وآله) ومن جنسهم ومن قبيلتهم . بينما هو يثبت ـ في الجملة السابقة مباشرة لقول عثمان السابق ـ أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) لمْ يتسعمل الوليد بعد ثبوت فسقه ، حيث يقول : واستعمل النبي (صلّى الله عليه وآله) الوليد بن عقبة بن أبي معيط حتّى أنزل الله فيه : ( إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ ) . سورة الحجرات / 6 . ابن تيميّة ، منهاج السنّة ، المرجع السابق 3 / 176 .


الصفحة (112)

وعندما حُدّ الوليد بن عقبة في شرب الخمر بشهادة الشهود ، لمْ يكن هناك بدّ من عزله ، فولّى عثمان بعده ربيبه سعيد بن العاص الاُموي , ولمْ تكن نظرة سعيد للأمر بأرضى من نظرة الوليد ، يُحدّثنا الطبري أنّه قال في حضرة سمّارة ـ من وجوه أهل الكوفة ـ : إنّما هذا السواد بستان لقريش . فأنكر عليه حضوره قوله ذاك ، وتصدّى له الأشتر بقوله : أتزعم أنّ السواد الذي أفاءه


الصفحة (113)

الله علينا بأسيافنا بستان لك ولقومك ! والله ، ما يزيد أوفاكم فيه نصيباً إلاّ أنْ يكون كأحدنا(1) .

أمر معاوية وعمرو بن العاص :

وأمّا أمرهما ، فإنّه تتوافر فيه الأخبار باستفاضة ، تجعل فرز مواقفهما للوقوف على حقيقة أمرهما يسيراً ودقيقاً معاً . ونحن نُورد هنا الأسباب التي تجعلنا نطمئن إلى القول إنّهما اتّخذا الملك لهما غرضاً ، دون المبرر الشرعي للإمارة ، وهو الخلافة عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حملاً للكافة على مقتضى النظر الشرعي :

فقد تعلّلا في الخروج على الإمام عليّ (ع) وحربهما له بطلب قاتلي عثمان للقود منهم .

والآيات كلّها تدلّ على أنّ ذلك لمْ يكن صحيحاً ، وإنّما اتّخذاه ستراً لغرضهما في الملك :

1 ـ فقد أطلّت الفتنة برأسها لسنوات خلون قبل مقتل عثمان ، وعندما اشتدّت الفتنة وكثرت الشكاية وضجر الناس بالأمصار من ظلّ عمّال عثمان ، جمع عثمان ولاته في الموسم قُبيل مقتله ، وهم ؛ عبد الله بن سعد ومعاوية وعبد الله بن عامر ، وأدخل معهم سعيد بن العاص وعمرو بن العاص .

وقد جمعهم ليشيروا عليه بالرأي ، فما زاد معاوية على أنْ قال : حسن الأدب . وأمّا عمرو ، فقد رمى عثمان باللين في جميع أمره (2) .

ـــــــــــــــ

(1) الطبري ، المرجع السابق 4 / 323 .

(2) المرجع السابق 4 / 342 .


الصفحة (114)

فأمّا قول معاوية ، فلا يُغني شيئاً , وأمّا قول عمرو ، فهو تأليب لعثمان على رعيته . وعمرو نفسه الذي يستنفر ها هنا عثمان لأخذ رعيته بالشدّة ، هو ذاته الذي كان يطعن على عثمان ، ويؤلّب الناس عليه .

يروي الطبري عن الواقدي في أسباب خروج المصريّين على عثمان(1) :

كان عمرو بن العاص على مصر عاملاً لعثمان ، فعزله عن الخراج واستعمله على الصلاة ، واستعمل عبد الله بن سعد على الخراج ، ثمّ جمعهما لعبد الله بن سعد , فلمّا قدم عمرو بن العاص المدينة , جعل يطعن على عثمان ، فأرسل إليه يوماً عثمان خالياً به ، فقال : يابن النابغة ، ما أسرع ما قمل جربان جبّتك ! إنّما عهدك بالعمل عاماً أوّل تطعن عليّ ؟! تأتيني بوجه وتذهب عنّي بآخر ؟! والله ، لو لا أكلة ما فعلت ذلك . قال : فقال عمرو : إنّ كثيراً ممّا يقول الناس وينقلون إلى ولاتهم باطل ، فاتقِ الله يا أمير المؤمنين في رعيتك . فقال عثمان : والله ، لقد استعملتك على ظلعك ، وكثرة القالة فيك . فقال عمرو : قد كنت عاملاً لعمر بن الخطاب ، ففارقني وهو عنّي راضٍ . قال ، فقال عثمان : وأنا والله ، لو آخذتك بما آخذك به عمر لاستقمت ، ولكنّي لنت لك فاجترأت عليّ . قال : فخرج عمرو من عند عثمان وهو محتقد عليه ، يأتي عليّاً (ع) مرّة فيؤلّبه على عثمان ، ويعترض الحاجّ فيخبرهم بما أحدث عثمان ، فلمّا كان حصر عثمان الأوّل ، خرج من المدينة حتّى انتهى إلى أرض له بفلسطين ، يُقال لها السبع , فنزل في قصر له ، يُقال له العجلان ، وهو يقول : العجب ما يأتينا عن ابن عفّان ! قال : فبينا هو جالس في قصره ذلك ، ومعه ابناه محمّد وعبد الله ،

ـــــــــــــــ

(1) المرجع السابق 4 / 356 .


الصفحة (115)

وسلامة بن روح الجذامي ، إذ مرّ بهم راكب ، فناداه عمرو : من أين قدم الرجل ؟ فقال : من المدينة . قال : ما فعل الرجل ؟ ـ يعني : عثمان ـ  قال : تركته محصوراً شديد الحصار . قال عمرو : أنا أبو عبد الله ، قد يضرط العير والمكواة في النار . فلمْ يبرح مجلسه ذلك حتّى مرّ به راكب آخر ، فناده عمرو : ما فعل الرجل ؟ ـ يعني : عثمان ـ  قال ، قال : أنا أبو عبد الله ، إذا حككت قرحة نكأتها ، إنْ كنت لأحرّض عليه , حتّى إنّي لأحرّض عليه الراعي في غنمه في رأس الجبل .

وعلى العكس من سفارة عليّ بن أبي طالب (ع) المتكرّرة بين عثمان والثائرين ، لتهدئة النفوس وإتاحة الفرصة للخليفة كي يُراجع عمله ويُعطي الرضا ، فإنّ عمرو بن العاص كان دائم التحريض والتأليب على عثمان . وقد حدث أنْ أقنع عليّ (ع) المصريين بالعدول عن ثورتهم والرجوع إلى مصر ، وخرج عثمان إلى المسجد ليُعلن ذلك للناس ، فإذا بعمرو بن العاص ينادي من ناحية المسجد ، قائلاً : اتّقِ الله يا عثمان ، فإنّك قد ركبت بنا نهابير ـ مهالك ـ وركبناها معك , فتُبْ إلى الله ، نتُب . فناداه عثمان ، وإنّك هناك يابن النابغة ! قملت والله ، جبتك منذ تركتك العمل(1) .

2 ـ عندما أحاط الثائرون بالمدينة ، وغشوا قلبها ، لمْ يجد عثمان من بين ولاته له معيناً ، حتّى بعدما كتب للأمصار يستنجد بهم ويستمدّهم في كتاب بعثه إليهم ، وجاء بآخره : فمَن قدر على اللحاق بنا ، فليلحق(2) .

ولمّا رأى عثمان ما نزل به وما انبعث عليه من الناس , كتب خصّيصاً إلى معاوية بن أبي سفيان عامله على الشام :

بسم الله الرّحمن الرّحيم

 أمّا بعد ,

ـــــــــــــــ

(1) المرجع السابق 4 / 360 .

(2) المرجع السابق 4 / 352 .


الصفحة (116)

فإنّ أهل المدينة قد كفروا وأخلفوا الطاعة ونكثوا البيعة ، فابعث إليّ من قبلك من مقاتلة أهل الشام على كلّ صعب وذلول(1) .

فلمّا جاء معاوية كتاب عثمان ، تضجّع وتلبّث وأبطأ ، ولمْ يستنفر الناس . يروي الطبري : فلمّا جاء معاوية الكتاب تربّص به ، وكره إظهار مخالفة أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وقد علم اجتماعهم ، فلمّا أبطأ أمره على عثمان ، كتب إلى يزيد بن أسد بن كرز وإلى أهل الشام يستنفرهم ويعظّم حقّه عليهم .

3 ـ ثمّ هذه اعترافات صريحة من عمرو بن العاص بدوره في قتل عثمان ، ثمّ غرضه الذي يسعى إليه , يتّضح ذلك من قوله(2) عندما أتاه خبر مقتل عثمان : أنا عبد الله ، قتلته وأنا بوادي السباع .

ثمّ قوله لولديه عندما جمعهما ليشاورهما في خطواته المقبلة : أمّا عليّ ، فلا خير عنده وهو رجل يدلّ بسابقته وهو غير مشركي في شيء من أمره ؛ فأمّا ابنه عبد الله ، فقد قال له : أرى أنْ تكفّ يدك وتجلس في بيتك حتّى يجتمع الناس على إمام فتبايعه , وأمّا ابنه محمّد فقد قال له : أنت ناب من أنياب العرب ، فلا أرى أنْ يجتمع هذا الأمر ، وليس لك فيه صوت ولا ذكر .

فحزم عمرو أمره ، ولحق بمعاوية في الشام يسايره في دعواه ، فدخل الشام قائلاً : أنتم على الحقّ ، اطلبوا بدم الخليفة المظلوم ، ثمّ خاطب معاوية مساوماً له :

أمَا والله ، إنْ قاتلنا معك نطلب بدم الخليفة ، إنّ في النفس من ذلك ما فيها ، حيث نُقاتل مَن تعلم سابقته وفضله وقرابته ، ولكنّا إنّما أردنا هذه الدنيا .

وكان الشرط الذي شرطه عمرو على معاوية ـ إنْ هو تابعه ـ : أنْ يجعله والياً على مصر ، وله خراجها ما بقي حيّاً .

ـــــــــــــــ

(1) المرجع السابق 4 / 368 .

(2) المرجع السابق 4 / 560 .


الصفحة (117)

يروي الطبري : ... وذلك لأنّ عمرو بن العاص كان صالح معاوية حين بايعه على قتال عليّ بن أبي طالب (ع) ، على أنّ له مصر طعمة ما بقي(1) .

4 ـ ولمْ يكن الغرض الخفيّ لحرب معاوية عليّاً (ع) خافياً على أحد من معسكر عليّ (ع) ، ولا على أحد من قيادات معسكر معاوية , وإنّما موّه به على عامّة جند الشام , ومع ذلك حاول عليّ (ع) تذكير معاوية بالله مراراً فلمْ يذكر ، ووجّه عليّ (ع) السفراء إلى معاوية ليراجعوه بخطورة تحقيق أغراضه على حساب الاُمّة ، فلمْ يقلع .

قال عليّ (ع) ذات مرّة لوفد له إلى معاوية : (( ائتوا هذا الرجل ، فادعوه إلى الله وإلى الطاعة والجماعة )) . فلمّا أتوه ، قال بشير بن عمرو ـ أحد الوفد ـ : يا معاوية ، إنّ الدنيا عنك زائلة ، وإنّك راجع إلى الآخرة ، وإنّ الله عزّ وجلّ محاسبك بعملك ، وجازيك بما قدّمت يداك ، وإنّي أنشدك الله عزّ وجل أنْ تفرّق جماعة هذه الاُمّة ، وأنْ تسفك دماءها بينها .

وقال شبث بن ربعي ـ أحد الوفد ـ : يا معاوية ، إنّه والله ، لا يخفى علينا ما تغزو وما تطلب ، إنّك لمْ تجد شيئاً تستغوي به الناس وتستميل به أهواءهم ، وتستخلص به طاعتهم ، إلاّ قولك : قُتل إمامكم مظلوماً ، فنحن نطلب بدمه . فاستجاب له سفهاء طغام ، وقد علمنا أنْ قد أبطأت عنه بالنصر ، وأحببت له القتل ، لهذه المنزلة التي أصبحت تطلب ، وربّ متمني أمر وطالبه الله عزّ وجلّ يحول دونه بقدرته ، وربما أُوتي المتمني أمنيته وفوق أمنيته ، ووالله ، مالك في واحدة منهما خير ، لئن أخطأت ما ترجو إنّك لشرّ العرب حالاً في ذلك ، ولئن أصبت ما تمنى لا تصيبه حتّى تستحقّ من ربّك صلي النار ، فاتّقِ الله يا معاوية ، ودع ما أنت عليه ولا تنازع الأمر أهله(2) .

ـــــــــــــــ

(1) المرجع السابق 5 / 98 .

(2) المرجع السابق 4 / 574 .


الصفحة (118)

ثمّ استمع إلى حديث عمّار بن ياسر إلى جماعته في حرب صفّين ، وإلى حلفاء معاوية عمرو بن العاص وعبيد الله بن عمر بن الخطاب ، تجده يفصّل الأمر تفصيلاً . يروي الطبري أنّ عمّار قال يومئذٍ :

أين مَن يبتغي رضوان الله عليه ، ولا يؤوب إلى مال ولا ولد . فأتته عصابة من الناس ، فقال : أيّها الناس ، اقصدوا بنا نحو هؤلاء الذين يبغون دم ابن عفّان ، ويزعمون أنّه قُتل مظلوماً ، والله ، ما طلبتهم بدمه ، ولكن القوم ذاقوا الدنيا فاستحبّوها واستمرؤوها وعلموا أنّ الحقّ إذا لزمهم حال بينهم وبين ما يتمرّغون فيه من دنياهم ، ولمْ يكن للقوم سابقة في الإسلام يستحقّون بها طاعة الناس والولاية عليهم ، فخدعوا أتباعهم أنْ قالوا : إمامنا قُتل مظلوماً ، ليكونوا بذلك جبابرةً ملوكاً ، وتلك مكيدة بلغوا بها ما ترون ، ولو لا هي ما تبعهم من الناس رجلان . اللهمّ ، إنْ تنصرنا فطالما نصرت ، وإنْ تجعل لهم الأمر فادّخر لهم بما أحدثوا في عبادك العذاب الأليم .

ثمّ مضى ، ومضت تلك العصابة التي أجابته حتّى دنا من عمرو ، فقال : يا عمرو ، بعت دينك بمصر ، تبّاً لك تباً ! طالما بغيت في الإسلام عوجاً . وقال لعبيد الله بن عمر بن الخطاب : صرعك الله ! بعت دينك من عدوّ الإسلام وابن عدوّه . قال : لا ، ولكن أطلب بدم عثمان بن عفّان ( رضي الله عنه ) . قال له : أشهد على علمي فيك أنّك لا تطلب بشيء من فعلك وجه الله عزّ وجلّ ، وإنّك إنْ لمْ تقتلْ اليوم تمتْ غداً ، فانظر إذا أُعطي الناس على قدر نيّاتهم ، ما نيّتك ؟ (1) .      

5 ـ على أنّ حقيقة غرض معاوية وأعوانه في الملك ، لمْ تتبدَّ فقط بإشعالهم الحرب على عليّ (ع) ، وإنّما كان معلوماً من أمرهم ، ومن طبيعة طموحاتهم

ـــــــــــــــ

(1) المرجع السابق 5 / 39 .


الصفحة (119)

وسلوكيّاتهم فيما سبق ، ما يتوقّع معه كلّ أفعالهم وردود أفعالهم فيما يقبل من أمر , وتبيّن ذلك واضحاً جليّاً منذ الأيّام الأولى لخلافة عليّ (ع) ، فهذا ابن عبّاس ينصح عليّاً (ع) في اليوم الخامس تحديداً من مقتل عثمان ، مرجعه من مكّة ، مبيّناً غشّ المغيرة بن شعبة لعليّ (ع) في نصيحته الأخيرة له ، إذ نصحه أولاّ بتثبيت معاوية في الولاية ، ثمّ عاد ونصحه بعزله ، فيقول ابن عبّاس : ... لأنّك تعلم أنّ معاوية وأصحابه أهل دنيا ، فمتى تثبّتهم لا يبالوا بمَن ولي هذا الأمر ، ومتى تعزلهم يقولوا : أخذ هذا الأمر بغير شورى وهو قتل صاحبنا ، ويؤلّبون عليك ، فينتقض عليك أهل الشام وأهل العراق(1) .

وكما كانت طبيعة معاوية وصحبه واضحة في ذهن ابن عبّاس ، فقد كانت أوضح في ذهن عليّ (ع) . يروي ابن كثير في قصّة التحكيم : أنّ عليّاً (ع) قال(2) :

(( عباد الله ، أمضوا إلى حقّكم وصدقكم وقتال عدوّكم ، فإنّ معاوية وعمرو بن العاص ، وابن أبي معيط وحبيب بن مسلمة , وابن أبي سرح والضحاك ابن قيس , ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن ، أنا أعرف بهم منكم ، صحبتهم أطفالاً وصحبتهم رجالاً ، فكانوا شرّ أطفال وشرّ رجال . ويحكم ! والله ، إنّهم ما رفعوها ـ المصاحف ـ إنّهم يقرؤونها ولا يعملون بما فيها ، وما رفعوها إلاّ خديعة ودهاء ومكيدة )) .

6 ـ وكذلك لمْ يكن الأمر خافياً على المهاجرين والأنصار , وهو ما عبّر عنه عليّ (ع) بقوله ـ فيما يرويه ابن كثير(3) ـ في حرب صفّين : (( ليس على وجه الأرض بدريّ إلاّ وهو معي )) .

ـــــــــــــــ

(1) المرجع السابق 4 / 436 .

(2) البداية والنهاية ، المرجع السابق 7 / 284 .

(3) المرجع السابق 7 / 270 .


الصفحة (120)

ويروي ابن كثير(1) عن الإمام أحمد ، ما ذكره مسنداً إلى عبد الله بن سلمة ، قوله : رأيت عمّاراً يوم صفّين شيخاً كبيراً آدم طوالاً ، أخذ الحربة بيده ويده ترتعد ، فقال : والذي نفسي بيده ، لو ضربونا حتّى يبلغوا بنا سعفات هجر ، لعرفت أنّ مصلحينا على الحقّ ، وأنّهم على الضلالة .

فهذا عمّار يُوقن أنّه وصحبه على الحقّ ، وأنّ معاوية وصحبه على الضلالة ، فلا يأبه ما يصنع به وإنْ بلغ المدى , وتلك صفات مَن يُقاتل على المبدأ .

وأمّا مَن كانت الدنيا أكبر همّه ، فتجده حريصاً عليها أشدّ الحرص ، مستمسكاً بها ، متكالباً عليها ، لا يحفظ مبدأ ، ولا يرعى إلاّ ، ولا يتقيّد بخلق ، ولا ينشد مروءة . ولنتدبّر ما ذكره ابن كثير(2) في قصّة حرب صفّين ، عندما دعا عليّ (ع) معاوية للمبارزة حتّى يفصل الله بينهما ، وتضع الحرب أوزارها ، فقال عمرو بن العاص لمعاوية : اغتنمه ، فإنّه قد أُثخن بقتل هؤلاء الأربعة . فقال له معاوية : والله ، لقد علمت أنّ عليّاً (ع) لمْ يقهر قط ، وإنّما أردت قتلي لتصيب الخلافة من بعدي ، اذهب إليك ! فليس مثلي يُخدع .

ويذكر ابن كثير في ذات الموضع : أنّ عليّاً (ع) حمل على عمرو بن العاص يوماً ، فضربه بالرمح فألقاه إلى الأرض فبدت سوأته فرجع عنه ، فقال له أصحابه : ما لك يا أمير المؤمنين رجعت عنه ؟ فقال (ع) : (( أتدرون ما هو ؟ )) . قالوا : لا . قال (ع) : (( هذا عمرو بن العاص تلقاني بسوأته فذكّرني بالرحم فرجعت عنه )) . فلمّا رجع عمرو إلى معاوية ، قال له : احمد الله ، واحمد إستك !

ـــــــــــــــ

(1) المرجع السابق 7 / 278 .

(2) المرجع السابق 7 / 274 .


الصفحة (121)

وعندما ملك معاوية ، جلس عنده عمرو بن العاص يسمران فتذكرا هذه الحادثة . يروي المسعودي(1) :  وجلس مرّة معاوية وعمرو ، فضحك معاوية ضحكاً ذهب به كلّ مذهب ، قال : ممَّ تضحك يا أمير المؤمنين ، أضحك الله سنّك ؟ قال : أضحك من حضور ذهنك يوم بارزت عليّاً (ع)، وإبدائك سوأتك ، أمَا والله ، يا عمرو لقد واقعت المنايا ، ورأيت الموت عياناً , ولو شاء لقتلك ، ولكن أبي بن أبي طالب (ع) في قتلك تكرماً . فقال عمرو : أمَا والله ، إنّي لعن يمينك حين دعاك إلى البراز ، فاحولّت عيناك وبدا سحرك ، وبدا منك ما أكره ذكره لك ، فمن نفسك فاضحك أو دع .

7 ـ ولست أرى أدحض لحجّة معاوية وصحبه في خروجهم للطلب بدم عثمان ، من كون معاوية ظلّ معانداً لكلّ دعوة للطاعة والدخول في الجماعة بمبايعة الإمام علي (ع) ، ورافضاً لكلّ محاولة رأب الصدع ، ومخذلاً لكل السفارات بينه وبين عليّ (ع) ، ومصمّماً على قتال جيش الإمام مهما أسفرت عن تفاني المسلمين حتّى إذا ما قُتل الإمام وتنازل الحسن بن عليّ (عليهما السّلام) وآل الملك إلى معاوية ، تناسى كلّية طلبه ذاك ، وجعل يبذل الوعود ويتهافت في إمضاء العهود على بياض لكلّ من شرط عهداً ، على أنْ يُبايع له بالملك .

أرأيت عندما بعث عليّ (ع) رسله شبث بن ربعي وصحبه إلى معاوية ؛ لدعوته إلى الله وإلى الطاعة والجماعة ، فما كان جواب معاوية إلاّ أنْ قال : ونطلْ ـ نترك ـ دم عثمان (رضي الله عنه) ، لا والله ، لا أفعل ذلك أبداً(2) .

ـــــــــــــــ

(1) المسعودي ، مروج الذهب 3 / 29 , بيروت , المكتبة الإسلاميّة  .

(2) الطبري ، المرجع السابق 4 / 573 .


الصفحة (122)

قال له شبث : أيسرّك يا معاوية ، أنّك أمكنت من عمّار تقتله ؟ فقال له معاوية : وما يمنعني من ذلك ، والله ، لو أمكنت من ابن سميّة ما قتلته بعثمان ، ولكن كنت قاتله بناتل مولى عثمان .

فلمّا أنْ تنازل الحسن (ع) وبلغ معاوية ما أراد ، ولمْ يبقَ من ذي شوكة إلاّ قيس بن سعد بن عبادة ومعه أربعون ألفاً من شيعة عليّ (ع) ، الذين كان يطلبهم معاوية بدم عثمان ، قطع معاوية على نفسه العهد فوراً بالأمان لهم على ما أصابوه على أنْ يُبايعوه(1) .

وعندما استتبّت الأمور نهائياً لمعاوية وقدم في أوّل زيارة له إلى المدينة ، طالبته عائشة بنت عثمان بن عفّان بدم أبيها كما وعد وكما أقسم بالله ألاّ يتركه أبداً ، إلاّ أنّه تصنع الحلم ، وتذكر ساعتها ـ وساعتها فقط ـ حقن دماء المسلمين ، وطالبها بالكفّ عن هذا الطلب .

يروي ابن كثير(2) : فتوجّه إلى دار عثمان بن عفّان ، فلمّا دنا إلى باب الدار ، صاحت عائشة بنت عثمان وندبت أباها ، فقال معاوية لمَن معه : انصرفوا إلى منازلكم فإنّ لي حاجة في هذه الدار . فانصرفوا ، ودخل مسكن عائشة بنت عثمان ، وأمرها بالكفّ ، وقال لها : يا بنت أخي ، إنّ الناس أعطونا سلطاننا ، فأظهرنا لهم حلماً تحته غضب ، وأظهروا لنا طاعة تحتها حقد ، فبعناهم هذا بهذا ، وباعونا هذه بهذا .

وهكذا أُهدر دم عثمان المدّعى ، وتناسى المطالبون بالقصاص مطلبهم بمجرّد أنْ ملك معاوية .

ـــــــــــــــ

(1) المرجع السابق 5 / 164 .

(2) المرجع السابق 8 / 135 .


الصفحة (123)

أخرج ابن عساكر ، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة الصحابي : أنّه دخل على معاوية ، فقال له معاوية : ألست مَن قتلة عثمان ؟ قال : لا ، ولكنّي ممّن حضره فلمْ ينصره . قال : وما منعك من نصره ؟ قال : لمْ تنصره المهاجرون والأنصار . فقال معاوية : أما لقد كان حقّه واجباً عليهم أنْ ينصروه . قال : فما منعك يا أميرالمؤمنين من نصره ومعك أهل الشام ؟ فقال معاوية : أمَا طلبي بدمه نصرة له . فضحك أبو الطفيل ثمّ قال : أنت وعثمان كما قال الشاعر :

لا ألفينك بعد الموت تندبني      وفي حياتي ما زودتني زاداً(1)

* * *

قضية خطيرة : الخروج على عليّ (ع) بغي أمْ حرابة ؟

هبْ أنّ كلّ الأدلّة السابقة لا تثبت زعمنا ، أنّ معاوية وصحبه إنّما سعوا للحرب طلباً للدنيا فقاتلوا عليها حتّى أدركوا الملك فأقاموا دولة بني اُميّة ، ولمْ يكن ذلك بحال خلافة عن صاحب الشرع لإقامة الدين .

وهبْ أنّ أسانيد هذه الأدلّة تحتمل الطعن ، وأنّ متونها تقبل التأويل ، بما لا يُؤدّي بالضرورة إلى النتيجة التي وصلنا إليها .

ولكنّا نسوق الآن دليلاً نعتبره سيّد الأدلة ، فليس فيه فُسحة لممار لمزيد ، وأمّا المصنف فلن يخالجه أدنى شكّ في صحة ما ذهبنا إليه .

فقد تنبّأ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لعمّار بن ياسر : أنْ ستقتله الفئة الباغية . وقد حدث في حرب صفّين ، كما رأينا ، أنّ عمّاراً كان في فئة عليّ بن أبي طالب (ع) ، ثمّ قتله أتباع

ـــــــــــــــ

(1) السيوطي ، تاريخ الخلفاء ، المرجع السابق / 200 .


الصفحة (124)

معاوية ، فاستبان الأمر إذاً بمقتل عمّار أنّ الفئة الباغية هي فئة معاوية . فكان المحتم إذاً طِبقاً لنص الكتاب أنْ يلتزم الجميع الدين ، فيكف معاوية وأتباعه عن المضي في القتال ، وعلى عامّة المسلمين أنْ يُقاتلوا فئة معاوية حتّى يفيئوا إلى أمر الله ، إنْ أبوا إلاّ القتال .

ولكن ذلك لمْ يحدث ، بل استمرّ معاوية في القتال ، والأنكر من هذا أنّه تأوّل في النص مخافة أنْ ينفضّ عنه أهل معسكره ، بعدما تبيّن الأمر ، فقال : إنّما قتله الذين جاؤوا به . ومعنى هذا ـ حسب تأول معاوية ـ أنّ عليّاً (ع) هو قاتل عمّار , وكان ردّ عليّ (ع) عندما بلغه تأوّل معاوية : (( إنّ ذلك ، يعني أنّ محمّداً (صلّى الله عليه وآله) هو الذي قتل أصحابه عندما قدّمهم للقتال في بدر وأُحد والمواقع كلّها )) .

إنّ تحقيق هذه المسألة بالذات يحتاج إلى أكبر قدر من الدّقة والتؤدة معاً ، نظراً لخطورة النتيجة التي سيسفر عنها ، ونرى أنّ ذلك يتطلّب بحث الآتي :

أ ـ صحة الحديث .

ب ـ تحديد معنى البغي ، والفرق بينه وبين معنى الحرابة .

ج ـ التأويل وشروطه ، ومدى انطباقها على تأويل معاوية .

د ـ النتيجة .

أ ـ الحديث :

جمع ابن كثير(1) كثيراً من طرق رواية هذا البحث، وهي: روى البخاري بسنده: أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال: (( يا ويح عمّار ! تقتله الفئة الباغية ، يدعوهم إلى الجنّة ويدعونه إلى النّار )) .

ـــــــــــــــ

(1) البداية والنهاية ، المرجع السابق 7 / 280 .


الصفحة (125)

وروى مسلم بسنده : أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال لعمّار : (( تقتلك الفئة الباغية )) .

وروى أحمد بسنده ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : أمرنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ببناء المسجد ، فجعلنا ننقل لبنةً لبنةً ، وكان عمّار ينقل لبنتين لبنتين ، فتترّب رأسه ، قال : فحدّثني أصحابي ولمْ أسمعه من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنّه جعل ينفض رأسه ، ويقول : ((ويحك يابن سميّة ! تقتلك الفئة الباغية )) .

فالحديث إذاً صحيح كما جاء في الصحاح ، كما لمْ يضعّفه ولمْ ينكره أحد من السلف أو الخلف ، بل لمْ يجحده معاوية ذاته .

ب ـ البغي والحرابة :

البغي هو الخروج على الحاكم العادل ، ولكن بتأويل سائغ , ولمّا كان الخروج على الحاكم يتطلّب قوّةً وعدداً ، وإلاّ سهل التغلّب عليه ، فإنّ ما يُعدّ بغياً له شروط وله أحكام كيما تميّزه عن غيره من الأفعال .

فأمّا الشروط ، فقد حدّدها الفقهاء(1) كالتالي :

1 ـ الخروج عن طاعة الحاكم العادل .

2 ـ أنْ يكون الخروج من جماعة قوّية لها شوكة وقوّة ، بحيث يحتاج الحاكم في ردّهم إلى الطاعة إلى إعداد رجال ومال وقتال .

3 ـ أنْ يكون لهم تأويل سائغ يدعوهم إلى الخروج على حكم الإمام ، فإنْ لمْ يكن لهم تأويل سائغ كانوا محاربين لا بغاة .

4 ـ أنْ يكون لهم رئيس مُطاع ، يكون مصدراً لقوّتهم .

ـــــــــــــــ

(1) المرجع السابق ، فقه السنّة 2 / 602 , القاهرة ,  دار الريّان للتراث .

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة