الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة (376)

وعندما ذكّر عليّ (ع) أباه الزبير يوم الجمل بالله ، وقِيل بحديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( لتقاتلنه وأنت له ظالم )) ، استذكر الزبير ، وأقسم على ترك الحرب ، فإذا ابنه عبد الله يستحثّه على مواصلة الحرب والتكفير عن يمينه والعودة للقتال(1) .

ولمْ تكن حقيقة طموحات عبد الله غائبة عن الحُسين (ع) أو عن غيره ، فقد دعا الحُسين (ع) إلى الخروج إلى الكوفة لمّا أطلعه الحُسين (ع) على عزمه ، فقال عبد الله مستحثّاً : أمَا لو كان لي بها مثل شيعتك ما عدلت بها .

والملاحظ أنّ قول ابن الزبير يختلف عن أقوال الثلاثة السابقين ، إذ أنّ دعواه في ظاهرها تتّفق ودعوى الحُسين (ع) من حيث تحقّق ظلم بني اُميّة ووجوب الخروج عليهم والامتناع عن بيعة يزيد , ولذلك فلا يُمكنه التحدّث بمثل كلامهم ، وإلاّ كان موقفه بلا معنىً .

إلاّ أنّ ابن الزبير يعلم أنّ وجود الحُسين (ع) حائل لا محالة بينه وبين إدراك مراده ، فإنّ الناس لا تعدله به ؛ ولذلك فإنّ متابعته الحُسين (ع) على الخروج تحقّق عدّة أهداف في آن معاً ، فهو أوّلاً : لمْ يخذّل الحُسين (ع) بل يُظاهر الناس بأنّه مؤيّد لكلّ خارج على ظلم الاُمويّين . وهو ثانياً : يتخلّص من مزاحمة الحُسين (ع) له في الحجاز . ثمّ هو ثالثاً : يرمي عدوّه الرئيسي ذا الشوكة ـ الاُمويّين ـ ويشاغله بالحُسين (ع) في العراق ريثما يمكّن لنفسه في الحجاز .

ولو لا أنّ هذه الاعتبارات كانت واضحة في ذهن الحُسين (ع) ، وأنّ منظور الخروج عنده يختلف كلّية عنه عند ابن الزبير ، لكان السؤال الطبيعي الذي لا بدّ أنْ يطرح نفسه : لماذا لمْ تتوحّد جهودهما معاً ضدّ العدوّ المشترك ؟

ــــــــــــــ

(1) المرجع السابق / 502 .


الصفحة (377)

فمن المفترض أنّ التناقض الرئيسي كان قائماً بينهما وبين نظام بني اُميّة ، وكانت تناقضهما في العلن ثانويّاً ، فكان من المنطقي أنْ تتحد قواهما الثوريّة في تلك اللحظة ، ولو باتّباع اتّفاق مرحلي ( تكتيك ) ضدّ العدو الرئيسي ، حتّى ولو كان هذا الاتّفاق في أضعف صوره على أساس جبهوي ، مع الحرص على إخماد مظاهر التناقض الثانوي إلى حين بروزها التلقائي ، ولكن بعد أنْ يكون الهدف المشترك قد تحقّق بشكل حاسم .

إنّ إجابة هذا السؤال متضمّنة بوضوح في موقف ابن الزبير إزاء الحُسين (ع) ونصيحته له ، فهو لمْ يكن على استعداد للاتّفاق مع الحُسين (ع) بالذّات ، وإنْ كان قابلاً للتحالف مع آخرين بشرط ضمان إحكام قبضته ، على ضبط حركة ووتيرة هذه العلاقة حسبما يشاء . ويدلّ على ذلك تعليق الحُسين (ع) على نصيحة ابن الزبير بقوله(1) : (( ها ! إنّ هذا ليس شيء يُؤتاه من الدنيا أحبّ إليه من أنْ أخرج من الحجاز إلى العراق ، وقد علم أنّه ليس له من الأمر معي شيء ، وأنّ الناس لمْ يعدلوه بي ، فودّ أنّي خرجت منها لتخلوَ له )) .

وهو ما ذهب إليه أبو برزة الأسلمي ـ فيما رواه البخاري في كتاب الفتن ـ بقوله في ابن الزبير : وإنّ ذاك الذي بمكّة ، والله ، إنْ يقاتل إلاّ على الدنيا .

ولا يظنن أحد أنّ استفهامنا عن سبب عدم طرح الاتّفاق الجبهوي ببعيد ، فإنّ ذلك ما حدث فعلاً مع طرف آخر في الصراع وهم الخوارج ، ولكن الخوارج غير الحُسين (ع) ، فهم من جانب قوّة بأس وذوو عزيمة ، وينطوون على كره شديد للنظام الاُموي ، فضلاً عن كونهم لا يرون رأي شيعة عليّ (ع) بل أكفروه ، وهم من

ــــــــــــــ

(1) تاريخ الطبري ، مرجع سابق 5 / 383 .


الصفحة (378)

جانب آخر لا يلقون قبولاً من عامّة المسلمين ، وذلك يعني إمكان استفادة ابن الزبير من الجانبين معاً ، فيُفيد من شوكتهم إلى المدى الذي يراه ، وفي الوقت ذاته يظلّون ورقةً قابلةً للحرق في أيّة لحظة . وعلى هذا تحالف ابن الزبير مع نافع بن الأزرق وأصحابه ، وقاتلوا معه جيش يزيد ، ثمّ تفارقا .

ويسوق المؤرّخون(1) سياقاً غير مقنع لسبب الافتراق ، إذ يذكرون : أنّ الخوارج تذاكروا فيما بينهم من بعد ، أنّه ربما كان ابن الزبير مخالفاً لهم في رأيهم وعلى غير طريقتهم ، فسألوه فجأةً عن رأيه في عثمان بن عفّان وهم يعلنون منه البراءة ، فلمّا أعلن ابن الزبير تولّيه عثمان , تبرّأ كلّ فريق من الآخر وافترقوا .

وأغلب الظنّ أنّ ما حدث كان تراضي الطرفين على التغافل عن أوجه الخلاف فيما بينهما في البداية ، حتّى إذا ما حانت اللحظة المناسبة وفق حسابات كلّ طرف ، أشهروا وجه الخلاف حين شعر كلّ فريق أنّ مصلحته في تلك اللحظة فضّ الاتّفاق . وممّا يُعزّز هذا الرأي , أنّ ذلك الخلاف لمْ يقع إلاّ حين مات يزيد ، وحسب كلّ فريق أنّها الفرصة الملائمة للعمل لحسابه الخاصّ ، فافتعل الخوارج استذكارهم الفجائي لموقف ابن الزبير وأبيه المناديين : يا لثارات عثمان .

ورجع ابن الزبير عن إعطائهم الرضا الذي أعطاهم من قبل ، وكان قد أكّد عند مقدمهم الأوّل أنّه على رأيهم من غير تمحيص .

وقد أثبتت الأيّام دوماً أنّ لعبة التحالفات المؤقتة بين فرقاء لا يجمعهم نسق قيمي واحد ينعكس في رؤية شاملة ، لا تُجدي شيئاً في سبيل إحقاق حقّ وإبطال

ــــــــــــــ

(1) المرجع السابق / 564 .


الصفحة (379)

باطل ، وإنّما هي تليق بطلاب دنيا لا طلاب عدل ؛ ذلك أنّ الأوّلين هم خرجوا في الآخرين لا يزيدوهم إلاّ خبالاً ، ولأوقعوا خلالهم يبغونهم الفتنة .

وقد حارب ابن الزبير بالأمس عليّاً (ع) ، باشتراك وتمويل بني اُميّة في حرب الجمل ، فكانت نتيجتها رصيداً مضافاً إلى رصيد معاوية المتربّص بالشام . فلا يتوقّع منه اليوم أنْ يُؤازر الحُسين (ع) على مشروع قاتله عليه بالأمس ، إلاّ أنْ يُحقّق له نفعاً ، ولكنّ منفعته اليوم هي التخلّص من الحُسين (ع) ، فليُؤازره إذاً بالكلام ، ويدفعه وحده إلى قتال يزيد ، ثمّ يُبكيه بعد مقتله .

وقد جاءت الأيّام من بعد ، فلقي الهاشميّون على يد ابن الزبير وعمّاله ، من العنت والإحصار والشدّة ما لا يقلّ عمّا لاقوه على أيدي بني اُميّة ، حتّى ترك ابن الزبير ذكر النبي (صلّى الله عليه وآله) كراهةً في الهاشميّين ، وحتّى لمْ يجد قتلة الحُسين (ع)(1) ، وعلى رأسهم : عمر بن سعد , ومحمّد بن الأشعث ، وشبث بن ربعي ، ملجأ عندما طُوردوا إلاّ مصعب بن الزبير أخا عبد الله وعامله على البصرة .

وحين أراد عبد الله بن يزيد عامل ابن الزبير على الكوفة ، تخذيل التوّابين عن ملاقاة جيش الشام ، قال زعيم التوّابين سليمان بن صرد(2) : لا أرى الجهاد مع ابن الزبير إلاّ ضلالاً . بما يعنيه ذلك من فطنة أنصار الحُسين (ع) لحقيقة الدور القائم به ابن الزبير .

شيوخ صفّين :

وصفّين أعني بها المرحلة والموقف بكامله لا المعركة وحدها ، فلقد كانت مرحلة بما اشتملت عليه من حرب وما انتهت إليه من تحكيم وما تلاه من

ــــــــــــــ

(1) الدينوري ، الأخبار الطوال ، مرجع سابق / 301 .

(2) تاريخ الطبري ، مرجع سابق 5 / 592 .


الصفحة (380)

تداعيات , حتّى كان التخاذل الأعظم بمعسكر النخيلة وعودة عليّ يائساً من قومه حتّى رحمه الله بأشقى هذه الاُمّة ، ثمّ ما كان بعد ذلك من نكوص عن حرب معاوية استمراراً في التخاذل حتّى خلص الأمر لمعاوية في النهاية .

أسفرت مفرزة صفّين في معسكر عليّ عن تصنيف لفئات الناس لما يزل قائماً حتّى خروج الحُسين (ع) ، بل أحسبه كذلك في كلّ عصر وحتّى آخر الزمان :

فئة ممتازة ذات وعي كلّي ، الفكرة لديها واضحة وضوحاً لا لبس فيه ، تحيط علماً بأبعاد قضيتها إحاطة شمول .. وعلى يقين من أمرها لا شك فيه ، ولكنها كالعهد بها دائماً قليلة العدد ، فإن غالبية الناس على غير ذلك ، وقد جاء القرآن بثبوت ذلك ، فقال الله تعالى :

( وَلكِنّ أَكْثَرَ الناسِ لاَ يَشْكُرُونَ )(1) .

( وَلكِنّ أَكْثَرَ الناسِ لاَ يَعْلَمُونَ )(2) .

( وَلكِنّ أَكْثَرَ الناسِ لاَ يُؤْمِنُونَ )(3) .

وهذه الفئة تضمّ أمثال : عمّار بن ياسر وحجر بن عدي ، والأشتر وعمرو بن الحمق .

وفئة ثانية : تنطوي على إخلاص وحسن نيّة ، ولكن يلتبس عليها أمر الحقّ ، فتحتاج أنْ تستوثق منه ، وتفتقر في ذلك إلى من يُعينها على إدراكه ، فإذا ما استوثقت لحقت بالفئة الأولى أو كادت , ومن هؤلاء : خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين ، ولا أراني مخطئاً ألحقت بهذه الفئة كثيراً من الخوارج .

ــــــــــــــ

(1) سورة البقرة  / 243 .

(2) سورة الأعراف  / 187 .

(3) سورة هود /  17 .


الصفحة (381)

وفئة ثالثة : تعرف الحقّ معرفتها لذوات أنفسها ، ولكنّ الحقّ له تكاليفه وأعباؤه ، بينما طاقاتها النفسيّة لا تعينها على اجتياز الصراط بخفّة إليه ، فتقف متردّدة متثاقلة بين الحياء من عدم التزام الحقّ ، وبين إغراء الدنيا ، فتارةً تغلبها الدنيا فتؤثر السلامة ، وتارةً تثوب إلى رشدها وتمتثل لأمثل قناعاتها فتغصب نفسها على الحقّ غصباً .

وخير تمثيل لهذه الفئة هم التوّابون ، وعلى رأسهم : سليمان بن صرد والمسيب بن نجبة ورفاعة بن شدّاد ، الذين كان لهم شأن في مؤازرة عليّ (ع) في حروبه ، ولكنّهم قصّروا في مؤازرة الحُسين (ع) ، إلى أنْ كانت توبتهم بالإقبال على الشّهادة مختارين في ( عين الوردة ) ، فنالوها يومئذ عدا رفاعة .

وفئة رابعة : عنوانها الرئيسي يُوجز في كلمة واحدة : النفاق , ومن هؤلاء : خالد بن المعمر ، والأشعث بن قيس زعيم كندة ـ وكان على شاكلة عبد الله بن أبي بن سلول على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ـ فكان يكتب لمعاوية وهو في معسكر عليّ (ع) ، ويحرّض على وقف القتال حين كاد جيش عليّ (ع) يظفر في المعركة ، وألّب على الأشتر لإحداث الفتنة ، وعبّأ الناس حتّى يلجئ عليّاً (ع) إلى قبول أبي موسى الأشعري ـ على تاريخ المخذّل عن عليّ (ع) ـ محكّماً مقابل عمرو بن العاص ، وفيه يقول عليّ (ع)(1) : (( منافق ابن كافر ، والله ، لقد أرك الكفر مرّة والإسلام اُخرى ، فما فداك من واحدة منهما مالك ولا حسبك . وإنّ امرءاً دلّ على قومه السيف وساق إليهم الحتف , لحريّ أنْ يمقته الأقرب ولا يأمنه الأبعد )) .

ــــــــــــــ

(1) نهج البلاغة ، بشرح محمّد عبده ، مرجع سابق / 110 .


الصفحة (382)

وفئة خامسة : قلبت للمبدأ ظهر المجن ، وشرت الآخرة بالدنيا ، فأقبلت عليها تعب من أوزارها في غير تأثم ، حتّى لكانت الدنيا أكبر همّها من غير إلقاء بال إلى دين أو حساب أو معاد .

وأظهر ممثّل لتلك الفئة زياد بن أبيه ، الذي فاق في شناعاته من حسم أمره منذ البداية لأجل الدنيا ، كعمرو بن العاص الذي انضمّ ابتداءً إلى معاوية وهو يعلم أنّ عنده مبتغاه من الدنيا .

وممّن انقلبوا من النقيض إلى النقيض حال خروج الحُسين (ع) : شبث بن ربعي وحجار بن أبجر ، وقيس بن الأشعث بن قيس , ويزيد بن الحارث ، الذين كاتبوا الحُسين (ع) قبل خروجه ليخرج ، وقالوا(1) : قد أينعت الثمار واخضرّ الجناب ، وطمت الجمام ، وإنّما تقدم على جند لك مجنّد ، فأقبل . فلمّا أقبل الحُسين (ع) إذا بهم هم أنفسهم رؤوس جيش ابن زياد لقتاله .

وهكذا لا ترى من بين فئات القيادات كلّها إلاّ ثلّة من الأوّلين ، مثل : مسلم بن عقيل وحبيب بن مظاهر ، ومسلم بن عوسجة وقيس بن مسهر ، وقليلاً آخرين من الذين حسموا ترددّهم نهائيّاً ، مثل : زهير بن القين والحرّ بن يزيد ... وهؤلاء لا يُغنون ـ بطبيعة الحال ـ في مواجهة نظام عتيد مثل نظام بني اُميّة .

وهؤلاء كانوا ـ حسب منطوقهم إبّان المعركة فيما أوردنا بعضه من قبل ـ أقرب إلى الإقبال على الشهادة خالصة في سبيل الله، مهما كانت العواقب من اطمئنانهم إلى قدرتهم على إحداث التغيير الشامل .

وهنا توجد الهوّة العميقة بين الدور المفترض والأداء الواقعي ، وربّما كان ذلك أحد أسباب الإخفاق من منظور استهداف التغيير الكلّي ؛

ــــــــــــــ

(1) تاريخ الطبري ، مرجع سابق 5 / 425 .


الصفحة (383)

ذلك أنّه يفترض في القيادة أنّه منوط بها قيادة الجماهير وتثويرها وتوعيّتها وتوجيهها عبر الوسائل المختلفة ، نحو تحقيق المستهدف من الحركة ، بحيث تُؤدّي القيادة دورها الطليعي للقاعدة الشعبيّة بالغوص في أعماقها ؛ لاستخراج مكنونها لتوظّفه التوظيف الملائم لقدرات كلّ ، بما يكفل فعاليّة القدرات الجزئيّة وتكاملها ، في الوقت الذي يضمن فيه المشاركة الواسعة ، كنتيجة للوعي بالأهداف ، ثمّ الممارسة المتواصلة للمهام في كلّ مرحلة . ولكنّ القلّة القليلة القياديّة المخلصة من أصحاب الحُسين (ع) اختزل دورها من الدور القيادي الشامل إلى أداء فردي بحت , فعلى الرغم من تعدّد انتماءات هذه القيادات ، فإنّ أحداً لمْ يعظّم من قدرته عن طريق تفعيلها في مجاله المؤثّر ، وقد كان لا يزال هذا المجال هو الانتماء القِبلي ، فلمْ ترَ قبيلة أو عشيرة تحرّكت لمساندة صاحبها لا على دين ولا على حسب .

بينما تجد على الجانب الآخر ، أنّ أحد أقوى الأسباب لنجاح عبيد الله بن زياد في مهمّته ، هو لجوؤه إلى قيادات القبائل فيما عرف بـ( الأشراف ) , الذين استطاعوا فضّ الجمع المصاحب لمسلم بن عقيل في حصاره لقصر ابن زياد .

يروي الطبري(1) : أنّه كان مع ابن زياد في قصره يومئذ ثلاثون رجلاً من الشرط , وعشرون رجلاً من أشراف الناس وأهل بيته ومواليه ، فدعا ابن زياد الأشراف ليسيروا في الكوفة ليخذلوا الناس ، ثمّ دعاهم إلى قصره ليشرفوا على الناس ، قائلاً لهم : أشرفوا على الناس فمنّوا أهل الطاعة الزيادة والكرامة ، وخوّفوا أهل المعصية الحرمان والعقوبة ، وأعلموهم فصول الجنود من الشام إليهم .

وكان من هؤلاء : عبيد الله كثير بن شهاب بن الحصين الحارثي , ومحمّد بن

ــــــــــــــ

(1) تاريخ الطبري ، مرجع سابق 5 / 369 .


الصفحة (384)

الأشعث بن قيس الكندي ، والقعقاع بن شور الذهلي , وشبث بن ربعي التميمي ، وحجار بن أبجر العجلي , وشمر بن ذي الجوشن العامري .

فهل كانت القيادات الموالية لبني اُميّة ( الأشراف ) أطوع في أقوامها من القيادات الحُسينيّة ؟ أمْ كانت القيادات الحُسينيّة غير ذات فاعليّة في محيط أقوامها ؟ أمْ أنّ هناك عوامل اُخرى تحكّمت في مسار الأحداث ؟

تُجيبنا إحدى الدراسات(1) التي تناولت هذا الموضوع بما موجزه : أنّ القيادات الحُسينيّة تمثّل النخبة الواعية للإسلام في المجتمع الإسلامي ، ومن حيث هي كذلك فهي تمثّل النقيض الاجتماعي للنخبة القبليّة التقليديّة ، إلاّ أنّه من المرجّح أنّ جمهورها صغير الحجم بالنسبة إلى الجمهور التقليدي . ثمّ تصل الدراسة إلى النتيجة التالية (2) : لقد كان ثوّار كربلاء جمهوراً صغيراً ، بجناحيه من عرب الجنوب وعرب الشمال ، ولكنّه كان يمثّل النخبة ، فيجب أنْ نلاحظك أنّ كثيراً من الثائرين لا يمثّلون ـ عدديّاً ـ أشخاصهم أو أسرهم ، وإنّما يمثّلون النخبة ، فقد كانوا قادرين على السيطرة على الموقف لو قُدّر للثورة أنْ تنتصر وتمكنوا من الاستيلاء على الحكم ، وكانوا قادرين ـ إذا لمْ يتح لهم النصر , كما حدث في الواقع ـ أنْ يفجروا طوفاناً من الغضب ضدّ الحكم المنحرف في قلوب جماهير غفيرة من الناس .

ــــــــــــــ

(1) الشيخ محمّد مهدي شمس الدين ، أنصار الحُسين (ع) / 188 ، ط 2 ـ بيروت ـ الدار الإسلاميّة  / عام 1981 م .

(2) المرجع السابق / 201 .


الصفحة (385)

وهذا الرأي في الواقع يحتاج إلى كثير من المراجعة ، فهو أوّلاً : يقرّر أنّ جمهور النخبة صغير الحجم نسبيّاً ، إضافة إلى صغر حجم النخبة ذاتها ، إلاّ أنّه يعود ليذكّر أنّ النخبة تمثّل جماعات كبرى من القبائل ، وأنّها قادرة على تفجير طوفان من الغضب في قلوب جماهير غفيرة من الناس . وثانياً : فإنّه يشتمل على استدلال لا منطقي ، فالقضيّة بموضوعاتها ومحمولاتها ـ كما يقول المناطقة ـ مرتّبة بما لا يعكس قياساً منطقيّاً ، ولكن يجب ترتيبها على النحو التالي :

الثوار هم النخبة الواعية                

الثوار يمثلون جماعات كبرى من القبائل .

            انتصار الثورة مرهون بتفجير طاقة الجماعات الكبرى .

 إذاً النخبة قادرة على نصر الثورة .        

ولكنّ الشيخ شمس الدين ـ لا أدري كيف ـ رتّب المسألة على  غير المراد : إذا انتصرت الثورة ، فإنّ النخبة قادرة على السيطرة على الموقف .

إذا لمْ تنتصر الثورة ، فإنّ النخبة قادرة على تفجير طوفان الغضب ضدّ الحكم المنحرف .

بينما المطلوب هو أن تقوم النخبة ابتداءً بتفجير طوفان الغضب ضدّ الحكم المنحرف لكي يتمّ انتصار الثورة ، وطالما أنّ النخبة تتمتّع بمثل هذه القدرة ، فستكون تلقائيّاً قادرة أيضاً على السيطرة على الموقف حال انتصار الثورة . ثمّ كيف تكون النخبة قادرة على تفجير الغضب في حالة عدم انتصار الثورة ؟ ويذكر الشيخ : أنّ هذا ما حدث في الواقع بينما هي قد استئصلت أو كادت مع الحُسين (ع) .

الواقع أنّ كلّ ذلك لمْ يحدث تاريخيّاً ، وبالتالي تظلّ أسئلتنا بلا إجابة حتّى الآن .


الصفحة (386)

اقرأ ما رواه الطبري(1) في شأن هانئ بن عروة المرادي من أشراف العرب ، حسب تعبير ابن زياد نفسه ، تقف على حجم محنة النخبة : لمّا عرف ابن زياد منزل مسلم بن عقيل بدار هانئ بن عروة ، أتى بهانئ وحبسه وقال له : والله ، لتأتيني به أو لأضربن عنقك . قال هانئ : إذاً تكثر البارقة ـ يعني : السيوف ـ حول دارك .

قال ابن زياد : وا لهفاً عليك ! أبالبارقة تخوفني ؟!

يذكر الراوي : وهو ـ أي : هانئ ـ يظنّ أنّ عشيرته سيمنعونه , فاستعرض ابن زياد وجه هانئ بالقضيب ، فلمْ يزل يضرب أنفه وجبينه وخدّه حتّى كسر أنفه ، وسيّل الدماء على ثيابه ، ونثر لحم خدّيه وجبينه على لحيته حتّى كسر القضيب .

ولمّا دخل شريح على هانئ ، قال : يا الله ، يا للمسلمين ! أهلكت عشيرتي ؟ فأين أهل الدين ، وأين أهل المصر ؟ تفاقدوا يخلّوني وعدوّهم وابن عدوهم !

وحين قُتل مسلم بن عقيل أُخرج هانئ ـ بأمر ابن زياد ـ إلى سوق يُباع فيه الغنم لتضرب عنقه ، جعل هانئ يقول : وا مذحجاه ! ـ يعني : قبيلته ـ ولا مذحج لي اليوم ! وا مذحجاه ! وأين منّي مذحج !

فلمّا رأى أنّ أحداً لا ينصره جذب يده فنزعها من الكتاف ، ثمّ قال : أمَا من عصا أو سكين أو حجر أو عظم يجاحش بها رجل عن نفسه ؟!

فهذا الرجل من النخبة من سادات العرب ، ومن كبار زعماء اليمنيّة بالكوفة ،

ــــــــــــــ

(1) تاريخ الطبري ، مرجع سابق 5 / 367 وما بعدها .


الصفحة (387)

يسلّم ويخذل ويخلّى بينه وبين عدوّه ، ثمّ يُذبح ويُجر من رجليه بسوق الغنم ، ولك ذلك يحدث في محلّه وبين قومه وعشيرته الأدنين ، وهو يستصرخهم ولا مجيب .

وفي سياق البحث عن أسباب الخذلان الكوفي ، يذهب باحث آخر إلى أنّ التشيع أحدث اختراقاً قبليّاً بحيث أدّى إلى وجود انتماء سياسي على أساس غير عصبوي(1) .

وهذا الرأي في الواقع وإنْ كان حقّاً ، إلاّ أنّه يمثّل عنصراً إيجابيّاً ، يتوقّع معه ألاّ يُؤدّي إلى الخذلان بالقدر الذي حدث ، وبالتالي فهذا العنصر لا يفسّره ، ولكن يزيده إبهاماً .

غير أنّ الباحث قد أصاب حين وصف التغير الحاديث بـ ( الاختراق القبلي ) ، ولفظ الاختراق دلالته واضحة في الحجم النسبي المحدود للتغير ، وهو يعني في النهاية سيادة القيادات القبليّة التقليديّة .

وواضح أنّ المسألة القبليّة كانت أحد العوامل المؤثّرة بشدّة في مسار الأحداث ، وواضح أيضاً أنّ لبّ المسألة يكمن في فعاليّة الزعمات القبليّة التقليديّة ، وليس في قواعدها الواسعة المرهونة حركتها قيد توجّهات الأولى .

ولقد كانت النزعة القبليّة ، كما هي حتّى يومنا هذا ممّا نعاينه من طبيعة الأداء السياسي في المجتمعات النامية والمتخلّفة ، عائقاً أعظم يحول دون التطوّر الاجتماعي بشكل عامّ ، وهي دائماً إحدى أدوات الأنظمة الاستبداديّة في بسط هيمنتها على الشعوب .

ــــــــــــــ

(1) د . إبراهيم بيضون ، اتّجاهات المعارضة في الكوفة / 167 ـ بيروت ـ معهد الإنماء العربي ، عام / 1986 م .


الصفحة (388)

إلاّ أنّ هذه المسألة تدفعنا إلى التساؤل في حيرة ، عن سبب شغل القبليّة لهذا الحيّز الكبير في الصراع ـ ونحن نتناول أحداث عام واحد وستين هجري ، بعدما أتى الإسلام بمفهومه المناقض للمفهوم الجاهلي ؟

لقد بسطنا القول من قبل في هذه المسألة ، وانتهينا إلى أنّ القبلية هي إحدى محدّدات النظام الجاهلي ، وعند اختبار هذا المحدّد بالنسبة للنظام الاُموي لمْ نجد اختلافاً يذكر عمّا كان سائداً قبل الإسلام ، بل إنّ النظام الاُموي ـ كنظام استبدادي ذي طموحات خاصّة ـ عمد إلى تعميق هذه النزعة موظفاً آليات فعلها ومستثمراً عوائدها في تثبيت دعائمه .

ولكن بحثنا في أسباب الخذلان الشامل للحسين (ع) ، والكوفي منه بخاصّة ، فتح أبصارنا على معطيات واقعيّة وكم من الجزئيّات التفصيليّة ، لا بدّ وأنْ تقودنا بالضرورة إلى مراجعة التعميمات النظريّة وإخضاعها للمحكات العمليّة ، وإلاّ أصاب اتّساق البِناء الفكري لدينا خلل خطير .

فلأوّل وهلة ، قد رأينا أنّ أمر الكوفة يحسمه تقسيمها القبلي ، ولكنّا نعلم أنّ الكوفة منشأة في الإسلام ، فلماذا انسحبت عليها هذه السمة ؟ لا بدّ إذاً من العودة القهقري على مراحل ، نتتبع فيها مسار هذه النزعة ، وهو ما نحسبه يتحقّق بالتوقف قليلاً في المحطّات التالية :

في حرب صفّين : كان تقسيم كلا الجيشين المتحاربين تقسيماً قبليّاً بحتاً ، حتّى إنّ عليّاً (ع) قال(1) لأزد الكوفة : (( اكفوني أزد الشام )) . وقال لخثعم : (( اكفوني خثعم )) . فأمر كلّ قبيلة من أهل العراق أنْ تكفيه أختها من أهل الشام .

ــــــــــــــ

(1) الأخبار الطوال ، مرجع سابق / 181 .


الصفحة (389)

في تمصير الكوفة التي اختطت في عهد عمر عام 17 هـ على يد أبي الهياج الأسدي موفد عمر إلى سعد بن أبي وقّاص ، فكان أنْ أسهم بين عرب الشمال والجنوب ، فخرج سهم اليمن أوّلاً ، فصارت خططهم في الجانب الأيسر ، وصار لنزار الجانب الغربي . وكانوا ، كما قال الشعبي(1) : كنّا ـ يعني : أهل اليمن ـ اثني عشر ألفاً ، وكانت نزار ثمّانية آلاف ، ألاَ ترى أنّا كنّا أكثر أهل الكوفة .

ثمّ قسّموا كالتالي(2) :

كنانة وحلفاؤها من الأحابيش وغيرهم وجديلة ، وهم بنو عمرو بن قيس عيلان .

قضاعة ـ ومنهم يومئذ غسّان بن شيام ـ وبجيلة وخثعم وكندة وحضر موت والأزد .

مذحج وحمير وهمدان وحلفاؤهم .

تميم وسائر الرّباب وهوازن .

أسد وغطفان ومحارب والنمر وضبيعة وتغلب .

إياد وعكّ وعبد القيس وأهل هجر والحمراء .

وظلّ هذا التقسيم سارياً حتّى ربّعهم زياد في عهد معاوية ، كالتالي(3) :

1 ـ أهل المدينة .

2 ـ تميم وهمدان .

3 ـ ربيعة وكندة .

4 ـ مذحج وأسد .

ــــــــــــــ

(1) البلاذري ، فتوح البلدان  / 389 ـ بيروت ـ مؤسسة التعارف / 1987 م .

(2) تاريخ الطبري ، مرجع سابق 4 / 48 .

(3) المرجع السابق 5 / 268 .


الصفحة (390)

في فتح مكّة ذكر ابن هشام(1) ، أنّه عند مرور جيوش رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أمام أبي سفيان ، قال : ومرّت القبائل على راياتها ، كلّما مرّت قبيلة ، قال : يا عبّاس ، مَن هذه ؟ فأقول : سليم . فيقول : ما لي ولسُليم . ثمّ تمرّ القبيلة فيقول : يا عبّاس ، من هؤلاء ؟ فأقول : مزينة . فيقول : ما لي ولمزينة ، حتّى نفدت القبائل ، ما تمرّ به قبيلة إلاّ يسألني عنها ، فإذا أخبرته بهم ، قال : ما لي ولبني فلان ، حتّى مرّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في كتيبته الخضراء ... قال ابن إسحاق : فيها المهاجرون والأنصار .

كتاب المدينة عند الهجرة الصحيفة : كتب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كتاباً عند هجرته إلى المدينة ، يوضّح فيه أُسس العلاقات الجديدة بين المهاجرين والأنصار واليهود ومواليهم وحلفائهم وأعدائهم . ونبرز من هذا الكتاب ما يتّصل بموضوعنا فيما يلي(2) :

ـ المؤمنون والمسلمون من قريش ويثرب ، ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم ، إنّهم اُمّة واحدة من دون الناس .

المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم ، وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين(3) . بنو عوف وبنو ساعدة ، وبنو الحارث وبنو جشم ، وبنو النجار وبنو عمرو بن عوف ، وبنو الانبيت وبنو الأوس : على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى ، وكلّ طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين .

* * *

ــــــــــــــ

(1) السيرة ، مرجع سابق 2 / 404 .

(2) المرجع السابق 1 / 501 .

(3) المعاقل : الديات ، والعاني : الأسير ، على ربعتهم : الحال التي جاء الإسلام وهم عليها .


الصفحة (391)

وإنّ فُحص مدى الترابط بين الحوادث في المحطّات التي وقفنا عندها ليُوحي بأنّ هناك اتّجاهاً عاماً لتكريس القبليّة ، وليس لتفكيك بنياتها كما يعتقد ويتوقّع من المفهوم الإسلامي النقيض للمفهوم الجاهلي ، وذلك ما حدا بالبعض إلى فهم الإسلام على أنّه مشروع تآلفي بين متناقضات قائم على توازنات عصبيّة محدّدة ، وبما أنّه كذلك ؛ فإنّ طبيعته التآلفيّة لا تفترض ولا تقتضي السعي إلى تحطيم أو إزالة العصبيّات(1) .

ولكن معاودة الفحص للحوادث السالفة في ضوء كلّيات الطرح الإسلامي ، وكذلك مراجعة مضاهاتها بمثيلاتها من الجزئيّات التفصيليّة ، تقودنا إلى نظر متّسق وحقيقة التصور الإسلامي الذي يوجز في كونه مشروعاً متكاملاً ومترابط الأبعاد ، وينطوي عضويّاً على شروط تحقيقه ، وقد قال الله تعالى : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلاَمَ دِيناً )(2) ، بما يعني أنّ الله تعالى وضع للمجتمع المسلم المبادئ الكلّية والقواعد الأساسيّة الكفيلة بتطويره ، فيما هو قابل للتحور بطبيعة تغير الزمان والمكان ، وما هو مستهدف للتغيير عبر الزمان ، وكذلك الأحكام التفصيليّة والقوانين الجزئيّة فيما هو ثابت .

والمشروع الإسلامي لا ينفي حقيقة وجود التجمعات البشريّة ، ولا الانتماءات الناتجة عن التواجد المكاني ، أو تلك المرتبطة بعلاقات نسبيّة ، ولكنّه في ذات الوقت يشدّد على نفي ترتيب أيّة قيم مؤسّسة عليها ، ويسلبها إدّعاء التزامات تلحقها في مقابل الالتزام الأساس وهو صلة الإيمان ، وميزانه الأوحد هو التقوى .

ــــــــــــــ

(1) د . فؤاد خليل ، الإقطاع الشرقيّة / 51 ـ بيروت ـ دار المنتخب العربي / 1996 م .

(2) سورة المائدة / 3 .


الصفحة (392)

يقول تعالى : ( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضَهُمْ أَولِياءُ بَعْضٍ )(1) .

ويقول تعالى : ( يَا أَيّهَا الناسُ إِنّا خَلَقْنَاكُم مِن ذَكَرٍ وَأُنثَى‏ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللّهِ أَتْقَاكُمْ )(2) .

ولقد ابتلي المسلمون ابتلاءات شديدة ، ووضعوا في مواقف الاختيار الصعبة ؛ كي يمحصّوا ويثبتوا عن طريق ملابسة المفهوم النظري للواقع المعاش ، وهنا يقع الفرز الحقّيقي . حدث ذلك في ملاقاة المهاجرين لذويهم وجهاً لوجه في الحروب ، بل حدث ما هو أشدّ من ذلك ، وهو استنصار المهاجرين بالأنصار على ذوي قرباهم .

وحدث ذلك بوضع الأنصار في مواجهة مواطنيهم من اليهود بالمدينة . وحدث ذلك بمواجهة الأنصار لأنفسهم بأنفسهم في حادث الإفك . وحدث ذلك في مواقف كثيرة غير التي ذكرنا ،  فهل خلصت نيّات الجميع ، وهل ثبت الجميع ؟

لا ، وليس هذا من طبائع البشر ، وليس هذا من سنن الكون حتّى ورسول الله (صلّى الله عليه وآله) حيّ بينهم ، ومن هنا قولنا السالف إنّ الرسالة تضمنت شروط تحقيقها بوضع القواعد الكفيلة بتطوير المجتمع ، من داخله على مدى الزمان إنْ اُلتزمت الشروط , وتظلّ تبعة تحقيق المشروع منوطة بسلوك المسلمين أنفسهم .

إنّنا نستطيع أنْ ندللّ على صحّة هذا الرأي بالعديد من المواقف ، ونذكر منها على سبيل المثال : استمرار المفاخرة ومحاولة انتزاع الفضل بن الأوس والخزرج . فقد ذكر الكاندهلوي(3) في معرض حديثه عن مقتل أبي رافع

ــــــــــــــ

(1) سورة التوبة / 71 .

(2) سورة الحجرات / 13 .

(3) محمّد يوسف الكاندهلوي ، حياة الصحابة 1 / 356 ـ القاهرة ـ المكتب الثقافي بالأزهر / 1993 م .


الصفحة (393)

سلام بن أبي الحقّيق : إنّ هذين الحيّين من الأنصار : الأوس والخزرج كانا يتصاولان مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) تصاول الفحلين ، لا تصنع الأوس شيئاً فيه غناء عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلاّ وقالت الخزرج : والله ، لا تذهبون بهذه فضلاً علينا عند رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فلا ينتهون حتّى يوقعوا مثلها ، وإذا فعلت الخزرج شيئاً ، قالت الأوس مثل ذلك .

ونذكر كذلك كيف أنّ المنافسة بين الأوس والخزرج أدّت إلى المخالفة على سعد بن عبادة يوم السقيفة ، وذلك فضلاً عن مدافعة قريش لكلا الحيّين .

ونذكر أيضاً كيف أنّ استعلاء قريش عقيب السقيفة أدّى إلى تذّمر بقية قبائل العرب فيما عرف بحرب الردة .

كلّ ذلك يعني أنّ المشروع لمْ يكن قد مُكّن له في الواقع ـ حين وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله) ـ بالرغم من استكمال بنائه النظري ؛ ومن هنا كانت الحاجة ماسّة إلى قيادة مؤهّلة لاستكمال تعميقى جذور المشروع في الواقع حتّى يرسخ .

وممّا هو جدير بالذكر في هذا السياق ، أنّ نلفت النظر إلى عدم صواب الرأي القائل بتفرد الجيل الأوّل بعوامل التميز بإطلاق ، ونخصّ منه تميزه بحدوث فجوة فجائيّة على مستوى الشعور بين الجاهليّة والإسلام ، وهو الرأي الذي يعبّر عنه سيّد قطب بقوله(1) : لقد كانت الرجل حين يدخل في الإسلام يخلع على عتبته كلّ ماضية في الجاهليّة ؛ كانت هناك عزلة شعوريّة كاملة بين ماضي المسلم في جاهليّته وحاضره في إسلامه ، تنشأ عنها عزلة كاملة في صلاته بالمجتمع الجاهلي من حوله وروابطه الاجتماعيّة ، فهو قد انفصل نهائيّاً من بيئته الجاهليّة واتّصل نهائيّاً ببيئته الإسلاميّة .

ــــــــــــــ

(1) معالم في الطريق ، مرجع سابق 19 / 20 .


الصفحة (394)

وواضح أنّ ذلك لمْ يحدث أبداً بمثل ذلك التعميم الذي ارتآه .

والآن نستطيع إعادة قراءة ما ذكرناه في المحطّات التي وقفنا عندها ، فنجد أنّ ما توهّمه البعض من استبقاء الإسلام للعصبيّات واستهدافه التوازن بينها لا محلّ له ، وإنّما لا يعدو الأمر كونه تنظيماً اجتماعيّاً جرى مرحليّاً على عادات القوم في الاجتماع ، مع الحرص على تفريغ محتواه الجاهلي وإحلال الانتماء العقيدي محلّه .

وآية ذلك تأكيد الصحيفة على أنّ المؤمنين والمسلمين ومن تبعهم اُمّة واحدة من دون الناس . وإحدى آيات كونه تنظيماً اجتماعيّاً طلب الرسول (صلّى الله عليه وآله) لنقباء من القبائل في بيعة العقبة . يذكر ابن هشام(1) : قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( أخرجوا إليّ منكم اثني عشر نقيباً ؛ ليكونوا على قومهم بما فيهم )) . فأخرجوا منهم أثني عشر نقيباً ، تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس .

فتأمّل قوله (صلّى الله عليه وآله) : (( ليكونوا على قومهم بما فيهم )) . أي طالما أنّ هناك التزامات محدّدة ومسؤوليّات ، فلا بدّ من وجود كفلاء على تنفيذ المسؤوليّات ، فكان وجود النقباء على القبائل نوعاً من التنظيم السياسي .

وعلى هذا النحو يفهم تكتيب علي للكتائب على القبائل في حرب صفّين ، إضافة إلى أنّه رأى ذلك أدعى لعدم الإثخان والإمعان في القتل طالما ، أنّ كلّ قبيلة تقابل بعضها ، وتلك كانت سيرته دائماً أنّه كان يسعى فقط لإقامة الحقّ ، وليس الانتقام أو الإرهاب أو الإذلال .

والآن نعود أدراجنا إلى سؤالنا الأوّل عن حال النخبة المخلصة في مقابل القيادات القبليّة التقليديّة ، فنجد أنّه ليس من العسير فهم لماذا كانت السيطرة محسومة لصالح هذه الزعمات بمحتواها القبلي النفعي ، في مقابل النخبة العقائديّة ؟

ــــــــــــــ

(1) السيرة ، مرجع سابق 1 / 443 .


الصفحة (395)

ولكن إذا كنّا قد وضعنا أيدينا على سبب قلّة ملتزمي الجوهر الإسلامي ، بحيث صاروا نخبة فقط وسط جموع القيادات التقليديّة بمفهومها النقيض ، وأرجعنا ذلك إلى عدم استكمال المشروع في الواقع ، فإنّنا لا نزال على تساؤل : لماذا لمْ يتمّ استكمال المشروع ؟

ونحن نرجئ محاولة الإجابة على هذا التساؤل إلى حين ، وحتّى نفرغ من مناقشة حال القوى الفاعلة في ذلك الظرف .

القاعدة الشعبية :

أسفرت الحقبة الراشديّة عن تبلور للمجتمع الإسلامي متسّماً بسمات خاصّة ظلّ محتفظاً بها لأمد غير قصير . هذه السمات تحدّدت بالأساس على يد عمر بن الخطاب وزيراً للخليفة ثمّ خليفة , ولا نرى عهد عثمان إلاّ نتاجاً طبيعيّاً لمّا استنّه عمر ، بينما لمْ تتح الفرصة لعليّ (ع) أنّ يقيم بناءه على أساس من قناعاته .

فقد كان هناك التميز القرشي المستحدث المستمدّ شرعيته من بلائه في الإسلام فيما سمّي بالأرستقراطيّة القرشيّة ، والتي تكرست بحدث السقيفة ، ثمّ تأكد بسياسة عمر من بعد .

وكانت هناك الأرستقراطيّة القديمة وفي القلب منها بنو اُميّة ، وتلك تميّزت بقدر هائل من المرونة بحيث استطاعت أنْ تكيّف نفسها بسرعة مع الأحداث ، كيما تظلّ محتفظة بمكانتها المتميّزة في ظلّ الوضعيّة الجديدة حتّى تسنمتها فيما أسلفنا بيانه .

وكان هناك تيّار شعبي تمايز ، كردّ فعل لعوامل التميز الأرستقراطي وما يمثّله من حيود عن الأيديولوجيا الإسلاميّة , وبلغ ردّ فعل هذا التيّار ذروته في أحداث الثورة بعثمان .


الصفحة (396)

وممّا يسترعي النظر في هذا السياق ، أنّ عمر ممثّل الأرستقراطيّة المستحدثة ُمكّن للأرستقراطيّة القديمة على حساب فئته . تمثّل ذلك في تمكينه معاوية من الشام ، في الوقت الذي ُحبس الصحابة في المدينة حرصاً منه ، على عدم التمكين لقيادات التيّار الشعبي من الانتشار في الأرض ، حذراً من مخاطر محتملة يمكن أنْ تهدّد نظامه ، خاصّة وأنّ هذا التيّار يصبّ في النهاية عند عليّ (ع) .

هذه السياسة من عمر تكشف أيضاً عن استعماله ممثّلي الأرستقراطيّة القديمة ، لموازنة طموحات الأرستقراطية المستحدثة ، إضافة إلى عدائها المفهوم لقيادات التيّار الشعبي ، بما يزيل القناع عن الطبيعة الاستبداديّة للسلطة الشديدة المركزيّة التي أرسى دعائمها عمر .

هذه الطبيعة التناحريّة داخل الفئة أو الطبقة الواحدة ليست بمستغربة , فكذلك رأيناها بين طلحة والزبير في مسيرهما نحو حرب الجمل حتّى اختلفا فيمَن يؤمّ الصلاة . وكذلك رأيناها بين جناحي السلطة الاُمويّة : بني سفيان وبني العاص .

وأنهى عمر حياته حرصاً على عدم التمكين لتيّار عليّ (ع) ، بالتمكين لعبد الرحمن بن عوف ، القاسم المشترك بين الأرستقراطيّتين القديمة والمستحدثة ، ليمكّن بدوره لنظيره عثمان .

أفضت سياسة عثمان إلى استقطاب حادّ ، بما أدّى إلى زيادة سعة التيّار الشعبي الرافض وبما أوجده من روافد له في الأمصار ، حتّى نهض هذا التيّار بثورته التي أودت بعثمان ، وأتت بالقيادات المنحازة للأغلبيّة وعلى رأسها عليّ (ع) .

إلاّ أنّ الأرستقراطيّتين رأتا أنّ مصلحتهما تتحقّق بالتحالف معاً ، ممّا أدىّ إلى حصار وإنهاك واستنفاد قوى التيّار الشعبي ، ممّا أفضى إلى حسم الصراع


الصفحة (397)

لصالح الأرستقراطيّة القديمة ، فيما اكتفت المستحدثة بجوارها ، بينما فقد التيّار الشعبي قيادته العليا المتمثّلة في عليّ (ع) وكذلك بعضاً من طليعته الواعية ، بينما غُلب البعض الآخر على أمره ، وجرى تصفيته فيما بعد على مراحل .

استخدمت الفئات المعادية للتيّار الشعبي كلّ الأسلحة الغير مشروعة لإيجاد حالة من الارتباك والالتباس الشديدين لدى معسكر التيّار الشعبي . ومثال ذلك خروج السيّدة عائشة مع طلحة والزبير لقتال عليّ (ع) ، ممّا أربك الناس حتّى قال عليّ (ع) : (( الحقّ لا يُعرف بالرجال ، ولكن اعرفْ الحقّ تعرفْ أهله )) . ومثاله أيضاً الموقف المخذِّل للمعتزلين ، كعبد الله بن عمر وسعيد بن أبي وقاص وغيرهم . ومثاله ـ كذلك ـ مكيدة عمرو بن العاص في صفّين حين رفع المصاحف ، وقد كاد النصر يلوح .

ساهم كلّ ذلك بلا ريب في تفتيت قوى التيّار الشعبي ونقض وحدتها ، بحيث أدّى إلى انشقاق جزء منها ليس بالهين كالخوارج ، وإلى ترك الكتلة الكبرى منها في حالة ميوعة وعدم استقرار لمْ يسبق لها مثيل .

هذه الكتلة ظلّت على حالتها المائعة حتّى خروج الحُسين (ع) , وبين أيدينا كثير من الشواهد تدلّ على حال هذه الكتلة الآخذة في التفكك والتراجع منذ أدمت قلب عليّ (ع) ذاته وحتّى كان خذلانها الشهير للحُسين (ع) .

رأي عليّ (ع)(1) : (( إنّي والله ، لأظنّ أنّ هؤلاء القوم سيدالون منكم باجتماعهم على باطلهم وتفرّقكم عن حقكم ، وبمعصيتكم إمامكم في الحقّ ، وطاعتهم إمامهم في الباطل .

ــــــــــــــ

(1) نهج البلاغة بشرح محمّد عبده ، مرجع سابق .


الصفحة (398)

فيا عجباً ! والله يُميت القلب ، ويجلب الهمّ من اجتماع هؤلاء القوم على باطلهم ، وتفرّقكم عن حقّكم ، فقبحاً لكم وترحاً ! حين صرتم غرضاً يُرمى ، يُغار عليكم ولا تغيرون ، وتُغزون ولا تغزون ، ويُعصى الله وترضون )) .

(( يا أشباه الرجال ولا رجال ، حلوم الأطفال ، وعقول ربّات الحجال . لوددت أنّي لمْ أرَكم ولمْ أعرفكم )) .

(( أيّها الشاهدة أبدانهم ، الغائبة عقولهم ، المختلفة أهواؤهم ، المبتلى بهم اُمراؤهم . صاحبكم يطيع الله وأنتم تعصونه ، وصاحب أهل الشام يعصي الله وهم يطيعونه )) .

(( ولقد أصبحت الاُمم تخاف ظلم رعاتها ، وأصحبت أخاف ظلم رعيتي )) .

(( يا أهل الكوفة ، منيت منكم بثلاث : صمٌ ذوو أسماع ، وبكم ذوو كلام ، وعمى ذوو أبصار )) .

(( أفٍّ لكم ! لقد سئمت عتابكم ، أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة عوضاً ، وبالذلّ من العزّ خلفاً )) .

رأي مسلم بن عقيل موفد الحُسين (ع) إلى أهل الكوفة(1) :

سأل مسلم محمّد بن الأشعث حين أسره أنْ يخبر الحُسين (ع) برسالته : لا يغرّك أهل الكوفة ، فإنّهم أصحاب أبيك الذي كان يتمنّى فراقهم بالموت أو القتل , إنّ أهل الكوفة قد كذّبوك وكذّبوني ، وليس لمكذّب رأي .

رأي ناصح للحُسين (ع) ، وهو عمر بن عبد الرحمن المخزومي(2) :

ــــــــــــــ

(1) تاريخ الطبري ، مرجع سابق 5 / 357 .

(2) المرجع السابق / 382 .


الصفحة (399)

إنّه بلغني أنّك تريد المسير إلى العراق ، وإنّي مشفق عليك من مسيرك ، إنّك تأتي بلداً فيه أعماله وأمراؤه ، ومعهم بيوت الأموال ، وإنّما الناس عبيد لهذا الدرهم الدينار . ولا آمن عليك أنْ يقاتلك مَن وعدك نصره ، ومَن أنت أحبّ إليه ممّن يقاتلك معه .

رأي الفرزدق(1) : القلوب معك ، والسيوف مع بني اُميّة .

هل هو انفصام في الشخصيّة الجمعيّة ؟

يلّخص قول الفرزدق تلخيصاً وافياً حال الناس حين خروج الحُسين (ع) , وهو يطابق تماماً رأي عمر المخزومي السالف ذكره .

فهل يعني ذلك أنّ هناك انفصاماً أصاب الشخصيّة الجمعيّة للكتلة الشعبيّة التي يفترض أنّها الرصيد الحقيقي للثورة ، وهي في الوقت ذاته صاحبة المصلحة الحقيقيّة فيها ؟

هذا الانفصام النفسي ( Psychic Splitting ) يعرّفه بلوير (E. Bleuler ) (2 ) على أنّه مميّز جوهري من مرض الشيزوفرانيا ( Schizophrania ) ، ويتجلّى في الميل أو الفصل أو التفرقة أو التقسيم ، بحيث لا تتكامل المركّبات النفسيّة والدوافع في مزيج ذي نتاج واحد ، وإنّما تعمل المركّبات منفردة في انفصال عن غيرها ، ويعبّر عن ذلك أيضاً بالميل المزودج ( Ambivalence ) على جميع المستويات الانفعاليّة والإراديّة والعقليّة ، بحيث يتّخذ تُجاه الموضوعات مواقف موجبة وسالبة في آنٍ واحد .

ــــــــــــــ

(1) المرجع السابق / 386 .

(2) فرويد ، الموجز في التحليل النفسي / 85 ـ 113 ، القاهرة ، دار المعارف / 1980 م .


الصفحة (400)

ولكن الانفصام(1) على مستوى الشخصيّة الفرديّة ، هو ذُهان ينشأ عن اضطراب وظيفي تشكل العوامل النفسيّة لا العضويّة غالباً جوهره . أيْ أنّه تعبير نهائي عن تاريخ ممتدّ لأزمة نفسيّة متفاقمة لمْ تُجد مع كثافتها الوسائل الأوّليّة لإعادة التوازن ، فكانت هذه النتيجة الحادّة .

ويهمنا في هذا التحليل عنصران أساسيّان يميّزان الانفصام ، وهما :

وجود أزمة نفسيّة حادّة لدى المصاب بالانفصام .

فقد المصاب الاستبصار بحالته .

والأزمة النفسيّة تنشأ أساساً ؛ إمّا عن مواجهة عقبات أو صراع دافعي ، أي : التعارض بين إشباع الرغبات من ناحية ، والقيم والضوابط من ناحية أخرى . ولكن الأزمة بهذا المفهوم تتعلّق أساساً بكيفيّة إدارك هذا التعارض والشعور به ممّا يتلازم معه وجود حالة من المعاناة ، قد تشتدّ فتكون أزمة ، ثمّ قد تشتدّ فتصير فصاماً .

وبذلك فإنّ البداية تكون بالأساس إدراكاً شعوريّاً مرهفاً بالتعارض ، بينما تكون النهاية فقداً لهذا الشعور .

ونحن إنْ طبّقنا هذه المعايير على حالتنا ـ تلك الخاصّة بموقف القاعدة الشعبيّة من خروج الحُسين (ع) ـ لوجدنا أنّ حالة الانفصام بعيدة كلّ البعد عن تشخيص حالة هذه القاعدة . فلمْ نطالع أزمة لدى أحد ، ولمْ نخبر بمعاناة أحد ، وما وجدنا صراعاً يعتصر أحداً ، ولكن وجدنا الحُسين (ع) يخرج من المدينة حرم جده رسول الله (ص)

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة