الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة (401)

وارتكسَ مَن ارتكس ، ونكصَ مَن نكص ، فلمّا دانت ساعة المواجهة وجد الداعين له هم الذين يحاربونه ، ولقي الأنصار المفترضين هم الذين يقاتلونه ، بلا أدنى مشكلة لديهم ، وبلا مواربة ولا حياء .

إذاً خدعتنا مقولة الفرزدق : قلوبهم معك وسيوفهم عليك . وأشعرتنا خطأً أنّ هناك انفصاماً لدى القوم ، وهو غير صحيح ، نتيجة عدم استشعارهم أصلاً أزمة فيما يقترفون .

لا بدّ إذاً من البحث عن تفسير آخر أكثر إقناعاً لمَا حدث .

لعلّنا نجد في تحليل شخصيّة الجماعة ما عساه يهدينا إلى إجابة . ونقول : إنّ الجماعة ـ كما الفرد ـ تتكوّن شخصيته من عناصر عدّة لا انفصال بينها في الواقع ، ولكنّها في علاقات تبادليّة وتخضع لتنظيم خاصّ هو الذي يميّز شخصيّة عن أخرى ، وبذا فإنّ الذات الشخصيّة هي في النهاية تنظيم ينتظم علاقات بين عناصر بشكل خاصّ .

وكذلك الجماعة ، ليست مجرّد تراكم بشري ، أي : ليست حاصل الجمع الحسابي للأفراد ، وإنّما هي نظام ذو ذات مفترضة(1) تكمن حيويّتها في كونها وعاءً لتفاعلات ( ديناميّة ) وتبدلات تماثليّة بين الأشخاص .

وهكذا فإنّ الشخص لا يعيش في فراغ ، ولا يسلك في استقلال ، كونه يعيش في جماعة ، بل إنّ هناك شبه تطابق بين سمات شخصيّة أعضاء الجماعة والسمات العامّة للجماعة ، وهو ما تؤكّده الدراسات الحديثة ، منها : نظرية كاتل ( Cattel ) في الشخصية العامّة للجماعة (Group Syntality Theory ) (2 ) .

ــــــــــــــ

(1) ديدية أنزيو ، الجماعة واللاوعي ، ترجمة د . سعاد حرب  / 6 ـ القاهرة ـ الكتاب للنشر / 1990 م .

(2) ما رفن شو ، ديناميّات الجماعات ، ترجمة د . مصري حنورة ودّ . محيي الدين أحمد  / 43 ، ط 2 ـ القاهرة ـ دار المعارف  / 1996 م .


الصفحة (402)

والسمات العامّة للجماعة ـ بما تتضمنه من علاقات تبادلية ـ دالّة في متغيّر أساسي يتعلّق بناموس الثقافة بمحتواه الواسع والمتضمن للقواعد النظريّة ، ونسق القيم ، والخبرات التطبيقيّة المتراكمة ، والتقاليد المتبعة ، ومكتسبات المواجهات في المواقف المختلفة .

كلّ تلك العناصر تعمل على مهل وتترسخ ، وتترسّب في مخزن عميق واسع هو ما أسماه يونج ( Jung ) باللاوعي الجماعي(1) .

علينا إذاً أنْ نفتّش في هذا المخزن العميق ، لعلّنا نجد ضالتنا تلك التي تجعل الأشخاص يقترفون الاثام دونما شعور بإثم ، ويأتون بأكبر الكبائر وكأنّها لمْ تبلغ حدّ الصغائر . والمشكل في كلّ ذلك أنّهم ليسوا بمغيّبين ، وإنّما مدركون لمعنى الخطيئة ، وواعون بحدّ الكبيرة .

لا أظنّ أنّه من العسير على أحد أنْ يضع يده مباشرةً على السبب ، إنّه في كلمة واحدة : التبرير ( Rationalisation ) ، فذلك ما مارسه الناس على مرّ الأزمان ، ويمارسونه اليوم ، وعلى امتداد الأرض .

والتبرير(2) هو التمويه على الباطل بما يشبه الحقّ ، هو عقلنة الضلال ، هو إضفاء الشرعيّة على المحرّمات ، وهو الحيلة الدفاعيّة التي يلجأ إليها لخداع الذات ـ قبل الأغيار ـ بغرض التنصّل من الالتزامات ، ونفياً للقيم والضوابط بليها هي ذاتها لحساب المتعارض معها من مصالح وأهواء .

وأنت لا تغلو إنْ قلت : إنّ أخطر ما أصاب دولة الإسلام وأصابها في مقتل ، هو تلك الحيلة الخداعيّة التبرير , فلمْ يعيها عدوّ خارجي ، ولا توالت عليها

ــــــــــــــ

(1) د . علي زيعور ، مذاهب علم النفس /  266 ، ط 5  ـ بيروت ـ دار الأندلس / 1984 م .

(2) أصول علم النفس ، مرجع سابق / 560 .


الصفحة (403)

كوارث طبيعيّة ، وإنّما فتك بها ذلك المرض العضال الذي باكرها ، ولم يزل بها ناهكاً قواها حتّى أسقطها وهي بعد لمْ تزل في المهد .

تلمح البداية الأولى في مخالفة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وهو حيّ في قضيّة بعث أسامة ، وفي عدم الانصياع لأمره بموافاته بدواةٍ وكتاب ليكتب للأمة ، ثمّ توالت التبريرات في السقيفة ، ثمّ على يد الخلفاء الثلاث ، مثل قضية : خالد ومالك على يد أبي بكر ، ومخالفة النصوص المحكمة على يد عمر ، والانحراف المالي والإداري في عهد عثمان ، ثمّ موبقات معاوية حتّى كانت كارثة كربلاء .

وفي مجتمع ساد فيه نظام شديد المركزيّة كالمجتمع الإسلامي الأوّل ، تتّضح فيه المشابهة بين نظام الدولة والسلطة الأبويّة ـ بالمصطلح الفرويدي ـ بما يعينه ذلك من مسايرة غير منطقيّة وإذعان وولاء وطاعة غير معقولة للسلطة ، حتّى وإنْ لمْ تفِ تلك السلطة بشرط الطاعة الحاسم وهو الإشباع ، فهاهنا تعمل عملها العلاقات الغير المرئيّة من التقليد والعادة .

فلمّا مُورس التبرير وبتكرار من السلطة الأبويّة ، وعلى مدى طويل نسبيّاً ـ بالنظر إلى مجتمع إسلامي وليد لمْ يتمثّل بعد واقعيّاً محدّداته النظريّة ـ انساب هذا المدرك من علٍ ، وتخلّل خلايا المجتمع ، وصار أحد مكوّنات اللاواعي الجماعي ، ليستحضر في أوقات الأزمات ، ويستظهر في أنماط السلوك الطفليّة تجاهها .

لا يحسبنّ أحد أنّ هذا التحليل غلوّ في تقدير القوّة النفسيّة ، فإنّ أشدّ الناس إلحاحاً على التفسير ( السوسيولوجي ) للظواهر يتّفقون وهذه النتيجة ، فالنظريّة الماركسيّة(1) تُؤيّد فكرة أنّ الإذعان للسلطة تعتمد على العادات والتقاليد

ــــــــــــــ

(1) د . اُوسبورن ، الماركسيّة والتحليل النفسي / 143 ، ط 2 ، ترجمة د . سعاد الشرقاوي ـ القاهرة ـ دار المعارف / 1980 م .


الصفحة (404)

والقبول النفسي لسيطرة طبقة ما ، نتيجة عمليات التربيّة الموجّهة والتطبيع الاجتماعي والتدعيم .

لنتذكّر المثل الصارخ على ما نقول فيما أسلفنا بيانه ، عن حادثة قتل عمّار بن ياسر في صفّين على يد جيش معاوية ، وتحقّق قول رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( تقتلك الفئة الباغية )) . فماذا قال معاوية ؟

قال : إنّما قتله الذين دفعوا به للقتل .

أفتراك تعجب إذاً عند سماعك أقوال قاتلي الحُسين (ع) إبّان المعركة(1) :

يقول شمر بن ذي الجوشن : يا حُسين (ع) ، استعجلت النار في الدنيا قبل يوم القيامة .

ويقول عبد الله بن حوزة : يا حُسين (ع) ، أبشر بالنار .

ويقول عليّ بن قريظة : يا حُسين (ع) ، يا كذاب ابن الكذاب .

ويقول عمرو بن الحجّاج لأهل الكوفة : يا أهل الكوفة ، الزموا طاعتكم وجماعتكم ، ولا ترتابوا في قتل مَن مرق من الدين ، وخالف الإمام .

وأنت تلاحظ الغلوّ والإسراف والفحش في تلك الأقوال للحُسين (ع) : أبشر بالنار ، الكذاب ابن الكذاب ، المروق من الدين . ويبلغ الغلوّ مداه بالفعل ، ليس اكتفاءً بقتل الحُسين (ع) ، وإنّما بالتمثيل به بجز رأسه ، والإصرار على دكّه بطناً وظهراً بسنابك الخيل . وتلك أيضاً خصيصة بارزة للتبرير : الغلوّ في سوقه ، تأكيداً لحاجة في النفس إمعاناً في الزيف وخداع الذات ، وكأنّه يُؤكّد لنفسه أنّه صاحب قضيّة جديرة بالاستغراق فيها .

ثمّ إنّك إنْ بحثت عن مبرّر التبرير ، لوجدت فوراً المصلحة الشخصيّة المباشرة ذات المدى الواسع ، لتشمل كلاًّ حسب طاقته ، فهذا عمر بن سعد بن

ـــــــــــــ

(1) الطبري ، مرجع سابق 5 / 424 وما بعدها .


الصفحة (405)

أبي وقّاص قائد قاتلي الحسين (ع) وصحبه ، يمنيه عبيد الله بن زياد ولاية الري ، إنْ كفاه الحسين (ع) . وهذا أحد القتلة وهو مروان بن وائل ، يقول : كنت في أوائل الخيل ممّن سار إلى الحسين (ع) ، فقلت : أكون في أوائلها لعلّي أُصيب رأس الحسين (ع) ، فأصيب به منزلة عند عبيد الله بن زياد . ولكن سنان بن أنس جعل لا يدنو أحد من الحسين (ع) إلاّ شدّ عليه مخافة أنْ يغلب على رأسه ، حتّى ذبحه واحتزّ رأسه ، ثمّ أتى به فسطاط عمر بن سعد منادياً بأعلى صوته :

أوقر ركابي فضةً وذهبا      أنـا قتلـت الملك المحجّبا

ولمّا دفع الرأس إلى خولي بن يزيد ليذهب به إلى عبيد الله بن زياد ، فبات به ليلته في بيته ، قال لامرأته : جئتك بغنى الدهر .

وهكذا استظهرت المصلحة القريبة الوقتيّة والمباشرة العمياء حيلتها تلقائيّاً من مخزونها اللاواعي ، وهي التبرير ، وصاغته في قالب يناسب نمط المرجعيّة السائد اسميّاً وهو الدين ، فكان التبرير هو : المروق من الدين بمخالفة الإمام .

ونحن نُعيد التأكيد على أنّ قولنا : تلقائيّة استخراج الحيلة إنّما يعني أنّه لو لا السوابق التاريخيّة الممارسة طويلاً من السلطة والراسخة في الأعماق ، ما كان يُمكن لهذه التلقائيّة أنْ توجد ، وما كان يُمكن سوق التبرير بمثل هذه البساطة الشديدة ، مرّةً اُخرى : لمْ يتح لهذا الدين المستكمل نظريّاً أنْ يُمكّن له في أرض الواقع بعد وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .

أيضاً نجحت السلطة في اللجوء إلى استثارة أشكال التفكير الطفليّة لدى الكتلة الشعبيّة للإبقاء على إذعانها ـ وهو ما أريد لها كذلك منذ وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله) ـ بالتعامل مع عوامل الاهتزاز ، في بنائها النفسي من مخاوف وقلق وأطماع وتردّد , يتّضح ذلك من خطّة عبيد الله بن زياد في تفريق الآلاف


الصفحة (406)

من أصحاب مسلم بن عقيل مبعوث الحُسين (ع) إلى الكوفة ، إذ لمّا أحاطوا بقصر ابن زياد , جمع الأشراف في قصره وقال لهم : أشرفوا على الناس ، فمنّوا أهل الطاعة الزيادة والكرامة ، وخوّفوا أهل المعصية الحرمان والعقوبة ، وأعلموهم فصول خروج الجنود من الشام إليهم .

فما كان إلاّ أنْ انفضّ الناس من حول مسلم ، وبقي وحيداً يتلدد في أزقة الكوفة لا يدري أين يذهب(1) . إذاً كان أهل الكوفة يناصرون الحُسين (ع) على حرف , وبذا خُسر آخر رهان لإحداث التغيير .

لمْ تكن القاعدة على مستوى الوعي الذي يُؤهلها للانفلات ممّا اعتادت عليه ، فضلاً عن الطموح لاستشراف مستقبل أفضل ، بالإضافة إلى استشراء الخراب في الأعماق بنائها الداخلي . يقول فان فلوتن(2) : لمْ يكن إخلاص العرب من أهل الكوفة لآل البيت بريئاً من جهاد كثيرة .

ويذكر أيضاً : أنّهم كانوا يقولون في الكوفة : مَن أعطانا الدراهم قاتلنا معه .  يدلّ على ذلك هذا البيت :

ولا في سبيل الله لاقى حمامه      أبوكم ولكن في سبيل الدراهم

وهكذا تضافرت عوامل تحقّق الحدث ـ الكارثة : كربلاء ـ من سيطرة النخبة القبليّة التقليديّة وهي قيد قبضة الحاكم ذي السيطرة الماديّة والنفسيّة ، إلى قاعدة شعبيّة متهرّئة مردت على الإذعان ، إلى انحسار الوعي والنضج في فئة قليلة

ـــــــــــــ

(1) الطبري ، مرجع سابق 5 / 371 .

(2) فان فلوتن ، السادة العربيّة والشيعة والإسرائيليّات في عهد بني اُميّة / 70  ـ 75 ، ط 2 ترجمة : د . حسن إبراهيم ، محمّد زكي إبراهيم ـ القاهرة ـ مكتبة النهضة المصريّة / 1965 م .


الصفحة (407)

للغاية كان من المفترض أنْ تكون الطليعة عن طريق تعظيم فاعليّتها في محيطها ، ولكنّها تمتّعت بمثاليّة لمْ يدعمها في الغالب حنكة ومراس .

على أنّ أخطر ما أسفر عنه هذا الحديث الجلل هو ذلك التشوّه الشديد الذي أصاب الشخصيّة العامّة للجماعة ، فلا هي تمثلت قيم الإسلام بتغليب الحقّ على الهوى ، ولا هي التزمت حتّى مقتضيات الحميّة الجاهليّة كما اُسلم وخُل هانئ بن عروة المستغيث بقبيلته ، وما من مغيث .

لقد أضحينا بإزاء مسخ شديد التشوّه ، تُحار في توصيفه على وجه الدّقة ، مجتمع يرفع راية الدين ، وسلطة تستمدّ شرعيّتها من هذه الراية ، واُناس يدّعون الورع حتّى الزهد ، وفقهاء يخيل لك أنّهم من الحيطة والحذر لدينهم حتّى تراهم يتدارسون حكم دم البرغوث يصيب الثوب , وشعائر تُقام في كلّ مكان ، وجيوش تنطلق في الاتجاهات الأربعة باسم الفتح ...

ومع كلّ هذا تجد نفوساً منطوية على نفاق لا تعرف له مثيلاً ، وخنوعاً وإذعاناً يترفّع عنهما العبيد ، وعبادة للدرهم والدينار تأبّت نفوس الجاهليّين عن مثلها ، وقهراً وجبروتاً من سلطة غاشمة تنافس أعتى نظم الاستبداد على مرّ التاريخ .

والجميع متواطئون على الضلال ، سواء الذين ولغوا مباشرةً في دماء الأبرياء أو الذين كانوا شهوداً عليهم دون حراك ، فكان أنْ اقترفوا ما تتصاغر إزاءه فظائع الرومان من قبل أو التتار من بعد ، القتل والذبح والتهافت على فصل الرؤوس والطواف بها على أسنّة الرماح في البلدان ، وسلب ودكّ الجثث بسنابك الخيل ، والهجوم على النساء ، وحتّى الأطفال وفيهم الرضع لمْ يُسلموا من القتل ، كعبد الله الرضيع بن الحسين (ع) ... وفيمَن يُفعل كلّ هذا في اُناس خرجوا مصلحين لمّا اُعوج من أمر هذه الاُمّة ليردّوها إلى الجادّة ، ناهيك عن كونهم عترة رسول هذه الاُمّة (ص) أهل بيته وحرمه .


الصفحة (408)

ومن هنا تتّضح حقيقة هذا الدين ، إنّه ليس مجرّد معتقدات خبيئه في الصدور ، ولا مجرّد شعائر تقام فرديّاً أو اجتماعيّاً ، فكلّ ذلّ يتصوّر حدوثه ، ومع ذلك تجد مجتمعاً فاسداً ، ولكن هذا الدين ـ بالدرجة الأولى ـ هو النظام ، الذي يسود المجتمع ويتخلّل علاقاته كلّها ، ويُعيد صياغة الإنسان على مثال أمثل نماذجه .

والذين تصوّروا(1) انخلاع الإنسان الجاهلي كلّية من جاهليّته على عتبة إسلامه أخطأوا التقدير ؛ إذ ذلك هو المفترض حدوث فقط لو مُكّن للنظام أنْ يتمثّل الدين في الواقع ، فتكون البيئة صالحة وكافية لحماية وصيانة هذه النفسيّة الجديدة من التردّي ، ولكن ذلك لمْ يحدث ، بل وئد النظام وهو بعد لمْ يزل في المهد . يعبّر عن ذلك أبو الأعلى  المودودي(2) معلّلاً استشهاد الحسين (ع) : بأنّه حدث تغير في مزاح وهدف ودستور الدولة , ممّا فرض فرضاً على سليل النبوّة الخالصة التصدّي للانحراف الخطير ولو كلّفه حياته .

وبمثل ذلك التصوّر الذي يعبّر عن حسن نيّة لا إدراك ، قال أحد الباحثين حديثاً(3) : حصل انقلاب جذري في ذهنيّة ووجدان العرب ، فعوضاً عن أنْ يبقى العربي فرداً يذوب في القبيلة داخل اتّصال اُفقي ، صار شخصاً يشعر بشخصيّته في ذاتها ، ويتّصل عمودياً بكائن مطلق .

ـــــــــــــ

(1) سبق بيان رأي سيّد قطب في : معالم في الطريق .

(2) أبو الأعلى المودودي ، لماذا استشهد الإمام الحسين (ع) / 9 ـ القاهرة ـ المختار الإسلامي .

(3) د . محمّد عزيز الحبابي ، الشخصانيّة الإسلاميّة / 23 ط 2 ـ القاهرة ـ دار المعارف / 1983 م .


الصفحة (409)

ولكن فات هذا الباحث أيضاً أنّ هذا الاتّصال العمودي الذي قال به ـ وهو حقاّ هدف الدين ـ لا يتمّ في فراغ ، كما أنّ قوّته تتوّقف على الوسط المحيط الذي يجب أنْ يتمتّع بخاصيّة تحجيم قدرة الشوشرة إلى أدنى حدّ لها ، وبذا تتعاظم قدرة الاتّصال ، وبالتالي يبدو مردوده في وضوح ونقاء السلوك .

إنّ استهداف الدين لهذا الاتّصال العمودي المباشر بالله ، يعني البِناء الداخلي النموذجي للشخصيّة بتضمينها القوّة المحركّة الكامنة التلقائيّة ، أو البوصلة الداخليّة ذاتيّة التحديد للاتّجاه المتوافق مع مستهدفات الدين ، باعتبار الاتّجاه هو ذلك الأسلوب المنظّم والمتّسق في التفكير والشعور ، وردود الأفعال تُجاه النفس وتُجاه الجماعة . ولكن هذه البوصلة الداخليّة شأنها شأن البوصلة الطبيعيّة قد ينحرف مؤشرها بتواجدها داخل مجال خارجي ذي قوّة مغايرة .

ولكن ما حدث من انحراف كان أخطر بكثير من وجود مجال خارجي أدّى إلى انحراف المؤشر الداخلي ؛ إذ حدث فقد للاتّجاه المعياري الأصلي ، فسهل بعدئذ توجيه المؤشر حيثمّا أُريد له .

لقد طرح نظام الخلافة ـ منذ البدء ـ ممارساته كبديل للاتّجاه المعياري ، فكان الارتباك الأوّل ، ثمّ توالت من بعده الممارسات ، وتراكمت بما أفقد الاتّجاه الأصلي عبر عمليات التنشئة الاجتماعيّة المتطلّبة مطاوعةً مطلقةً ، في ظلّ سياق اجتماعي ثقافي ضاغط ، يوحد بين السلطة في كامل استبدادها والله ، بحيث أصبح نقد السلطة أو مجرّد إسداء النصح لها اجتراء على الدين ذاته يبيح الدم .

وهكذا تقولبت المعيارية في ممارسات السلطة التي أضحت هي مصدر الشرعيّة ، وحُشد لها ما أمكن من أسانيد مزيّفة لتعضدها ، على غرار حديث :


الصفحة (410)

أصحابي كالنجوم ، بأيّهم اقتديتم اهتديتم . وكان قد تمّ حصر نطاق السلطة أصلاً منذ البداية فيما عبّر عنه معاوية بقوله(1) : ثمّ ارتضى له ـ رسول الله (ص) ـ أصحاباً فكان خيارهم قريشاً ، ثمّ بنى هذا الملك عليهم ، وجعل هذه الخلافة فيهم ، ولا يصلح ذلك إلاّ عليهم .

فلما كانت ممارسات السلطة قد أضفي عليها مثل هذه القدسيّة ، وكانت هذه الممارسات تنطوي على آليات التبرير ، وكان المطلوب المطاوعة الشعبيّة المطلقة ، كانت النتيجة إذاً الحال التي وجد عليها القوم ساعة كربلاء .

يذكر ابن كثير في تفسير موقف الأحبار والرهبان في سورة التوبة :

وهل أفسد الدين إلاّ الملوك     وأحبـار سوء ورهبانها

ــــــــــــــ

(1) الطبري ، مرجع سابق 4 / 320 .


الصفحة (411)

أخطر أفعال الشيخين : اللاّيقين المعرفي ـ الذرائعية

مرّت على البشر حقب طويلة قبل أنْ يُدرك نفر منهم ـ من خلال البحث الجادّ والمجتهد ألاَ يُحمّل بمعقّبات مؤثرات داخليّة أو خارجيّة ـ مدى غرور الإنسان في وهمه إمكانه إدراك اليقين بوسائله الخاصّة .

فمنذ فجر الفلسفة اليونانيّة وحتّى عهد قريب اختلف البشر في درجة يقين مصادر المعرفة ، وقد ردّوها إلى ثلاثة : الحسّ ، والعقل ، والحدس ، بتنويعاتها وتداخلاتها المختلفة ، إلاّ أنّ العصر الحديث كان أكثر العصور جرأة في ادّعائه امتلاك الحقيقة ، لمّا وصل إليه العلم الطبيعي ( الفيزيوكيميائي ) من تنظيم وتقنين , ظنّ معه أنّه عصر الحقيقة النهائيّة التي اعتبروا نيوتن رائدها ، حتّى قال أحد العلماء الكبار وهو لابلاس : إنّ نيوتن لمْ يترك شيئاً لأحد غيره ليأتي به .

تمخّض هذا الاعتقاد عن نسق معرفي كاد أنصاره ينصبونه مقدّساً جديداً لا يجوز نقده ، وإلاّ رُمي ناقده بالتخلف ، لمّا عدّوه عنوان العلم ، أو هو العلم وحده وما عداه جهل بدائي . هذا النسق المعرفي يتلخّص في عناصر أساسيّة هي : الاستقراء ، العلّية ، اطراد الطبيعة ، الضرورة  ... بما يعني كلّ ذلك من تصوّر لكون آلي ( ميكانيكي ) حتمي .

ولكن جاءت كشوف العلم المعاصر لتهدّ ذلك النسق من أساسه ، عن طريق مفاهيم النسبيّة ، والكوانتم (   Quantum ) ، والطبيعة الموجيّة للمادّة بما أظهر


الصفحة (412)

فشل الميكانيكا ( الكلاسيكيّة ) في تفسير طبيعة الأجسام المتناهيّة الصغر ، فكان أنْ حلّت محلّها معادلات شرودنجر ( Schrodinger ) بما يعرف بالميكانيكا الموجيّة أو ميكانيكا الكوانتم (wave or quantum mechanics) .

ولعلّ أخطر مبادئ العلم المعاصر هو ذلك الذي يُنسب إلى هايزنبرج ( Heisenberg ) , والمعروف بمبدأ اللاحتميّة أو عدم اليقين أو عدم اتعين (Uncertainty principle ) (1 ) ، والذي يعني عدم إمكانيّة التحديد الدقيق لكلّ خواص أيّ نظام طبيعي في آنٍ معاً .

قاد ذلك إلى استبدال القوانين الحتميّة ( الكلاسيكية ) بنظريّات الاحتمال ، وبالتالي أضحت التفسيرات ، وبدورها التنبّؤات التي يقدمها العلم المعاصر احتماليّة وليست يقينيّة بحال .

وهكذا قدمت ( الإبستمولوجيا ) المعاصرة مفاهيم جديدة ، سقطت معها مفاهيم العلّة والاطراد في الطبيعة ، فالترابط بين الأحداث احتمالي وليس علّيّاً ، وليست هناك قوانين ثابتة ، بل فرضيّات قد تكون ناجحة ، وأنّ المقدّمات المحتملة تُؤدّي إلى نتائج محتملة وليست مؤكّدة ، وأنّ الاستقراء كمصدر للمعرفة اليقينيّة ـ كما يتصوّره البعض ـ هو تصوّر ساذج ، لا يمتّ للعلم بصلة ، لمّا كان مرتكزه الأساسي هو تلك القفزة التعميميّة التي لمْ يستطع أحد أنْ يقدّم لها تبريراً منطقيّاً فيما عرف بفضيحة الفلسفة (philosophy ) (2 ) حتّى إن أرسطو أبا

ــــــــــــــ

(1) ( for all physical systems - not limited to electrons in a metal - there is always an uncertainty in the position and in the momentom of a particle and the product of these two uncertainties is of the order of magnitude of  plank's constant ) .

(2) د . يمنى طريف الخولي ، مشكلة العلوم الإنسانيّة / 181 ، ط 2 ـ القاهرة ـ  دار الثقافة / 1996 م .


الصفحة (413)

المنطق لمْ يستطع تجاوز أشكالها ، فالقول بالبرهان المنطقي الأرسطي يتضمّن لزوميّة النتيجة ، وهي بدورها مؤسّسة على صدق المقدّمات ، ولكن كيف ؟  كلّ مقدّمة مبنيّة على معرفة سابقة أوّليّة ، ولكن أرسطو لا يقول بوجود مبادئ فطريّة في العقل البشري ، وبالتالي فليس هناك إلاّ الاستقراء ، ولكنّه بدوره يقوم على معطيات الوقائع الجزئيّة وهي لا تُفيد العلم الكلّي . وهنا لمْ يجد مناصاً من مقولة مبهمة سمّاها : تكثيف الواقع التجريبي (1) بما يحدث معه حدس عقلي مباشر ، يكون هو المعرفة الكلّية السابقة .

وفي تراثنا من أوقع نفسه في عدم الاتّساق مثل ابن تيميّة(2) الذي يتشدّد في تقرير الاستقراء رامياً غيره بالتهافت ، ظاناً أنّه يذب بذلك عن الدين ، سالكاً في ذلك سبيل ابن رشد .

ولكنّك تجد في التراث أيضاً فكرة ( التجويز ) الأشعريّة ، والتي هي عينها خلاصة ما انتهت إليه ( الإبستمولوجيا ) المعاصرة من احتماليّة النتائج المناقضة لفكرة العلّية والضرورة والاطّراد .

ولقد طرح الدين الإسلامي ـ وكلّ الأديان ـ المبادئ المحوريّة التي تقوّم البِناء المعرفي للإنسان ، وأساسه أنّ اليقين مصدره الله وحده : ( وَإِنّهُ لَحَقّ الْيَقِينِ )(3) . ( إِنّ هذَا لَهُوَ حَقّ الْيَقِينِ )(4) ، وأنّ المعرفة الإنسانيّة مهما بلغت ، فلا

ــــــــــــــ

(1) د . محمّد عابد الجابري ، بنية العقل العربي / 383 ، ط 3 ـ بيروت ـ مركز الدراسات الوحدة العربيّة / 1990 م .

(2) د . محمّد سيّد الجليند ، نظريّة المنطق بين فلاسفة الإسلام واليونان  / 187 ، ط 2 ـ القاهرة ـ مطبعة التقدّم / 1985 م .

(3) سورة الحاقّة / 51 .

(4) سورة الواقعة / 95 .


الصفحة (414)

تعدو أنْ تكون قاصرة ومحدودة ، سواء في ذلك المعرفة العقليّة الذاتيّة أو المعرفة المختصّ بها البعض من قبل الله . وهل أدلّ على ذلك من علم طائر الهدهد بما لمْ يعلمه نبي الله سليمان : ( فَقَالَ : أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإِ بِنَبَإٍ يَقِينٍ )(1) ؟

وهل أدلّ على ذلك من مغزى خبر موسى والخضر ، فيما قصصه القرآن في سورة الكهف ، فحكم موسى بالظاهر ، ولكن أراد الله أنْ يعلّمه ويعلّمنا أنْ وراء الظاهر علماً يقينيّاً لا يُدرك بوسائل الإنسان المحدودة ؟

وهنا تسقط دعوى حجّية العقل في الحكم ، تلك الدعوى التي تبنّتها بعض الفرق الإسلاميّة كالمعتزلة ، بتقريرهم التحسين والتقبيح العقليينِ ، والله تعالى يقول : ( وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ )(2) . ويقول : ( إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ )(3) .

ولأبي زهرة تعليق على تلك المسألة(4) : العقل عند جمهور الفقهاء ليس له أنْ يشرع الأحكام ، ولا يضع التكليفات . وليس معنى ذلك أنّه لا مجال لعمله ، بل إنّ له عملاً ، ولكنّه ينطلق في عمله حيث يطلقه الله سبحانه وتعالى ، ذلك أنّ التكليفات الإسلاميّة يتعلّق بها الثواب والعقاب ، وهما أمران يتولاّهما العليم الحكيم يوم القيامة ، وما كان الله تعالى ليعذّب أحداً على عمل لمْ يبيّن له طلبه فيه ، ولذا قال تعالى : ( وَمَا كُنّا مُعَذّبِينَ حَتّى‏ نَبْعَثَ رَسُولاً )(1) .

ــــــــــــــ

(1) سورة النمل / 22 .

(2) سورة البقرة / 216 .

(3) سورة يوسف / 40 .

(4) اُصول الفقه , مرجع سابق / 68 .

(1) سورة الإسراء / 15 .


الصفحة (415)

ويقول البغدادي(1) في بيان ما يُعلم بالعقل وما لا يُعلم إلاّ بالشرع : وجوب الأفعال وحظرها وتحريمها على العباد فلا يُعرف إلاّ من طريق الشرع ، فإنْ أوجب الله عزّ وجلّ على عباده شيئاً بخطابه إيّاهم بلا واسطة أو بإرسال رسول إليهم وجب , وكذلك إنْ نهاهم عن شيء بلا واسطة أو على لسان رسول حُرّم عليهم ، وقبل الخطاب والإرسال لا يكون شيء واجباً ولا حراماً على أحد .

إذاً الأصل هو النصّ ، إذ هو وحده مصدر اليقين وما عداه فظنّ ، وما كان ظنّاً فهو يحتمل الخطأ والصواب . وأيّ محاولة لاستخدام العقل في أمر الدين فهي باطلة ، أنّها افتئات على الله ورسوله (ص) .

وإذا جاز جدلاً ـ وهو لا يجوز ـ استعمال الرأي في أحد الفروع بادّعاء معرفة العلل أو غيرها ، فما بالك بالنصّ المحكم ؟

ها هنا تحديداً وقع التبديل الكارثي .

لقد كانت محدثات عمر بن الخطاب أخطر انقلاب على أسس اليقين المعرفي الديني , وقد سبق مناقشة بعض مظاهر هذا الانقلاب سواء في حياة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أو من بعده ، مثل :

ـ التذمر لتولية أسامة بن زيد إمرة البعث إلى الروم بعلّة حداثته .

ـ التلكّؤ في إنفاذ أمر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ببعث جيش أسامة حتّى إغضابه (صلّى الله عليه وآله) حال مرضه .

ـ مخالفة الرسول (صلّى الله عليه وآله) في إمرة عليّ بن أبي طالب (ع) ، والحيلولة دون توليته .

ـ إبطال سهم المؤلّفة قلوبهم من مصارف الزكاة ، طبقاً لمنطوق الآية ، بزعم عمر أنّ الإسلام قد عزّ .

ــــــــــــــ

(1) أصول الدين ، مرجع سابق / 24 .


الصفحة (416)

منع العمرة وقت الحجّ ، بادّعاء توفير الرواج لمكّة على مدار العامّ .

تلك التي لمْ يجد ابن القيّم سنداً شرعيّاً لعمر فيها فسمّاها : ( العمل بالسياسة ) كما سبق ذكره .

إنّ الخطر الجوهري في إقحام الرأي الشخصي في الشرع يكمن ـ إضافة إلى جريرته الدينيّة ـ في نقض اُسس البِناء المعرفي الإسلامي ، بما أسلمه إلى حالة هلاميّة تتعايش فيها المتناقضات ، بما لا تستطيع معها الإمساك بشيء البتّة .

يقول الله تعالى : ( يَا أَيّهَا الذينَ آمَنُوا لاَ تُقَدّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللّهِ وَرسُولِهِ وَاتّقُوا اللّهَ إِنّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ )(1) .

ويورد ابن كثير في تفسير هذه الآية الأقوال التالية :

ابن عبّاس : لا تقولوا خلاف الكتاب والسنّة .

مجاهد : لا تفتاتوا على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .

الضحاك : لا تقضوا أمراً دون الله ورسوله من شرائع دينكم .

ويقول الله تعالى : ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ )(2) .

فيقول ابن كثير : وذلك أنّه إذا حكم الله ورسوله بشيء فليس لأحد مخالفته ، ولا اختيار لأحد هنا ، ولا رأي ولا قول .

والقاعدة الفقهية المستقرّة تنصّ على أنّه : لا اجتهاد مع النص . ولا يفتأ خواص المسلمين وعوامهم يهتفون : الاتّباع وليس الابتداع .

ومع كلّ هذه النصوص والقواعد تجد من يقول بكلّ بساطة : إنّه العمل بالسياسة . وكأنّ شيئاً لا يناقض شيئاً .

ــــــــــــــ

(1) سورة الحجرات / 1 .

(2) سورة الأحزاب / 36 .


الصفحة (417)

تكاملت مع تلك المحدثات العمريّة بالأساس ، وما أعقبته من آثار ترسّبت في الذهنية العامّة ، صورة لا تقلّ خطراً عنها ، وتلك هي الحادثة العظمى على عهد أبي بكر ـ ضمن ما سمّي بحروب الردّة ـ وصاحبها خالد بن الوليد ، لمّا قتل مالكاً فيما أسلفنا مناقشته تفصيلاً .

إنّ التحليل النهائي لتلك الحادثة , يكشف عن المنهج الذرائعي الذي ساد الموقف وقتئذ وأمضاه الخليفة . فقد تصدرت الحاجة العمليّة للدولة ، وتقهقرت الأُسس القيميّة في موقف تناقضي شامل لمّا كانت هذه الأُسس هي المبرّر الوحيد للدولة .

إنّ شموليّة هذا التناقض تحوي ـ أيضاً ـ ما يبدو أنّه عدم يقين بالله ، وعدم استيعاب للدروس القاسيّة التي مرّ بها المسلمون على عهد نبيّهم (صلّى الله عليه وآله) . فهل كان هناك ظرف أقسى من بدر ؟ كان المسلمون فيه أقلّ عدداً وعدّة . وهل كان هناك أشدّ من اجتماع الأحزاب حتّى بلغت القلوب الحناجر ؟ لقد كان حقيقاً بهؤلاء إذاً إدراك أنّ الدين لا يتوقّف نصره على سيف خالد ذي الخطايا .

تجمّعت هذه العوامل معاً لتُعيد صياغة العقليّة والنفسيّة الجمعيّة على نمط مغاير لمَا أُريد لها من هذا الدين ، فكان أن أفضت إلى وضعية غير مهيكلة وملتبسة ، ومفتقدة للاتساق المنطقي ، وقابلة لأنْ تكونَ مسرحاً تتعايش فيه المتناقضات والمتنافرات في جوار معاً ، وكأنّها تعكس وضعاً طبيعيّاً لا غرابة فيه .

قاد ذلك بالضرورة إلى مجتمع يسوده التشوّه ، ويجد أفراده في نظامهم غير المتّسق منبعاً يتّسع لسلوكيّات متناقضة ، ويستمدّون منه تلقائيّاً ـ وبلا عناء ـ آلياتهم للتبرير ، وتلك كانت حالة المجتمع ساعة كربلاء .


الصفحة (418)

الطاعنون على الدين يحتجّون بأفعال عمر :

خلصنا ممّا سبق إلى سيادة وضعية مستحدثة سمتها الأساسيّة الانفصال والتجاوز التناقضي ، وقد حدث ذلك على مستويين :

المستوى الأوّل : وهو المستوى الحادّ والجريء كلّ الجرأة ، أعني الانقلاب الأساس على يد عُمر بإهدار النصّ .

المستوى الثاني : وهو تمذهب أو أدلجة النصوص ، بإسقاط الحاجات النفعيّة عليها ، وليها لتحميلها ما لا تحتمل عبر آليات التأويل ـ التبرير ـ .

والمستوى الثاني في الواقع ، ما كان يُمكن له أنْ يُوجد لولا الانقلاب الأوّل الذي أفسح له الطريق واسعاً ، ممّا أباح لكلّ امرئ أنْ يضمّن أهواءه ورغباته نصّاً ، بل صار النصّ الواحد مستنداً للرغبات على اختلافها ، ممّا أفقد المرجعيّة المعياريّة مضمونها ، فانعكس ذلك في بينات سياسيّة واقتصادية واجتماعية مفارقة كلّ المفارقة لبنية كلّية إسلاميّة رشيدة .

أدّى ذلك الخلط ـ ضمن ما أدّى ـ إلى فتح مداخل الطعن واسعاً على البنيّة الأساسيّة ، باعتبار أنّ سلطة السلف تمثّل مرجعاً شرعيّاً . وبذلك ساعد فقهاء التراث الطاعنين على الدين في طعنهم ، لمّا اعتبروا مصادر التشريع تتضمّن مذهب الصحابي وفتواه ، وممارسات السلطة في عهدها الأوّل بعد الرسول (صلّى الله عليه وآله) .

يقول الجابري (1) : بما أنّ التنافس كان على مدوّنة من الألفاظ محصورة محدودة ـ القرآن والحديث ـ وبما أنّ كلّ صاحب مقالة وصاحب مذهب كان يطلب المصداقيّة والمشروعيّة لآرائه ومذهبه بجعلها مضمنة في الألفاظ والعبارات نفسها ، فإنّ

ـــــــــــــ

(1) بنية العقل العربي ، مرجع سابق / 562 .


الصفحة (419)

ما كان يحدث هو أنّ اللفظ الواحد أو العبارة الواحدة كانت تضمّن آراء مختلفة من مذاهب متباينة متناقضة كان يُدعى لها جميعاً أنّها المراد من اللفظ . من هنا صار اللفظ يحمل من المعاني عن طريق التأويل والمماثلة ما لا يُمكن حصره ، وصار من الجائز أنْ يكون المراد منه هذا المعنى أو ذاك أو ذلك .

ويأتي أدونيس (1) بوصفه الساخر للحضارة الإسلاميّة باعتبارها ( حضارة نصيّة ) تثير إشكالات كثيرة ذات بواعث ذاتيّة وموضوعيّة ، وهي في النهاية قراءة أيديولوجيّة على النحو التالي :

 أ ـ تقتضي القراءة الأيديولوجيّة العمل للفوز بالسلطة ، من أجل تعميم حقائقها حقائق القراءة .

ب ـ تصبح المعرفة سلطة ، والسلطة معرفة : تتماهى الحقيقة مع القوّة .

ج ـ هذه القراءة الأيديولوجيّة السياسيّة ، تُثير بالضرورة قراءة أو قراءات اُخرى .

د ـ يصبح النصّ الديني مكاناً لحرب القراءات ـ التأويلات ـ . أعني مكاناً لحرب السلطات ، من حيث أنّ القراءة الأيديولوجيّة تحوّله إلى وسيلة للتغلب والسيطرة .

هـ ـ يسوغ العنف بوصفه جزءاً من هذه القراءات ـ السلطات ـ ، وبوصف كلّ من هذه أنّها تمثّل الحقّ وتتطابق مع الإرادة الإلهيّة ، ومن حيث أنّها تبعاً لذلك تفسّر كلّ تعارض معها على أنّه تعارض مع الحقّ .

و ـ توصلنا هذه القراءات المتصارعة إلى عالم مُغلق تتحرك فيه عقائد أو مذاهب كلّ منها عالم مُغلق بدوره .

ــــــــــــــ

(1) أدونيس ، الثابت والمتحول  1 / 25 ، ط 7 ـ بيروت ـ دار الساقي / 1994 م  .


الصفحة (420)

ز ـ وبما أنّ قراءة النصّ الديني ـ الإسلاميّة دينيّة ـ دنيويّة بحسب الفهم السائد ، نُدرك كيف يتبادل المقدّس والدنيّوي موقعيهما ، وكيف يصبح العنف نفسه ، في بعض الحالات ، دينيّاً أو مقدّساً .

ولكي تكتمل الصورة عن طرح أدونيس ، فيجب أنْ نذكر أنّه يكتب هذا وفي خلفيته قناعته بما حدث يوم السقيفة من مخالفة إرادة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ـ والتي هي إرادة إلهيّة ـ نتيجة الأهواء ، فيقول (1) : تجمع الأخبار المأثورة بمختلف رواتها وصيغها ، على أنّ النبيّ أراد قبيل موته أنْ يعهد بخلافته لشخصّ يختاره هو بنفسه ، لكن هذه الإرادة لمْ تتحقّق .

وأمّا أوضح الأمثلة على ما نقول ، فذلك مثال نصر أبو زيد(2) ـ صاحب مقولات : ( تاريخيّة النصوص ) ، و( القرآن منتج ثقافي ) ، و( التحرّر من سلطة النصوص ) ـ الذي لمْ يستطع الرّد على ناقديه إلاّ بالاحتجاج بأفعال عمر بن الخطاب ، فيقول(3) : ما الرأي في عدم انصياع عمر بن الخطاب لبعض أوامر القرآن الكريم ، وممارسات النبيّ (صلّى الله عليه وآله) في إعطاء المؤّلفة قلوبهم نصيبهم من الزكاة ، والمنصوص عليه في القرآن نصّاً لا يحتمل التأويل ؟

وهو لا يرى لناقدية مخرجاً من مأزقهم الذي يضعهم فيه تساؤله السابق إلاّ بالتسليم , بأنّ سلطة النصوص سلطة مضافة ، وليست ذاتيّة .

ــــــــــــــ

(1) المرجع السابق / 161 .

(2) أستاذ بكلية الآداب ـ جامعة القاهرة ـ أثار ضجّة بآرائه ، وصدر حكم قضائي بالقاهرة عام  / 1994  م ، بالتفريق بينه وبين زوجه لارتداده عن الدين .

(3) د . نصر أبو زيد ، التفكير في زمن التكفير / 142 ، ط 2 ـ القاهرة ـ مكتبة مدبولي / 1995 م .


الصفحة (421)

ثمّ يقرّر(1) : عدم انصياع عمر بن الخطاب للأوامر القرآنيّة ينفي نفيّاً كاملاً صواب الاستشهاد ـ بالنصوص ـ لتكريس مفاهيم ( العبوديّة ) ، و ( الانصياع ) و ( الطاعة ) ، وعدم المخالفة ، الذي يفضي إلى الخروج عن حدّ الإيمان .

ــــــــــــــ

(1) المرجع السابق / 143 .


الصفحة (422)

المنهج الفريد

 الإمام الحّسين (ع) : (( أنا أحقّ من غير )) .                   

  الإمام عليّ (ع) : (( لا يمنع الضيم الذليل ، ولا يُدرك الحقّ إلاّ بالجدّ ))                        

 الإمام الحّسين (ع) (( والله ، لا أعطي بيدي إعطاء الذليل ، ولا أفرّ فرار العبيد ))                           

 الفيلسوف هيجل : ليس بالوسع نيل الحريّة إلاّ بالمخاطرة بالحياة ، حينئذ فقط يُمكننا التدليل على أنّ جوهر وعي الإنسان بذاته ليس مجرّد البقاء على قيد الحياة .


الصفحة (423)

وحين صوّب العدو مدفع الردى

واندفع الجنود تحت وابل

من الرصاص والردى

صيح بهم : تقهقروا . تقهقروا .

في الملجأ الوراء مأمن من

الرصاص والردي

لكن إبراهيم ظلّ سائراً

إلى الأمام سائراً

وصدره الصغير يملأ المدى .

تقهقروا ، تقهقروا .

في الملجأ الوراء مأمن من الرصاص والردى

لكن إبراهيم ظلّ سائراً

كأنّه لمْ يسمع الصدى .

* * *


الصفحة (424)

وقِيل إنّه الجنون

لعلّه الجنون

لكنّني عرفت جاري العزيز من زمان ،

من زمان الصغر

عرفته بئراً يفيض ماؤها

وسائر البشر لا تشرب منها ، لا ولا

ترمي بها ، ترمي بها حجر .

يوسف الخال

من ديوان : البئر المهجورة .


الصفحة (425)

مسرح تتجاور فيه المتناقضات بجرأة ، ومنبع لآليات التبرير الهابط بلا حياء .

تلك كانت خلاصة دراسة واقع حال المجتمع ساعة كربلاء .

بدأ الانهيار المفجع لثورة الخلاص الإنساني في آخر أسبوع لآخر عهد الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) بالدنيا ، ساعة خولفت أوامره ببعث جيش أُسامة ، وعدم تمكينه من طلبه دواة وصحيفة ، يكتب بها كتاباً لا يضلّ معه أبداً ، حين رماه عمر  بالهجر ، حتّى فارق الدنيا وهو غاضب .

وتلاشى آخر حلم نبيل للبشريّة في حياة مبناها العدل ، وقوامها الرحمة ، وأساسها التقوى ، يوم أنْ شارك القوم جميعاً في سفك دم أكمل البشر من غير الأنبياء ، عليّ بن أبي طالب (ع) وإنْ بوشر القتل بسيف ابن ملجم .

عُطلّت النصوص القرآنيّة المحكمة برسم الخلافة .

ومُنعت السنّة المطهرة من التدوين والتدول بادّعاء الحيطة .

وبُوشر الزنى والقتل بدعوى الحفاظ على الدين وردّ المرتدّين .

وولّي الطلقاء على رقاب الصلحاء ، فدهاء الأوّلين أنفع من تقوى الآخرين .

ودفن النقاء الثوري وحيداً غريباً في صحراء الربذة ، فالمطلوب الواقعيّة لا المثاليّة .

وانساحت الحدود بين المال الخاصّ وبيت مال المسلمين ، فحقّ التصرّف المطلق للخليفة أسبق من كلّ الحقوق .

وكُتم كلّ صوت رقابي على السلطة ، واستُبيح دم كلّ ناصح ، فهذا جزاء مَن يخرج على الجماعة ، ويبغي الفتنة .

وأخذ المحسن بالمُسيء ، وقُتل البريء بالظنّة ، فذلك ادعى لاستقرار الدولة .

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة