الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة (26)

كلب ، ببادية الشام .

جهينة ، ونزلوا بوادي إضم بالحجاز .

هذه إذاً جملة أنساب العرب ومنازلهم في شبه جزيرتهم وما جاورها من تُخوم الروم والفرس .

فماذا تُخبرنا به علاقة ( النّسب ـ الجغرافيا ) هذه ؟

يقول أحمد أمين(1) في معرض تعليقه على هذه العلاقة : ... وبنَوا عليها عصبيّتهم ، وانقسموا في كلّ مملكة حلّوها إلى فِرق وطوائف حسْبما اعتقدوا في نسبهم ، وأصبحت هذه العصبيّة مفتاحاً نصل به إلى معرفة كثير من أنساب الحوادث التاريخيّة ، وفهم كثير من الشعر والأدب ، ولا سيّما الفخر والهجاء .

والإسلام جاء ، وكان قد تمّ اعتقاد العرب بأنّهم في أنسابهم يرجعون إلى أصول ثلاثة :

ربيعة ومضر واليمن ، وأخذ الشعراء يتهاجون ويتفاخرون طبقاً لهذه العقيدة ، واستغلّها خلفاء بني اُميّة ومن بعدهم ، فكانوا يضربون بعضاً ببعض .

على أنّه لا ينبغي أنْ يفوتنا ذكر ، أنّ تلك العصبيّة لمْ تكن مقصورة على النّسب الصريح وحده ، وإنّما وجدت دونها عصبيّات من أنواع اُخر ؛ فمنها ما كان من الموالاة رقّاً واصطناعاً ، ومنها ما كان من المحالفة ، ومنها ما كان من آثار نظام الزواج لديهم ، ومنها ما كان من قدم العهد بالتبنّي .

ولعلّنا ـ بإشارتنا إلى هذه النُّظم ـ نكون قد استكملنا دراسة نسق القرابة الذي نتعهّده .

ـــــــــــــــ

 (1) أحمد أمين ، فجر الإسلام / 8 ، ط 12 , القاهرة , مكتبة النّهضة المصريّة ، عام / 1978 م .


الصفحة (27)

فمن العصبيّة تحالفاً حلف المطيبين والأحلاف ، إذ تنازع القيام بأمر الكعبة بنو عبد مناف وبنو عبد الدار وكلاهما من قصي ، فاجتمع مع بني عبد مناف بنو أسد بن عبد العزى بن قصي ، وبنو زهرة بن كلاب وبنو تميم بن مرة وبنو الحارث بن فهر بن مالك ، وهؤلاء هم المطيّبون , واجتمع مع بني عبد الدار بنو مخزوم وبنو سهم وبنو جمح وبنو عدي بن كعب ، فهؤلاء هم الأحلاف , وثبت كلّ قوم مع من حالفوا حتّى جاء الإسلام (1)

ومن العصبيّة موالاة سالم مولى أبي حذيفة .

ومن العصبيّة استلحاقاً عنترة بن شدّاد بعبس .

وفي ذلك يقول ابن خلدون(2) : إذا اصطنع أهل العصبيّة قوماً من غير نسبهم أو استرقّوا العبدان والموالي والتحموا بهم ـ كما قلنا ـ ضرب معهم أولئك الموالي والمصطنعون بنسبهم في تلك العصبيّة ، ولبسوا جلدتها كأنّهم عُصبتهم .

ثمّ إنّهم كانوا يتبنّون ، فيلحقوا نسب المتبنّى بمَن تبنّاه ، وأشهر مثل لذلك زيد بن حارثة ، إذ كانوا يدعونه زيد بن محمّد حتّى نزلت الآيات بتحريمه : ( ادْعُوهُمْ لِأَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللّهِ )(3) .

وكذلك كان نظام الزواج عندهم يُمكن أنْ ينشأ عنه خلط في الأنساب ، فيجوز للوليد أنْ يُنسب إلى أبٍ ـ تواضعت عادات القوم على تحديده ـ من غير أبيه الطبيعي(4) . فقد كانت هناك حريّة في الاتصال الجنسي ، ينشأ

ـــــــــــــــ

 (1) ابن الأثير ، الكامل في التاريخ 1 / 350 , بيروت ,  دار الكتب العلميّة ، عام / 1987 م .

 (2) ابن خلدون ، مرجع سابق / 114 .

 (3) سورة الأحزاب / 5 .

 (4) وهو ما يُسمّى في الدراسات الاجتماعيّة الحديثة بـ ( الأب الاجتماعي ) ، تفرقة بينه وبين ( الأب البيولوجي ) .


الصفحة (28)

عنها أنواع متعدّدة من العلاقات ، وربما كان حديث عائشة زوج النّبي (صلّى الله عليه وآله)  أجمع حديث عن ذلك النّظام ، تقول عائشة(1) : النّكاح في الجاهليّة كان على أربعة أنحاء :

فنكاح منها : نكاح النّاس اليوم , يخطب الرجل إلى الرجل وليّته أو ابنته ، فيُصدِقُها ثمّ ينكحها .

ونكاح آخر : كان الرجل يقول لامرأته ـ إذا طهرت من طمثها ـ : ارسلي إلى فلان فاستبضعي منه . ويعتزلها زوجها ولا يمسّها أبداً حتّى يتبيّن حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه ، فإذا تبيّن حملها أصابها زوجها إذا أحبّ ، وإنّما يُفعل ذلك رغبة في نجابة الولد ، فكان هذا النّكاح نكاح الاستبضاع .

 ونكاح آخر : يجتمع الرّهط ما دون العشرة فيدخلون على المرأة كلّهم يُصيبها ، فإذا حملت ووضعت ومرّ عليها ليال بعد أنْ تضع حملها أرسلت إليهم ، فلمْ يستطع رجل منهم أنْ يمتنع حتّى يجتمعوا عندها ، تقول لهم قد عرفتم الذي كان من أمركم ، وقد ولدت ، فهو ابنك يا فلان . تُسمّي مَن أحبّت باسمه ، فيُلحق به ولدها لا يستطيع أنْ يمتنع به الرجل .

 ونكاح الرّابع : يجتمع النّاس الكثير فيدخلون على المرأة ، لا تمتنع ممّن جاءها ، وهنّ البغايا كنّ يُنصبن على أبوابهنّ رايات تكون علماً ، فمن أرادهنّ دخل عليهنّ , فإذا حملت إحداهنّ ووضعت حملها , جمعوا لها ودعوا لهم القَافَة ، ثمّ ألحقوا ولدها بالذي يَرون ، فالتاط به ودُعيَ ابنه ، لا يمتنع من ذلك .

 فلمّا بُعث مُحمّد ( صلّى الله عليه وآله ) بالحقّ , هدم نكاح الجاهليّة كلّه إلاّ نكاح النّاس اليوم .

فالعصبيّة إذاً كان لها روافد كثيرة تغذّيها ، بمثل ما كانت تحتفر لنفسها مجاري في صميم الحياة العربيّة .

ـــــــــــــــ

 (1) صحيح البخاري ، باب النّكاح .


الصفحة (29)

والآن نظنّ أنّنا قد عرّجنا إلى موقع يُمكننا من إطلالة شاملة على مسرح الأحداث المقبلة ـ وأعني به البيئة العربيّة الأولى قُبيل الإسلام ـ ، فاقبلوا ننظر معاً :

1 ـ أوّل ما نُلاحظه أنّ الأنساب ـ وخاصّة كلّما صعدت ـ محلّ شكّ غير قليل ، إمّا لقدم العهد بها ممّا لا تستطيع معه ذاكرة النسّابين حفظه ، وآية ذلك اختلاف النسّابين في سلاسلها ، أو لأنّه لمْ تكن هناك شواهد ماديّة وآثار تحفظ لنا ذلك التاريخ مع قلّة الوثائق التي تناولته ، فلمْ يتبقَّ إلاّ ما أُخذ من التوراة وأقوال اليهود ، مع شذرات في الكتابات اليونانيّة والرومانيّة .

وقد احتجّ بعض السّلف بقول الله تعالى : ( وَالذينَ مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلّا اللّهُ )(1) . بعدم علم النسّابين . فقد ذكر ابن إسحاق ، أنّ عبد الله بن مسعود كان يقول في تفسير هذه الآية : كذب النّسابون(2) . وكذلك ما أورده ابن خلدون(3) في هذه المسألة من حديث ابن عبّاس ، أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لمّا بلغ نسبه إلى عدنان ، قال (ص) : (( من هاهنا كذب النّسابون ))(4) .

وسواء صدق النّسابون أو كذبوا فهذا ما اعتقده العرب ، ونسبوا أنفسهم على أساسه وفيه كانت حميّتهم .

2 ـ العدنانيّة من إسماعيل بن إبراهيم من سام بن نوح ، وكذلك القحطانيّة من سام بن نوح ، إلاّ أنّ العدنانيّة تميّزوا بالسّلف ذوي النبوّة والكتاب من دون القحطانيّة . وقد قال الله تعالى :

ـــــــــــــــ

 (1) سورة إبراهيم / 9 .

 (2) تفسير ابن كثير .

 (3) التاريخ ، مرجع سابق 2 / 3 .

 (4) ورد كذلك في تفسير القرطبي .


الصفحة (30)

 ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرّيّتِهِمَا النّبُوّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُم مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ )(1) .

وقال تعالى على لسان إبراهيم : ( رَبّنَا إِنّي أَسْكَنتُ مِن ذُرّيّتي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرّمِ )(2) .

ثمّ إنّ البيت بمكّة ، وهو مقدّس العرب الأوّل وحرمهم ، ولا يزال ـ حتّى قبل البعثة ـ مبعث فخرهم وأعتزازهم ، بل إنّ القيام بأمره كان مثار تنافسهم وتشاحنهم لمَا جعلوه أعلى مراتب شرفهم .

ولعلّ في قصّة إعادة بناء الكعبة الغناء في الدلالة على عظم البيت في نفوسهم ، إذ تنازعوا وتداعوا للقتال ، أيّهم يضع الحجر الأسود موضعه حتّى تراضوا بحكم مُحمّد بن عبد الله (ص) قبل بعثته بخمس سنين .

ثمّ هذا أبو طالب يقوم خطيباً في حفل خطبة خديجة لابن أخيه مُحمّد (ص) ، فيُعدّد مناقب رهطه فيقول :

الحمد لله الذي جعلنا من ذرّيّة إبراهيم وزرع إسماعيل ، وضِئضئ معد وعنصر مضر , وجعل لنا بيتاً محجوباً وحرماً آمناً ، وجعلنا اُمناء بيته وسوّاس حرمه ، وجعلنا الحكّام على النّاس(3) .

فإذا كانت هذه هي نظرة بعض قريش لنفسها ، فلنا أنْ نتوّقع مدى إحفاظ نفوس غيرهم عليهم ، خاصّة وقد علمنا من سير العرب أنّ الاختيال والفخر سمتان أساسيّتان لهم جميعاً .

وهكذا ، فإنّه رُغم اتّحاد الأصل فإنّ الفروع قد تفرّقت ، وجُعلت العصبيّة للفرع دون الفرع عندما تميّز أحد مستويات الأفرع بمزية خاصّة ، وهذا يتّفق

ـــــــــــــــ

 (1) سورة الحديد / 26 .

 (2) سورة إبراهيم / 37 .

 (3) ابن خلدون ، مرجع سابق / 5 .


الصفحة (31)

تماماً والدراسات الاجتماعيّة الحديثة التي أثبتت ، أنّ انقسام البدنات في المجتمعات التقليديّة يحدث عند تميز إحدى شخصيات جماعات السلسلة النسبيّة بمكانة اجتماعية خاصّة ( STATUS ) ، أو مركز اقتصادي مرموق .

فإذا كانت القحطانيّة تزهو بحضارتها ورُقيها المادي ، فإنّ العدنانيّة تفاخر بالبيت وهم أمناؤه وسدنته ممّا أوغر صدور غيرهم عليهم وأشبع نفوسهم غيرةً وحَنقاً على هؤلاء الذين تهوي أفئدة النّاس إليهم ، وتجبى الثمّرات ويأتونها لبناء بديل للكعبة ، سعى بناتها لجذب أنظار العرب بها إليهم .

فهذا أبرهة ملك اليمن للأحباش يمكث غير بعيد بصنعاء ، فيبتني كنيسته ( القليس ) لمْ يُرَ مثلها في زمانها بشيء من الأرض ـ فيما يروي ابن الأثير(1) ـ ثمّ يكتب إلى النّجاشي ، أنّه ليس بمنتهٍ حتّى يصرف إليها حاجّ العرب . ولمْ ينتهِ فعلاً إلاّ بقدومه إلى مكّة قاصداً هدم بيتها في القصّة المشهورة ، عام الفيل .

وهؤلاء هم بنو بغيض من غطفان ، لمّا أثّروا وأكثروا في البلاد أطمعتهم كثرتهم فأقسموا : لنتّخذنّ حرما مثل مكّة لا يُقتل صيده ، ولا يُهاج عائذه . فبنوا حرماً إلى أنْ هدمه زهير بن جناب(2) .

3 ـ رأينا من قبل كيف أنّ القحطانيّة ضاقوا بمواطنهم ، فغشوا العدنانيّة في منازلهم وظهروا عليهم ، فكانوا ملوكاً ورؤساء فيهم حتّى صار إذعان عرب الشمال لعرب الجنوب كالفرض لا يجوز نقضه ، بل إنّ ابن الأثير(3) يذكر : أنّ تابعة اليمن كانوا لعرب الشمال بمنزلة الخلفاء للمسلمين . ويرجع ذلك

ـــــــــــــــ

 (1) ابن الأثير ، مرجع سابق 1 / 342 .

 (2) مرجع سابق / 391 .

 (3) مرجع سابق / 399 .


الصفحة (32)

في الأغلب لأسباب , منها : انهيار سدّ مأرب في القرن الخامس قبل الميلاد وخراب البلاد ، وغلبة الأحباش على اليمن وإمعانهم في التسلط والإيذاء ، وكذلك محاربة الرومان لأهل الجنوب في أرزاقهم ووسيلة عيشهم في التجارة بين شرق أفريقيا والهند وبين الشمال ، لمّا حوّلوا طرق التجارة من البرّ إلى البحر ، إلى أنْ كانت غزوة جاليوس من قبل الإمبراطور أغسطس لليمن عام / 24 ق . م (1) .

وأيّاً ما كان السّبب ، فقد دان عرب الشمال العدنانيّون لعرب الجنوب القحطانيّين بالطاعة ، واعتادوا أنْ يؤدّوا إليهم الإتاوة أو الخِراج مقابل النّجعة والمرعى ، إلى أنْ كان يوم العدنانيّة الأكبر المعروف بيوم ( خزاز ) (2) , حين اجتمعت : ربيعة ومضر وقضاعة وإياد ونزار وحاربوا اليمن وظهروا عليهم , فكان ذلك اليوم آخر عهدهم بسلطان اليمن . فإذا كان هذا السّلطان قد انقضى على بعض قبائل عرب الشمال ، فإنّ آثاره لمْ تنقضِ لمَا يرين في نفوس المغلوبين من مشاعر الضغن نحو الغالبين ، خاصّة إذا علمنا أنّ هؤلاء اليمنيين ظلّوا يُقيمون بين ظهراني عرب الشمال ، ولمْ ينزحوا عنهم من ديارهم أبداً .

تمعّن هذه المفاخرة ـ فيما يرويه المسعودي(3) ـ بين قحطاني وعدناني بعد أمدٍ طويلٍ , وفي مجلس السفّاح لمّا فخر بعض أولاد قحطان على ولد نزار من عدنان ، فقال السفّاح للعدناني : ألاَ تنطق ، وقد غمرتكم قحطان بشرفها وعلت عليكم بقديم مناقبها ؟ فقال العدناني : ماذا أقول لقوم ليس فيهم إلاّ دابغ جلد ، أو ناسج بُرد ، أو سائس قرد أو راكب عرد ، أغرقتهم فأرة وملكتهم امرأة ودلّ عليهم هُدهد

ـــــــــــــــ

 (1) كارل بروكلمان ، مرجع سابق / 16 .

 (2) ابن الأثير ، مرجع سابق 1 / 407 .

 (3) المسعودي ، مروج الذهب 2 / 183 , بيروت , المكتبة الإسلاميّة .


الصفحة (33)

وبعد ، فهذه إذاً جمّة أسباب تفسّر هذه العداوة المرّة بين القحطانيّة والعدنانيّة ، ولا نعلم سبب جعل الباحثين السّابقين لا ينتبهون إليها في تبريرهم لتلك العصبيّة .

فهذا كارل بروكلمان(1) يقول في تردّد : الذي يبدو أنّ هذه الظاهرة قد نشأت منذ البدء من عداوة قائمة على أساس الجنس بين عرب الشمال وهم شرقيّون خلّص ، وبين عرب الجنوب الذين تسري في عروقهم دماء غريبة مختلطة .

ثمّ هو يُورد رأياً غريباً لجولدزيهر : تُعتبر العداوة بين عرب الشمال وعرب الجنوب نتيجةً ثانويّةً للخصومة بين قريش والأنصار الذين يُعدّون من عرب الجنوب .

وأمّا أحمد أمين(2) ، فيقرّر في كثير من التجريد : أصل هذا العداء على ما يظهر ، هو ما بين البداوة والحضارة من نزاع طبيعي ، وكان توالي الحوادث والوقائع الحربيّة يزيد في العداء ، ويقوّي بينهم روح الشرّ .

4 ـ على أنّ هناك أمراً آخر لا أقطع فيه برأي وإنْ وُجدت شواهد عليه ، وإنّما أطرحه لمزيد من البحث ليس هاهنا مجاله .

فقد علمنا أنّ اليهود تفرّقوا في بلاد العرب في القرن الأوّل الميلادي بعد أنْ مزقّهم تيتوس الروماني ، فنزلت اليهود : تيماء وخيبر وفدك ويثرب وغيرها .

ثمّ علمنا ما كان بين الأوس والخزرج بيثرب من حروب مريرة كادوا يتفانون فيها ، ومنها يوم بعاث ، وقبله يوم الفجار , وقد كان لليهود في هذه الأيّام يد ظاهرة في إضرام نار الحرب ، والتلاعب بالتحالف مع الأوس تارةً والخزرج تارةً اُخرى .

ـــــــــــــــ

 (1) تاريخ الشعوب الإسلاميّة / 130 .

 (2) فجر الإسلام ، المرجع السابق / 6 .


الصفحة (34)

وكان اليهود قد غلبوا على أمر النّاس باليمن بعض الوقت ، فيما تُحدّثنا به الأخبار الواردة بتفاسير القرآن في قصّة أصحاب الأخدود ، حين حرق أبو نواس ملك اليمن اليهودي نصارى نجران . فهناك إذاً يهود في الشمال ، ويهود في الجنوب وبينهما صلات متّصلة وتجارة رابحة غادية .

أفلا يبعث ذلك على التساؤل عن صلة اليهود بإذكاء نار العصبيّة حتّى يَسلم لهم مقامهم ببلاد العرب ؟

سؤال نطرحه للبحث .

5 ـ والحقّ أنّ الصراع لمْ يكن قاصراً على ما بين الفئتين العظيمتين من العرب شماليين وجنوبيين ، وإنّما كادت كلّ فئة تأكل نفسها بنفسها إنْ كانت أحشاؤها تكاد تميز من الغيظ لأوهى الأسباب وجلّها معاً ، ممّا جعل الباحثين في حيرة من أمرهم ، فجعلوا يردّون ذلك إلى طبع عميق وخلق متأصّل في نفوس العرب أجمعين .

فقد حدّثتنا الأخبار بالحروب الطويلة بين قبائل العرب والتي عُرفت بأيّام العرب ، تلك الأيّام التي شبّ فيها الولدان وشاخ فيها الشباب ، وهلك فيها الشيوخ وهي بعد لمْ تضع أوزارها .

وقد تنطوي بعض الأيّام على أسباب قابلة للفهم ، مثل الخروج للإغارة والسّلب إذا أعوزتهم الحاجة ، أو لأسباب ماديّة بسيطة ، كأيّام الفجار بين قريش وكنانة وبين قيس عيلان ، وأيّام داحس والغبراء ؛ وأمّا أنْ تظلّ حرب أربعين عاماً بين بكر وتغلب ـ وكلّهما من ربيعة ـ ويكون مشعلها ضرب كليب لناقة في حمى جساس ، فشيء لا يكاد فهمه يستقيم .


الصفحة (35)

البِناء القِيمي ودلالاته

حاولنا فيما سبق استكشاف مدى فاعليّة أظهر العوامل حسماً في تحديد بنية المجتمع العربي قبل الإسلام , ورغم عدم تطرقّنا إلى كافة العوامل تفصيلاً ، إلاّ أنّ الجانب المتفحَّص منها ـ نظّنه ـ كافياً للإحاطة بالمتنحّى , أو توقّع ماهيته بدرجة كبيرة من الصحّة .

ولمّا كان نسق القيم السّائد في مجتمع بعينه ، يُعدّ مستودع جماع تفاعل الأفراد والجماعات تفاعلاً بيئيّاً واجتماعيّاً ، فإنّ دراسة هذا النّسق تجعلنا نعتقد أنّ بالإمكان توقّع الكشف عن محدّدات هذا المجتمع وغاياته ، وهذا هو همّنا في المقام الأوّل .

وقد أثبتت الدراسات الاجتماعيّة ـ النفسيّة الحديثة(1) ـ أثر طبيعة البِناء الاجتماعي في السلوكيّات الاجتماعيّة . كما أنّ هذه السلوكيّات ـ كما يرى نيوكوم(2) ( Newcomb )  ـ تخضع لنظام متكامل يتمثّل في نسق القيم .

ولعلّ خير دليل على هذه العلاقة ومدى انطباقها على مجتمعا محلّ الدراسة ـ المجتمع العربي قبل الإسلام ـ شهادة شاهد من أهله :

ـــــــــــــــ

 (1) وليم و . لامبرت ، دولاس أ . لامبرت ، ترجمة د . سلوى الملاّ ، علم النّفس الاجتماعي / 202 ,  القاهرة ,  دار الشروق / 1989 م .

 (2) د . محيي الدين حسين ، القيم الخاصّة لدى المبدعين / 21 , القاهرة ,  دار المعراف / 1981 م .


الصفحة (36)

يقول جعفر بن أبي طالب واصفاً مجتمعه في حضرة النّجاشي ملك الحبشة ـ مهجر المسلمين الأوّل ـ عندما استدعاه ؛ ليتبين صحّة دعاوى مبعوثي قريش عمرو بن العاص ومَن معه ؛ لاسترداد المهاجرين وإرجاعهم قسراً إلى مكّة : أيّها الملك ، كنّا أهل جاهليّة نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ونُسيء الجوار ويأكل القوي منّا الضعيف ...(1)

ولا يكاد يخرج عن هذا الإطار من التحديد رأي أحد الباحثين المحدثين ، وهو المستشرق جولد تسيهر بقوله(2) : ومن الحقّ أنْ نُلاحظ أنّ الجماعة التي تقوم على حياة القبائل العربيّة وأعرافها وتقاليدها فحسب ، لا يُمكن أنْ يكون لها أخلاق عالية بسبب وثنيتها الغليظة الجوفاء .

لقد كان مسقط رأس مُحمّد (ص) مركزاً من المراكز الهامّة الخطيرة لعبادة الأوثان والأصنام ، كما كان مقرّاً للكعبة المقدّسة والحجر الأسود , ومع هذا كانت الماديّة وكبرياء الجاهلّية وتحكّم الأغنياء في الفقراء ، هي المميّزات السّائدة عند أشراف تلك المدينة الذين كانوا يفيدون من سدانة الكعبة فوائد ماديّة لها خطرها ، إلى جانب ما كان في هذه السّدانة من ميزة دينيّة وشرف قومي . على أنّ لابن خلدون رأياً خطيراً في العرب وقيمهم ، نقتطف منه قوله(3) : بطبيعة التوحّش الذي فيهم أهل انتهاب وعبث ، ينتهبون ما قدروا عليه من غير مغالبة ولا ركوب خطر .

العرب إذا تغلّبوا على أوطان أسرع إليها الخراب ؛ والسبب في ذلك أنّهم اُمّة وحشيّة باستحكام عوائد التوحّش ، وأسبابه فيهم فصار لهم خلقاً وجبلةً .

ـــــــــــــــ

 (1) ابن الأثير ، المرجع السابق 1 / 599 .

 (2) جولد تسيهر ، العقيدة والشريعة في الإسلام / 7 , بيروت ,  دار الرائد العربي / 1946 م .

 (3) ابن خلدون ، التاريخ ، المرجع السابق 1 / 125 .


الصفحة (37)

وأيضاً , فطبيعتهم انتهاب ما في أيدي النّاس وأنّ رزقهم في ضلال رماحهم ، وليس عندهم في أخذ أموال النّاس حدّ ينتهون إليه .

وأيضاً ، فإنّهم ليست لهم عناية بالأحكام وزجر النّاس عند المفاسد ودفاع بعضهم عن بعض ، وإنّما همّهم ما يأخذونه من أموال الناس نهباً أو مغرماً . ربما فرضوا العقوبات في الأموال حرصاً على تحصيل الفائدة والجباية والاستكثار منها .

وأيضاً ، فهم متنافسون في الرياسة ، وقلّ أنْ يُسلّم أحد منهم الأمر لغيره ولو كان أباه أو أخاه كبير عشيرته , إلاّ في الأقلّ وعلى كره . قال الأعرابي الوافد على عبد الملك بن مروان ، لمّا سأله عن الحجّاج وأراد الثناء عليه عنده بحسن السياسة والعمران ، فقال : تركته يظلم وحده .

والعرب لا يحصل لهم الملك إلاّ بصبغة دينيّة من نبوّة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين على الجملة ؛ والسبب في ذلك أنّهم لخُلق التوحّش الذي فيهم أصعب الاُمم انقياداً بعضهم لبعض للغلظة والأنفة ، وبُعد الهمّة والمنافسة في الرياسة ، فقلّما تجتمع أهواؤهم ، فإذا كان الدين بالنبوّة أو الولاية ، كان الوازع لهم من أنفسهم وذهب خُلق الكبر والمنافسة منهم ، فسهل انقيادهم واجتماعهم ، وذلك بما يشملهم من الدين المُذهب للغلظة والأنفة الوازع من التحاسد والتنافس .

وهم مع ذلك أسرع النّاس قبولاً للحقّ والهُدى لسلامة طباعهم من عوج الملكات ، وبراءتها من ذميم الأخلاق ، إلاّ ما كان من خُلق التوحّش القريب المعاناة المتهيّئ لقبول الخير ببقائه على الفطرة الأولى ، وبعده عمّا ينطبع في النّفوس من قبيح العوائد وسوء الملكات ، فإنّ : (( كلّ مولودٍ يُولد على الفطرة )) . كما ورد في الحديث .


الصفحة (38)

ويكاد يتطابق مع الآراء السابقة رأي لمستشرق آخر ، وهو بروكلمان بقوله(1) : إذا انتقلنا إلى أحوال بلاد العرب الشمالية , وجدنا الصحراء التي تؤلّف معظم البلاد هي التي تقرّر الأحوال الاجماعيّة .

 والبدوي كائن فردي النزعة مفرط الأنانيّة قبل كلّ شيء . ولا تزال بعض الأحاديث تسمح للعربي الداخل في الإسلام أنْ يقول في دعائه : اللهمّ ، ارحمني ومُحمّداً (ص) ولا ترحمْ معنا أحداً(2) .

ويقول : إنّ حاسّة الشرف الساميّة هي التي تسم جميع أعمال البدوي ، وهي ألأساس الذي ينهض عليه صرح الأخلاق عنده .

  * * *

تلك إذاً آراء اُختلفت مصادرها وتعدّدت مشارب معتنقيها ، إلاّ أنّها تكاد تجمع على سمات خاصّة لقيم بعينها امتثل لها عرب ما قبل الإسلام . وربما كان أحد الأصول الأولى المنشئة لهذا النّسق من القيم هو انفراط عقد العرب , بحيث لمّ يُدينوا لسلطة جامعة قط .

ورغم ذهاب البعض إلى أنّ العرب في زمانهم ذاك قد خبروا نوعاً من التنظيم السّياسي مثل : ملكيّة كندة في نجد وما وراءها ، ومثل : نظام مكّة , الذي عدّه لامانس جمهوريّة , إلاّ أنّ الواقع أنّ هذه الأنظمة كانت قبليّة محلّية ،

ـــــــــــــــ

 (1) تاريخ الشعوب الإسلاميّة ، المرجع السابق / 18 .

 (2) هذا الذي أورده بروكلمان تجد تفصيله في البخاري ، كتاب الأدب كالتالي : عن أبي هريرة ، قال : قام رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في صلاة وقمنا معه ، فقال أعرابي ، وهو في الصلاة : اللهمّ ، ارحمني ومحمّداً (ص) ولا ترحمْ معنا أحداً . فلمّا سلّم النّبي (صلّى الله عليه وآله) ، قال للأعرابي : (( لقد حجَرت واسعاً )) . يُريد رحمة الله .


الصفحة (39)

ولمْ ترقَ قط إلى نظام سياسي جامع يلمّ شتات العرب ويخضعهم لسلطة واحدة ، ويشعرون هم أنفسهم بانتمائهم لهذا الكيان الواحد ، شأن الكيانات الاُخرى المعاصرة كالروم والفرس .

هذا الانتماء الشديد المحلّية يُقلّص حتماً الاهتمامات ويحجمها بأبعاده , فلمّا تعدّدت الانتماءات داخل الإقليم الواحد وما نتج عنها من صراعات بينيّة ، انعدمت فيهم رؤية أهداف مشتركة يسعون إليها ، وقصر بهم نظرهم عن البصر بالمصالح التي يمكّنهم اجتماعهم معاً من إدراكها .

على أنّه يبرز هنا تساؤل : فقد تسيّدت بلادهم ، وعلى الأخصّ أطرافها اُمم من غيرهم أحباش وروم وفرس , هذه الاُمم كانت تفرض على العرب دفع الإتاوات وهم صاغرون ، فلماذا لمْ يكن ذلك دافعاً لهم للوحدة والتناصر ذوداً عن حماهم ، ودرءاً لأخطار تغشاهم ، ومنعاً لأرضهم ألاّ تكون مرتعاً لغيرهم ؟

ثمّ ألاَ يتناقض ذلك الخفض وتلك الاستكانة مع ما زعموه من مروءة ، وما تشدقوا به من فروسيّة ، وما كانوا يستذكرونه دوماً من حسن بلائهم في أيّامهم ؟

لمْ تزل تلك سمات الانفراط وعدم الاجتماع المورث للأنانيّة المفرطة ، والمفضي إلى نزوع كلّ امرئ لتلمس حلّ مشكله على مستوى الذات ، والمؤدّي في النّهاية إلى أنْ يكون بأسهم شديداً بينهم وليس على المتربّصين بهم من غيرهم .

ولعلّك تكون على صواب إذا وقفت طويلاً متحيّراً أمام معنى البطولة التي لحقت بسيف بن ذي يزن ، لمّا أراد أنْ يتخلّص من غلبة الأحباش على بلاده اليمن ، فذهب مستنصراً الفرس ليأتي بهم سادة لليمن بدلاً من الأحباش !


الصفحة (40)

ولا يجهد المرء طويلاً في اكتشاف حقيقة عدم تجزّؤ التناقضات , فكما تجدها بيّنة في ناحية مجتمعيّة ، تجدها كذلك في غيرها من النواحي .

وهكذا , فإنّ التناقضات السّابغة للحياة السياسيّة ـ كما رأينا ـ تبدو ماثلة للأعين لأوّل وهلة على المستوى الروحي . فالازدواجيّة والتناقض الصارخ في المعتقد سمتان بيّنتان للحياة الروحيّة لعرب ذلك الزمان .

فقد عرفت أطراف الجزيرة الديانتين : اليهوديّة والمسيحيّة . فكانت اليهوديّة باليمن إضافة إلى بؤر متناثرة شمالاً ، وكانت المسيحيّة بنَجران في الجنوب , كما كانت في غسان وبعض بكر وتغلب وطيء في الشمال , إلاّ أنّ القلب ظلّ وثنيّاً خالصاً بعد أنْ كان حنيفيّاً على دين إبراهيم , فلمّا طال عليهم الأمد ، تحرّفت حنيفيّتهم فلمْ يبقَ منها سوى ممارسات وطقوس يؤدّونها دوريّاً ، وفي مناسبات مختلفة يُشبعون بها حاجاتهم الروحيّة وفق ما هيّئت لها نفوسهم ، وبما يفي بأغراض نشاطهم الاجتماعي .

والأمر المُلفت للنظر ها هنا ، أنّ العرب ظلّوا على التوجّه للكعبة قبلة لهم معظّمة ومزاراً وحجّاً ملّة إبراهيم ، وفي الوقت ذاته اتّخذوا الأصنام والأدوثان آلهة لهم .

وبالرغم من وجود آلهة قوميّة ، كاللات والعزّى وهُبل ، إلاّ أنّه كان هناك العديد من الآلهة القبليّة التي تخصّ قبيلة بعينها ، أو مجموعة من القبائل ، مثل : ود ومناة وإساف ، ونائلة ويغوث وسواع وذريح ... .

على أنّ الأمر الأكثر مدعاة للنظر أنّ العرب ـ بالرغم من وثنيّتهم هذه ـ كانوا يعرفون الله ؛ اقرأ قول زهير بن أبي سُلمى الشاعر الجاهلي :

فلا تكتمن الله ما في iiصدوركم      لـيخفى ومـهما يكتم الله iiيعلم
يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر      لـيوم الحساب أو يعجلّ iiفينقم


الصفحة (41)

ثمّ هذا عبد المُطلب جدّ النّبي (صلّى الله عليه وآله) يطلب من أبرهة الحبشي ردّ إبله عليه لمّا أخذها في غزوة مكّة ، فقال : أنا ربّ الإبل ، وللبيت ربّ يمنعه . ولمّا قفل راجعاً ، أخذ عبد المُطلب بحلقه الكعبة يُناشد ربّه ردّ أبرهة ، فيقول :

يـا رب لا أرجو لهم iiسواكا      يـا  رب فامنع منهم حما iiكا
إن  عـدو البيت من iiعاداكا      امنعهم أن يخربوا فنا كا
 (1)

إذاً فقد عرف العرب الله وعرفوا أنّه القادر على كلّ شيء وعرفوا يوم الحساب , وبالرغم من ذلك فقد اعتبرهم الإسلام كافرين , فإنّما تنحصر جريرتهم الكبرى في أمرين :

أ ـ اتّخذوا وساطة لله .

ب ـ ولمْ يقدروا الله حقّ قدره .

يقول الله تعالى : ( وَلَئِن سَأَلْتَهُم مّنْ خَلَقَ السّماوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنّ اللّهُ )(2) . ( وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنّ اللّهُ )(3) . ( أَلاَ للّهِ‏ِ الدّينُ الْخَالِصُ وَالذينَ اتّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلّا لِيُقَرّبُونَا إِلَى اللّهِ زُلْفَى‏ إِنّ اللّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنّ اللّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفّارٌ )(4) . ( وَمَا قَدَرُوا اللّهَ حقّ قَدْرِهِ )(5) .

ـــــــــــــــ

 (1) ابن الأثير ، المرجع السابق 1 / 343 .

 (2) سورة لقمان / 25 .

 (3) سورة الزخرف / 87 .

 (4) سورة الزمر / 3 .

 (5) سورة الأنعام / 91 .


الصفحة (42)

 ( يَظُنّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الحقّ ظَنّ الْجَاهِلِيّةِ )(1) .

وهنا ـ أيضاً ـ تجد التناقض جليّاً في معرفة الله الواحد الخالق القادر مع عبادة الأصنام والأوثان تماماً كالتناقض الماثل في كلّ شيء : التغنّي بالأصول العربيّة الخالصة بالفروسيّة والبطولة والشرف ، وفي الوقت ذاته انقياد وخضوع للغير ، وادّعاء المروءة والكرم ، ثمّ ممارسة الانتهاب والعبث .

على أنّك إنْ طالعت بعض أخبارهم الروحيّة وما يتعلّق بها لها لك ما تقرأ ، ويخيل إليك أنّهم يعيشون حياة روحيّة خالصة ، ثمّ إذا أمعنت الإطلاع لها لك أيضاً سعيهم المادي الحثيث ، وكأنّها حياة ماديّة خالصة لا أثر لروحانيّة فيها .

فهم ـ كما رأيت ـ يُعظّمون الكعبة أيّما تعظيمٍ ، وكذلك يُعظّمون معبوداتهم الاُخرى ويهابونها , حتّى إنّك لترى أحدهم يقسم لينذرن أحد أبنائه ذبحاً إنْ عاش له عشرة . فلمّا تحقّق له ما تمنّى ، لمْ يستطع تحلّة قسمه إلاّ بشقّ النّفس ، وبعدما استعاض عنه بالعدد الوفير من إبله مصدر رزقه .

وهم إنْ خرجوا لقتال طافوا بالكعبة ، والتمسوا بركة ورضا معبوداتهم ، ثمّ إذا أحرزوا نصراً نحروا لها الجزر , وإذا أصابهم خير ساقوا إبلهم هدياً ، وابتدعوا لها طقوساً وطرائق عدداً من : بَحيرة وسَائبة ووصِيلة وحَام .

وهم على ذلك مُقبلون على الحياة مُمعنين في ماديّتهم مسرفين على أنفسهم أيّما إسرافٍ ، لا يضبط معاملتهم قانون ، والعرف لديهم يحكمه القادرون ، فالحياة عندهم تنقضي بين إغارة ونهب واستلاب ، وملاهي وخمر وشراب ، وهياج المشاعر لأوهن الأسباب ، ومفاخرة ومعاظمة حتّى في البلاء . هذا طرفة بن العبد الشاعر الجاهلي ، يقول :

ـــــــــــــــ

 (1) سورة آل عمران / 154 .


الصفحة (43)

فـإن  تبغني في حلقة القوم iiتلقني      وإن تلتمسني في الحوانيت تصطَدِ
وما  زال تشرابي الخمور iiولذتي       وبـيعي  وإنفاقي طريقي iiومتلدي

وهذا أعشى قيس الشاعر الجاهلي أيضاً ، يقول :

من خمر عانة قد أتى لختامها     حولٌ تسلُ غمامة المزكوم

وبلغ من ولعهم بالشراب والمجون أنّك لا تكاد تقرأ شعراً جاهليّاً ـ والشعر ديوان العرب ـ لشاعر منهم إلاّ وتجد فيه ذكر الشراب والغناء(1) .

وقد روى الطبري ـ فيما رواه عن وقعة بدر الكبرى ـ حادثة تدلّ على أنّ هذا السّلوك كان شائعاً فيهم ، ذلك أنّ أبا جهل رفض أنْ تعود قريش من حيث أتت ، لمّا جاءت تمنع عيرها ألاّ يحرزه المسلمون بعد أنْ أفلت بالعير أبو سفيان ، فاقسم أبو جهل قائلاً : والله ، لا نرجع حتّى نرد بدراً فنُقيم عليه ثلاثاً ، وننحر الجزر  ونطعم الطعام ، ونسقي الخمر ، وتعزف علينا القيان(2) .

وقد مرّ بنا شيوع أمر البغايا حتّى عدّته السيّدة عائشة زوج الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، أحد أربعة أنحاء لنكاح الجاهليّة ، بقولها : يجتمع النّاس الكثير فيدخلون على المرأة لا تمتنع ممّن جاءها ، وهنّ البغايا كنّ يُنصبن على أبوابهنّ راياتٍ تكون علماً ، فمَن أرادهن دخل عليهنّ . بل تُحدّثنا الأخبار أنّ ممارسة البغاء كانت أداة تكسب وتكثر للسادة منهم ، وفيهم نزل قرآن : ( وَلاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدّنْيَا )(3) .

ـــــــــــــــ

 (1) د . شوقي ضيف ، الشعر والغناء في المدينة ومكّة /  178 , القاهرة , دار المعارف / 1979 م .

 (2) تاريخ الطبري ، المرجع السابق 2 / 438 .

 (3) سورة النّور / 33 .


الصفحة (44)

ويقول ابن كثير في تفسير الآية(1) : كان أهل الجاهليّة إذا كان لأحدهم أمة أرسلها تزني ، وجعل عليها ضريبة يأخذها منها كلّ وقت .

ويضرب مثلاً لذلك بعبد الله بن أبي بن سلول : فإنّه كان له إماء ، فكان يُكرههنّ على البغاء طلباً لخراجهنّ ، ورغبة في أولادهنّ ورياسة منه فيما يزعم .

فهذا خمر ولهو وعزف قيان وبغاء ، وهذه مفاخرة يلتمس كلّ أسبابها بالحقّ وبالباطل معاً ، خدمة لأعراض العصبيّة , وكلّما قُويت معاني المفاخرة عدّت بدورها سبباً آخر للمفاخرة .

تمعّن معلقة عمرو بن كلثوم من بني تغلب يفاخر بكر بن وائل ، تقف على أعماق دخائل النّفوس التي شكلّتها قِيم العصبيّة ، وما جرته من حروب . يقول الشاعر في أثر هذه المفاخرة :

الهي بني تغلب عن كلّ مكرمة        قـصيدة قـالها عمرو بن iiكلثوم
يـفاخرون بـها مذ كان iiأولهم        يـا  لـلرجل لشعر غير مسؤوم

ونقتطف من هذه المعلقة ، قوله :

ورثنا  المجدّ من عليا iiمعد      نـطاعنُ  دونه حتّى iiيبينا
كـأنّ  سـيوفنا منا ومنهم      مـخاريق بـأيدي iiلاعبينا
ألا  لا يـجهلن أحد iiعلينا      فنجهل فوق جهل الجاهلينا

* * *

وقد عَلِم َالقبائلُ من مَعد      إذا  قببٌ بأبطحها iiبنينا
بأنّا المطعمون إذا قدرنا      وأنّا المهلكون إذا iiابتلينا

ـــــــــــــــ

 (1) تفسير ابن كثير , القاهرة , المكتبة التوفيقيّة .


الصفحة (45)

وأنّـا  الـمانعون لـما iiأردنا      وأنّـا  الـنّازلون بحيث iiشينا
وأنّـا  الـتاركون إذا iiسخطنا      وأنّـا الآخـذون إذا رضـينا
ونشرب إن وردنا الماء صفواً      ويـشرب  غيرنا كدراً iiوطينا
إذا  ما الملكُ سام النّاس iiخسفاً      أبـينا  أنّ نـقر الخسف iiفينا
لـنا  الدنيا ومن أمسى عليها       ونـبطشُ حين نبطش iiقادرينا
مـلأنا الـبر حتّى ضاق iiعنا      ومـاء الـبحر نـملؤه iiسفينا
إذا بـلغ الـفطام لـنا iiصبيٌ      تـخر لـه الـجبابرُ iiساجدينا

* * *

وقد تفهم للمفاخرة أسبابها وتقدر للمقارعة ظروفها ، وأمّا المعاظمة في المصائب ، فيصعب على المرء أنْ يسيغها إلاّ أنْ تكون الرغبة الجامعة في علوّ الذكر وذيوع الخبر ، وإشباع الكبر وإثبات الفضل ، ولو كانت سُبلها المصائب .

هذه هند بنت عتبة اُمّ معاوية بن أبي سفيان تُعاظم الخنساء بقولها(1) : أنا هند بنت عتبة أعظم العرب مصيبة ؛ ذلك أنّ عليّ بن أبي طالب (ع) وعمّه حمزة برزا في وقعة بدر لأبيها عتبة بن ربيعة ، وعمّها شيبة بن ربيعة وأخيها الوليد ، فقتلاهم جميعاً . فجعلت هند تَرد عُكاظ في الموسم ، تسوم هودجها براية ، تظاهر بها الخنساء وتعاظم العرب ، فتقول :

أبـكي  عـميدَ الأبطحين iiكليهما      وحـاميهما مـن كلّ باغ iiيريدها
أبي عتبة الخيرات ويحكِ فاعلمي      وشـيبة والـحامي الذمار iiوليدها
أُولـئك آل الـمجد من آل غالب      وفي العزّ منها حين ينمى iiعديدها

* * *

ـــــــــــــــ

 (1) أبو الفرج الأصفهاني ، الأغاني 4 / 211 ,  بيروت ,  دار الكتب العلميّة .


الصفحة (46)

وكلّ جماعة ـ سواء أوغلت في البدائيّة أو أصابت حظّاً من حضارة ـ تتعارف على معايير وضوابط تحكم به تعاملات أفرادها ؛ حفظاً لتماسك الجماعة وضماناً لاستقرارها , وقد يناط إعمال هذه الضوابط بقوّة خارجيّة تتمثّل في سلطة قاهرة على الأفراد ، أو بقوّة داخليّة تعتمد على تنمية الضابط الخفيّ لدى الفرد وحفزه بلا انقطاع ، ويتمثّل ذلك بالأساس في فكرة الدين .

فالدين نسق ينتظم قِيماً يتوقّع منها التأثير المباشر في معاملات الأفراد والجماعات , وبقدر تمثّل هذه القِيم تتحقّق المواءمة في المجتمع ، وتتحدّد بالتالي درجة التماسك .

وقد ذهب بعض علماء الاجتماع مثل تالكوت بارسونز(1) إلى اعتبار أنّ القِيم والمعايير تُمثّل محدّدات مطلقة للفاعل ، كما أنّها تخلق درجة من الانتظام والترابط بين وحدات السّلوك المختلفة ، بحيث يمكن القول : إنّ وحدات السّلوك المختلفة المشكلة لمختلف الأفعال الاجتماعيّة ، تسبح جميعاً في بحر من القِيم والمعايير .

وتنشأ مشكلة اللانظام ـ أو بتعبير آخر الصراع ـ عندما يكون نسق القِيم مُفترقاً عن درجة نضج المجتمع ، أو عاجزاً عن تمثّل غايات وحداته ، وكذلك في المقابل عندما تسعى إحدى وحدات المجتمع إلى درجة من الإشباع لا يحتملها النّسق .

وعلى الرغم من أنّ المجتمعات دائماً ما تستحدث لنفسها آليات تلقائيّة لإحداث توازن بنيوي مواصل ، إلاّ أنّ نجاح هذه الآليات رهين بكفاءتها

ـــــــــــــــ

 (1) د . أحمد أبو زيد ، علم الاجتماع بين الاتجاهات الكلاسيكيّة والنّقديّة / 121 , القاهرة , دار المعارف / 1984 م .


الصفحة (47)

ومعدّل سرعتها في الاستجابة ، وبالتالي فهي معرّضة للنجاح والفشل ، ومن هنا ينشأ الصراع .

وفي مجتمعنا هذا الذي ندرسه ، ربما كان حلف الفضول بمثابة إحدى هذه الآليات التي استحدثها المجتمع في محاولته الأخيرة للحفاظ على النّظام لمّا شاعت الفاحشة وعمّ الظلم ، فتداعت بعض فصائل المجتمع المكّي لإنشاء حلف الفضول ، وتعاهدوا ألاّ يقرّوا ببطن مكّة ظالماً , وفيه يقول عمرو بن عوف الجرهمي(1) :

إن الفضول تحالفوا وتعاقدوا      أن لا يـقر ببطن مكّة iiظالم
أمر  عليه تعاهدوا وتواثقوا       فـالجار  والمعتر فيهم iiسالم

وهذا يدلّنا دلالة مباشرة على أحد مظاهر الصراع داخل هذا المجتمع ، الذي أسهمت الجماعات ذات القوّة بكافة أشكالها بالنّصيب الأوفر في تحديد معاييره ، فمن الطبيعي إذاً تحقيق هذه المعايير لمصالح وطموحات هذه الجماعات خصماً من رصيد باقي المجتمع .

ومن هذا المنطلق سادت معاملات ماديّة وتجاريّة لا تتّصل بسبب بمعايير أخلاقيّة ، فكان هناك بيوع الغرر والنّجش ، وبيع الحاضر للبادي وتلقّي الركبان ؛ وكلّ هذه الأنواع تجمعها صفة واحدة ، هي : الختل والخديعة .

ولعلّ أخطر ما مارسه العرب في معاملاتهم الماليّة هو الرّبا فضلاً ونسيئة : تراكم المال المتّصل في أيدي حفنة قليلين ، وخسارة ونقص مستمرينِ في الجانب الآخر ، وأثرة تدعو لمزيد من الأثرة في جانب ، واضطرار يدعو للحنق والحقد في الجانب المقابل ، ممّا يعني في النّهاية توتر النّظام ككلّ ، وتعميق

ـــــــــــــــ

 (1) ابن الأثير ، المصدر السابق 1 / 570 .


الصفحة (48)

عوامل الصراع وانحسار المال دولة بين الأغنياء , ولعلّ في ذلك مكمن علّة العقوبة الفريدة التي أفردها النّظام الإسلامي لتلك المعاملة ، حرب من الله ورسوله بقوله تعالى : ( فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ )(1) .

يقول النّيسابوري(2) : إنّها نزلت في بني عمرو بن عوف من ثقيف ، وفي بني المغيرة من بني مخزوم ، وقِيل : كذلك في العبّاس وعثمان بن عفّان وخالد بن الوليد ، أنّهم كانوا يربون قبل فتح مكّة .

على أنّ الحقّ أنّ هذا المجتمع شأنه في ذلك شأن كلّ المجتمعات ، لمْ يكن خلواً قط من القِيم المعتبرة لدى كلّ المجتمعات ، أنّها قِيم خير . ولا يعني ذلك أنْ تجد لهذه القِيم تطبيقاً مباشراً في السّلوك ، ولكنّها قد تظلّ على مستوى المُثل العُليا التي يتواضع النّاس على احترامها وإنْ لمْ يُدركوها ، كما تظلّ قطب جذب لهم وإنْ بعدوا عنها .

مثال ذلك الكرم الذي يرى الباحثون(3) أنّه قِيمة مشتركة بين كلّ الشعوب الرعويّة ، والذي غلا فيه بعضهم كحاتم الطائي حتّى عُدّ كرمه مضرباً للأمثال .

ومثال ذلك أيضاً الأنفة وعلوّ الهمّة حمّى للذمار وإنْ أُطّرت ـ كما أسلفنا ـ بأُطر الحميّة العصبيّة الضيقة التي أفقدتها قيمتها الأعمق والأشمل ، وأبعدتها عن توظيفها من جلّ عافية المجتمع ككلّ ، ولكنّها مع ذلك ظلّت قابلة لهذا التوظيف ، خاصّة وقد ارتبطت بفطرة قويّة غير معوجة ، كما قال ابن خلدون .

ـــــــــــــــ

 (1) سورة البقرة / 279 .

 (2) النّيسابوري ، أسباب النّزول / 65 , القاهرة ,  مكتبة الجمهوريّة .

 (3) د . أحمد أبو زيد ، المرجع السابق .


الصفحة (49)

الباب الثاني

 بين الجاهلية والإسلام


الصفحة (50)

الجاهليّة اصطلاحاً ، هي : نقيض الإسلام ، وتدلّ على الحالة التي كانت سائدة في جزيرة العرب قبل بعثة النّبي مُحمّد (صلّى الله عليه وآله) ، وعلى الوثنيّة وعلى الفترة السّابقة للإسلام ، وعلى أهل هذه الفترة .

وقد أوردت دائرة المعارف الإسلاميّة(1) ، بالإضافة إلى التعريف السّابق بعض آراء المستشرقين ، ومعظمها يتقارب في المعنى .

هذا ميخائيليس يَرى أنّها : زمن الجهل ، وهي عين ما نُعتت به الأزمنة السّابقة للنصرانيّة في الفقرة / 30 من الإصحاح السّابع عشر من سفر أعمال الرسل .

بينما يُعرّف جولد تسيهر , الجاهليّة : الهمجيّة ، لمّا كان يرى أنّ الجهل ضد الحلم لا العلم .

وقد أوردت الدائرة معنى آخر يتعلّق باقتصار النّظر على الدنيا ، وذلك في معتقد الدروز لمّا كانوا يَرون أنّ الجاهل هو رجل الدنيا لا الدين .

وقد وردت لفظة الجاهليّة تحديداً في أربعة مواضع في القرآن الكريم ، حيث تتكامل معانيها لتُغطي هذا المفهوم من جميع جوانبه : ( يَظُنّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الحقّ ظَنّ الْجَاهِلِيّةِ )(2) .

ـــــــــــــــ

 (1) دائرة المعارف الإسلاميّة 11 / 14 , القاهرة , دار الشعب  .

 (2) سورة آل عمران / 154 .

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة