الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

 مراجعة وضبط النص موقع معهد الإمامين الحسنين (عليهما السلام)

لإعداد الخطباء والمبلّغين

حيث أخذ الموقع على عاتقه مراجعة النصوص والروايات الواردة في الكتب الحسينيّة وضبطها  قدر الإمكان ، من قبل كادر متخصص بالتحقيق والتقويم والتدقيق

  تنويه :

*

 اللون الأسود يشير إلى المتن .

*

 اللون القهوائي يشير إلى العناوين والأبواب والفصول .

*

 اللون الأحمر يشير إلى الآيات القرآنية .

*

 اللون الوردي يشير إلى الحديث القدسي .

*

 اللون الأزرق يشير إلى كلام المعصوم (عليه السلام).

*

 اللون الأخضر يشير إلى الشعر.

*

 اللون البرتقالي يشير إلى الهامش ورقمه في المتن .

*

 كلمة (موقع معهد الإمامين الحسنين) فيها إشارة إلى رأينا وتحقيقنا


الصفحة (1)

أبداً حُسين عليه السّلام

 

تأليف:

شريف راشد الصّدفي


الصفحة (2)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الكتاب : أبداً حُسين (ع) .

المؤلف : شريف راشد الصّدفي .

النّاشر : انتشارات المكتبة الحيدريّة ـ قم .

عدد الصفحات والقطع : 440 صفحة .

الطبعة : الأولى .

عدد المطبوع : 1500 جلد .

سنة الطبع : 1425 هـ . ق ـ 1383 ش .

المطبعة : شريعت .


الصفحة (3)

الإهداء :

مشهد لا يُفارق مخيّلتي منذ كنت طفلاً ، لا يكاد يميّز :

أبي يقرأ في تؤدةٍ أحداث مقتل الحُسين (ع) ، واُمّي تجلس

مستمعةً ، تتحسّر في أنينٍ متّصلٍ .

أشعرتني ـ قبل أنْ أعيَ ـ عبرات اُمّي ، كلّما ذُكر الحُسين (ع)

أنّ في الأمر شيئاً مُبهماً .. فبذلت العمر كيْما أجلوه .

فإلى روحيَهما اُهدي هذا العمل .

ربّ ارحمهما كما ربّياني صغيراً .

شريف راشد الصدفي


الصفحة (4)

ودَعَاء

إلى الله عزّ وجلّ أنْ يرزقني وولديّ الحُسين سَميّ جدّه الشّهيد ابن عليّ (ع) , وعمّار سميّ الشهيد ابن ياسر  , الشّهادة في سبيله .


الصفحة (5)

 

مقدّمة

كان من المفترض أنْ يكون هذا العمل دراسة أكاديميّة ، لنيل درجة جامعيّة في تخصّص المعتقدات الشعبيّه ، بعنوان : ( الحُسين بن عليّ (ع) في المعتقد الشعبي المصري ) ولكن حدث أمران أوّلهما :

أنّني لاحظت ملاحظتين أثناء البحث الميداني بتقنياته المختلفة ، الأولى : غياب ، أو بالأحرى تغييب الحدث الأساس المرتبط بالحُسين (ع) ، أعني الخروج والاستشهاد ، تغييباً يكاد يكون مطلقاً . والاُخرى لا تقلّ عنها غرابة : ملاحظة وقوع استبدال وخلط مصاحبينِ للإحتفاء بذكرى الحُسين (ع) حين تسود مظاهر احتفاليّة انشراحيّة في مواقف استدعاء الحزن النبيل . كلتا الملاحظتين تشيان بعدم البراءة ، ولكن يلمح فيهما من قريب توفّر ركن العمد .

 وأمّا ثاني الأمرين :

فاختلافي مع الأساتذة الأجلاّء المشرفين على تعاقبهم ، حيث أُريد لي قصر البحث على المرحلة الوصفيّة ، كما اختلفت معهم في زاوية الرصد .

كلا الاختلافين ربما لا يتواجدان في ظلّ مناخ أكثر سماحةً ، وتبييناً لمفهوم حريّة البحث العلمي .


الصفحة (6)

وكلا الأمرين دفعاني لإعادة صياغة خُطّة البحث ، وصرف النظر عن التقدم للدرجة الجامعيّة ، فالأمر أجلّ من نيلها وأخطر من تناولها من منظور ترفي ، مستعيضاً عن الدرجة بأرفع منها ... أنّني أنال شرف المساهمة في جلاء قضية الحُسين (ع) ... قضيّة الحقّ على مرّ الزمان .

على أنّني أتوجّه بهذا العمل على وجه الخصوص إلى إخوتي من أهل السنّة ، ولعلّهم يتريّثون في قراءته ويمنحون عقولهم فرصة تدبّر هادئ بعيداً قليلاً عمّا ألفوا عليه أنفسهم ، فالحقّ أحقّ أنْ يُتّبع , كما أرجو أنْ تشمل الفائدة إخوتي الشيعة الذين وجدتُ غير قليل منهم لا تتوفّر لديهم رؤية شاملة لأبعاد قضيّة الحُسين (ع) .

ذلك أنّ معظم الكتابات السابقة حول الحُسين (ع) تناولت ، إمّا المقاتل أو المناقب ، وهذه بطبيعتها وصفيّة عاطفيّة ، واُخرى وقفت نفسها على السرد التاريخي المجرد ، وهو على أهميّته القصوى مجرد مادّة خام ، وأقلّ القليل منها الذي غلب عليه الطابع التحليلي .

أيضاً فإنّ المجتمعات التي غلب عليها الفكر السنّي التقليدي ، مُورست فيها وسائل التعميّة والتهميش لقضيّة الحُسين (ع) ، بشكل يُقصيها عن أيّ محاولة لتأصيلها كمرجعيّة شرعيّة ، حتّى إنّ الجماعات الثائرة على أنظمة هذه المجتمعات ـ بغضّ النظر عن صحة أو خطأ مشروعاتها ـ لمْ تجد مخرجاً لمأزقها الناجم عن موروثاتها المحرّمة للخروج ، إلاّ التكفير الصريح لتحقيق التغيّر كما تراه .

ومن هُنا كانت هذه الدراسة تَعني بالدرجة الأولى بتقصّي أسباب انهيار الدولة الإسلاميّة ، ذلك الانهيار المتسارع المُذهل الذي دعا الحُسين (ع) في النهاية إلى خروجه المشهود .


الصفحة (7)

كما تستهدف استشراق مستقبل يفكّ فيه الاشتباك التاريخي بين السنّة والشيعة ، وهو الناجم في جزء كبير منه عن المعالجة المغلوطة للنصوص بما يُؤسّس وعياً توحيديّاً لبنية النظام الإسلامي .

ثمّ إنّني أحبّ ألاّ يفوتني أنّ أُسجّل هُنا عظيم تقديري لعَلمين إسلاميّين بارزين ، هُما : الشّهيد سيّد قطب والسيّد مرتضى العسكري ، جزاهما الله خير الجزاء على ما بذلاه من جهد ، انتفعنا به لسبر أغوار الحقيقة .

والحمد لله ربّ العالمين         

القاهرة في رمضان عام / 1421 هـ

شريف راشد الصدفي         


الصفحة (8)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مّن قَضَى‏ نَحْبَهُ وًَمِنْهُم مّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدّلُوا تَبْدِيلاً )(1) .

صدق الله العلي العظيم

***

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

( وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخادِعُونَ اللّهَ وَالذينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَتُفْسِدُوا فِيْ الْأَرْضِ قَالُوا إِنّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلاَ إِنّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لاَيَشْعُرُونَ )(2) .

صدق الله العلي العظيم

ـــــــــــــــ

(1) سورة الأحزاب / 23 .

(2) سورة البقرة / 8 ـ 12 .


الصفحة (9)

الباب الأوّل

تمهيد


الصفحة (10)

الظرف الطبيعي ـ الاجتماعي

لعلّه من نافلة القول ، إنّ دراسة مجتمع من المجتمعات تحتاج إلى نظرة شاملة في غير تعميم مخلّ ، وبحث مفصّل في غير إطراد مملّ ، واستقصاء وتمحيص بعدينِ عن التحيّز ، ثمّ الخلوص بعد ذلك كلّه إلى نتائج محدودة ظاهرة ، يتوخّى فيها القُرب من الحقّ والبُعد عن الهوى ؛ لتكشف لنا عمّا خفي وراء الأحداث ، ولتُعيد بناء العلاقات بينها كما كانت في وقوعها أوّل مرّة ، ولكنّها هذه المرّة من خلال منظار يستظهر ما خفي ، أو ما حاول البعض إخفاءه ، ويكبّر ما صغر أو حاول البعض استصغاره .

وقضيتنا هذه خليقة بهذا الضرب من البحث ، لمّا كانت غائرة في عمق التاريخ الإسلامي الحافل بتساؤلات جادّة لمْ يحظَ  سائلوها بإجابة بعدُ ، كما هي آثارها الممتدّة إلى واقع مجتمعاتنا المعاصرة .

وعلى هذا ، فإنّ دقّة البحث وأمانته تقتضي إجالة البصر في كلّ الزوايا ولو كثرت ، وحثّ السير في كلّ الدروب ولو تشعّبت ، والإمعان في تلمس الأسباب ولو بعدت ، كلّ ذلك في غير خشية ملامة في الحقّ ، مادام الحقّ رائدها .

والحقّ , أنّ قضيتنا هذه تتخلل جذورها عديداً من الطبقات وإنْ جمعتها تربة واحدة ؛ وذلك شأن كلّ قضية تتّصل بسبب باجتماع البشر معاً ـ فرُغم وحدة الموضوع ـ إلاّ أنّه ينتظمه العديد من الأنساق التي هي مكونات البنية الاجتماعيّة .


الصفحة (11)

أو قُل : إنّه دالة في متغيّرات متعدّدة ، كلّ متغيّر منها دالة في متغيرات اُخر ، وبذا فهو دالة في دوال .

هذه الدوال المستقلّة فرضاً والمتعلقة ببعضها , حقيقة هي المؤثرات الحقيقيّة في الموضوع محل البحث .

وهذه الدوال ـ الأنساق ـ هي : البيئة الطبيعيّة ( الأيكو لوجيا ) ، الاقتصاد ـ القرابة ـ الثقافة ، ثمّ مركّباتها من بعد .

ولقد كان لمضمون هذه العوامل ـ الأنساق ـ في البيئة العربيّة الأولى، الأثر البالغ فيما تلبسها من أحداث لازمتها ثمّ أعقبتها فيما لا يزال يتخلل حياتها حتّى اليوم. وحسبنا من ذلك ما أورده الباحثون من مثل أثر جدب بلاد العرب في جاهليتهم ، في دفعهم للإغارة وما تبع ذلك من حروب مبيرة , وأثّر ذلك في أغراض شعرهم حماسةً وفخراً وذكراً لأيّامهم , ثمّ ما استتبع ذلك من نسق قيِمي يعلي شأن العصبيّة بالدرجة الأولى ، وهي القرابة القريبة التي جرت فيهم مجرى الدماء في العروق ، ولمْ تخمد نارها لقرون تلت حتّى بعد أنْ حاول النظام الإسلامي تجفيف منابعها ، فلمْ تمتنع حتّى جرفت في طريقها النظام نفسه .

فلذلك ـ إذاً ـ نسق ( الأيكولوجيا ) وما كان له من آثار بعيدة ، ولكن لا يحسبن أحد أنّه القول الفصل في التشكيل الاجتماعي ، وإنّما ارتبط ذلك بمنطقة معيّنة في طور معيّن على مدرج تطوّرها , وهو ما يؤكّده علماء الاجتماع(1) من أثر البيئة يكون أوضح ما يكون في أشكال الحياة البسيطة والتقليديّة ، ثمّ تخفّ قبضة البيئة شيئاً فشيئاً مع اطراد التقدّم الثقافي الذي

ـــــــــــــــ

(1) د . أحمد أبو زيد ، البِناء الاجتماعي / 79 , الإسكندريّة , الهيئة المصريّة العامّة للكتاب عام / 1979 م .


الصفحة (12)

يُتيح قدراً متزايداً من السيطرة والتحكم في الظروف الطبيعيّة(1) , وآية ذلك في مثلنا السابق .

إنّ السبب البيئي للعصبيّة قد زال أو يكاد يزول لمّا غَشيهم الإسلام ، فعمّهم الرخاء بعد جدب ، وحلّ بهم الثراء بعد إدقاعٍ عندما أغنتهم الأنفال ووصلهم الخراج .

فقد زال ـ إذاً ـ السبب وبقي المسبب ، ولكن لعوامل اُخرى تتّصل بطبيعة البِناء النفسي الجمعي ، وطبيعة المرحلة التي كانوا يتجاوزونها ، وعوامل السياسة والمصالح .

البيئة العربيّة

تقع بلاد العرب أو شبه الجزيرة العربيّة في الطرف الجنوبي الغربي لقارّة آسيا ضمن ما يُعرف بـ ( منطقة الحزام الصحراوي الكبير ) , الذي يبدأ من الصحراء الكبرى في غرب أفريقيا ، ويمتدّ شرقاً ليشمل بلاد العرب ، ثمّ منطقة آسيا الوسطى الصحراويّة .

وتتكوّن بلاد العرب من عدّة مناطق يحسم تقسيمها العامل الجغرافي بالأساس ، فهذا جبل السراة الممتدّ من اليمن إلى أطراف بادية الشام ، يقسّم البلاد قسمين : غربيّاً وشرقيّاً .

 فالغربي : يهبط من سفح ذلك الجبل إلى شاطئ البحر الأحمر ، فيُسمّى بالغور لانخفاضه ، أو تهامة لحرّه .

 والشرقي : صعد إلى أطراف العراق والسماوة ، فيُسمّى نجداً لارتفاعه .

وما يفصل

ـــــــــــــــ

(1) فطن ابن خلدون من قبلُ لهذه العلاقة :  البيئة ـ الإنسان . ورأى أنّ للبيئة أثراً بعيداً في أبدان البشر وأخلاقهم وطبائهم ، وذلك في مقدمتيه الرابعة والخامسة من الفصل الأوّل من الكتاب الأوّل من تاريخه . كما انتقد في ذات الموضوع رأي المسعودي الآخذ عن جالينوس ، عندما حاول تعليل طبائع السودان بردّها إلى ضعف عقولهم الناشئ عن ضعف أدمغتهم .


الصفحة (13)

بين الغور ونجد ، يدعونه حجازاً لحجزه بينهما , أمّا ما ينتهي به نجد في الشرق حتّى يصل إلى الخليج من بلاد : اليمامة والكويت والبحرين وعُمَان ، فيُسمّى بالعروض لاعتراضه بين اليمن ونجد .

وما يمتدّ وراء الحجاز إلى الجنوب ، فيُسمّى اليمن , إمّا ليمنه أو لأنّه يقع جهة اليمين للناظر نحو مشرق الشمس ، كما اعتاد الأوّلون في تحديد اتّجاهاتهم .

وما بين آكام عُمَان الجبليّة ونجد تمتدّ منطقة شاسعة تُدعى بالربع الخالي .

وبذلك فإنّ تضاريس شبه الجزيرة العربيّة يغلب عليها الطابع الجبلي والصخري في الغرب والجنوب ، وتتحول إلى صحراء رمليّة فيما خلا ذلك .

هذا عن موقع البلاد وتضاريسها ، وأمّا الماء مصدر الحياة فقد توزع جود السماء والأرض به على أنواع ثلاثة :

أمطار غزيرة تصحب الرياح الموسميّة صيفاً ، وتهطل على جبال اليمن في الجنوب ، فتحمل معها مواداً غرينيّة ومعدنيّة تخصب السهول والوديان وتجعلها صالحة للزراعة .

أمطار قليلة ونادرة في سائر بلاد العرب ، ولكنّها على قلّتها كافية لإنبات الكلأ الذي يُمكّن من الرَعي .

مياه جوفيّة تتبدّى في آبار وعيون ، وخاصّة في منطقة الحجاز ، وإنْ توزّعت شمالاً وجنوباً ممّا أتاح نشوء الواحات المتفرّقة .

علاقات الإنسان ـ البيئة

تتداخل أنساق البِناء الاجتماعي وعلى الأخصّ في المجتمعات التقليديّة ـ كما أسلفنا القول ـ تداخلاً شديداً بحيث يتعّذر الفصل بينها لأغراض الدراسة ،


الصفحة (14)

إلاّ أنّنا نحاول هنا قدر الإمكان تَتبّع التأثير والعلاقات المتبادلة بين الإنسان والبيئة ، لمَا كنّا نظنّ أنّ الكشف عن هذه العلاقات المحتملة ـ ونؤكّد على احتماليّتها ـ وِفْق مقتضيات منهج البحث العلمي ستفيدنا في الإعانة على فهم ما سيجدّ من أحداث .

1 ـ فقد كان لغزارة المطر الجنوبي وصلاحيّة الأرض للزراعة أنْ توفرت الشروط الموضوعيّة الكافية لإقامة مجتمعات مستقرّة تعتمد الزراعة نشاطاً رئيسيّاً لها .

ثمّ إنّ هذه الظروف شحذت هِمم القوم للحفاظ على منبع الخير هذا، فاستحدثوا الوسائل الماديّة التي تُمكّنهم من تجميع المطر وضبط صرفه، ممّا نشأ معه نظام ري متقدّم, ولعلّ سدّ مأرب خير دليل على ذلك .

وإلى هُنا ، فإنّ وفرة العيش والنزعة الإيجابيّة في التعامل مع الظرف الطبيعي والشعور بالاحتياج المشترك لنظام عام للضبط , تبلور في نمط للإنتاج ، ساعد على التطوّر بما نشأت معه حضارات ودول مركزيّة في تلك المنطقة من بلاد العرب ، فكانت هناك دول : أوسان , ومعين ، وحضر موت ، وقتبان , وسبأ(1) .

وبالإضافة إلى منتجات اليمن الزراعيّة ذات القيمة التجاريّة العالية : كالصبر والبخور والصمغ ، فقد ساعدها موقعها الجغرافي لتكون مركز تجارة واسع المدى ، تجمع إليه تجارة شرق أفريقيا والهند وما وراءها من : توابل وذهب وعاج ، وأبنوس وحرير صيني , إضافة إلى إنتاجها الأصلي من الأحجار الكريمة : كالعقيق والعنبر واللؤلؤ .

ـــــــــــــــ

(1) د . مصطفى العبادي ، تاريخ العرب قبل الإسلام  ـ بيروت ـ كريديه إخوان ، د . ت .


الصفحة (15)

وذاعت شهرة اليمن في الآفاق حتّى تحدّثت العرب عن حضارتها الراقية ، ومدنها المشيّدة وقصورها المنيفة ، وحللها اليمانيّة ذائعة الصيت , حتّى أطلق عليها الأقدمون : اليمن السعيد , أو ( ARABIA FELIX ) بالرومانيّة ، وحتّى حدّث القرآن عن عظمة إحدى حضاراتها سبأ : ( فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإِ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنّي وَجَدتّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلّ شَيْ‏ءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ )(1) . ( لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِن رّزْقِ رَبّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيّبَةٌ وَرَبّ غَفُورٌ )(2) .

ولعلّ تلقيب أشراف اليمن بـ ( الأذواء ) ، ذو دلالة على شأن حضارتهم ، إذ إنّهم لمّا تنافسوا في تشييد الدور وولعوا بإقامة القصور من فرط الخير وسعة الثراء ، جعلوا يُلقّبون أنفسهم بإضافة ( ذي ) إلى القصر أو المحفد ، مثل : ذي المغلس ، وذي يزن(3) , على أنّ الأيّام كعهدها لمْ تدمْ لهم ، فرُزئوا بسيل العرم الذي أغرق أرضهم وخرّب ديارهم ومزّق جمعهم ، فكانت هجرتهم إلى الشمال منتصف القرن الخامس قبل الميلاد .

2 ـ في الوقت الذي تنزّلت السماء على أهل الجنوب مدراراً ، شحّت على أهل الشمال فحدّدت النشاط الذي يُمكّنهم القيام به ، وهو الرَعي بالأساس . وهكذا تعين الفلك الذي يضطربون فيه وهو منابت الكلأ ، يردّدون بين مواطنه ماشيتهم , يخرجون في مواسم المطر يتتبّعون مواضع القطر ، يلتمسون فيها غذاءً لماشيتهم , فإذا انتهى الموسم عادوا أدراجهم إلى مساكنهم الأولى

ـــــــــــــــ

(1) سورة النمل  / 22 ـ 23 .

(2) سورة سبأ / 15 .

(3) تاريخ العرب ، مصدر سابق / 54 .


الصفحة (16)

حتّى يحول الحول , وهم في ذلك يتعيّشون على نتاج ماشيتهم ونوقهم ذات المثل الأعلى في التكيف مع البيئة ، فيأكلون لحومها ويشربون ألبانها ويلبسون أوبارها , فلا صِناعة ولا زِراعة ولا تِجارة ولا ملاحة ، وتلك خصيصة المجتمع البدوي في أبسط أشكاله , في هذا المجتمع البدوي الذي يسدّ أهله حاجاتهم من قريب ، ويعتمدون اعتماداً مُطلقاً على ما تجود به السماء ، دونما بذل لجهد أو معالجة لقوى الطبيعة ، تعمل النزعات السلبيّة عملها في نفوس أهلها ، فلا هم ينشطون للاستزادة من خير ، ولا هم ينزعون لمصادر اُخرى ، ولا هم يقدحون أذهانهم بحثاً عن رُقي ، وإنّما حسبهم ما يسدّ حاجتهم من أقرب طريق , ومثل هذا الضرب من الحياة لا يُنشئ حضارة ولا يرقّي اُمماً .

فإذا عرفنا إنّ مثل هذا النشاط الرعوي لا يُجدي معه قرار في مكان مع ما يستتبعه من ضآلة السكان ، عرفنا لماذا لمْ يكن لهم من كيان ، فلا دولة ولا شبه دولة كالذي عرفنا في الجنوب , فإذا أعوزتهم الحاجة وقصرت مواردهم عن الوفاء بمتطلباتهم ، لجأوا إلى الغارة والسلب ، وإذاً فهي الحرب المستمرّة والثارات المتعاقبة ، وذلك يتطلب قوّة ، والقوّة في الجماعة ، وإذاً فهي القبيلة المنعة والملاذ ، وهي الحميّة وهي العصبيّة .

3 ـ وبين هؤلاء وهؤلاء قوم تفجّرت من تحت أرجلهم عيون ، وزادوها آباراً احتفروها بأنفسهم ، فنشأت واحات مستقرّة توزّعت بين الجنوب والشمال : كمكّة ويثرب . فكانت محطّات على طُرق التجارة , وهنا نشأ نوع آخر من النشاط , فمن الناس مَن عمل هادياً وسائقاً وحارساً للقوافل ، ومن القبائل مَن اتّخذت نفسها حامية للقوافل المارّة بها نظير جعل مقرّر , ومن القبائل مَن اتّجرت لنفسها بنفسها كقريش بمكّة ، وفي ذلك يحدّثنا القرآن :


الصفحة (17)

( لإيلاَفِ قُرَيشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشّتَاءِ وَالصّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبّ هذَا الْبَيْتِ * الذي أَطْعَمَهُم مِن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِنْ خَوْفٍ )(1) .

والتجارة كرأس مال عامل تحتاج في حفظها إلى مناخ آمن وطمأنينة شائعة ، وهذا ما توفّر لمكّة على وجه الخصوص ، أنّها كانت حرماً آمناً ، وكعبتها مثابةً للناس ومزاراً , ثمّ كانت الأشهر الحُرم التي تواضعوا عليها حفظاً لهذا النشاط أنْ يدوم .

والتجارة في النهاية واسطة بين منتج ومستهلك ، بما يعني ذلك من اتّصال بين الأقوام ، وما يستتبعه من تفاعل بين الثقافات ، وما يتطلّبه من معرفة بالألسن .

فإذا كانت الزراعة مانعة من الانتقال، وكانت البداوة في صحراء شاسعة حاجبة لأهلها من غيرها من الاُمم ، فقد كانت التجارة واسطة العرب في معرفة الاُمم الاُخرى , على أنّ التجارة تصيغ ممارستها صياغة خاصّة ، وتُضفي عليه سمات مميّزة غير تلك التي للبدوي الظاعن والزارع المطمئن . وهذا ما سنعود ـ إنْ شاء الله ـ لبحثه من بعد تلمّسٍ لمفتاح من مفاتيح فهم ما اُستغلق من صراع مستعر نخر في عظام هذه الاُمّة حتّى اليوم , على أنّنا في هذه الجولة ، عنّ لنا سؤال خطير لمْ نظفر له بجواب حتّى الآن ، وهو : لماذا كان هناك عداء مُستحكم مُرّ بين عرب الشمال وعرب الجنوب ؟

لن نسرع هنا بالبحث عن جواب ، وإنّما نُرجئ ذلك إلى ما بعد دراسة نسق القرابة ، فلعلّنا نظفر منه بجواب .

ـــــــــــــــ

(1) سورة قريش / 1 ـ 4 .


الصفحة (18)

نسق القرابة

الواقع إنّ دراسة المجتمعات التقليديّة ومنها المجتمع القبلي ـ الذي هو محلّ دراستنا الآن ـ يحتاج إلى وقفة متأنّية كلّ الأناة لتناوله ؛ ذلك أنّ علاقات القرابة فيه تتشج بغيرها من علاقات البِناء الاجتماعي بوشائج شتّى حتّى يكاد يكون من المستحيل فهم الأخيرة دون الرجوع إلى الأولى . ومجتمعنا هذا بدوي وما كان منه من الحواضر , فإنّ أصله بدوي أو كما يقول ابن خلدون : البدو أصل للحضر ومتقدّم عليه(1) .

ومثل هذه المجتمعات تشترك ـ وإنْ اختلفت في بعض تفاصيلها ـ في خصيصة واحدة تتمثّل في كونها تقع ضمن نظام متماثل في التناسل وطبقاته وتعاقب الأنساب فيه ، وذلك هو النظام الذي تُطلق عليه البحوث الأنثربولوجية اسم : (2)( نسق البدنة الانقساميّة ـsegmentary lineage system). بمعنى : الجماعة القرابيّة الكبيرة المعقّدة التي لا تزال تنقسم إلى وحدات أصغر فأصغر .

ونحن إذا حاولنا تتبّع أصل العرب في تسلسلهم ، وجدنا أنّ أغلب الآراء فيه ظنّيّة ؛ لقلّة الشواهد التاريخيّة والآثار المادية التي وصلت إلى أيدي الباحثين المحدثين ، كما أنّ الأقدمين اعتمدوا في تأريخهم على ما نما إلى عملهم من روايات شفهيّة وبعض المدوّنات القليلة ، كأسفار التوراة .

يزعم المؤرّخون(3) أنّ العرب ينتمون إلى خليط من جنسين ، هُما : الجنس

ـــــــــــــــ

(1) ابن خلدون ، التاريخ  1 / 103  ـ بيروت ـ مؤسّسة جمال .

(2) د . أحمد أبو زيد ، المرجع السابق / 323 .

(3) كارل بروكلمان ، تاريخ الشعوب الإسلاميّة 11 / 15 ، تعريب نبيه أمين ومنير البعلبكي ـ  بيروت ـ  دار العلم للملايين / 1988 م .


الصفحة (19)

الشرقي أو الإيراني ، وجنس الشرق الأدنى أو الأرمني . وأنّ الأخير انتشر في زمن ما نحو الجنوب , ومنذ الألف الثالث قبل الميلاد نزحت جماعات من شعوب الجزيرة العربيّة نحو الشمال .

وهم يُرجعون أصل العالم بعد الطوفان إلى أولاد نوح ، وهم : سام أبو العرب ، ويافث أبو الروم ، وحام أبو الحبش والزنج . ثمّ إنّهم يُقسّمون العرب بعد ذلك إلى ثلاثة أقسام :

بائدة : وهم الذين درست أخبارهم ولمْ يبقَ من ذكرهم إلاّ أقلّ القليل ، كعاد وثمود .

عاربة : وهم أهل الجنوب اليمنيّون ، وينتمون إلى يعرب بن قحطان المذكور في التوراة ، باسم يارح بن يقطان .

مستعربة : وهم ولد إسماعيل بن إبراهيم ، والذي صاهر جدّهم ، ولمْ يُعرف من بَنيه ـ على وجه التحقيق ـ سوى عدنان ، وهو أبو عرب الشمال .

فالعرب إذاً : عدنانيّة وهم أهل الشمال , وقحطانيّة وهم أهل الجنوب ، وعلى ذلك سار كلّ المؤرخين .

على أنّ ذلك ـ أيضاً ـ لا يُغنينا ، فإنّا نحتاج إلى شيء من التفصيل كيْما نُدرك طبيعة العلاقة بين عرب الجنوب وعرب الشمال ، فربما أفادنا في الإجابة على سؤالنا الأوّل .

يسعفنا في مهمّتنا هذه الطبري(1) فيما رواه من سلسلة نسب ولد نوح ـ كما نقله عن التوراة فيما يقول ـ وقد أفرغنا الرواية في الشكل البسيط التالي :

ـــــــــــــــ

(1) أبو جعفر الطبري ، تاريخ الرسل والملوك 1 / 210  ،  تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم ـ  القاهرة ـ  دار المعارف 1977 م .


الصفحة (20)

سلسلة نسب العدنانيّة والقحطانيّة


الصفحة (21)

أوّل ما نلاحظ في سلسلة النسب السابقة أمران ذوا خطرٍ :

أوّلهما : أنّ العدنانيّة وُلد إبراهيم ـ في إحدى السلسلتين من عابر ـ كان فيهم كعبة العرب بمكّة ، كما كان فيهم النبوّة والكتاب .

وثانيهما : أنّ اللخُميين من قحطان ، وهوالذي سكن الجنوب ، قد عرفنا منازلهم بالحيرة من تخوم فارس بالشمال .

فالأمر إذاً ليس كما أسلفنا في تبسيط عرب الجنوب والشمال ، وإنّما لا بدّ أنّه أعمّ من ذلك وأكثر غوراً ، خاصّة وقد علمنا من التاريخ أنّه كانت هناك إحنٌ وضغائن غلبت في الأعمّ على قبائل الشمال ، وظهرت جلية واضحة في كلّ الأحداث التي تلت من بعد .

عرفنا ذلك في الجمل ، وعرفناه في صفّين ، كما عرفناه في حكومة الأشعري وابن العاص , فإذا كان الأمر كذلك ، فلا بدّ إذاً من تعديل صيغة السؤال لتنحية القسمة الجغرافيّة واستبدالها بعلاقة الانتماء ، أي : السؤال عن علّة الصراع بين مَن ينتمون لعرب الشمال ، ومَن ينتمون لعرب الجنوب على اختلاف منازلهم .

إنّ إدراك هذا المطلب يتطلّب منّا البحث في أمرين :

أوّلهما : الاستمرار في تعقّب أنساق الأنساب حتّى استقرارها ، وعدم الرضا بالوقوف عند حدّ قسمة العدنانيّة والقحطانيّة .

وثانيهما : الإيغال في معرفة منازل شعوب العرب ، واضطراب قبائلها في الأقاليم وتوزّع بطونها في الأنحاء ، أو ما يسمى : بالمورفولوجيا الاجتماعيّة .

ولعلّه ممّا يفيد معرفةً ، أنّ العرب ترتب نفسها على ستِّ طبقات :

1 ـ شعوب : ومفردها شعب ، مثل : ربيعة ومضر ، والأوس والخزرج .

2 ـ قبائل : وهي دون الشعب ، مثل : بكر من ربيعة .

3 ـ عمائر : ومفردها عمّارة وهي دون القبيلة ، مثل : قريش من كنانة .


الصفحة (22)

4 ـ بطون : واحدها بطن ، وهي دون العمّارة ، مثل : قصي .

5 ـ أفخاذ : واحدها فخذ ، وهم دون البطن ، مثل : هاشم .

6 ـ فصائل : وهم عشيرة الرجل ورهطه الأدنون ، مثل : بني العبّاس .

ونستعين في استخلاص شجرات الأنساب ، ومعرفة منازل القوم بنتائج إحدى الدراسات الحديثة : ( أطلس تاريخ الإسلام )(1) .

ـــــــــــــــ

(1) د . حسين مؤنس ، أطلس تاريخ الإسلام ,  القاهرة , الزهراء للإعلام العربي ، عام / 1987 م .


الصفحة (23)


الصفحة (24)


الصفحة (25)

ونحن إذا تفحّصنا سلاسل الأنساب وتتبّعنا حركات القبائل ، نجد أنّ الحركة أخذت دائماً اتّجاهاً واحداً من الجنوب إلى الشمال ، فبينما سكن ولد عدنان شبه الجزيرة من غير اليمن ، فإنّ ولد قطحان سكنوا اليمن ثمّ غشوا ولد عدنان في شمالهم .

فهذان الشعبان الرئيسان : ربيعة ومضر من عدنان ، تتوزّع أشهر قبائلهما في الشمال على النحو التالي :

أسد من ربيعة ، ويسكنون وادي الرمة .

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة