الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة (51)

( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيّةِ يَبْغُونَ )(1) . ( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنّ وَلاَ تَبَرّجْنَ تَبَرّجَ الْجَاهِلِيّةِ الْأُولَى ‏)(2) .( إِذْ جَعَلَ الذينَ كَفَرُوا فِي قُلوبِهِمُ الْحَمِيّةَ حَمِيّةَ الْجَاهِلِيّةِ )(3) .

وبذلك فإنّ الجاهليّة مفهوم دالّ على وضعيّة أو بنية تتواجد بتواجد شروطها من غير ارتباط بزمان أو مكان ، وليست كما عرّفتها دائرة المعارف في التعريف السابق الذكر : ... وعلى أهل هذه الفترة . وربما كان تعريف ميخائيليس هو الأقرب . وقد مرّ بنا تشريح المجتمع الجاهلي ممّا نستطيع معه استخلاص أبعاد هذا المفهوم ، أو بتعبير آخر ، هويّة هذه البنية أو مقوّمات هذا النظام .

هذه المقوّمات نستطيع هاهنا أنْ نُجملها في الآتي :

1 ـ الخلط في مفهوم الأُلوهيّة ، وليس مجرّد الوثنيّة الفجّة .

2 ـ التماهي المادي .

3 ـ اللانتماء القِيمي مُنسحباً على كافة الانتماءات الاُخرى : القبليّة أو العرقيّة أو الإقليميّة أو المنفعيّة أو الطبقيّة ... .

كما أنّنا نرى سمةً غالبةً تسم هذه المقوّمات جميعاً ، وهي التناقض الذي يبرز على الأصعدة المتخلفة لممارسة المنتمين لهذا النظام ، كما فصّلنا من قبل .

فإذا كانت هذه هي مقوّمات النظام الجاهلي ، فأين هي إذاً من البنية الإسلاميّة ؟

ـــــــــــــــ

(1) سورة المائدة / 50 .

(2) سورة الأحزاب / 33 .

(3) سورة الفتح / 26 .


الصفحة (52)

لعلّ جوهر الدين الفكرة الأساسيّة القائمة على صحيح الاعتقاد بالواحد المُطلق ، ومن ثمّ الخضوع الطوعي والتسليم الكلّي له ، والرضا بما ارتضى من تدبير بما لا ترى لك معه تدبيراً ، يقول تعالى : ( إِنّ الدّينَ عِندَ اللّهِ الْإِسْلاَمُ )(1) . ( وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً ممّن أَسْلَمَ وَجْهَهُ للّهِ‏ِ وَهُوَ مُحْسِنٌ )(2) . ( أَفَغَيْرَ دِينِ اللّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ )(3) . (وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ‏)(4) .

والإسلام بِناء متكامل متعدّد الأبعاد ، بحيث لا تستطيع الاقتصار في بحثه على بُعدٍ واحدٍ فقط ، مثلما حاول بعض الاجتماعيّين النظر للدين ـ بوجه عام ـ من خلال منظور أحادي حسب مدارسهم . فكانت هناك النظرة المتعلّقة بجوهر الدين من حيث هو اعتقاد فيما وراء الطبيعة ، والاُخرى المتعلّقة بكيفيّات وأساليب الممارسة ، أي : الطقوس والشعائر ، والثالثة المتعلّقة بآثاره باعتباره محقّقاً لإشباع حاجات فرديّة أو جماعيّة ، أي : وظيفيّة الدين .

ورغم تعدّد وجهات نظر دارسي الاجتماع البشري ، إلاّ أنّ البعض نظر نظرةً شاملةً للدين ، مثل دوركايم رغم علمانيّته ، بقوله(5) : الدين نسق موحّد من المعتقدات والممارسات المرتبطة بأشياء مقدّسة ، هذه الأشياء تتمثّل في مجموعة من الأوامر والنواهي .

ـــــــــــــــ

(1) سورة آل عمران / 19 .

(2) سورة النساء / 125 .

(3) سورة آل عمران / 83 .

(4) سورة لقمان / 22 .

(5) د. سامية الخشاب ، علم الاجتماع الديني / 23 , القاهرة ,  دار المعارف عام / 1988م .


الصفحة (53)

والحقّ أنّ الدين ثلاثيّة متشابكة أشدّ التشابك لا تنفصم عُراها ، كاملة التأثير والتأثّر معاً ، وهي :

1 ـ نسق معتقدات .

2 ـ منظومة شعائر .

3 ـ أحزمة ضوابط وأحكام .

فإذا كانت هذه هي ماهيّة الدين على المستوى الجوهري ، فإنّه لا بدّ وأنّ يتلازم ، وهذه الماهيّة إطار تصوّري عام يربط هذه الأنساق والمنظومات في اتّساق منطقي ، يكشف عن المحاور الأساسيّة التي تتمحور حولها تلك الأنساق ، فما هي هذه المحاور ؟ وكيف تكتسب فاعليّتها في تحريك قوى المجتمع ؟ وكيف يُمكن من خلالها إحكام عمليّة التطوّر الاجتماعي ؟ وهل هناك حقّاً عوامل مستقلّة في الفعل الاجتماعي ؟

ثمّ ما هو اتّجاه آليات هذا النظام على مدرج نموّه ؟ أهو الثبات والاستقرار والتغير المتوازن ، أمْ هو الصراع ؟

الواقع إنّ دراسة النظام الإسلامي في إطاره التصوّري العام ، وعلى مستوييه النظري والتطبيقي المباشر في عهوده المُثلى ، تقودنا إلى القول : إنّ عمليّة التفاعل الاجتماعي(1) تصنّفها عوامل متعدّدة تتبادل محوريّتها وفقاً لظروفها النسبيّة والمكانيّة معاً ، كما أنّ البِناء الاجتماعي ذاته يحتاج إلى آليات التوازن والصراع المحكوم في آنٍ معاً وفقاً لطبيعة المرحلة البِنائيّة . ورغم هذا التبادل في الأولويّة والسبق لأهميّة المحاور ، إلاّ أنّها تظلّ محكومة دوماً في ظلّ

ـــــــــــــــ

(1) د . زينب رضوان ، النظريّة الاجتماعيّة في الفكر الإسلامي / 18 , القاهرة , دار المعارف / 1982م .


الصفحة (54)

النظام الإسلامي بمنظومة مفاهيم ثابتة مستقرّة لا تتبدّل ولا تتغيّر ، يُمكن إجمالها تحت مسمّى : مقوّمات التصوّر الإسلامي(1) .

إنّ كلّ القضايا التي تتفرع من أنساق البِناء الاجتماعي في ظلّ النظام الإسلامي يُمكن أنْ تردّ جميعاً إلى أصلين رئيسين ، هما : التوحيد والعدل .

والتوحيد في الإسلام : توحيد مُطلق لا شية فيه , وهو ليس مجرّد الإقرار بوجود الإله ، ولكنّه قضيّة تستوعب في الوقت ذاته جميع آمال وأحلام الإنسان ، وتستجيب لكلّ دواعي قلقه ، وتُجيبه عن كلّ تساؤلاته فيما يُشكّل منهج حياة متكامل .

وكما أسلفنا ، فإنّ كثيراً من الدراسات تناولت الدين بمناظير مختلفة ، وحدّدت بعضها عوامل متعدّدة تجعل الإنسان  يبتدع  الإله ـ رغم كونها فطرة ـ حتّى يجعل حياته محتملة , هذه العوامل كما رآها سلزنيك(2) :

1 ـ الخوف والقلق ( Fear and anxiety ) .

2 ـ البحث عن معنىً نهائي ( Search for ultimate meaning ) .

3 ـ البحث عن السموّ بالذات ( Search for self - transcendence ) .

4 ـ جعل العالم شيئاً ذا معنىً ( Making the world comprehensible ) .

وقضيّة التوحيد باستيعابها لكلّ ما سبق ضمن مدلولها ، تفكّ إسار الإنسان من مخاوفه ، وتطلق سراحه إلى حريّة غير محدودة بقيد عبادته لله الواحد ، واستبعاده من استعباده لأيٍّ ممّا عداه .

إنّ النتائج المنطقيّة المترتّبة على هذا المفهوم تؤدّي بالإنسان المسلم إلى الاعتقاد اليقيني في :

ـــــــــــــــ

(1) سيّد قطب ، مقوّمات التصوّر الإسلامي , القاهرة , دار الشروق / 1986 م .

(2) د . سامية الخشاب ، علم الاجتماع الإسلامي / 14 , القاهرة ,  دار المعارف / 1987 م .


الصفحة (55)

غائيّة الحياة :

فليست الحياة وليدة الاتّفاق الاحتمالي ، وليست بلا هدف وليست عبثاً ، ولن تنتهي قصّة الحياة الإنسانيّة بتحلّل الجسد بعد الموت إلى مجرّد مركّبات كيميائيّة ، يقول الله تعالى : ( أَفَحَسِبْتُمْ أَنّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ )(1) . ( وَمَا خَلَقْنَا السّماءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ )(2) . (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنّ وَالْإِنسَ إِلّا لِيَعْبُدُونِ) (3) .

والإنسان موكول إليه ـ فترة عبادته لله ـ خلافة الله في أرضه ،[ يقول تعالى ] : ( وَإِذْ قَالَ رَبّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً )(4) .

وهكذا تتشابك مفاهيم النظرة الكلّية للوجود مع أهداف التواجد الإنساني مع مقتضيات السلوك البشري اليومي ، بحيث تنعدم أسباب الفصل كلّيةً ، وتصبح الحياة كلّها وحدة واحدة يتخلّل خلاياها جميعاً مفهوم الواحدانيّة المُطلقة .

تحجيم الصراع :

فليست هناك آلهة متعدّدة كي تتصارع ـ كما في التراث الوثني الشرقي والغربي معاً ـ وبالتالي ليست هناك انعكاسات لهذا الصراع على حياة البشر .

ـــــــــــــــ

(1) سورة المؤمنون / 115 .

(2) سورة الدخان / 38 .

(3) سورة الذاريات / 56 .

(4) سورة البقرة / 30 .


الصفحة (56)

وبذات القدر ينعدم مستوى آخر للصراع الأفقي فوق انعدام المستوى الرأسي السابق ، وهو صراع الإنسان مع القوى الكونيّة ؛ فهي ليست خصماً للإنسان ، وإنّما هي أسباب العيش ممزوجة بعوامل الحثّ والحفز والاستثارة الضروريّة لاستمراريّة البقاء مع تطوّره أبداً ، فالكون كلّه مسخّر للإنسان كما يقول الله تعالى : ( اللّهُ الذي سَخّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَسَخّرَ لَكُم مَا فِي السّماوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنّ فِي ذلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكّرُونَ )(1) .

ويبقى مستويان آخران للصراع : صراع داخلي بين المرء ونفسه ، وآخر بين قوى الخير وقوى الشرّ من البشر ، وهذان هما محلّ اهتمام النظام كلّه : عقيدة وشعائر وأحكاماً .

الأولويّة المطلقة للقِيم :

وهو نظام فريد يتخلّل نسيج الحياة كلّها ، فيجعل للقِيم السبق والأولويّة على كلّ ما عداها وإنْ تعارض الالتزام بها مع المصلحة ، كما قد يستحسنها صاحبها فرداً كان أمْ جماعة .

وهنا تتبدى الأهميّة المُطلقة لمحور القِيم في النظام الاجتماعي الإسلامي , وهو ليس كما قد يظنّ نسقاً للضبط الاجتماعي فحسب ، ولكنّه نسق حركي حي لإنشاء وخلق وتعميق الدوافع الإيجابيّة في الحياة ، أي : أنّه ليس مجرّد نظام

ـــــــــــــــ

(1) سورة الجاثية  / 12 ـ 13 .


الصفحة (57)

أخلاقي ينتظم عدداً من الفضائل المبعثرة ، ولكنّه نظام متكامل ينعكس في شتّى ضروب وممارسات النشاط الإنساني على اتّساعه , ولعلّ أوضح بيان لهذا المفهوم ، هو ذلك الوصف الجامع لسلوك الرسول (صلّى الله عليه وآله) : كان خُلقه القرآن .

فالنظام الاقتصادي الإسلامي يقوم على مفهوم الاستخلاف في مال الله الذي هو مال الجماعة ؛ وهو نظام محكوم بقواعد أخلاقيّة في كليّاته وجزئيّاته على السواء ، في مجالات النشاط ، وفي أساليب الاكتساب ، وفي أوجه وحدود الإنفاق , ممّا يعني طهر المال وتحقيقه لوظيفته الاجتماعيّة فوق تحقيقه لمصلحة الفرد القائم على تثميره .

والنظام الاجتماعي الإسلامي يقوم على التوازن الدقيق بين متطلّبات الفرد ومقتضيات مصلحة الجماعة ، معتمداً على مبدأ أساسي هو المساواة بين البشر جميعاً :  فـ(( الناسُ سواسيةٌ كأسنانِ المِشطِ )) .

ومعيار التفاضل الوحيد في هذا النظام هو التقوى ، أي : الالتزام بقِيم هذا النظام : ( إِنّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللّهِ أَتْقَاكُمْ )(1) .

والعدل مبدأ أساسي وقاعدة ارتكاز النظام السياسي الإسلامي ، وهو قيمة مُطلقة على كافة مستويات الحياة ، يقول الله تعالى : ( إِنّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ )(2) .

وروى مُسلم عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( إنّ المُقسطين عند الله على منابرَ من نورٍ ، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وُلّوا )) .

ـــــــــــــــ

(1) سورة الحجرات / 13 .

(2) سورة النحل / 90 .


الصفحة (58)

والوسيطة ، تعني : التوّسط والقصد في كلّ شيء ... في المتع والملذات الحسيّة ، كالطعام والشراب والجنس تماماً ، كما في عدم الغلو في الدين . ومن هنا تتّضح الصفات الفارقة للنظام الإسلامي عن كلّ نظام جاهلي :

فهنا توحيد مُطلق لله ، وتقدير لله حقّ قدره ... وهناك خلط في مفهوم الألوهيّة .

وهنا ربط كامل بين القِيم وغايات الوجود الإنساني ، وهناك الاستغراق في الحياة الماديّة .

وهنا الانتماء الأعلى والأولى والأسبق لقِيم هذا النظام ، وهناك انتماءات تتردّد بين قِبليّة وعرقيّة ونفعيّة ... .


الصفحة (59)

الباب الثالث

 الاُمويّة

الحزبُ الاُموي


الصفحة (60)

آثرنا هذا التوصيف لبني اُميّة في طورهم ذي الأثر الشديد ، لما كان التحليل الدقيق لوقائع تلك الفترة يقودنا إلى القول باطمئنان : إنّ الدولة الاُمويّة لمْ تنشأ فُجأة عقيب فترة الخلافة ، وإنّما كانت نِتاجاً لجهد دؤوب بُذل على مرّ السنين ، بطيئاً متئداً ولكن في اطّراد ، أو كما يقول المثل الإنجليزي : ( Slowly but sure ) .

فقد كانت هناك جماعة توفّرت لها عناصر مشتركة تجتمع عليها ، ولها أهداف محدّدة ، ولها وسائل محدّدة لبلوغ هذه الأهداف ، متّخذة السيطرة على السلطة واسطتها للتحقيق ، وذلك هو الحزب .

فمَن هم أعضاء هذا الحزب ؟ وما هي أهدافه ؟ وما هي وسائله ؟ وهل تبدّلت الأهداف والوسائل والحزب خارج السلطة عنها وقد حاز السلطة ؟

إنّ أوّل ما نلحظه من معرفتنا بالتاريخ الإسلامي هو وصف تلك الفترة الممتدّة من عام / 41 هـ حتّى 132هـ  بعصر الدولة الاُمويّة ، أي : أنّ تمييز النظام أضحى نسباً لبطن من بطون قريش ، أي : نسباً قبليّاًَ محضاً .

وقد كان من قبله تمييزاً مستمدّاً من طبيعة النظام ذاته ، أي : الخلافة عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , فلمْ يقل أحد عن سابقه إنّه عصر الدولة الهاشميّة ، نسب عليّ بن أبي طالب (ع) .


الصفحة (61)

ثمّ كان أنْ استنّت هذه السنّة لمّا آلَ الحكم إلى الوارثة على يد الاُمويّين وعُمل بها من بعدهم ، وكأنّها أمر مقرّر وعلم على كلّ نظام للحكم فيما تلا من عصور ، كالدولة العبّاسيّة والأيوبيّة والطولونيّة ... إلى آخر تلك الدول في العصر الحديث ، كالصفويّة والعثمانيّة .

والاُمويّون ـ كما ترى في سلسلة النسب ـ ينتسبون إلى اُميّة بن عبد شمس ، وهو أخو هاشم والمُطلب ونوفل , وهم جميعاً بنو عبد مُناف .

وكما علمنا من قبل ـ حين دراسة أنساق القرابة ـ أنّه قد يحدث افتراق بين الأسر في أحد مستويات انقسام سلاسل النسب عند تميز بعضها بمزيّة خاصّة ، أو حدوث تطوّر مفاجئ لمكانتها الاجتماعيّة ، أو نتيجة لقوّة اقتصاديّة حادثة ، وكذلك كان الأمر في حالة بني عبد مناف .

حدث أنْ أصابت قريشاً سنة جدب ، فانتدب لها هاشم نفسه ، فرحل إلى فلسطين فاشترى منها الدقيق فقدم به مكّة ، فأمر به فخُبز له ونحر جزوراً ، ثمّ اتّخذ لقومه مرقة ثريد بذلك الخبز ، فسمّاه قومه : هاشماً ، أنْ كان أوّل من هشم الثريد لقومه بمكّة وأطعمه(1) .

ـــــــــــــــ

(1) تاريخ الطبري ، المرجع السابق 2 / 251 .


الصفحة (62)

سلسلة عبد شمس بن عبد مُناف


الصفحة (63)

ويُحدّثنا الطبري : أنّه ما كان أثر ذلك الصنيع في نفس اُميّة بن عبد شمس ابن أخي هاشم ، إلاّ حسداً له وتقوّلاً عليه ونيلاً منه , حتّى لقد دعاه للمنافرة ، وجعلا بينهما الكاهن الخزاعي على خمسين ناقة تنحر ببطن مكّة والجلاء عن مكّة عشر سنين . فلمّا نفّر ، أي : فضّل الكاهن هاشماً ، أخذ هاشم الإبل ونحرها وأطعمها مَن حضره . وخرج اُميّة إلى الشام ، فأقام بها عشر سنين فكانت كما قِيل : أوّل عَداوة بين هاشم واُميّة .

فتلك مروءة ونجدة وغوث في جانب ، وذلك امتناع ـ رغم المال ـ وحسد ومباغضة في جانب آخر .

ويُحدّثنا الطبري ـ كذلك ـ عن منافرة اُخرى بين عبد المطلب بن هاشم ، وقد آلت إليه الرفادة والسقاية وبين حرب بن اُميّة , ومثلما قضى الحكم المرتضى من كليهما لهاشم على اُميّة ، فكذلك قضى حكمهما لعبد المطلب على حرب .

ونحن نعلم من أخبار عبد المطلب ، أنّه هو الذي تصدّى لملاقاة أبرهة في حملته على مكّة عام الفيل ، فلمّا لمْ يستطع ردّه سلماً ، هرول إلى الكعبة متعلقاً بها مناشداً ربّه : أنْ امنع حماك . ونعلم من أخباره أيضاً ، أنّه قد نذر : لئن وُلد عشرة نفر ثمّ بلغوا معه حتّى يمنعوه ، لينحرنّ أحدهم لله عند الكعبة , فلمّا تمّ له ما تمنّى , لمْ يرتضِ التحلّل من الوفاء بنذره حتّى أجبره قومه على الفداء طِبقاً لشرعهم .

فكانت لعبد المطلب إذاً السقاية والرفادة ، وهي بذل وعطاء قبل الشرف والسؤدد , وكان خروجه لأبرهة وهو النيابة عن الاُمّة في الملمات والشعور بالمسؤوليّة , وكان إصراره على الوفاء بالنذر وإلاّ الفداء ، وهذا هو الالتزام وتفضيل القِيم على المصالح .


الصفحة (64)

ثمّ نظرة إلى عبد الله بن عبد الملطب ، ذلك المُفتدى من الذبح ، يخرج به أبوه ـ فيما يرويه الطبري ـ ليزوّجه ، فيمرّ به على كاهنة من خثعم ، يقال لها : فاطمة بنت مر . فتدعوه إلى نفسها زنىً على أنْ تُعطيه مئة من الإبل , فيتعفّف عبد الله قائلاً :  فأمّا الحرام فالممات دونه(1) .

ثمّ أمعن النظر إلى فعل اُميّة بن عبد شمس ، ذلك الذي يقول فيه المقريزي(2) : وصنع اُميّة في الجاهليّة شيئاً لمْ يصنعه أحد من العرب ، زوّج ابنه أبا عمرو بن اُميّة امرأته في حياة منه . وأبو عمرو هذا كان ـ كما روى الهيثم بن عدي في المثالب ، ونقله الأصفهاني(3) ـ عبداً لاُميّة اسمه : ذكوان فاستلحقه .

وأمر آخر يحتاج أيضاً إلى كثير من التبصّر : تحالف بني عبد شمس ونوفل دون أخويهم هاشم والمطلب ؛ ذلك أنّ المطلب قدم مكّة من يثرب مردفاً ابن أخيه عبد المطلب ، وكان قد رُبّيَ في أخواله من بني عدي بن النار بيثرب ، ليقفه على ملك أبيه هاشم ويسلّمه له ، فعرض له عمّه نوفل عند أخواله من بني النجار حتّى انتصف , فما كان من نوفل إلاّ أنْ حالف بني عبد شمس على بني هاشم كلّهم(4) .

فالمطلب يأبى إلاّ أنْ يردّ على ابن أخيه حقّه ، بينما يتحالف نوفل وبنو عبد شمس على بني هاشم أنْ انتصر أحدهم لحقه .

ـــــــــــــــ

(1) تاريخ الطبري ، المرجع السابق / 244 .

(2) المقريزي ، النزاع والتخاصم فيما بين بني اُميّة وبني هاشم / 42 , القاهرة , دار المعارف / 1988 م .

(3) تاريخ الأصفهاني ، المرجع السابق 1 / 15 .

(4) الطبري ، المرجع السابق / 249 .


الصفحة (65)

فلا عجب إذاً أنْ يتخلّف بنو نوفل وبنو عبد شمس عن حلف شعاره : ألاّ يقرّوا ببطن مكّة ظالماً .

وذلك هو حلف الفضول المتألّف من بني هاشم وبني المطلب وبني أسد بن عبد العزى ، وزهرة بن كلاب وتيم بن مرة(1) . وتزخر كتب التاريخ بتلك المقابلات بين بني هاشم وبني اُميّة :

 فمنهم : مَن يغلو فيجعل الفضائل كلّها في جانب والرذائل كلّها في جانب آخر .

 ومنهم : مَن يحاول أنْ يقتصد إيثاراً للسلامة والحيطة ـ كما يظنّها ـ لا قناعة بالحقّ ، فيُعدّد مزايا كلّ دون العيوب .
 ومنهم : المداهن للسلطان ، ولو على دينه فيجعل بني اُميّة عمود الأمر كلّه حتّى لقّب مهدي آخر الزمان بالسفياني ، فبهم يفتتح وبهم يختتم .
 ومنهم : مَن يمتد بالمفاضلة إلى الصفات الجسديّة البحتة ، مثل : جعل بهاء الطلعة وطول القامة ، وقوة البنيان في جانب ، وعكس هذه الصفات الشكليّة في جانب آخر .

والغلوّ قد يدفع قائلاً بعدم صدق تلك المقابلات ، إذ قلّما يحدث ذلك في الحياة ، فلمْ يعهد الناس أبداً خيراً خالصاً ولا شرّاً خالصاً ، وإنّما مزاج بين هذا وذاك .

وقد يقول قائل آخر : إنّ هذه أخبار تحتمل الوضع ، خاصّة وقد دوّنت في عهد متأخّر وفي ظلّ استقرار الدولة الإسلاميّة ، ممّا جعل البعض يلتمس الثواب ـ بفرض سلامة المقصد ـ في إثبات الفضل لأسلاف النّبي (صلّى الله عليه وآله) ، لا يرى في ذلك بأساً ولو كانوا في الجاهليّة ، أو أنّها تلوّنت ـ شأنها في ذلك شأن التاريخ الإسلامي كلّه ـ بظلال السلطة الحاكمة ، مثلما فعل معاوية حين أرصد القصاص لاختلاق روايات تنسب الفضل لبعض الصحابة ، مع الحطّ

ـــــــــــــــ

(1) ابن الأثير ، المرجع السابق 1 / 570 .


الصفحة (66)

من مكانة عليّ بن أبي طالب (ع) , حتّى سنّ لعن عليّ وبنيه (عليهم السّلام) على المنابر(1) , ومثلها تملّق الدولة العبّاسيّة بالتهافت على تجميع مثالب الاُمويّين .

وقد يرى آخر مثل هذه المقابلات ، بأنّها نوع من التكفير داخلته المعتقدات الأسطوريّة ، ومثال ذلك ما أورده الطبري(2) ، قِيل : إنّ عبد شمس وهاشماً توأمان ، وإنّ أحدهما وُلد قبل صاحبه وإصبع له ملتصقة بجبهة صاحبه ، فنحّيت عنها ، فسال من ذلك دم فتُطيّر من ذلك ، فقِيل : تكون بينهما دماء(3) .

إنّنا ونحن بصدد محاولة دراسة جذور المشكلة ، لا نستطيع أنْ نغفل هذه الآراء ، ولكن علينا أنْ نأخذ كلّ خبر بحذر ، وأنْ نلزم أنفسنا بمنهج نقديّ يحلّل الخبر في ظلّ ظروفه وملابساته وعلاقاته ، لنتمكّن من توقيع إحداثيّاته المكانيّة والزمانيّة والاجتماعيّة التوقيع الصحيح , حتّى يتشكّل في النهاية المسار الموضوعي المُقنع للمشكلة ككلّ .

إزاء ذلك ، فإذا كنّا قد أوردنا بعض المقابلات بين بني هاشم وبني اُميّة ، فإنّنا نُريد أنْ نؤكّد على بعض الأمور الهامّة :

إنّ ذلك لا يعني مُطلقاً اعتماد منهج البعض في تفسير الحوادث الجسام التي مرّت بها الاُمّة الإسلاميّة ، وردّها حصراً إلى النزاع بين حيّين من العرب ، بل بين

ـــــــــــــــ

(1) فشت هذه السنّة في أهل الشام حتّى ضرب الناس النسائي حتّى القتل بدمشق ، إنْ لمْ يجد فضلاً لمعاوية يذكره .

(2) الطبري ، المرجع السابق 2 / 252 .

(3) يعلّق د . حسين (ع) مؤنس ـ محقّق : كتاب النزاع والتخاصم ، للمقريزي ـ على ذلك بإيراده ما ذكره بوزورث في ترجمته الإنجليزّية للكتاب : من أنّ العداوة بين الأخوة التوائم موضوع متوارد في الأدب الشعبي العالمي . ثمّ يُضيف : أنّ ذلك يستند إلى ما ورد في العهد القديم عن العداوة بين عيسى ويعقوب ابني إسحاق .


الصفحة (67)

أبناء عمومة واحدة قريبة ومباشرة ، فإنّما الأمر أجلّ من ذلك وأخطر ، ولعلّ في وصفنا السابق للجماعة الاّمويّة بالحزب ، دلالة على أنّ الأمر أمر منهج وسياسات ومصالح وقوى متصارعة ، ينتظمها حزبان بأوسع معاني الحزبيّة ، ولمْ يكن الصراع أبداً وقفاً على جماعتين قرابيّتين .

 رغم التأكيد على ما سبق ، إلاّ أنّ عديداً من الظروف قد تجمّعت لتبلور في النهاية محورين للصراع : كان بنو هاشم من ناحية ، وبنو اُميّة من ناحية اُخرى علمين عليه , وأنّ تبلور هذين المحورين لمْ يكن وليد الإسلام ، بل تؤكّد أحداث التاريخ أنّ ذلك تأتّى من خلال تراكمات على مدى طول من السنين ، ضاربة بجذورها فيما قبل الإسلام .

كما أنّ هذين المحورين شكّلا مراكز استقطاب لغيرهم ممّن شاركوهما الاهتمامات نفسها ، بحيث اتّسعت الدائرتان حول المحورين لغير الهاشميّين ولغير الاُمويّين .

إنّ النواة الأولى للحزبين وُجدت بدايتها في ظلّ الجاهليّة ، كبداية بسيطة تدور حول الاختلاف في الممارسات والسلوكيّات في تمثلّها للفضائل العامّة ، ثمّ أخذت تتحدّد شيئاً فشيئاً مع مضي الزمن حتّى أخذت شكلها النهائي في ظلّ التباعد والتقارب من نسق القِيم الممثّل لعصب النظام الإسلامي .

وكما ذكرنا من قبل ، فإنّ بداية الافتراق بين الجماعات القرابيّة في سلسلة نسب واحدة تحدث عند تميّز إحداها بمزيّة خاصّة , وهذا ما حدث في حالتنا هذه عند اجتماع القوم على إعطاء السقاية والرفادة إلى هاشم وإلى بنيه من بعده دون بني عبد شمس . ثمّ تعاقبت الأحداث وتراكمت المواقف , بحيث تعمّق اتّجاه بني هاشم نحو التّمسك بالقِيم في اطّراد متّصل ، بينما تأكّد اتّجاه بني اُميّة نحو الحرص على المصالح ، كأسبقيّة أولى من مُجمل اهتماماتهم .


الصفحة (68)

وتكشف الدراسات ( النفسية ـ الاجتماعيّة ) الحديثة(1) أنّ هناك عدّة محدّدات لاكتساب القِيم وتمثلها . ومن هذه المحدّدات الأسرة وتوجّهاتها التي تشكّل الإطار المرجعي لأفرادها ، ومن خلالها ينمو الميثاق الأخلاقي لديهم , ولا يعني ذلك أنّ هذا المحدّد يحتم نتائج معيّنة تترتّب عليه بالضرورة ، ولكن يعني أنّ تمحور الأسرة حول نسق للقِيم يوفّر شرطاً تصبح تنشئة أفرادها معه أدعى للاستمساك به , ولعلّ في قول الرسول (صلّى الله عليه وآله) يوم حنين ـ كما أورده البخاري ـ :  (( أنا النبيّ لا كذب , أنا ابن عبد المُطلب )) .  إشارة إلى استدعاء كلّ عوامل أصالة القِيم ساعة الشدّة .

وممّا يؤكّد هذا المعنى ـ أيضاً ـ حديث الرسول (صلّى الله عليه وآله) ـ كما أورده البخاري ـ : (( تجدون النّاس معادنَ ، خيارُهم في الجاهليّة خيارُهم في الإسلام )) .

ومن هنا يُفهم توحيد النبيّ (صلّى الله عليه وآله) بين بني هاشم وبني المطلب ، كما جاء في البخاري : (( إنّما بنو هاشمٍ وبنو المطلبٍ شيءٌ واحدٌ )) . بينما قال (صلّى الله عليه وآله) ـ كما ذكره الحاكم في حديث صحيح على شرط الشيخين ـ : (( شرُّ قبائلَ العربِ بنو اُميّةٍ وبنو حنيفة وثقيف )) .

وهناك علاقة أخرى بين القِيم وطبيعة العمل المُمتهن(2) ، فالمهنة تعدّ محدّداً آخر لاكتساب القيم والاستعداد لتمثلّها ، ودرجة قبول الامتثال لها ، كلّ ذلك باعتبارها متغيّراً مستقلاً ، وهذا المحدّد يُمكن التعويل عليه في تفسير نتائج العلاقة السابقة ، آخذين في الاعتبار أنّ هناك علاقات تفاعل تبادليّة بين المحدّدات جميعاً .

ـــــــــــــــ

(1) د . عبد اللطيف محمّد خليفة ، ارتقاء القيم / 88 , الكويت , عالم المعرفة  / 1992 م .

(2) المرجع السابق / 99 .


الصفحة (69)

وتفصيل ذلك في موضوعنا : أنّ بني اُميّة كانوا أصحاب مال ، أتاهم من اتجارهم لأنفسهم بأنفسهم واتجارهم لغيرهم ، ومن ثمّ رسخ فيهم خلق التجار كما عهد في مثل ظروفهم . وقد مرّت بنا حين دراسة الاقتصاد الجاهلي أساليب التجارة الشائعة وقتئذ ، والتي داخلها كثير من الغشّ والغرر والرّبا ، ممّا رسخ في نفوس ممارسيها معايير المصلحة والمنفعة والكسب ، كمعايير مُعتبرة وغايات مُستهدفة حائزة على الدرجة الأولى من سُلّم الاهتمامات .

وقد يقول قائل : إنّ من بني هاشم ـ أيضاً ـ مَن كان يتجر لنفسه ولغيره ، وبذلك يصدق عليهم ـ أيضاً ـ ما ذهبنا إليه في حقّ بني اُميّة , ولكن بنو هاشم التزموا السقاية والرفادة من موقع ديني ، والتصدّي لهذا الموقع يعني التزام المُثُل والترفّع عن الدنايا والتحلّي بالمروءة ، فضلاً عن أنّه يعني البذل والعطاء , وقد عرفنا من قبل إطعام هاشم لقومه ، وحفر عبد المطلب زمزم سقاية للحاجّ .

وهذه الصفات بالطبع مغايرة لأخلاق الاحتيال على الكسب والمراوغة والمساومة ؛ ولعلّ في إيراد قول ابن خلدون في ذلك غناءً عن الإطالة في بسط هذه الفروق . يقول ابن خلدون(1) : خُلق التجار نازلة عن خُلق الأشراف . ذلك أنّه يرى صفات التاجر جريئاً في الخصومة ، بصيراً بالحسبان ، شديد المماحكة .

وممّا يدلّ على ذلك ـ أيضاً ـ ما علمناه من سيرة النّبيّ (صلّى الله عليه وآله) في قصّة زواجه من خديجة، أو أوّل ما لفت انتباهها إليه أمانته في اتّجاره لها، وهذا يدلّ على أنّها صفة لمْ تكن من الشيوع ، بحيث لا تلفت النظر إلى مَن يلتزمها .

ـــــــــــــــ

(1) المقدّمة ، المرجع السابق 1 / 330 .


الصفحة (70)

هذه الفروق بين بني هاشم وبني اُميّة يُوجزها عليّ بن أبي طالب (ع) ، بقوله(1) : (( هم أكثرُ وأنكرُ وأمكرُ ، ونحن أفصحُ وأصبحُ وأسمحُ )) .

ولعلّ ما اهتدى إليه العقّاد(2) في تقصّيه لأسباب هذا الصراع ، في إيجازه الأمر في كلمتين : أريحيّة ومنفعة . إنّما يدلّ على ما استدللنا عليه من قبل ، من أنّ الصراع كان قائماً بين اتّجاهين ، يتمحور أوّلهما حول نسق من القيم يؤمن بها ويحاول ترسيخها ، ويسعى لغرسها وتأكيدها لدى الآخرين . وأمّا ثانيهما فيعتمد النفعيّة له مذهباً .

فأمّا الأوّل فرائده الحقّ , وأمّا الثاني فرائده المصلحة ، والحقّ يسع الجميع والمصلحة تضيق بصاحبها ، وتلك هي سمة الصراع في كلّ مراحله , وربما كانت هذه السمة أظهر ما تكون على عهد عليّ (ع) ومعاوية . وفيها يقول العقّاد : كان كفاحاً بين الإمامة الدينيّة والدولة الدنيويّة(3) .

وهو عين ما ارتآه طه حسين ، إذ يقول(4) : كان عليّ (ع) يدبّر خلافة ، وكان معاوية يدبّر مُلكاً .

بل إنّ المستشرق جولد تسيهر لم يشكّ في الفرق البيّن بين حكم بني اُميّة وحكم الخلافة , بقوله(5) : وممّا لا ريب فيه ، أنّ بني اُميّة لمْ يكونوا متديّنين ولا متظاهرين بالتّقوى . وكانت حياتهم في بلاطهم وبين حاشيّتهم لا تُحقّق من كلّ الوجوه ما كان ينتظره الأتقياء من رؤساء الدولة الإسلاميّة .

ـــــــــــــــ

(1) المقريزي ، المرجع السابق / 70 .

(2) عبّاس محمود العقّاد ، أبو الشُهداء الحُسين (ع) بن عليّ / 12 , القاهرة ,  دار الهلال / 1986 م .

(3) المرجع السابق : 12 .

(4) طه حسين ، الخلفاء الراشدون / 593 , بيروت ,  دار الكتاب اللبناني / 1973 م .

(5) جولد تسيهر ، العقيدة والشريعة ، المرجع السابق / 71 . 


الصفحة (71)

وقد بلغ بجولد تسيهر بحثه مبلغاً استبعد معه أنْ تصدر ـ ولو قوله حقّ ـ واحدة من أمويّ ، وذلك في معرض تعليقه على نصيحة عمر بن عبد العزيز لأحد عمّاله كي يحسنَ سياسة مصره , بقوله : حصّنها بالعدل ، ونقِّ طرقها من الظلم  . فيعلّق جولد تسيهر بقوله(1) : إنّ عمر وحده الذي يُمكن أنْ تصدر عنه هذه الكلمة ؛ لأنّها كلمة لا يُمكن أنْ تصدر عن أمويّ .

قوّة الحزب وخُطّته

كان من الممكن أنّ يكون عُنوان هذا الفصل : عضويّة الحزب أو أعلام الحزب أو قيادات الحزب ؛ لنتعرّف من خلالهم على طبيعة تكوينه وأثره والفعاليّات المؤثّرة فيه . وقد يبدو ذلك منطقيّاً خاصّةً وقد نعتنا الحزب من قبل بأنّه أمويّ ، وبالتالي يكون طبيعيّاً أنْ يتعمّده أشخاص ، وأنْ يكون هؤلاء الأشخاص أمويّين , ولكن لمّا كان تحليل المواقف والأحداث التاريخيّة ، قد قادنا إلى نتيجة هامّة مؤادّها اعتماد الحزب للنفعيّة له مذهباً كان الأكثر اتّساقاً . والمنطق أنْ نبحث عن كلّ المؤازرين للحزب والمنتمين له ، وإنْ لمْ يكونوا أمويّين نسباً ؛ فإنّما كان الأمويّون عصب هذا الحزب وعموده الفقري ، ولكنّهم لمْ يكونوا الحزب كاملاً . وأوضح مثل لذلك عقيل بن أبي طالب ، وقد مرّ بنا كيف مرق من معيّة أخيه عليّ (ع) إلى معاوية ، فكيف يُصنّف إذاً عقيل ؟

إنّنا نستطيع أنْ نقول : إنّه لمّا غلبت القوّة الاُمويّة نسباً على مقدرات الحزب صار الحزب يتسمّى باسمها , ومن جهة اُخرى فإنّنا نستطيع ـ أيضاً ـ أنْ نقول باطمئنان : إنّ الأمويّة بهذا الكيف أضحت عَلماً على مذهب ، لمَا جمعت النفعيّة بين الأمويّين نسباً وغيرهم ممّن شاركوهم مذهبهم .

ــــــــــــــــ

(1) المرجع السابق / 49 .


الصفحة (72)

ومثلما تفعل دائماً الأحزاب ذات الحنكة في الممارسة ، إذ تعتمد لها خُطّة وتتّخذ لنفسها منهجاً ، فإنّي أتصوّر ـ بل أكاد أوقن ـ أنّ أمرهم كان كالتالي :

1 ـ قضيّة أو قضايا عامّة لها قوّتها ووجاهتها يتخفّى الهدف الحقيقي وراءها ، وتكون لها ستراً ، وبحيث تكون ذات جذب لحشد أكبر قوّة مُمكنة وراءها .

2 ـ مرونة كافية للتعامل مع الأحداث المتعاقبة ، بحيث يُمكن تعديل وتطوير شكل القضايا المطروحة ، بل واستحداث قضايا متجدّدة طِبقاً للظرف المجتاز .

3 ـ المرحليّة في إنجاز الأهداف وعدم القفز فوق المعطيات الموضوعيّة للواقع ، والامتناع عن الإقدام على سبق الأحداث ، وعدم الهرولة للحصول على نتائج في ظلّ ظروف لمْ تنضج بعد .

4 ـ العمل على اتّساع القاعدة المؤيّدة للحزب عن طريق :

الف ـ إشباع القضايا المختارة بحثاً ، ودفعها إلى الصدارة دائماً من اهتمامات النّاس .

باء ـ التعامل مع النّاس طِبقاً لأفضليّاتهم الخاصّة وبِناءً على مآخذهم القريبة .

فعصب الحزب هُم الواعون بالهدف الحقيقي ، وبالتالي هُم المنتفعون الأصليّون , وأمّا الآخرون فيهم , إمّا غلب عليهم الظنّ في صحّة القضايا المطروحة ، وهؤلاء يضمن تأييدهم عن طريق اعتقادهم هذا , وإمّا قوم آخرون لا يبدون أهميّةً لمدى صحّة القضايا ، وإنّما يشرئبّون بأعناقهم إلى كسب قريب ، وهؤلاء يجب تغذية طموحاتهم باستمرار وإطماعهم بالمزيد .

4 ـ استباحة جميع الوسائل لتحقيق الهدف ، مع الحرص دائماً على إخراج الوسائل في صورة مقبولة ، والاجتهاد في إيجاد مبرّرات لها بحيث تبدو منطقيّة لدى العامّة .

5 ـ إبداء الغلظة واستعمال أقصى درجات الشدّة مع مَن يُصنّفون على أنّهم مُعادون ، وذلك إذا سمحت الظروف بذلك ؛ إرهاباً لهم ولمَن تحدّثه


الصفحة (73)

نفسه بتأييدهم ، وذلك مع عدم اليأس ممّن يدورون في فلكهم وفتح الباب دائماً لاستمالتهم .

6 ـ اتّباع خُطّة دعائيّة مُحكمة تعتمد على الآتي :

التضخيم من القوّة الذاتيّة لأقصى الحدود والحطّ من قوّة المُعادين ، وإشاعة ذلك بين النّاس ؛ حتّى تحدث أثرها في الانهيار المعنوي لدى معسكر الخصم ، وتخذيلاً لغيرهم عن الانضمام إليهم .

إسباغ المزايا على بعض المؤيّدين ليكونوا نماذج جاذبة وقابلة للاحتذاء ، بحيث تطمع غيرهم فيها .

التشكيك الدائم في المفاهيم التي تتمتّع بدرجة من الاستقرار لدى العامّة ، والتي يُمكن أنْ تقف حجر عثرة في سبيل تحقيق أهداف الحزب ، بحيث يلتبس أمرها وتفقد استقرارها .

عدم الاقتصار على تصنيف النّاس بين مؤيّدين ومُعادين ، فهناك فريق ثالث مُحايد ، وهؤلاء ـ أيضاً ـ لهم دورهم الذي يُمكن استغلاله ، وبالتالي فهؤلاء يُعتبرون قوّة مضافة , ولذا وجب الحفاظ عليهم وعدم استعدائهم .

العمل على اصطناع بؤر تصادميّة متعدّدة مناهضة للمُعادين ، بحيث تعمل على إرباكهم وتشتيت قواهم واستنزاف حيويّتهم ، ولا يشترط في ذلك أنْ تكون هذه البؤر مؤيّدة ، بل قد تكون معادية أيضاً ، ولكن دعمها مُفيد مرحليّاً .

العمل على انهيار التماسك الداخلي للمُعادين عن طريق زرع عملاء ، أو استمالة من لديه قابليّة الاستعمال ، وبحيث يتمكّنون من التوجيه الخفيّ لحركة الأحداث من الداخل مُوهمين بصحّة مسلكهم .

تلك ـ إذاً ـ خُطّة مُفترضة نزعم أنّها كانت خُطّة الحزب الاُموي . وعلينا الآن أنْ نخضعها للبحث ، ونطابق الأحداث عليها ليتبيّن مدى صحّة افتراضها .


الصفحة (74)

الخُطّة والواقع

تزخر كتب التاريخ بالأحداث التي يُمكن إيرادها للتدليل على صحّة افتراضنا السابق ، ولكنّنا نتخيّر منها بعضها ذا الدلالة المباشرة على تكوين الحزب ، وأهدافه وطبيعة نشاطه على مدى طويل .

وإيرادنا لهذه الأحداث على هذا النحو ، لا يعني بحال اتّباعنا لمنهج انتقائي متعسّف ـ كما قد يظنّ البعض ـ لإثبات صحّة الفرض ، وإنّما يحكم هذا الاختيار عدّة اعتبارات تتّصل بطبيعة الأحداث ذاتها ، ومدى أهميّتها على المسار العام لحركة التاريخ ، ثمّ الأطوار المختلفة التي مرّ بها الحزب ، ثمّ طبيعة العلاقات والارتباطات بين هذه الأحداث وغيرها ، ممّا يمكّن في النهاية من رصد العلاقات الأساسيّة بين هذه الأحداث مجتمعة .

وربما كان عاصماً لنا من احتمال الزلل إلى الاجتزاء المتعسّف مناقشة الآراء المختلفة ـ المؤيّدة والمُعارضة ـ المرتبطة بهذه الأحداث جُملةً وتفصيلاً ، وإيراد حجج كلّ بما يضمن نظرة كلّية إلى الموضوع بكامله .

وأوّل ما ينبغي إمعان النظر فيه , خبر تقصّه كتب السير وتقف به على مفتاح لباب رئيسي لهذا الأمر ، وسرّ العداء المُستحكم لهذا الدين الجديد ، وذاك هو طلب السلطة والرياسة بما يشمله من تحكم في المقدّرات العامّة .

يقول الخبر(1) : إنّ أبا جهل وأبا سفيان والأخنس بن شريق خرجوا ليلةً ليسمعوا من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وهو يُصلّي بالليل في بيته ، فأخذ كلّ رجل منهم مجلساً ليستمع منه ، وكلّ لا يعلم بمكان صاحبه ، فباتوا يستمعون له حتّى إذا

ـــــــــــــــ

(1) ابن كثير ، البداية والنهاية ، المرجع السابق 3 / 62 .


الصفحة (75)

أصبحوا وطلع الفجر ، تفرّقوا فجمعهم الطريق فتلاوموا ، وقال بعضهم لبعض : لا تعودوا ، فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئاً . إلاّ أنّهم عادوا وكرّروا فعلتهم ثلاث ليالٍ متواليات ، ثمّ تعاهدوا ألاّ يعودوا لمثلها , فلمّا أصبح الأخنس بن شريق سأل صاحبيه عن رأيهما فيما سمعا ، فقال أبو الحكم بن هشام : تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف ، أطعموا فأطمعنا ، وحملوا فحملنا ، وأعطوا فأعطينا ، حتّى إذا تجاثينا على الراكب وكنّا كفرسي رهان , قالوا : منّا نبيّ يأتيه الوحي من السماء ، فمتى نُدرك هذه ؟ والله ، لا نسمع به أبداً ولا نصدّقه .

بينما كان ردّ أبي سفيان : والله ، لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يُراد بها .

وفي رواية اُخرى عن المغيرة بن شعبة(1) : أنّ أبا جهل قال : والله ، إنّي لأعلم أنّ ما جاء به ـ يقصد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ـ حقّ ، ولكن لا أفعل .

فأبو جهل لمْ يرَ في الدعوة الجديدة إلاّ أنّها مقام فضل لبني عبد مناف لا قبل له به ، وذلك رغم أنّ بني عبد مناف وبني مخزوم ـ جدّ أبي جهل ـ يشتركون في جدّ واحد هو مرّة بن كعب . وقد كان حريّاً ـ إذاً طِبقاً لمنطقهم ذاك ـ بأبي سفيان أنْ يسعد بهذا الفضل الذي أصاب أحد بني عبد مناف ، ولكن إذا كان أبو جهل قد رآه فضلاً عامّاً لبني عبد مناف ، فإنّ أبا سفيان قد رآه فضلاً خاصّاً ببني هاشم دون بني اُميّة ، وكلّهما من بني عبد مناف ، وهذا ما يأباه أبو سفيان رغم إقراره في ردّه السابق على الأخنس : أنّه قد عرف وفهم ما سمعه من الرسول (صلّى الله عليه وآله) .

ـــــــــــــــ

(1) المصدر السباق / 63 .

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة