|
الصفحة (401)
وارتكسَ مَن ارتكس ، ونكصَ مَن نكص ، فلمّا
دانت ساعة المواجهة وجد الداعين له هم الذين يحاربونه ، ولقي الأنصار
المفترضين هم
الذين يقاتلونه ، بلا أدنى مشكلة لديهم ، وبلا مواربة ولا حياء .
إذاً خدعتنا مقولة الفرزدق : قلوبهم معك
وسيوفهم عليك . وأشعرتنا خطأً أنّ هناك انفصاماً لدى القوم ، وهو غير صحيح ، نتيجة
عدم استشعارهم أصلاً أزمة فيما يقترفون .
لا بدّ إذاً من البحث عن تفسير آخر أكثر
إقناعاً لمَا حدث .
لعلّنا نجد في تحليل شخصيّة الجماعة ما عساه
يهدينا إلى إجابة . ونقول : إنّ الجماعة
ـ كما الفرد ـ تتكوّن شخصيته من عناصر عدّة لا
انفصال بينها في الواقع ، ولكنّها في علاقات تبادليّة وتخضع لتنظيم خاصّ هو الذي يميّز
شخصيّة عن أخرى ، وبذا فإنّ الذات الشخصيّة هي في النهاية تنظيم ينتظم علاقات بين
عناصر بشكل خاصّ .
وكذلك الجماعة ، ليست مجرّد تراكم بشري ،
أي : ليست حاصل الجمع الحسابي للأفراد ، وإنّما هي نظام ذو ذات مفترضة(1) تكمن
حيويّتها في كونها وعاءً لتفاعلات ( ديناميّة ) وتبدلات تماثليّة بين الأشخاص .
وهكذا فإنّ الشخص لا يعيش في فراغ ، ولا
يسلك في استقلال ، كونه يعيش في جماعة ، بل إنّ هناك شبه تطابق بين سمات شخصيّة أعضاء
الجماعة والسمات
العامّة للجماعة ، وهو ما تؤكّده الدراسات الحديثة
، منها : نظرية كاتل
( Cattel ) في الشخصية
العامّة للجماعة
(Group Syntality Theory )
(2 )
.
ــــــــــــــ
(1)
ديدية أنزيو ، الجماعة واللاوعي ، ترجمة د . سعاد حرب
/ 6 ـ القاهرة ـ الكتاب للنشر
/
1990 م .
(2)
ما رفن شو ، ديناميّات الجماعات ، ترجمة د . مصري
حنورة ودّ . محيي الدين أحمد
/ 43 ، ط 2 ـ القاهرة ـ دار المعارف
/ 1996 م .
الصفحة (402)
والسمات
العامّة للجماعة ـ بما تتضمنه من
علاقات تبادلية ـ دالّة في متغيّر أساسي يتعلّق بناموس الثقافة بمحتواه الواسع
والمتضمن للقواعد النظريّة ، ونسق القيم ، والخبرات التطبيقيّة
المتراكمة ، والتقاليد
المتبعة ، ومكتسبات
المواجهات في المواقف
المختلفة .
كلّ تلك العناصر تعمل على مهل وتترسخ
،
وتترسّب في مخزن عميق واسع هو ما أسماه يونج ( Jung )
باللاوعي الجماعي(1) .
علينا إذاً أنْ نفتّش في
هذا المخزن العميق ، لعلّنا
نجد ضالتنا تلك التي تجعل الأشخاص يقترفون
الاثام
دونما شعور بإثم ، ويأتون بأكبر الكبائر وكأنّها
لمْ تبلغ حدّ الصغائر . والمشكل في
كلّ ذلك أنّهم ليسوا بمغيّبين ، وإنّما مدركون
لمعنى الخطيئة ، وواعون بحدّ الكبيرة .
لا أظنّ أنّه من العسير
على أحد أنْ يضع يده مباشرةً على السبب
، إنّه في كلمة واحدة : التبرير ( Rationalisation )
، فذلك ما مارسه الناس على مرّ الأزمان ، ويمارسونه اليوم ، وعلى امتداد الأرض .
والتبرير(2)
هو التمويه على الباطل بما يشبه الحقّ ، هو عقلنة الضلال
، هو إضفاء الشرعيّة على
المحرّمات ، وهو الحيلة الدفاعيّة التي يلجأ إليها لخداع الذات ـ قبل الأغيار ـ
بغرض التنصّل من الالتزامات ، ونفياً للقيم والضوابط بليها هي ذاتها لحساب
المتعارض
معها من مصالح وأهواء .
وأنت لا تغلو إنْ قلت
: إنّ أخطر ما أصاب دولة الإسلام وأصابها في مقتل ، هو تلك الحيلة الخداعيّة
التبرير , فلمْ يعيها عدوّ خارجي ، ولا توالت عليها
ــــــــــــــ
(1) د
. علي زيعور ، مذاهب علم النفس
/ 266 ، ط 5 ـ بيروت ـ دار الأندلس
/ 1984 م .
(2)
أصول علم النفس ، مرجع سابق
/ 560 .
الصفحة (403)
كوارث طبيعيّة ، وإنّما فتك بها ذلك
المرض
العضال الذي باكرها
، ولم يزل بها ناهكاً قواها
حتّى أسقطها وهي بعد
لمْ تزل في المهد .
تلمح البداية الأولى في مخالفة رسول الله
(صلّى الله عليه وآله) وهو حيّ في قضيّة بعث أسامة ، وفي عدم الانصياع
لأمره بموافاته
بدواةٍ وكتاب ليكتب للأمة ،
ثمّ توالت التبريرات في السقيفة ،
ثمّ على يد الخلفاء
الثلاث ، مثل قضية
: خالد ومالك على يد أبي بكر ، ومخالفة النصوص
المحكمة على يد عمر ،
والانحراف المالي والإداري في عهد
عثمان ،
ثمّ موبقات معاوية حتّى كانت كارثة
كربلاء .
وفي مجتمع ساد فيه نظام شديد
المركزيّة
كالمجتمع الإسلامي الأوّل ، تتّضح فيه
المشابهة بين نظام الدولة والسلطة الأبويّة ـ
بالمصطلح الفرويدي ـ بما يعينه ذلك من مسايرة غير منطقيّة وإذعان وولاء وطاعة غير
معقولة للسلطة ،
حتّى وإنْ لمْ تفِ تلك السلطة بشرط الطاعة الحاسم
وهو الإشباع ، فهاهنا
تعمل عملها العلاقات الغير
المرئيّة من التقليد والعادة .
فلمّا مُورس التبرير وبتكرار من السلطة
الأبويّة ، وعلى مدى طويل نسبيّاً ـ بالنظر إلى مجتمع إسلامي وليد
لمْ يتمثّل بعد
واقعيّاً محدّداته النظريّة ـ انساب هذا
المدرك من علٍ ، وتخلّل خلايا
المجتمع ، وصار
أحد مكوّنات اللاواعي الجماعي ، ليستحضر في أوقات الأزمات ، ويستظهر في أنماط السلوك الطفليّة تجاهها .
لا يحسبنّ أحد أنّ هذا التحليل غلوّ في تقدير
القوّة النفسيّة ، فإنّ أشدّ الناس إلحاحاً على التفسير ( السوسيولوجي ) للظواهر يتّفقون
وهذه النتيجة ، فالنظريّة
الماركسيّة(1) تُؤيّد فكرة أنّ الإذعان للسلطة تعتمد على
العادات والتقاليد
ــــــــــــــ
(1) د . اُوسبورن ،
الماركسيّة والتحليل النفسي
/ 143 ، ط 2 ، ترجمة د . سعاد الشرقاوي
ـ القاهرة ـ دار
المعارف /
1980 م .
الصفحة (404)
والقبول النفسي لسيطرة طبقة ما ، نتيجة
عمليات التربيّة
الموجّهة والتطبيع الاجتماعي والتدعيم .
لنتذكّر
المثل الصارخ على ما نقول فيما
أسلفنا بيانه ، عن حادثة قتل
عمّار بن ياسر في صفّين على يد جيش معاوية
، وتحقّق قول رسول
الله (صلّى الله عليه وآله) : (( تقتلك الفئة الباغية
)) . فماذا قال معاوية ؟
قال : إنّما قتله الذين دفعوا به للقتل
.
أفتراك تعجب إذاً عند سماعك أقوال قاتلي
الحُسين (ع) إبّان المعركة(1) :
يقول شمر بن ذي الجوشن : يا
حُسين (ع) ،
استعجلت النار في الدنيا قبل يوم القيامة
.
ويقول عبد الله بن حوزة : يا
حُسين (ع) ، أبشر
بالنار .
ويقول عليّ بن قريظة : يا
حُسين (ع) ، يا كذاب
ابن الكذاب .
ويقول عمرو بن الحجّاج لأهل الكوفة : يا
أهل الكوفة ، الزموا طاعتكم وجماعتكم ، ولا ترتابوا في قتل مَن مرق من الدين ، وخالف
الإمام .
وأنت تلاحظ الغلوّ والإسراف والفحش في تلك
الأقوال للحُسين (ع) : أبشر بالنار
، الكذاب ابن الكذاب
،
المروق من الدين . ويبلغ الغلوّ
مداه بالفعل ، ليس اكتفاءً بقتل الحُسين
(ع) ، وإنّما بالتمثيل به بجز رأسه ، والإصرار
على دكّه بطناً وظهراً بسنابك الخيل . وتلك أيضاً خصيصة بارزة للتبرير : الغلوّ في
سوقه ، تأكيداً لحاجة في النفس إمعاناً في الزيف وخداع الذات ، وكأنّه يُؤكّد لنفسه
أنّه صاحب قضيّة جديرة بالاستغراق فيها .
ثمّ إنّك إنْ بحثت عن مبرّر التبرير ، لوجدت
فوراً المصلحة الشخصيّة
المباشرة ذات المدى الواسع ، لتشمل كلاًّ
حسب طاقته ، فهذا
عمر بن سعد بن
ـــــــــــــ
(1) الطبري ، مرجع سابق 5
/ 424 وما بعدها .
الصفحة (405)
أبي وقّاص قائد قاتلي الحسين
(ع) وصحبه ، يمنيه
عبيد الله بن زياد ولاية الري ، إنْ كفاه الحسين
(ع) . وهذا أحد القتلة وهو مروان بن وائل
، يقول : كنت في أوائل الخيل ممّن سار إلى الحسين
(ع) ، فقلت : أكون في أوائلها لعلّي أُصيب
رأس الحسين (ع) ، فأصيب به منزلة عند عبيد الله بن زياد . ولكن سنان بن أنس جعل لا يدنو
أحد من الحسين (ع) إلاّ شدّ عليه مخافة أنْ يغلب على رأسه ،
حتّى ذبحه واحتزّ رأسه ،
ثمّ أتى
به فسطاط عمر بن سعد منادياً بأعلى صوته :
أوقر ركابي فضةً وذهبا
أنـا قتلـت الملك المحجّبا
ولمّا دفع الرأس إلى خولي بن يزيد ليذهب
به إلى عبيد الله بن زياد ، فبات به ليلته في بيته ، قال لامرأته : جئتك بغنى الدهر
.
وهكذا استظهرت
المصلحة القريبة الوقتيّة
والمباشرة العمياء حيلتها تلقائيّاً من مخزونها اللاواعي ، وهي التبرير ، وصاغته في
قالب يناسب نمط
المرجعيّة السائد اسميّاً وهو الدين ، فكان التبرير هو :
المروق من
الدين بمخالفة
الإمام .
ونحن نُعيد التأكيد على أنّ قولنا : تلقائيّة
استخراج الحيلة إنّما يعني أنّه لو لا السوابق
التاريخيّة
الممارسة طويلاً من السلطة
والراسخة في الأعماق ، ما كان يُمكن لهذه التلقائيّة أنْ توجد ، وما كان يُمكن سوق
التبرير بمثل هذه البساطة الشديدة
، مرّةً اُخرى :
لمْ يتح لهذا الدين
المستكمل
نظريّاً أنْ يُمكّن له في أرض الواقع بعد وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .
أيضاً نجحت السلطة في اللجوء إلى استثارة
أشكال التفكير الطفليّة لدى الكتلة الشعبيّة للإبقاء على إذعانها ـ وهو ما أريد لها
كذلك منذ وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله) ـ بالتعامل مع عوامل الاهتزاز
، في
بنائها النفسي من مخاوف وقلق وأطماع وتردّد
, يتّضح ذلك من خطّة عبيد الله بن زياد في
تفريق الآلاف
الصفحة (406)
من أصحاب مسلم بن عقيل مبعوث الحُسين
(ع) إلى
الكوفة ، إذ لمّا أحاطوا بقصر ابن
زياد , جمع الأشراف في قصره وقال لهم : أشرفوا
على الناس ، فمنّوا أهل الطاعة
الزيادة والكرامة ، وخوّفوا أهل
المعصية الحرمان والعقوبة
، وأعلموهم فصول خروج الجنود من الشام
إليهم .
فما كان إلاّ أنْ انفضّ
الناس من حول مسلم ، وبقي وحيداً يتلدد في أزقة الكوفة لا يدري أين يذهب(1) . إذاً كان أهل الكوفة
يناصرون الحُسين (ع) على حرف
, وبذا خُسر آخر رهان لإحداث التغيير .
لمْ تكن القاعدة على مستوى الوعي الذي
يُؤهلها للانفلات ممّا اعتادت عليه ، فضلاً عن الطموح لاستشراف مستقبل أفضل ،
بالإضافة إلى استشراء الخراب في
الأعماق بنائها الداخلي . يقول فان فلوتن(2) : لمْ
يكن إخلاص العرب من أهل الكوفة لآل البيت بريئاً من جهاد كثيرة .
ويذكر أيضاً : أنّهم كانوا يقولون في
الكوفة : مَن أعطانا الدراهم قاتلنا معه
. يدلّ على ذلك هذا البيت :
ولا في سبيل الله لاقى حمامه
أبوكم ولكن في سبيل الدراهم
وهكذا تضافرت عوامل تحقّق الحدث ـ الكارثة
: كربلاء ـ من سيطرة النخبة القبليّة
التقليديّة وهي قيد قبضة الحاكم ذي السيطرة
الماديّة والنفسيّة ، إلى قاعدة شعبيّة متهرّئة مردت على الإذعان ، إلى انحسار الوعي
والنضج في فئة قليلة
ـــــــــــــ
(1) الطبري ، مرجع سابق 5
/ 371 .
(2) فان فلوتن ، السادة
العربيّة والشيعة والإسرائيليّات في عهد بني
اُميّة / 70 ـ 75 ، ط 2 ترجمة : د . حسن إبراهيم ،
محمّد
زكي إبراهيم ـ القاهرة
ـ مكتبة النهضة
المصريّة / 1965 م .
الصفحة (407)
للغاية كان من
المفترض أنْ تكون الطليعة عن
طريق تعظيم فاعليّتها في محيطها ، ولكنّها تمتّعت بمثاليّة
لمْ يدعمها في الغالب حنكة
ومراس .
على أنّ أخطر ما أسفر عنه هذا الحديث الجلل
هو ذلك التشوّه الشديد الذي أصاب الشخصيّة
العامّة للجماعة ، فلا هي تمثلت قيم الإسلام
بتغليب الحقّ على الهوى ، ولا هي التزمت
حتّى مقتضيات الحميّة الجاهليّة كما
اُسلم وخُل
هانئ بن عروة المستغيث بقبيلته ، وما من مغيث
.
لقد أضحينا بإزاء مسخ شديد التشوّه ، تُحار
في توصيفه على وجه الدّقة
، مجتمع يرفع راية الدين ، وسلطة تستمدّ شرعيّتها من هذه
الراية ، واُناس يدّعون الورع
حتّى الزهد ، وفقهاء يخيل لك أنّهم من الحيطة والحذر
لدينهم حتّى تراهم يتدارسون حكم دم البرغوث يصيب الثوب
, وشعائر تُقام في
كلّ مكان ،
وجيوش تنطلق في الاتجاهات الأربعة باسم الفتح ...
ومع
كلّ هذا تجد نفوساً منطوية على
نفاق لا تعرف له مثيلاً ، وخنوعاً وإذعاناً يترفّع عنهما العبيد ، وعبادة للدرهم
والدينار تأبّت نفوس الجاهليّين عن مثلها ، وقهراً وجبروتاً من سلطة غاشمة تنافس
أعتى نظم الاستبداد على مرّ
التاريخ .
والجميع متواطئون على الضلال ، سواء الذين
ولغوا مباشرةً في دماء الأبرياء أو الذين كانوا شهوداً عليهم دون حراك
، فكان أنْ اقترفوا ما تتصاغر إزاءه فظائع
الرومان من قبل أو التتار من بعد ، القتل والذبح
والتهافت على فصل الرؤوس والطواف بها على أسنّة الرماح في البلدان ، وسلب ودكّ الجثث
بسنابك الخيل ، والهجوم على النساء ، وحتّى الأطفال وفيهم الرضع
لمْ يُسلموا من القتل
، كعبد الله الرضيع بن الحسين
(ع) ... وفيمَن يُفعل كلّ هذا في
اُناس خرجوا مصلحين
لمّا اُعوج من أمر هذه
الاُمّة ليردّوها إلى الجادّة ، ناهيك عن كونهم عترة رسول هذه
الاُمّة (ص) أهل بيته وحرمه
.
الصفحة (408)
ومن هنا تتّضح
حقيقة هذا الدين ، إنّه ليس
مجرّد معتقدات خبيئه في الصدور ، ولا مجرّد شعائر تقام فرديّاً أو
اجتماعيّاً ، فكلّ ذلّ
يتصوّر حدوثه ، ومع ذلك تجد مجتمعاً فاسداً ، ولكن هذا الدين ـ بالدرجة الأولى ـ هو
النظام ، الذي يسود
المجتمع ويتخلّل علاقاته
كلّها ، ويُعيد صياغة الإنسان على مثال
أمثل نماذجه .
والذين تصوّروا(1) انخلاع الإنسان الجاهلي
كلّية من جاهليّته على عتبة إسلامه أخطأوا التقدير
؛ إذ ذلك هو
المفترض
حدوث فقط لو مُكّن للنظام أنْ يتمثّل الدين في الواقع ، فتكون البيئة صالحة وكافية
لحماية وصيانة هذه النفسيّة الجديدة من التردّي
، ولكن ذلك
لمْ يحدث ، بل وئد النظام
وهو بعد لمْ يزل في
المهد . يعبّر عن ذلك أبو الأعلى المودودي(2) معلّلاً
استشهاد الحسين (ع) : بأنّه حدث تغير في مزاح وهدف ودستور الدولة
, ممّا فرض فرضاً على سليل
النبوّة الخالصة التصدّي للانحراف الخطير ولو كلّفه حياته .
وبمثل ذلك التصوّر الذي يعبّر عن حسن نيّة
لا إدراك ، قال أحد الباحثين حديثاً(3) : حصل
انقلاب جذري في ذهنيّة ووجدان العرب ،
فعوضاً عن أنْ يبقى العربي فرداً يذوب في القبيلة داخل اتّصال
اُفقي ، صار شخصاً يشعر
بشخصيّته في ذاتها ، ويتّصل عمودياً بكائن مطلق
.
ـــــــــــــ
(1) سبق بيان رأي
سيّد قطب
في : معالم في الطريق .
(2) أبو الأعلى
المودودي
، لماذا استشهد الإمام الحسين
(ع) / 9 ـ القاهرة ـ المختار الإسلامي .
(3) د . محمّد عزيز
الحبابي ، الشخصانيّة
الإسلاميّة / 23 ط 2 ـ القاهرة ـ دار
المعارف / 1983 م .
الصفحة (409)
ولكن فات هذا الباحث أيضاً أنّ هذا الاتّصال
العمودي الذي قال به ـ وهو حقاّ هدف الدين ـ لا يتمّ في فراغ ، كما أنّ قوّته تتوّقف
على الوسط المحيط الذي يجب أنْ يتمتّع بخاصيّة تحجيم قدرة الشوشرة إلى أدنى حدّ لها ،
وبذا تتعاظم قدرة الاتّصال ، وبالتالي يبدو مردوده في وضوح ونقاء السلوك .
إنّ استهداف الدين لهذا الاتّصال العمودي
المباشر بالله ، يعني
البِناء الداخلي النموذجي للشخصيّة بتضمينها القوّة
المحركّة
الكامنة التلقائيّة ، أو البوصلة الداخليّة ذاتيّة التحديد للاتّجاه
المتوافق مع
مستهدفات الدين
، باعتبار الاتّجاه هو ذلك الأسلوب
المنظّم والمتّسق في التفكير
والشعور ، وردود الأفعال تُجاه النفس وتُجاه الجماعة . ولكن هذه البوصلة الداخليّة شأنها
شأن البوصلة
الطبيعيّة قد ينحرف مؤشرها بتواجدها داخل مجال خارجي ذي قوّة مغايرة .
ولكن ما حدث من انحراف كان أخطر بكثير من
وجود مجال خارجي أدّى إلى انحراف
المؤشر الداخلي ؛ إذ حدث فقد للاتّجاه
المعياري
الأصلي ، فسهل بعدئذ توجيه
المؤشر حيثمّا أُريد له .
لقد طرح نظام الخلافة ـ منذ البدء ـ
ممارساته كبديل للاتّجاه
المعياري ، فكان الارتباك الأوّل
،
ثمّ توالت من بعده
الممارسات ، وتراكمت بما أفقد الاتّجاه الأصلي عبر عمليات التنشئة
الاجتماعيّة المتطلّبة
مطاوعةً مطلقةً
، في ظلّ سياق اجتماعي ثقافي ضاغط
، يوحد بين السلطة في كامل استبدادها
والله ، بحيث أصبح نقد السلطة أو مجرّد إسداء النصح لها اجتراء على الدين ذاته يبيح
الدم .
وهكذا تقولبت
المعيارية في ممارسات السلطة
التي أضحت هي مصدر الشرعيّة ، وحُشد لها ما أمكن من أسانيد مزيّفة لتعضدها ، على غرار
حديث :
الصفحة (410)
أصحابي كالنجوم ، بأيّهم اقتديتم اهتديتم . وكان قد تمّ حصر نطاق السلطة أصلاً منذ البداية فيما عبّر عنه معاوية بقوله(1) : ثمّ ارتضى له ـ رسول الله
(ص) ـ أصحاباً
فكان خيارهم قريشاً ،
ثمّ بنى هذا الملك عليهم ، وجعل هذه الخلافة فيهم ، ولا يصلح
ذلك إلاّ عليهم .
فلما كانت ممارسات السلطة قد أضفي عليها
مثل هذه القدسيّة ، وكانت هذه
الممارسات تنطوي على آليات التبرير ، وكان
المطلوب
المطاوعة الشعبيّة
المطلقة ، كانت النتيجة إذاً الحال التي وجد عليها القوم ساعة
كربلاء .
يذكر ابن كثير في تفسير موقف الأحبار
والرهبان في سورة التوبة :
وهل أفسد الدين إلاّ
الملوك
وأحبـار سوء ورهبانها
ــــــــــــــ
(1) الطبري ، مرجع سابق 4
/ 320 .
الصفحة (411)
أخطر أفعال الشيخين
: اللاّيقين المعرفي ـ
الذرائعية
مرّت على البشر حقب طويلة قبل أنْ يُدرك نفر
منهم ـ من خلال البحث الجادّ والمجتهد ألاَ يُحمّل بمعقّبات مؤثرات داخليّة أو خارجيّة
ـ
مدى غرور الإنسان في وهمه إمكانه إدراك اليقين بوسائله الخاصّة .
فمنذ فجر الفلسفة اليونانيّة وحتّى عهد قريب
اختلف البشر في درجة يقين مصادر
المعرفة ، وقد ردّوها إلى ثلاثة : الحسّ
، والعقل ، والحدس ، بتنويعاتها وتداخلاتها
المختلفة ، إلاّ أنّ العصر الحديث كان أكثر العصور
جرأة في ادّعائه امتلاك
الحقيقة ، لمّا وصل إليه العلم الطبيعي ( الفيزيوكيميائي ) من
تنظيم وتقنين , ظنّ معه أنّه عصر
الحقيقة النهائيّة التي اعتبروا نيوتن رائدها ،
حتّى قال
أحد العلماء الكبار وهو لابلاس : إنّ نيوتن
لمْ يترك شيئاً لأحد غيره ليأتي به
.
تمخّض هذا الاعتقاد عن نسق معرفي كاد
أنصاره ينصبونه مقدّساً جديداً لا يجوز نقده ، وإلاّ رُمي ناقده بالتخلف ،
لمّا
عدّوه عنوان العلم ، أو هو العلم وحده وما عداه جهل بدائي . هذا النسق
المعرفي
يتلخّص في عناصر أساسيّة
هي : الاستقراء ، العلّية ، اطراد الطبيعة ، الضرورة ... بما
يعني كلّ ذلك من تصوّر لكون آلي ( ميكانيكي ) حتمي .
ولكن جاءت كشوف العلم
المعاصر لتهدّ ذلك
النسق من أساسه ، عن طريق مفاهيم النسبيّة ، والكوانتم ( Quantum
)
، والطبيعة الموجيّة للمادّة بما أظهر
الصفحة (412)
فشل الميكانيكا ( الكلاسيكيّة ) في تفسير
طبيعة الأجسام
المتناهيّة الصغر ، فكان أنْ حلّت محلّها معادلات شرودنجر ( Schrodinger
)
بما يعرف بالميكانيكا الموجيّة أو ميكانيكا الكوانتم (wave or
quantum mechanics) .
ولعلّ أخطر مبادئ العلم
المعاصر هو ذلك
الذي يُنسب إلى هايزنبرج ( Heisenberg
) , والمعروف بمبدأ اللاحتميّة أو عدم اليقين أو عدم اتعين
(Uncertainty principle )
(1 ) ، والذي يعني عدم إمكانيّة التحديد الدقيق لكلّ خواص أيّ نظام طبيعي في آنٍ معاً .
قاد ذلك إلى استبدال القوانين الحتميّة
( الكلاسيكية ) بنظريّات الاحتمال ، وبالتالي أضحت التفسيرات ، وبدورها التنبّؤات التي
يقدمها العلم المعاصر احتماليّة وليست يقينيّة بحال .
وهكذا قدمت ( الإبستمولوجيا )
المعاصرة
مفاهيم جديدة ، سقطت معها مفاهيم العلّة والاطراد في الطبيعة ، فالترابط بين الأحداث
احتمالي وليس علّيّاً ، وليست هناك قوانين ثابتة ، بل فرضيّات قد تكون ناجحة ، وأنّ
المقدّمات المحتملة تُؤدّي إلى نتائج محتملة وليست مؤكّدة ، وأنّ الاستقراء كمصدر
للمعرفة اليقينيّة ـ كما يتصوّره البعض ـ هو تصوّر ساذج ، لا يمتّ للعلم بصلة ،
لمّا
كان مرتكزه الأساسي هو تلك القفزة التعميميّة التي
لمْ يستطع أحد أنْ يقدّم لها تبريراً
منطقيّاً فيما عرف بفضيحة الفلسفة
(philosophy )
(2 )
حتّى إن
أرسطو أبا
ــــــــــــــ
(1)
( for all physical systems - not limited to electrons in a metal - there is always
an uncertainty in the position and in the momentom of a particle and the product
of these two uncertainties is of the order of magnitude of plank's constant ) .
(2) د . يمنى طريف الخولي
، مشكلة العلوم الإنسانيّة
/ 181 ، ط 2 ـ القاهرة ـ دار الثقافة
/ 1996 م .
الصفحة (413)
المنطق لمْ يستطع تجاوز
أشكالها ، فالقول
بالبرهان المنطقي الأرسطي يتضمّن لزوميّة النتيجة ، وهي بدورها مؤسّسة على صدق
المقدّمات ، ولكن كيف ؟
كلّ مقدّمة مبنيّة على معرفة سابقة أوّليّة ، ولكن أرسطو لا
يقول بوجود مبادئ فطريّة في العقل البشري ، وبالتالي فليس هناك إلاّ الاستقراء ،
ولكنّه بدوره يقوم على معطيات الوقائع الجزئيّة وهي لا تُفيد العلم الكلّي . وهنا
لمْ
يجد مناصاً من مقولة مبهمة سمّاها
: تكثيف الواقع التجريبي
(1) بما يحدث معه حدس عقلي
مباشر ، يكون هو
المعرفة الكلّية السابقة
.
وفي تراثنا من أوقع نفسه في عدم الاتّساق
مثل ابن تيميّة(2) الذي يتشدّد في تقرير الاستقراء رامياً غيره بالتهافت
، ظاناً أنّه
يذب بذلك عن الدين
، سالكاً في ذلك سبيل ابن رشد .
ولكنّك تجد في التراث أيضاً فكرة ( التجويز ) الأشعريّة ، والتي هي عينها خلاصة ما انتهت إليه
( الإبستمولوجيا )
المعاصرة من
احتماليّة النتائج
المناقضة لفكرة العلّية والضرورة والاطّراد .
ولقد طرح الدين الإسلامي ـ وكلّ الأديان ـ
المبادئ المحوريّة التي تقوّم البِناء المعرفي للإنسان ، وأساسه أنّ اليقين مصدره الله
وحده : ( وَإِنّهُ
لَحَقّ الْيَقِينِ
)(3)
. (
إِنّ
هذَا لَهُوَ حَقّ الْيَقِينِ
)(4) ، وأنّ المعرفة الإنسانيّة مهما بلغت ، فلا
ــــــــــــــ
(1) د . محمّد عابد
الجابري ، بنية العقل العربي
/ 383 ، ط 3 ـ بيروت ـ مركز الدراسات الوحدة
العربيّة / 1990 م .
(2) د . محمّد سيّد الجليند
، نظريّة المنطق بين فلاسفة الإسلام واليونان
/ 187 ، ط 2 ـ القاهرة ـ مطبعة التقدّم
/ 1985 م .
(3) سورة
الحاقّة / 51 .
(4) سورة الواقعة
/ 95 .
الصفحة (414)
تعدو أنْ تكون قاصرة ومحدودة ، سواء في ذلك
المعرفة العقليّة الذاتيّة أو
المعرفة المختصّ بها البعض من قبل الله
. وهل أدلّ على
ذلك من علم طائر الهدهد بما
لمْ يعلمه نبي الله سليمان
: (
فَقَالَ
: أَحَطتُ بِمَا
لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإِ بِنَبَإٍ يَقِينٍ
)(1)
؟
وهل أدلّ على ذلك من مغزى خبر موسى والخضر
، فيما قصصه القرآن في سورة الكهف ،
فحكم موسى بالظاهر ، ولكن أراد الله أنْ يعلّمه ويعلّمنا أنْ وراء الظاهر علماً يقينيّاً
لا يُدرك بوسائل الإنسان
المحدودة ؟
وهنا تسقط دعوى حجّية العقل في الحكم
، تلك الدعوى التي تبنّتها
بعض الفرق الإسلاميّة كالمعتزلة ، بتقريرهم التحسين والتقبيح
العقليينِ ، والله تعالى يقول :
( وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا
شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ )(2)
. ويقول : (
إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ
)(3) .
ولأبي زهرة تعليق على تلك
المسألة(4) : العقل عند جمهور الفقهاء ليس له أنْ يشرع
الأحكام ، ولا يضع التكليفات . وليس معنى ذلك أنّه لا مجال لعمله ، بل إنّ له عملاً ،
ولكنّه ينطلق في عمله حيث يطلقه الله سبحانه وتعالى ، ذلك أنّ التكليفات
الإسلاميّة
يتعلّق بها الثواب والعقاب ، وهما أمران يتولاّهما العليم الحكيم يوم القيامة ، وما
كان الله تعالى ليعذّب أحداً على عمل
لمْ يبيّن له طلبه فيه ، ولذا قال تعالى :
( وَمَا
كُنّا مُعَذّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً )(1)
.
ــــــــــــــ
(1) سورة النمل / 22 .
(2) سورة البقرة / 216 .
(3) سورة يوسف / 40 .
(4) اُصول الفقه , مرجع سابق / 68 .
(1) سورة الإسراء /
15 .
الصفحة (415)
ويقول البغدادي(1) في بيان ما يُعلم
بالعقل وما لا يُعلم إلاّ بالشرع : وجوب الأفعال وحظرها وتحريمها على العباد فلا
يُعرف إلاّ من طريق الشرع ، فإنْ أوجب الله عزّ وجلّ على عباده شيئاً بخطابه إيّاهم بلا
واسطة أو بإرسال رسول إليهم وجب
, وكذلك إنْ نهاهم عن شيء بلا واسطة أو على لسان
رسول حُرّم عليهم ، وقبل الخطاب والإرسال لا يكون شيء واجباً ولا حراماً على أحد .
إذاً الأصل هو النصّ ، إذ هو وحده مصدر
اليقين وما عداه فظنّ ، وما كان ظنّاً فهو يحتمل الخطأ والصواب . وأيّ محاولة
لاستخدام العقل في أمر الدين فهي باطلة ، أنّها افتئات على الله ورسوله
(ص) .
وإذا جاز جدلاً ـ وهو لا يجوز ـ استعمال
الرأي في أحد الفروع بادّعاء معرفة العلل أو غيرها ، فما بالك بالنصّ
المحكم ؟
ها هنا تحديداً وقع التبديل الكارثي .
لقد كانت محدثات عمر بن الخطاب أخطر
انقلاب على أسس اليقين
المعرفي الديني , وقد سبق مناقشة بعض مظاهر هذا الانقلاب
سواء في حياة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أو من بعده
، مثل :
ـ التذمر لتولية أسامة بن زيد إمرة البعث
إلى الروم بعلّة حداثته .
ـ التلكّؤ في إنفاذ أمر رسول الله (صلّى الله
عليه وآله) ببعث جيش أسامة
حتّى إغضابه (صلّى الله عليه وآله) حال مرضه .
ـ مخالفة الرسول (صلّى الله عليه وآله) في
إمرة عليّ بن أبي طالب
(ع) ، والحيلولة دون توليته .
ـ إبطال سهم
المؤلّفة قلوبهم من مصارف الزكاة
، طبقاً لمنطوق الآية ، بزعم عمر أنّ الإسلام قد عزّ .
ــــــــــــــ
(1) أصول الدين ، مرجع
سابق / 24 .
الصفحة (416)
منع العمرة وقت الحجّ ، بادّعاء توفير
الرواج لمكّة على مدار العامّ .
تلك التي
لمْ يجد ابن القيّم سنداً شرعيّاً
لعمر فيها فسمّاها : ( العمل بالسياسة ) كما سبق ذكره .
إنّ الخطر الجوهري في إقحام الرأي الشخصي
في الشرع يكمن ـ إضافة إلى جريرته الدينيّة ـ في نقض اُسس البِناء المعرفي الإسلامي ،
بما أسلمه إلى حالة هلاميّة تتعايش فيها
المتناقضات ، بما لا تستطيع معها
الإمساك
بشيء البتّة .
يقول الله تعالى :
( يَا
أَيّهَا الذينَ آمَنُوا لاَ تُقَدّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللّهِ وَرسُولِهِ
وَاتّقُوا اللّهَ إِنّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ )(1) .
ويورد ابن كثير في تفسير هذه الآية
الأقوال التالية :
ابن عبّاس : لا تقولوا خلاف الكتاب والسنّة
.
مجاهد : لا تفتاتوا على رسول الله (صلّى
الله عليه وآله) .
الضحاك : لا تقضوا أمراً دون الله ورسوله
من شرائع دينكم .
ويقول الله تعالى :
( وَمَا
كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن
يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ )(2) .
فيقول ابن كثير : وذلك أنّه إذا حكم الله
ورسوله بشيء فليس لأحد مخالفته ، ولا اختيار لأحد هنا ، ولا رأي ولا قول .
والقاعدة الفقهية
المستقرّة تنصّ على أنّه :
لا اجتهاد مع النص
. ولا يفتأ خواص
المسلمين وعوامهم
يهتفون : الاتّباع وليس
الابتداع .
ومع كلّ هذه النصوص والقواعد تجد من يقول
بكلّ بساطة : إنّه العمل بالسياسة
. وكأنّ شيئاً لا يناقض شيئاً
.
ــــــــــــــ
(1) سورة الحجرات
/ 1 .
(2) سورة الأحزاب
/ 36 .
الصفحة (417)
تكاملت مع تلك
المحدثات العمريّة بالأساس ،
وما أعقبته من آثار ترسّبت في الذهنية
العامّة ، صورة لا تقلّ خطراً عنها ، وتلك هي
الحادثة العظمى على عهد أبي بكر ـ ضمن ما سمّي بحروب الردّة ـ وصاحبها خالد بن الوليد
، لمّا قتل مالكاً فيما أسلفنا مناقشته تفصيلاً .
إنّ التحليل النهائي لتلك الحادثة
, يكشف عن
المنهج الذرائعي الذي ساد
الموقف وقتئذ وأمضاه الخليفة . فقد تصدرت الحاجة
العمليّة للدولة ، وتقهقرت الأُسس القيميّة في موقف تناقضي شامل
لمّا كانت هذه الأُسس
هي المبرّر الوحيد للدولة .
إنّ شموليّة هذا التناقض تحوي
ـ أيضاً ـ
ما يبدو أنّه عدم يقين بالله ، وعدم استيعاب للدروس القاسيّة التي مرّ بها
المسلمون
على عهد نبيّهم (صلّى الله
عليه وآله) . فهل كان هناك ظرف أقسى من بدر ؟ كان
المسلمون فيه أقلّ عدداً وعدّة . وهل كان هناك أشدّ من اجتماع الأحزاب
حتّى بلغت القلوب
الحناجر ؟ لقد كان حقيقاً بهؤلاء إذاً إدراك أنّ الدين
لا يتوقّف نصره على سيف خالد ذي الخطايا .
تجمّعت هذه العوامل معاً لتُعيد صياغة
العقليّة والنفسيّة الجمعيّة على نمط مغاير
لمَا أُريد لها من هذا الدين ، فكان أن أفضت
إلى وضعية غير مهيكلة وملتبسة ، ومفتقدة للاتساق
المنطقي ، وقابلة لأنْ تكونَ
مسرحاً تتعايش فيه
المتناقضات والمتنافرات في جوار معاً ، وكأنّها تعكس وضعاً
طبيعيّاً لا غرابة فيه .
قاد ذلك بالضرورة إلى مجتمع يسوده التشوّه
، ويجد أفراده في نظامهم غير
المتّسق منبعاً يتّسع لسلوكيّات متناقضة ، ويستمدّون منه
تلقائيّاً ـ وبلا عناء ـ آلياتهم للتبرير
، وتلك كانت حالة
المجتمع ساعة كربلاء .
الصفحة (418)
الطاعنون على الدين يحتجّون بأفعال عمر :
خلصنا ممّا سبق إلى
سيادة وضعية مستحدثة
سمتها الأساسيّة الانفصال والتجاوز التناقضي ، وقد حدث ذلك على مستويين :
المستوى الأوّل : وهو
المستوى الحادّ والجريء كلّ
الجرأة ، أعني الانقلاب الأساس على يد عُمر بإهدار النصّ .
المستوى الثاني : وهو تمذهب أو أدلجة
النصوص ، بإسقاط الحاجات النفعيّة عليها ، وليها لتحميلها ما لا تحتمل عبر آليات
التأويل ـ التبرير
ـ .
والمستوى الثاني في الواقع
، ما كان
يُمكن له أنْ يُوجد لولا الانقلاب الأوّل الذي أفسح له الطريق واسعاً ، ممّا أباح لكلّ
امرئ أنْ يضمّن أهواءه ورغباته نصّاً
، بل صار النصّ الواحد مستنداً للرغبات على
اختلافها ، ممّا أفقد
المرجعيّة المعياريّة مضمونها ، فانعكس ذلك في بينات سياسيّة
واقتصادية واجتماعية مفارقة كلّ المفارقة لبنية كلّية إسلاميّة رشيدة .
أدّى ذلك الخلط ـ ضمن ما أدّى ـ إلى فتح
مداخل الطعن واسعاً على البنيّة الأساسيّة ، باعتبار أنّ سلطة السلف تمثّل مرجعاً
شرعيّاً . وبذلك ساعد فقهاء التراث الطاعنين على الدين في طعنهم ،
لمّا اعتبروا
مصادر التشريع تتضمّن مذهب الصحابي وفتواه ، وممارسات السلطة في عهدها الأوّل بعد
الرسول (صلّى الله عليه وآله) .
يقول الجابري
(1) : بما أنّ التنافس كان على مدوّنة من الألفاظ
محصورة محدودة ـ القرآن والحديث ـ وبما أنّ
كلّ صاحب مقالة وصاحب مذهب كان يطلب
المصداقيّة والمشروعيّة لآرائه ومذهبه بجعلها مضمنة في الألفاظ والعبارات نفسها ، فإنّ
ـــــــــــــ
(1) بنية العقل العربي ،
مرجع سابق / 562 .
الصفحة (419)
ما كان يحدث هو أنّ اللفظ الواحد أو
العبارة الواحدة كانت تضمّن آراء مختلفة من مذاهب متباينة متناقضة كان يُدعى لها
جميعاً أنّها المراد من اللفظ . من هنا صار اللفظ يحمل من
المعاني عن طريق التأويل
والمماثلة ما لا يُمكن حصره ، وصار من الجائز أنْ
يكون المراد منه هذا المعنى أو ذاك أو ذلك .
ويأتي أدونيس (1) بوصفه الساخر للحضارة
الإسلاميّة باعتبارها ( حضارة نصيّة ) تثير إشكالات كثيرة ذات بواعث ذاتيّة وموضوعيّة
، وهي في النهاية قراءة أيديولوجيّة على النحو التالي :
أ ـ تقتضي القراءة الأيديولوجيّة العمل
للفوز بالسلطة ، من أجل تعميم حقائقها حقائق القراءة .
ب ـ تصبح
المعرفة سلطة ، والسلطة معرفة :
تتماهى الحقيقة مع القوّة .
ج ـ هذه القراءة الأيديولوجيّة السياسيّة
، تُثير بالضرورة قراءة أو قراءات
اُخرى .
د ـ يصبح النصّ الديني مكاناً لحرب
القراءات ـ التأويلات
ـ . أعني مكاناً لحرب السلطات ، من حيث أنّ القراءة الأيديولوجيّة
تحوّله إلى وسيلة للتغلب والسيطرة .
هـ ـ يسوغ العنف بوصفه جزءاً من هذه
القراءات ـ السلطات
ـ ، وبوصف
كلّ من هذه أنّها تمثّل
الحقّ وتتطابق مع الإرادة
الإلهيّة ، ومن حيث أنّها تبعاً لذلك تفسّر
كلّ تعارض معها على أنّه تعارض مع
الحقّ .
و ـ توصلنا هذه القراءات
المتصارعة إلى
عالم مُغلق تتحرك فيه عقائد أو مذاهب
كلّ منها عالم مُغلق بدوره .
ــــــــــــــ
(1) أدونيس ، الثابت
والمتحول 1 / 25 ، ط 7 ـ بيروت
ـ دار الساقي / 1994 م .
الصفحة (420)
ز ـ وبما أنّ قراءة النصّ الديني
ـ الإسلاميّة
دينيّة ـ دنيويّة بحسب الفهم السائد ، نُدرك كيف يتبادل
المقدّس والدنيّوي موقعيهما ،
وكيف يصبح العنف نفسه ، في بعض الحالات ، دينيّاً أو مقدّساً .
ولكي تكتمل الصورة عن طرح أدونيس ، فيجب
أنْ نذكر أنّه يكتب هذا وفي خلفيته قناعته بما حدث يوم السقيفة من مخالفة إرادة رسول
الله (صلّى الله عليه وآله) ـ والتي هي إرادة إلهيّة ـ نتيجة الأهواء ، فيقول
(1) : تجمع الأخبار
المأثورة بمختلف رواتها
وصيغها ، على أنّ النبيّ أراد قبيل موته أنْ يعهد بخلافته لشخصّ يختاره هو بنفسه ، لكن
هذه الإرادة لمْ تتحقّق .
وأمّا أوضح
الأمثلة على ما نقول ، فذلك
مثال نصر أبو زيد(2) ـ صاحب مقولات : ( تاريخيّة النصوص ) ، و( القرآن منتج ثقافي )
، و( التحرّر من سلطة النصوص ) ـ الذي
لمْ يستطع الرّد على ناقديه إلاّ بالاحتجاج بأفعال
عمر بن الخطاب ، فيقول(3) : ما الرأي في عدم انصياع عمر بن الخطاب
لبعض أوامر القرآن الكريم ، وممارسات النبيّ (صلّى الله عليه وآله) في إعطاء
المؤّلفة قلوبهم نصيبهم من الزكاة ، والمنصوص عليه في القرآن نصّاً
لا يحتمل التأويل ؟
وهو لا يرى لناقدية مخرجاً من مأزقهم الذي
يضعهم فيه تساؤله السابق إلاّ بالتسليم
, بأنّ سلطة النصوص سلطة مضافة
، وليست
ذاتيّة .
ــــــــــــــ
(1) المرجع السابق
/ 161
.
(2) أستاذ بكلية الآداب ـ
جامعة القاهرة
ـ أثار ضجّة بآرائه ، وصدر حكم قضائي بالقاهرة عام
/ 1994 م ، بالتفريق
بينه وبين زوجه لارتداده عن الدين .
(3) د . نصر أبو زيد ،
التفكير في زمن التكفير
/ 142 ، ط 2 ـ القاهرة ـ مكتبة مدبولي
/ 1995 م .
الصفحة (421)
ثمّ يقرّر(1) : عدم انصياع عمر بن الخطاب
للأوامر القرآنيّة ينفي نفيّاً كاملاً صواب الاستشهاد ـ بالنصوص ـ لتكريس مفاهيم
( العبوديّة ) ، و ( الانصياع ) و ( الطاعة ) ، وعدم
المخالفة ، الذي يفضي إلى الخروج عن
حدّ الإيمان .
ــــــــــــــ
(1) المرجع السابق
/ 143
.
الصفحة (422)
المنهج الفريد
الإمام الحّسين (ع) :
(( أنا أحقّ من غير
)) .
الإمام عليّ (ع) :
(( لا يمنع الضيم الذليل ، ولا يُدرك
الحقّ
إلاّ بالجدّ ))
الإمام الحّسين (ع)
(( والله ، لا أعطي بيدي إعطاء الذليل ، ولا
أفرّ فرار العبيد
))
الفيلسوف هيجل
: ليس بالوسع نيل الحريّة إلاّ بالمخاطرة
بالحياة ، حينئذ فقط يُمكننا التدليل على أنّ جوهر وعي الإنسان بذاته ليس مجرّد البقاء
على قيد الحياة
.
الصفحة (423)
وحين صوّب العدو مدفع الردى
واندفع الجنود تحت وابل
من الرصاص والردى
صيح بهم : تقهقروا . تقهقروا .
في الملجأ الوراء مأمن من
الرصاص والردي
لكن إبراهيم ظلّ سائراً
إلى الأمام سائراً
وصدره الصغير يملأ
المدى .
تقهقروا
، تقهقروا .
في الملجأ الوراء مأمن من الرصاص والردى
لكن إبراهيم ظلّ سائراً
كأنّه لمْ يسمع الصدى .
* * *
الصفحة (424)
وقِيل إنّه الجنون
لعلّه الجنون
لكنّني عرفت جاري العزيز من زمان ،
من زمان الصغر
عرفته بئراً يفيض ماؤها
وسائر البشر لا تشرب منها ، لا ولا
ترمي بها ، ترمي بها حجر
.
يوسف الخال
من ديوان : البئر
المهجورة .
الصفحة (425)
مسرح تتجاور فيه
المتناقضات بجرأة ،
ومنبع لآليات التبرير الهابط بلا حياء .
تلك كانت خلاصة دراسة واقع حال
المجتمع
ساعة كربلاء .
بدأ الانهيار المفجع لثورة الخلاص
الإنساني في آخر أسبوع لآخر عهد الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) بالدنيا ،
ساعة خولفت أوامره ببعث جيش أُسامة ، وعدم تمكينه من طلبه دواة وصحيفة ، يكتب بها
كتاباً لا يضلّ
معه أبداً ، حين رماه عمر بالهجر ،
حتّى فارق الدنيا وهو غاضب .
وتلاشى آخر حلم نبيل للبشريّة في حياة
مبناها العدل ، وقوامها الرحمة ، وأساسها التقوى ، يوم أنْ
شارك القوم جميعاً في سفك دم أكمل البشر من غير الأنبياء ، عليّ بن أبي طالب
(ع) وإنْ بوشر القتل بسيف ابن ملجم
.
عُطلّت النصوص القرآنيّة
المحكمة برسم
الخلافة .
ومُنعت السنّة
المطهرة من التدوين والتدول
بادّعاء الحيطة .
وبُوشر الزنى والقتل بدعوى الحفاظ على
الدين وردّ المرتدّين .
وولّي الطلقاء على رقاب الصلحاء
، فدهاء
الأوّلين أنفع من تقوى الآخرين .
ودفن النقاء الثوري وحيداً غريباً في
صحراء الربذة ، فالمطلوب الواقعيّة لا
المثاليّة .
وانساحت الحدود بين المال الخاصّ وبيت مال
المسلمين ، فحقّ التصرّف المطلق للخليفة أسبق من كلّ الحقوق .
وكُتم كلّ صوت رقابي على السلطة ، واستُبيح
دم كلّ ناصح ، فهذا جزاء مَن يخرج على الجماعة ، ويبغي الفتنة .
وأخذ المحسن بالمُسيء ، وقُتل البريء بالظنّة
، فذلك ادعى لاستقرار الدولة .
|