|
الصفحة (426)
وحِيكت المؤامرات ، وبُذلت
الولاية رشوة ،
وكذلك رُفعت المصاحف على أسنّة الرماح : أنَّ الحكم لله .
وأطيح برؤوس بقايا الثورة ، ودُفنت طهارتهم
مقيدّة بالأغلال جامدة عليها دماؤهم في مرج عذراء
، والبيّنة عليهم معدّة سلفاً ،
يشهد عليها قرّاء
المصرين : أنّهم كفروا كفرة صلعاء .
والأرزاق بيد السلطان ، إنْ شاء منح ، وإنْ
شاء منع ، والنفوس مرتجفة حتّى لتستبق التهافت من فرط الوجل ، فشعار
المرحلة : انج سعد , فقد هلك سعيد .
فهكذا أرادها ابن سميّة ، أمين الخليفة الصحابي
ابن هند
, وتجيّش الجيوش
وتبعث البعوث لتقيم إمبراطوريّة ، ولكن باسم الفتح والجهاد في
سبيل الله .
ويُستعلى العنصر العربي وتستذلّ الموالي
، ومَن يأمل في المساواة كما كانت أوّل مرّة يرمى بالزندقة والشعوبيّة
، فالعرب
مادّة الإسلام .
ويطول الأمد ، فتقسو القلوب ، وتخرب
النفوس ، ويشيع السوء ، حتّى يصير هو السمة الغالبة ، ذلك كان حال القوم ساعة كربلاء .
تلبيس في تدليس ... تدجيل في تضليل ...
تزييف في ثوب الحقيقة التي أوشكت على الضياع .
ها هنا خرج الحُسين(ع) ... وها هنا دور
الحُسين(ع)
.
لقد كان الحُسين(ع) رهين عجزين ـ كما يقول علي
شريعتي (1) ـ عجز عن
ــــــــــــــ
(1) د . علي شريعتي ، عن
التشيع والثورة ، ترجمة د . الدسوقي شتا
/ 184 ـ القاهرة ـ دار
الأمين / 1996 م .
الصفحة (427)
الإذعان والصمت إزاء الاستبدال الكلّي
للإسلام ، وعجز عن الثورة الشاملة ، بهدف التغيير الجذري ، عودة للأصول
المحمّديّة .
لمْ يكن أمام بقيّة النبوّة ، ووارث إمام
المتّقين وسيّدة نساء العالمين ، إلاّ ذلك الاختيار النابع من
أعماق الوعي بحقيقة
الرسالة وشموليّة الرؤية الكونيّة
، إنّه اختيار
المنهج الفريد بكلمة واحدة :
الشهادة .
والشهادة تعني الاختيار الحرّ في أكثر
لحظات الإنسان كثافة وعياً بذاته . فهي ليست موتاً بالاضطرار ولا مصادفة ، ولكنّها
الاختيار الأخلاقي القيمي
المتعالي على البواعث
الماديّة .. إنّها التجاوز الحرّ أو
النفي ـ بالتعبير الهيجلي ـ لأخصّ خصائص الإنسان وهي حفظ الذات ، وحبّ البقاء .
إنّها الانفلات الواعي من
قيود وضرورات الطبيعة تغليباً للقيمة على الغريزة ، وهنا يكمن
المعنى الجوهري للحريّة
، أو هي
الحريّة في أرقى تمثلاتها الكيفيّة ، والتي لا تقتصر على ما تقدمه
المفاهيم
(الليبراليّة) السائدة من طرح صوري سلبي للحريّة ، بمعنى عدم وجود عوائق خارجية
للحركة ، كما يقول هوبز .
والشهادة ـ بما هي كذلك ـ شكلت تواصلاً
تاريخيّاً لفعل النخبة ، بل نخبة النخبة ـ أو أكثر الناس لا يعلمون ـ وبهم حفظت
راسيات الحياة أنْ تميد بها الأرض ، كلّما أشرفت على الهلاك بالفعل
المعاكس لها ، وهو
تغليب الغريزة على القيمة . وبذلك ظلّت تمثّل قطب الجذب الأبدي للشوق الإنساني نحو
الخلاص .
إنّ ممارسة الانعتاق الداخلي من ربقة
الضرورة لتسييد
الحقّ ، تشكّل جوهر الدرس الأبدي الذي قدّمه الحُسين(ع) للبشر أجمعين .
فطالما أنّ
كلّ نظام مستبدّ يجعل وسيلته
المثلى لإحكام قبضته وضمان هيمنته هي التفكيك والتجزئة لأيّة روابط جماعية ، بحيث
تصير الجماعة مجرّد
الصفحة (428)
جمع عددي لأفراد لا تفاعل بينهم ـ سواء
تحقق ذلك بالقهر أو بمخاطبة محال التوتر والضعف في الفرد إزاء حاجاته ورغباته ،
بحيث ينكفئ في النهاية على ذاته ، لا يمتدّ نظره إلى جماعة ، بل يقصر بصره على حلول
على المستوى الفردي ـ فهنا يأتي ردّ الحُسين(ع) الفذّ ، ليعلن بشهادته رفض النجاة الفرديّة
، والاستعلاء على إلحاحات
الذات ، أي : التحدي التامّ لأقصى ما تراهن عليه نظم
الاستبداد .
هذا إذاً درس مزدوج : للسلطان ، بإعلانه
سقوط رهانه الأخير ، وللناس ، أنّ بإمكانهم تحقيق ذواتهم بشكل كامل بالاستعلاء عليها
حال وعيهم التامّ .
ولو أنّ السلطان ـ
كلّ سلطان ـ وقع في روعه
أنّ هذه المكنة محتملة من قبل الناس ، ما أقبل طاغٍ على الطغيان ، وما أهلك ظالم نفسه
بظلم .
ولو أنّ الناس استوعبوا هذا الدرس ، وترسخ
في أعماقهم إدراك هذه
المكنة ، ما وجد مستبدّ أصلاً .
ومن ثمّ فإنّ خروج الحُسين(ع) في إطاره
الاستشهادي حدث جلل في تاريخ الإنسانيّة
كلّها ، ويبقى مردوده قابلاً للاتّساع
والتعميق بقدر اتّساع
المعاناة الجمعيّة بمضامين مكوّنات الدرس الحسيني .
لقد خرج الحُسين(ع) بالنساء والأطفال في
قوم تفرض تقاليدهم ، وتعلى من شأن حماية الذمار ، والذود عن الظعائن ، ولكن الحُسين(ع)
أراد أنْ يُعلم القوم أنّ الذود عن منظومة
الحقّ الكلّية أولى من التهالك على جزئيّاته ،
فالحقّ كلّ لا يقبل التجزئة .
وما أظنّ أحداً روّع في حياته بمثل مشهد
الحُسين(ع) في المواجهة ، وابنه الرضيع عبد الله في حجره ، فيرمي جلاوزة الطواغيت هذا
الرضيع بسهم يخترق عنقه ، فيستملئ الحُسين(ع) كفيه من دم فلذة كبده
المسفوح ، يخاصم به
الظالمين عند أعدل العادلين .
الصفحة (429)
فهذا أيضاً برهان درس التجرّد
المطلق له ،
فليس هناك بحال أمض على النفس ، ولا أوجع للقلب ، ولا أشدّ زلزلة للكيان
كلّه من
رضيعك يُذبح بين يديك ، ولكن الحُسين(ع) يأبى إلاّ أنْ يرتفع فوق
آلامه ، مهما برحت به
في سبيل الله .
ثمّ إنّ الحُسين(ع) خرج خروجه ذاك ، بعد أنْ ترك
الحجّ المندوب ، وفي يوم التروية ذروة
الموسم ، ليعلم الناس ألا ينساقوا وراء فقهاء
السلاطين الذين يزينون لهم الاستغراق في الشعائر فقط ، تجزئياً للدين ، ويرسمون لهم
طريق الخلاص عن طريق تكريس الفرديّة فيهم ، ويمنعون في إغراقهم في شكليّات أحكام
الفروع ، إلهاءً لهم عن حقيقة هذا الدين ، وتغريباً لهم عن واقعهم ألاّ يقتربوا من
منطقة السلطان الحرام
.
وبعد , لمْ يترك الحُسين(ع) لأحد فرصة الهروب
من السعي لإحقاق
الحقّ ، فقد سدّ جميع ثغرات التعلات ، وأغلق جميع أبواب فاسد
التأويلات ، ولمْ يبقَ إلاّ باب واحد يؤدّي
إلى النهج الذي سار عليه ، وهو الاستعباد لله وحده . وتلك هي حقيقة هذا الدين ، وتلك هي خلاصة شهادة أنْ لا إله إلاّ الله
، امتلاك الحريّة
المطلقة بالتفاني في العبوديّة لله ـ كما يقول
سيّد قطب ـ ونبذ كلّ ما
عداها ، ولو كانت ضرورات الحياة ، بل ولو كانت الحياة ذاتها . يقول الله تعالى :
(
قُلْ
إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ
وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا
وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبّ إِلَيْكُم مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي
سَبِيلِهِ فَتَرَبّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَيَهْدِي
الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ )(1)
.
تلك الحقيقة التي جسدها الحُسين(ع) بإقباله
على الشهادة ضدّ عوامل الطبيعة ،
ــــــــــــــ
(1) سورة التوبة
/ 24 .
الصفحة (430)
كانت ـ كما ذكرنا ـ تواصلاً تاريخيّاً
للمبدأ الواحد ، تمثّلها أناس أطلق الكشف سرح أرواحهم
لمّا تشبّثوا باليقين
، عند
تلك اللحظة الفارقة تبدّلت
الموازين ، ونُسخت
المعايير ، فلمْ تعد الدنيا أكبر الهمّ ،
ولا مبلغ العلم ، بل إعلاء
الحقّ أثقل ميزاناً من الدنيا وما فيها . عند تلك اللحظة
، تغيّرت دلالة مفردات اللغة ، فلمْ تعد كلمة
الموت تعني النهاية ، بل البداية بداية حياة سرمديّة طاردة لكلّ معاني الفناء والعناء لصاحب الكشف ، وجاذبة لكلّ من
عداه أنْ يتّخذ تلك اللحظة له
غرضاً ، وذلك هو المعنى العميق الكامن في كلمة الفداء ، ذلك هو الدرس :
الموت شهادة حياة .
يقول الله تعالى :
(
وَلاَ
تَحْسَبَنّ الذينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ
رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ
وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالذينَ
لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِن خَلْفِهِمْ أَلاّ خَوْفٌ
عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللّهِ
وَفَضْلٍ وَأَنّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ
الْمُؤْمِنِينَ
)(1) .
ولا نعني بالكشف الفدائي ما يمكن أنْ
يتبادر إلى الذهن من تلك التجربة الفرديّة الباطنيّة والرياضة الروحيّة ،
المؤدّية
إلى التماهي الوهمي الصوفي ، ولكنّه العرفان ، بمعنى الوعي التّامّ
المؤدّي إلى الاستمساك إلى القبض على اليقين بكامل الكيان حتّى الموت أو هو الموت وعياً .
تأمّل سحرة فرعون الطاغية ، وهو يتهددهم
لحظة الكشف أنْ آمنوا بربّ موسى : (
قَالَ
آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنّهُ لَكَبِيرُكُمُ
الذي عَلّمَكُمُ
السّحْرَ فَلَأُقَطّعَنّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِنْ خِلاَفٍ
وَلَأُصَلّبَنّكُمْ فِي جُذُوعِ
النّخْلِ وَلَتَعْلَمُنّ
ــــــــــــــ
(1)
سورة آل عمران
/ 169 ـ 171 .
الصفحة (431)
أَيّنَا أَشَدّ عَذَاباً وَأَبْقَى
)(1) . فما كان جوابهم إلاّ الاستعلاء على ذواتهم وآلامهم وما هم مقدمون عليه من
العذاب ، والاستغناء عن رغد العيش في كنف فرعون : ( قَالُوا
لَن نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيّنَاتِ وَالذي فَطَرَنَا فَاقْضِ
مَا أَنتَ قَاضٍ إِنّمَا تَقْضِي هذِهِ الْحَيَاةَ الدّنْيَا
)(2) .
وفي قصّة أصحاب الأخدود لنا مثل ، يتكرّر
فيها مشهد التعالي على الألم والإقبال على التحريق بالنار على ألاّ يتخلّوا عن اليقين
.
وكذلك مؤمن آل ياسين ، ينصح قومه وهم
يكفرون ، فيستشهد ويرى موقعه من
الجنّة لحظة الكشف البارقة .
ولمْ تكن أسطورة أوزيريس منذ فجر التاريخ
الإنساني إلاّ تعبيراً عن الإدراك الفطري لهذا
المعنى : الطريق إلى النور حالك
الظلام . يقطّع أوزيريس أشلاء
تتخلّط بالتراب من أجل الخصب والنماء ، مطلق الطهارة
شرطه الغسل بالدماء ، وربما لهذا لا يغسل الشهيد في الإسلام ، فدماؤه أزكى من
كلّ الأمواه .
وهذا النبيّ يحيى يُذبح متعبداً ، ويقدّم
رأسه على طست لبغي بني إسرائيل ، على ألاّ يخالف
الحقّ .
وفي التراث
المسيحي ، يعدم ثمانمئة ألفٍ
قبطي على يد طاغية الرومان
الإمبراطور دقلد يانوس أنْ آمنوا(3) .
وعن العلاقة الجدليّة بين موت الشهيد فداء
والحياة ، تقرأ في إنجيل يوحنّا :
ــــــــــــــ
(1) سورة طه
/ 71 .
(2) سورة طه
/ 72 .
(3) الأب متّى
المسكين ،
الشهادة والشهداء
/ 41 ، ط3 ـ القاهرة ـ مطبعة القديس أنبا مقار
/ 1987 م .
الصفحة (432)
الحقّ أقول لكم إنّ حبّة الحنطة التي تقع
على الأرض إنْ لمْ تمت فإنّها تبقى وحدها ، وإنْ ماتت أتت بثمر كثير
.
وبعد ، فقد تلا الحُسين(ع) قول الله تعالى ـ مخرجه من
مكّة راداً على أتباع يزيد الذين رموه بالخروج من الجماعة ـ : (
لِي
عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُم بَرِيئُونَ مِمّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ
مِمّا تَعْمَلُونَ
)(1) .
وقال الرسول (صلّى الله عليه وآله) :
(( ليس
لعين ترى الله يعصى فتطرف
حتّى تغير أو تنتقل )) .
وإنا لله وإنا إليه راجعون .
ــــــــــــــ
(1) سورة يونس
/ 41 .
الصفحة (433)
ملحق
مسألة خطيرة من فقه الخروج
الصفحة (434)
استحلال أموال النظام
هناك خبر تقصّه علينا كتب التاريخ ، وهو
على قدر كبير من الأهميّة فيما يتعلّق بفقه الخروج
, وهو على أهميّته وخطورته القصوى
لمْ يحظَ باهتمام الباحثين ، كما
لمْ يخضع لتحقيق المحقّقين .
يقول الخبر ـ فيما يروي
الطبري (1) عن خروج
الحُسين(ع) من مكّة خروجه الأخير متجهاً إلى العراق ـ : ثمّ إنّ
الحُسين(ع) أقبل حتّى مرّ بالتنعيم ،
فلقي بها عيراً قد أقبل بها من اليمن ، بعث بها بحير بن ريسان الحميري إلى يزيد بن
معاوية ـ وكان عامله على اليمن
ـ وعلى العير الورس والحُلل ينطلق بها إلى يزيد
, فأخذها الحُسين(ع) فانطلق بها
،
ثمّ قال لأصحاب الإبل :
(( لا أُكرهكم ، مَن أحبّ أنْ يمضي
معنا إلى العراق
, أوفينا كراءه وأحسنّا صحبته ، ومَن أحبّ أنْ يفارقنا من مكاننا هذا
, أعطيناه من الكراء على قدر ما قطع من الأرض
؟ )) .
إذاً رأى
الحُسين(ع)
أنّ أموال النظام حلّ له ولأصحابه الخارجين بالحقّ .
ولكي لا يلتبس
الأمر ، فهناك عدّة حالات
تحتاج إلى فرز وتدقيق فلعلّها تفي
المسألة حقّها من الإيضاح :
1 ـ في حروب عليّ
كلّها ضدّ البغاة كانت
أوامره الصارمة إلى جنوده(2) :
ــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري ، مرجع
سابق 5 / 385 .
(2) المرجع السابق 4
/
170 .
الصفحة (435)
(( لا تقاتلوا القوم
حتّى يبدؤوكم ، فأنتم
بحمد الله عزّ وجلّ على حجّة ، وترككم إيّاهم
حتّى يبدؤوكم حجّة اُخرى لكم ، فإذا
قاتلتموهم فهزمتموهم فلا تقتلوا مدبراً ، ولا تجهزوا على جريح ، ولا تكشفوا عورةً ،
ولا تمثّلوا بقتيل ، فإذا وصلتم إلى رحال القوم فلا تهتكوا ستراً ، ولا تدخلوا
داراً إلاّ بإذن ، ولا تهيجوا امرأة بأذىً ... )) .
إذاً لمْ يجز
الإمام عليّ (ع) السلب أو أخذ أموال
مَن حاربه على اختلاف توصيهم ، وهم : الناكثون ، القاسطون ،
المارقون ، إلاّ ما
أجلبوا به .
وفي رواية(1) عن النفس الزكيّة والحنفيّة
والشافعيّة :
أنْ لا يغنم منهم شيء .
ويؤكّد ذلك أنّ الناس في معسكر عليّ
(ع) يوم
الجمل ، أبدوا بعض التذمّر بقولهم : أتحلّ لنا دماؤهم ولا تحلّ أموالهم ؟
وربما يفسّر ذلك أنّ حروب عليّ
(ع) الثلاث :
الجمل ، صفّين ، النهروان
, ضدّ : الناكثين ، القاسطين ،
المارقين . على الترتيب ، كانت حروباً ـ سواء بتأويل
أو بغيره ـ من خارجين على الإمام الحقّ بإجماع السنّة
والشيعة . وقد رسم عليّ
(ع) حال خلافته حدود السلوك لجنوده حال النصر ، أنّه
لمْ يكن يسعى
إلاّ إلى درء الفتنة ، ولمّ شمل الجماعة على
الحقّ ، فلمْ يجز أخذ أموال الخارجين عليه
وإنْ هزمهم ؛ ذلك أنّه كان لا يرى فيهم ـ رغم خروجهم ـ خروجاً عن
الملّة من جملتهم
، بغض النظر عن حرابة قادة القاسطين .
يشهد بذلك توجّع عليّ
(ع) ـ رغم انتصاره ـ يوم
الجمل ، وصلاته على قتلى الناكثين ، وكذلك ردّه المتاع والعبيد والإماء(2) على
خوارجك يوم النهروان .
إذاً الإمام لا يأخذ أموال البغاة
المسلمين
.
ــــــــــــــ
(1) نيل الأوطار ، مرجع
سابق 7 / 170 .
(2) الطبري ، مرجع سابق 4
/ 88 .
الصفحة (436)
2
ـ إذا رجعنا إلى الوراء ، وإلى وقعة بدر
تحديداً ، نجد أنّ الله تعالى قد وعد
المؤمنين إحدى الطائفتين أنّها لهم : غير قافلة
قريش بقيادة أبي سفيان أو ملاقاة قريش حرباً .
يقول الله تعالى :
(
وَإِذْ
يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطّائِفَتَيْنِ أَنّهَا لَكُمْ وَتَوَدّونَ أَنّ غَيْرَ
ذَاتِ الشّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقّ
الحقّ
بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ
)(1) .
إذاً أموال الكافرين حلّ للمسلمين سواء
كانت غنيمة حرب أو مصادرة بغير حرب .
3 ـ وإذا رجعنا قليلاً إلى ما قبل بدر ،
وإلى يوم الهجرة ، نجد أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أمر عليّاً
(ع) أنّ يتخلّف بعده
بمكّة حتّى يؤدّي عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) الودائع التي كانت عنده للناس(2) .
نخلص ممّا سبق إلى نتيجة هامّة مؤدّاها
: أنّ
هناك فرقاً بين أموال النظام وأموال الأفراد ، أو
الأموال العامّة والأموال الخاصّة .
فقد حرص رسول الله (صلّى الله عليه وآله)
على أداء الأمانات إلى أهلها وإنْ كانوا كافرين ، وإنْ كان
المسلمون قد أخرجوا من
أموالهم وديارهم بغير حقّ ، بينما خرج الرسول (صلّى الله عليه وآله) في
المهاجرين والأنصار قُبيل بدر لإحراز غير قريش أنّها تخصّ النظام
كلّه .
ولا يحتجن أحد أنّ أموال قريش قد أحلّت في
حرب ؛ وذلك لأنّ
المسلمين إنّما خرجوا ابتداء لاعتراض القافلة ، فلمّا أفلتت كانت
الحرب ، وفيها أيضاًَ كانت غنيمة .
ــــــــــــــ
(1) سورة الأنفال
/ 7 .
(2) سيرة ابن هشام ، مرجع
سابق / 485 .
الصفحة (437)
ولا يحتجنّ أحد كذلك بأنّ
الموقف مع
الكافرين فيما يخصّ
الأموال ، اختلف بعد الإذن بالقتال : (
أُذِنَ
لِلّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنّ اللّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ
لَقَدِيرٌ
)(1) ، فإنّما يردّ ذلك ويؤكّد ما ذهبنا إليه من التفرقة بين أموال النظام وأموال
الأفراد ما جاء في سورة
الممتحنة ، من الأداء
المتبادل لأصدقة النساء بين
المسلمين
والمشركين في حالة هجرة النساء بين الجانبين من وإلى
المدينة .
يقول تعالى :
(
وَآتُوهُم
مَا أَنفَقُوا وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنّ
أُجُورَهُنّ وَلاَ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ
وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا
)(2) .
وكما لمْ يعرف
المسلمون تفاصيل الحقوق
والواجبات ، بين
كلّ من الإمام والبغاة إلاّ بالمرجعيّة إلى سلوك
الإمام عليّ (ع) في قتال
البغي ، فكذلك علم من مسلك
الإمام الحُسين(ع) أنّ أموال النظام الجائر حلّ للخارجين
بالحقّ وإنْ لمْ يوصف النظام بالكفر الصُراح .
ــــــــــــــ
(1) سورة الحج
/ 39 .
(2) سورة
الممتحنة / 10 .
الصفحة (437)
الفهرس
الباب الأوّل : تمهيد
|
|
|
|
|
10 |
|
الظرف الطبيعي ـ الاجتماعي |
|
12 |
|
البيئة العربيّة |
|
13 |
|
علاقات الإنسان ـ البيئة |
|
18 |
|
نسق القرابة |
|
35 |
|
البِناء القيمي ودلالاته |
الباب الثاني : بين الجاهلية والإسلام
الباب الثالث :
الأمويّة الحزب الأموي
|
71 |
|
قوّة الحزب وخطّته |
|
74 |
|
الخطّة والواقع |
|
82 |
|
السيطرة على النظام |
|
87 |
|
سيرة الحزب من قريب
حتى عهد
معاوية |
الصفحة (438)
النظام
الاُموي
|
93 |
|
الحقّ وحجّية الرجال |
|
104 |
|
النظام
الاُموي ـ المحاور والسمات |
|
104 |
|
نظام الحكم |
|
113 |
|
أمر معاوية وعمرو بن العاص |
|
123 |
|
قضية خطيرة : الخروج على عليّ
(ع) بغيٌ أمْ حرابة ؟ |
|
134 |
|
مسألة غريبة |
النظام الاُموي : أنساق الحياة الماديّة
|
139 |
|
مؤشرات النظام
الاستبدادي |
|
140 |
|
أ ـ كيفيّة انتقال السلطة |
|
153 |
|
ب ـ الرقابة على السلطة ، والموقف
من المعارضة |
|
169 |
|
ج ـ سياسة
المال |
|
175 |
|
قضيّة أبي ذر |
|
185 |
|
النظام
الاُموي ـ القيم والاتجاهات |
|
210 |
|
أسئلة مشكلة |
|
229 |
|
النظام
الاُموي والعصبيّة القبليّة |
|
244 |
|
غريبة كبرى من الغرائب |
|
246 |
|
مقاربة رياضيّة |
|
263 |
|
التفرقة بين العرب وأهل البلاد
المفتوحة وظهور الشعوبيّة |
الباب الرابع : خروج
الحُسين (عليه السّلام)
|
269 |
|
الخروج من المدينة
إلى مكّة |
|
271 |
|
الاستحلال الأوّل للحرم |
|
273 |
|
خروج
الحُسين(ع) إلى الكوفة |
|
275 |
|
أسباب الخروج |
|
284 |
|
هل كان الخروج على يزيد تحديداً ؟ |
|
291 |
|
شرعيّة الخروج على الحاكم الظالم |
|
336 |
|
لمَ كان الخلاف في حكّام الجور ؟ |
الحُسين (ع) ومناهج التغيير الاجتماعي
|
369 |
|
لماذا خُذِل
الحُسين(ع) ؟ |
|
411 |
|
أخطر أفعال الشيخين : اللاّيقين
المعرفي ـ الذرائعية |
|
418 |
|
الطاعنون على الدين يحتجون بأفعال
عمر |
المنهج الفريد
مُلحق : مسألة خطيرة من فقه الخروج
|
434 |
|
استحلال أموال
النظام |
|
438 |
|
الفهرس |
|