|
الصفحة (326)
حاول تخويفهم ، فيقول ابن
المطيع : يا
نعمان ، ما عملك على فساد ما أصلح الله من أمرنا وتفريق جماعتنا ؟ .
6 ـ وقد ثبت عن أبي حنيفة حثّه ومساعدته
على الثورة على حكّام الجور من بني
اُميّة , يقول أبو زهرة(1) : كان (رضي الله عنه) ، لنزعته العلويّة من
غير تشيع ، لا يرى لبني
اُميّة أيّ حقّ في إمرة
المؤمنين ، ولكنّه ما كان ليثور عليهم ،
ولعلّه كان يهمّ أنْ يفعل .
ويُروى أنّه
لمّا خرج زيد بن عليّ
(ع) بالكوفة على هشام بن عبد
الملك ، قال أبو حنيفة : ضاهى خروجه خروج رسول الله يوم بدر . فقِيل له :
لمَ تخلّفت
عنه ؟ قال : حبستني ودائع الناس ، عرضتها على ابن أبي ليلى فلمْ يقبل ، فخفت أنْ
أموت مجهلاً . ويُروي أنّه قال في الاعتذار عن عدم الخروج مع زيد : لو علمت أنّ
الناس لا يخذلونه كما خذلوا جدّه لجاهدت معه
؛ لأنّه إمام حقّ ، ولكن أعينه بمالي
.
فبعث إليه بعشرة آلاف درهم ، وقال للرسول :
ابسط عذري له .
وعندما هلكت دولة بني
اُميّة ، وجاء
العبّاسيّون ظنّ في البداية خيراً فيهم ،
ثمّ تبيّن له جورهم من بعد ممّا جعله يعين على
الخروج عليهم كذلك
محمّد النفس الزكيّة وأخاه إبراهيم .
وهكذا كان أبو حنيفة مشاركاً إنْ بالحض وإنْ
بالمال على الخروج على حكّام الجور ، ولمْ يكن مجرّد مكتف بإبداء الرأي بجواز الخروج .
ويردّ أبو بكر الجصاص قول من ادّعى
: أنّ أبا حنيفة
لمْ يُجيز الخروج , بقوله(2) : وكان مذهبه مشهوراً في قتال الظلمة وأئمّة
الجور ، ولذلك قال لأوزاعي : احتملنا أبا حنيفة على
كلّ شيء حتّى جاءنا بالسيف
، يعني
: قتال الظلمة ، فلمْ
ـــــــــــــــ
(1) تاريخ
المذاهب الإسلاميّة ، مرجع سابق
/ 368 .
(2) أحكام القرآن ، مرجع
سابق 1 / 86 .
الصفحة (327)
نحتمله
. وكان من قوله
: وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر فرض بالقول ، فإنْ
لمْ يُؤتمر له فبالسيف على
ما روى النبي (صلّى الله عليه وآله) ... وقضيّته في أمر زيد بن عليّ
(ع) مشهورة
، وفي حمله المال إليه وفتياه الناس سرّاً
في وجوب نصرته والقتال معه ، وكذلك أمره مع مُحمّد وإبراهيم ابني عبد الله بن حسن .
وهذا إنّما أنكره عليه أغمار أصحاب الحديث
الذين بهم فقد
الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر
حتّى تغلّب الظالمون على أمور الإسلام
. فمَن كان هذا مذهبه في
الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر كيف يرى إمامة الفاسق
؟
7 ـ وزعموا أنّ الإنكار لا يكون إلاّ برفق
، وفي حال القدرة ، ولا يكون ذلك السلطان وإنّما
لمَن دونه .
يذكر الشوكاني(1) : وقال غيره ـ غير
النووي ـ إذا كانت
المنازعة في الولاية
، فلا ينازعه بما يقدح في الولاية إلاّ إذا
ارتكب الكفر ، وحمل رواية
المعصيّة على ما إذا كانت
المنازعة فيما عدا الولاية ،
فإذا لمْ يقدح في الولاية نازعه
المعصيّة بأنْ ينكر عليه برفق ويتوصّل إلى تثبيت
الحقّ
له بغير عنف ، ومحلّ ذلك إذا كان قادراً .
وممّن سار على ذات النهج ابن قتيبة في
محاولته الجمع بين حديث : مَن قُتل دون ماله
، فهو شهيد . وحديث كن حلس
بيتك .
فأراد ابن قتيبة(2)
أنْ يقصر معنى الحديث الأوّل على ( اللصوص ) دون السلطان ، فيقول :
مَن قتل دون ماله ، فهو شهيد ، مَن قاتل اللصوص عن ماله
حتّى يُقتل في منزله وفي أسفاره
.
ـــــــــــــــ
(1) نيل الأوطار ،
المرجع
السابق .
(2) تأويل مختلف الحديث ،
مرجع سابق / 105 .
الصفحة (328)
وهذا امتداد لرأيه في السلطان الفاجر
، إذ
يقول : لا تخرجوا عليه ولا تشقّوا العصا ولا تفارقوا جماعة
المسلمين ، وإنْ كان
سلطانكم فاجراً .
ومن هؤلاء أيضاً ابن سيرين حين سأله بعض
الناس عن قتال الحروريّة ، فأجاب : ما علمت أنّ أحداً كان يتحرّج من قتل هؤلاء
تأثيماً
، ولا من قتل مَن أراد قتالك إلاّ السلطان ، فإنّ للسلطان نحواً .
وقالت طائفة : إنّ السلطان في هذا بخلاف
غيره ، ولا يُحارب السلطان وإنْ أراد ظلماً .
ونحن ندع ابن حزم الذي أورد بعض أقوالهم
السابقة ليردّ عليهم(1) : وأمّا مَن
دعا إلى أمر بمعروف أو نهي عن
منكر ، وإظهار القرآن والسنن ، والحكم بالعدل فليس باغياً ، بل الباغي من خالفه
وبالله تعالى التوفيق ، وهكذا من أريد بظلم فمنع من نفسه ، سواء أراده
الإمام أو
غيره .
ويستشهد ابن حزم بما وقع من عبد الله بن
عمرو بن العاص
، فيما رواه أبو قلابة قال : أرسل معاوية بن أبي سفيان إلى عامل له أنْ
يأخذَ الوهط(2) فبلغ ذلك عبد الله بن عمرو بن العاص ، فلبس سلاحه هو
ومواليه وغلمته ،
وقال : إنّي سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله)
، يقول : مَن قُتل دون ماله ، فهو شهيد .
ويعلّق ابن حزم على ذلك بقوله : رأى عبد
الله بن عمرو أنّ ذلك ليس بحقّ ، ولبس السلاح للقتال ، ولا مخالف له في ذلك من
الصحابة (رضي الله عنهم)
. وهكذا جاء عن أبي حنيفة ، والشافعي وأبي سليمان ،
وأصحابهم أنّ
ـــــــــــــ
(1) المحلّى ، مرجع سابق 11
/ 98 .
(2) الوهط
: كانت أرضاً
لعمرو بن العاص قدرت بعشرة ملايين درهمٍ ـ كما جاء في مروج الذهب للمسعودي 3
/ 32 ـ
ومعلوم أنّ معاوية أعطى مصر طعمةً لعمرو ما بقي حيّاً
، كشرط عمرو على مساعدته في حرب
الإمام عليّ (ع) ، فآلت هذه الأرض بعد موته إلى ابنه عبد الله .
الصفحة (329)
الخارجة على
الإمام إذا خرجت سُئلوا عن
خروجهم ، فإنْ ذكروا مظلمةً ظلموها أنصفوا ، وإلاّ دعوا إلى الفيئة ، فإنْ فاؤوا فلا
شيء عليهم ، وإنْ أبوا قُوتلوا ، ولا نرى هذا إلاّ قول مالك أيضاً ، فلمّا اختلفوا
ـ كما ذكرنا ـ وجب أنْ نردّ ما اختلفوا فيه إلى ما افترض الله تعالى الردّ عليه
، إذ يقول
الله تعالى : (
فَإِن
تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرّسُولِ
)(1)
. ففعلنا فلمْ نجد الله تعالى فرّق في قتال
الفئة الباغية على الأخرى بين سلطان
وغيره ، بل أمر الله تعالى بقتال مَن بغى على أخيه
المسلم عموماً
حتّى يفيء إلى أمر
الله تعالى وما كان ربّك نسياً
. وكذلك قوله (عليه السلام) :
مَن قُتل دون ماله
، فهو
شهيد . أيضاً عموم
لمْ يخصّ معه سلطاناً من غيره .
وممّا قاله ابن حزم أيضاً
، واحتجّ به عمر
عبد الرحمن في محاكمته في قضيّة قتل السادات(2) : ما تقولون في سلطان جعل اليهود
أصحاب أمره ، والنصارى جنده ، وحمل السيف على
كلّ مَن وجد من المسلمين ، وأعلن العبث
به ، وأباح المسلمات للزنى ، وهو في
كلّ ذلك مقرّ بالإسلام ، معلن به لا يدع الصلاة ؟
فإنْ أجازوا الصبر على هذا خالفوا الإسلام
جملةً وانسلخوا منه ، وإنْ قالوا : بل يُقام عليه ويُقاتل ، فقد رجعوا إلى
الحقّ ، ولو
على قتل مسلم واحد ، أو على امرأة واحدة ، أو على أخذ مال ، أو على انتهاك بشرة
بظلم ، إنْ أنكروا
كلّ ذلك رجعوا إلى
الحقّ ، والواجب إنْ وقع شيء من الجور وإنْ قلّ أنْ
يكلّم الإمام في ذلك ، ويمنع منه ، فإنْ امتنع ورجع إلى
الحقّ وأذعن فلا سبيل إلى خلعه
... وإنْ امتنع من إنفاذ شيء من هذه الواجبات عليه ، ولم يرجع وجب خلعه وإقامة غيره
ممّن
ـــــــــــــــ
(1) سورة النساء / 59 .
(2) د . عمر
عبد الرحمن ،
كلمة حقّ ، مرجع سابق
/ 37 .
الصفحة (330)
يقوم بالحقّ ، لقول الله تعالى :
(
وَتَعَاوَنُوا
عَلَى الْبِرّ وَالتّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الْثمّ وَالْعُدْوَانِ
)
، ولا يجوز تضييع شيء من واجبات الشرائع ، وبالله التوفيق .
8 ـ ومن غريب تناقض هؤلاء الزاعمين بحجيّة
عدم الخروج على الحاكم الظالم ، احتجاجهم في الوقت ذاته بسنّة أبي بكر وعمر ، وهُم ما
فتئوا يرددون أقوالهم ، مثل قول أبي بكر : فإنْ رأيتموني على
الحقّ فأعينوني ، وإنْ
رأيتموني على الباطل فقوّموني ، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله ، فإنْ
عصيت فلا طاعة لي عليكم . ومثل قول عمر : إنْ رأيتم فيّ اعوجاجاً فقوّموني
. فيردّ عليه أحد الرعيّة :
لو رأينا فيك اعوجاجاً لقوّمناه بسيوفنا .
ولكنّهم يوردون هذه الأقوال في معرض
المديح
لأبي بكر وعمر وكأنّها للتزين فقط ، في فصل تامّ لها عن أيّ ممارسة عمليّة ، فإذا ما
استدعيت في موقع ظلم تراجعوا على الفور ، وعمدوا للولوج في دهاليز تأويلات ما أنزل
الله بها من سلطان .
ثمّ ما قولهم في رأي أشدّ لعمر بصريح قوله
لقوم أتوه(1) : أمَا والله
، لوددت أنّي وإيّاكم في سفينة في
لجّة البحر ، تذهب بنا شرقاً وغرباً ، فلن يعجزَ الناس أنْ يولّوا رجلاً منهم ، فإنْ
استقام اتّبعوه ، وإنْ جنف قتلوه
. فقال طلحة : وما عليك لو قلت : إنْ تعوّج عزلوه
.
فقال : لا ، القتل أنكل
لمَن بعده .
9 ـ أيّهما أشدّ ضرراً : ظلم السلطان أمْ ظلم
الرعيّة ؟
إنّ العقل ليشهد ، وإنّ الخبرة الإنسانيّة
على مدى التاريخ لتصدق على الأنظمة
ـــــــــــــــ
(1) الطبري ، مرجع سابق 3
/ 213 .
الصفحة (331)
الحاكمة أنّها كانت السبب الرئيس فيما
عانته البشريّة من مآس ، وإنّ ظلم الفرد من الرعيّة مهما بلغ لا يُقارن بحال
، بحيود
الحاكم ونظامه عن
الحقّ .
ذلك أنّه من البديهي أنّ أمر الفرد مهما اتّسع
فهو محدود ، بينما أمر الحاكم عامّ وظلمه يستغرق الناس بغير حدّ ، فكان حتماً أشدّ
ضرراً .
ثمّ إنّ الحاكم قدوة لرعيّته ، فإنْ ظلم تظالموا ، وإنْ شذّ عن
الحقّ شاع فيهم الباطل . يقول الأفوه الأودي الشاعر الجاهلي :
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم
ولا سـراة إذا جهـالهـم سـادوا
ولا جهل أكثر من اتّباع الهوى دون
الحقّ ،
فيُؤدّي إلى الضلال الذي يعمّ الناس إذا أصاب حكّامهم .
ونذّكر بقول الله تعالى :
(
يَا
دَاوُدُ إِنّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ
الناس
بِالحقّ وَلاَ تَتّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلّكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ
)(1) .
فإذا كان
الأمر كذلك ، فكيف
يقبلونه رأساً
على عقب ، فيعظّمون ظلم الرعيّة ، ويتصاغرون بظلم السلطان وإنْ جلد الظهور وأخذ
الأموال وضرب الأبشار ، بل يبلغون
المدى مثل الباقلاني القائل : وإنْ عطّلوا الحدود
واستأثروا بالفيء
، وقتلوا النفس
المحرّمة .
ثمّ ألمْ يقل عثمان : إنّ الله يزع بالسلطان
ما لا يزع بالقرآن
. وفيه دليل على مدى خطورة منصب الحكم وآثاره .
ومن غريب تناقضهم كذلك ما زعمه قائلهم ابن قتيبة من تلك التفرقة ، بينما هو يذكر(2) : لا بدّ للناس من وزعة يريد
سلطاناً يزعهم عن التظالم
ـــــــــــــــ
(1) سورة ص
/ 26 .
(2) تأويل مختلف الحديث ،
مرجع سابق / 105 .
الصفحة (332)
والباطل وسفك الدماء
وأخذ الأموال بغير حقّ
. فإذا كان مبرّر وجوده أصلاً منع التظالم على الوجوه التي
ذكرها ، فكيف إذا أتى هو ذاته بها ؟
وقد تناول هذه
المسألة تحديداً ابن خلدون
، فذكر(1) :
ب ـ ذُكر على لسان
الموبذان الفارسي : إنّ
الملك لا يتمّ عزّه إلاّ بالشريعة ، والقيام لله بطاعته والتصرف تحت أمره ونهيه ، ولا
قوام للشريعة إلاّ بالملك ، ولا عزّ للملك إلاّ بالرجال ، ولا قوام للرجال إلاّ
بالمال ، ولا سبيل إلى
المال إلاّ بالعمارة ، ولا سبيل للعمارة إلاّ بالعدل ،
والعدل الميزان المنصوب بين الخليفة نصبّه الربّ ، وجعل له قيّماً وهو
الملك .
ت ـ الظلم مخرّب للعمران ، وأنّ عائدة الخراب
في العمران على الدولة بالفساد والانتقاض .
ث ـ واعلم أنّ هذه هي الحكمة
المقصودة للشارع
في تحريم الظلم ، وهو
ما ينشأ عنه من فساد العمران وخرابه ، وذلك مؤذن بانقطاع النوع البشري وهي الحكمة
العامّة المراعاة للشرع
، في جميع مقاصده الضروريّة الخمسة من
حفظ : الدين والنفس والعقل
والنسل والمال . فلمّا كان الظلم كما رأيت مؤذناً بانقطاع
النوع لمَا أدّى إليه من تخريب العمران ، كانت حكمة الحظر فيه موجودة ، فكان تحرّيه
مهمّاً وأدلته من القرآن والسنّة كثيرة أكثر من أنْ يأخذها قانون الضبط والحصر .
* * *
فلمّا كان قصد الشارع متعلّقاً تعلّقاً
حتميّاً بالعدل ، وأنّ الظلم مفوّت بالضرورة لهذا القصد ، وباتّباع قاعدة أخفّ
الضررين ، كان الأخذ على يد الظالم وأطره على
الحقّ أطراً وإلاّ خلعه أمراً وجوبيّاً
.
ـــــــــــــــ
(1) المقدّمة ، مرجع سابق
/ 240 .
الصفحة (333)
وممّن فطن إلى هذا الماوردي الذي جعل الجرح
في عدالة الإمام مخرجاً له من
الإمامة ، لمّا عدّه فسقاً لا تجوز معه
الإمامة . فقال(1) : فهذا فسق يمنع من انعقاد
الإمامة ومن استدامتها ، فإذا طرأ على من
انعقدت إمامته خرج منها ، فلو عاد إلى العدالة
لمْ يعد إلى الإمامة إلاّ بعقد جديد
.
وهذا أيضاً ابن قيم الجوزية الذي رفض فكرة
تخصيص السلطان واستثنائه من عموم عدم الطاعة في
المعصية ، فذكر أحاديث رسول الله
(صلّى الله عليه وآله) : (( إنّما الطاعة في
المعروف )) . (( لا طاعة
لمخلوق في معصية
الخالق )) .
(( مَن أمركم منهم بمعصية الله فلا تطيعوه
)) . وعلّق على ذلك بقوله(2) : فهذه فتوى عامّة لكلّ من أمره أمير بمعصية الله كائناً مَن كان ، ولا تخصيص فيها
البتّة .
10 ـ وبرّروا عدم الخروج بسبب أنّه يصاحبه
فتنة هوجاء .
والحقّ أنّ الحقيقة السابقة التي أوجزها ابن
خلدون في قوله : الظلم مؤذن بخراب العمران
. ترد على ذلك الزعم ، فهي تلخّص استقراء
وقائع التاريخ ، والنظر في أحوال
الاُمم والملوك ، وهو ما أكدته من قبل أدّلة القرآن
والسنّة ، فليست هناك فتنة أشدّ من الخراب على يد الظالمين ، وليست هناك فتنة أشدّ من
تعطيل أحكام الشرع
واتّباع الهوى دون العدل .
إنّ الحاكم الظالم بما هو كذلك لا يرعوي عن
إتيان كلّ منكر نزل الشرع
لمنعه ، والمسلم مطالب أساساً بالتمكين لإقامة دين الله في
الأرض ، وليس المقصود بحال هو مجرّد عيش الجماعة في ظلّ سلطان كيفما اتّفق ، وإلاّ
لكان من الممكن أنْ يعيش
المسلمون الأوائل بعقيدتهم الجديدة في ظلّ السيادة
ـــــــــــــــ
(1) الأحكام السلطانيّة ،
مرجع سابق / 19 .
(2) أعلام
الموقعين
4 / 400 ـ بيروت ـ المكتبة العصريّة
/ 1987 م .
الصفحة (334)
القرشيّة الجاهليّة ، وكان من
الممكن كذلك
أنْ يمارسوا شعائرهم دون تعرّض من أحد ، ولكن
المشكل كان يكمن في
سيادة نظام يحكم
الناس بالعدل وفق
المقرّرات الإلهيّة وليس وفق تصورات وأهواء البشر .
والحكم الظالم يدفع الناس دفعاً للوقوع في
حبائل الفتنة ، فتنة التعرّض للأذى في النفس والبدن والمال والعرض
، وفتنة
النفاق وفتنة فقدان
المروءة ، وفتنة الانطواء
على الضيم ، وفتنة الانكفاء
على الذات طلباً للنجاة الفرديّة
، وفتنة الركون إلى الظالمين
، ثمّ تكون العاقبة
لذلك كلّه فتنة التعرّض للغضب الإلهي .
يقول الله تعالى :
(
وَاتّقُوا
فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنّ
الذينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ
خاصّة وَاعْلَمُوا أَنّ اللّهَ
شَدِيدُ الْعِقَابِ )(1) .
ويفسّر سيّد قطب هذه الآية بقوله(2) : والفتنة
، الابتلاء أو البلاء ،
والجماعة التي تمسح لفريق منها بالظلم في صورة من صوره
ـ وأظلم الظلم نبذ شريعة
الله ومنهجه في الحياة
ـ ولا تقف في وجه الظالمين
, ولا تأخذ الطريق على
المفسدين
، جماعة تستحقّ أنْ
تؤخذ بجريرة الظالمين المفسدين . فالإسلام منهج تكافلي إيجابي
لا يسمح أنْ يقعد القاعدون عن الظلم والفساد والمنكر يشيع ـ فضلاً على أنْ يروا دين
الله لا يُتّبع ، بل أنْ يروا
اُلوهيّة الله تنكر وتقوم
اُلوهيّة العبيد مقامها ـ وهم
ساكتون , ثمّ هم بعد ذلك يرجون أنْ يخرجهم الله من الفتنة
؛ لأنّهم هم في ذاتهم صالحون
طيّبون .
ـــــــــــــــ
(1) سورة الأنفال
/ 25 .
(2) في ضلال
القرآن ،
مرجع سابق 3 / 1496 .
الصفحة (335)
وبعد ، فللمرء أنْ يتساءل أيّ فتنة أشدّ على
مجتمع يشيع فيه الظلم ، وتستحلّ الحرمات وتنتهك
المحارم ، ولا يستشعر فيه أمن ؟ أيُرجى من مثل هذا
المجتمع خير ؟ أيرجى خير من مجتمع تسلّط عليه معاوية
وزبانيّته وعلى رأسهم جلاّده زياد بن سميّة ، وقد كان شعار الناس يومئذ : انجُ سعد
، فقد
هلك سعيد .
وقد رأيت كيف شرط معاوية على حجر وأصحابه
ليستبقيهم أنْ يلعنوا عليّ بن أبي طالب
(ع) ، فلمّا أبوا ضرب أعناقهم .
أمْ يُرجى خير من مجتمع تسلّط عليه يزيد بن
معاوية الذي قتل خيار
الاُمّة واستبقى شرارها
، واجتثّ عترة رسول الله (صلّى الله عليه
وآله) حتّى قال القائل :
سمية أمسى نسلها عدد
الحصى
وبنـت رسول الله ليس لها نسل
وعندما أراد سفّاحه
ابن عقبة من أهل
المدينة أنْ يُبايعوا يزيد على أنّهم خول
( عبيد ) له ، قالوا : نُبايعك على كتاب الله
وسنّة رسوله ، ضرب أعناقهم .
ومن بعد ، ترى عبد
الملك بن مروان بن
الحكم(1) يقول : لا أجد أحداً بعد مقامي هذا
يقول : اتّق الله ، إلاّ ضربت عنقه .
11 ـ وأخيراً نُورد حديث جابر بن عبد الله
، رواه الحاكم في مستدركه وهو يكاد يكون بذات ألفاظ حديث حذيفة
، إلاّ أنّه ذو مفهوم
مُغاير :
ـــــــــــــــ
(1) عبد
الملك قائل هذا ،
ترى ابن العربي يمتدحه في العواصم من القواصم ، مرجع سابق
/ 236 . وكذلك يمتدحه
محققّ الكتاب محيي الدين الخطيب ، وينسب له مروءة وفتوى وقضاء ، بينما يكفّره أبوبكر
الجصاص بقوله : ولمْ يكن في العرب ولا آل مروان أظلم ولا أكفر ولا أفجر من عبد
الملك ، ولمْ يكن في
عمّاله أكفر ولا أظلم ولا أفجر من الحجّاج ، وكان عبد
الملك أوّل
من قطع ألسنة الناس في
الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر . أحكام القرآن ، مرجع
سابق
1 / 87 .
الصفحة (336)
عن جابر بن عبد الله أنّ النبي (صلّى الله
عليه وآله) قال لكعب بن عجرة :
(( أعاذك الله
يا كعب بن عجرة من إمارة السفهاء
)) . قال :
وما إمارة السفهاء ؟ قال
(ص) : (( اُمراء يكونون من بعدي لا يهتدون بهديي ، ولا يستنّون
بسنّتي ، فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فأولئك ليسوا منّي ولست منهم ، ولا
يردون عليّ حوضي ، ومَن
لمْ يصدّقهم بكذبهم ولمْ يعنهم على ظلمهم
، فأولئك منّي وأنا منهم
وسيردون عليّ حوضي . يا كعب بن عجرة
، الصوم جنّة ، والصدقة تُطفئ الخطيئة
، والصلاة قُربان
أو برهان
)) .
* * *
لِمَ كان الخلاف في حكّام الجور ؟
إنّ هذا الخلاف في الواقع ليس مقصوراً على
هذه المسألة بذاتها ، وإنّما هو يعمّ كثيراً من
المسائل الفقهيّة . فأنت تجد
لمسألة
بعينها إجابات متعدّدة وليست إجابة واحدة مغنية ، وكلّ إجابة تستند إلى دليلها ، وجلّ
الأدلة مرجعها إلى أخبار الآحاد
المنسوبة إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .
وهذه الأخبار(1) تجد فيها الكثير
المتناقض(2) ، وكذلك
المناقض لأصول قطعيّة على ما رأينا من قبل .
ومرجع ذلك
كلّه إلى سبب أوّل ، وهو عدم
كتابة الحديث منذ البداية ، وهنا أيضاً تجد الاختلاف في الحديث :
ـــــــــــــــ
(1) توجد فتوى للأزهر
بتاريخ 1 / 2 / 1990 تقول بعسر إثبات
المتواتر ، وكذلك بعدم يقينيّة أحاديث الآحاد ،
سواء ما جاء في الصحيحين أو غيرهما .
(2) إذا رجعت إلى محاولات
التوفيق بين الأحاديث
المتناقضة كما فعل ابن قتيبة في ( تأويل مختلف الحديث ) لهالك
منها التافت الشديد الذي لا يُقنع أحداً ، فيه قال ابن الصلاح ـ في مقدمته ، مرجع
سابق / 478 ـ : إنّه ـ ابن قتيبة ـ أساء
في أشياء منه قصر باعه فيها .
الصفحة (337)
فقد أخرج مسلم في صحيحه عن أبي سعيد
الخدري أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) قال :
لا تكتبوا عنّي شيئاً إلاّ القرآن ، ومَن كتب عنّي شيئاً غير القرآن فليمحه .
بينما أخرج البخاري وكذلك مسلم في
صحيحيهما ، وأبو داود والنسائي وابن ماجة حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الذي
أجاز الكتابة لأبي شاه اليمني
، عندما التمس من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنْ
يكتب عنه من خطبته عام فتح
مكّة ، فقال : اكتبوا لأبي شاه .
وقد جمع السراج البلقيني(1) الأحاديث
الواردة في إباحة الكتابة
حتّى لا يدّعي أحد أنّ
حديث أبي شاه واقعة عين ، ونذكر منها حديث عبد الله بن عمرو قال
، قلت : يا رسول الله ، اكتب ما أسمعه منك ؟ قال
(ص) :
نعم . قلت : في الغضب والرضا ؟ قال
(ص) : نعم , فإني لا أقول إلاّ حقّاً.
وقد قالوا(2) في ذلك
: إنّ حديث الإباحة
ناسخ لحديث المنع
، لمّا كثرت الأحداث والأحاديث وخِيف عليها الفوت
. ولكن لا يُحتجّ
بقول ابن قتيبة
: إنّ ذلك اختصّ به عبد الله بن عمرو
. لأنّك رأيت أنّ الرسول أجاز
الكتابة لغيره كأبي شاه . وكذلك لا يُحتجّ بالرّأي الشائع
، ذكره ابن الصلاح(3) : نهى عن كتابة ذلك عنه حين خاف عليهم
اختلاط ذلك بصحف القرآن العظيم .
فهذا الرأي مردود بقول الله تعالى :
(
إِنّا
نَحْنُ نَزّلْنَا الذّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحَافِظُونَ
)(4)
. ثمّ إنّ هذا الرأي فيه تنقّص للقرآن ـ حاشا لله ـ
؛ ذلك أنّ أحد وجوه إعجاز القرآن
ـــــــــــــــ
(1) محاسن الاصطلاح على
هامش مقدّمة ابن الصلاح ، مرجع سابق
/ 364 .
(2) تأويل مختلف الحديث ،
مرجع سابق / 191 .
(3) مقدمة ابن الصلاح ،
مرجع سابق / 367 .
(4) سورة الحجر
/ 9 .
الصفحة (338)
بيانه ، وقد تحدّى الله تعالى أنْ يأتي أحد
بآية من مثله ، فكيف يزعم زاعم أنّ مثله شيء
حتّى يُخاف عليه الاختلاط
؟
فإذا كان الحديث قد
أُبيحت كتابته ، ولو في
آخر الأمر ، ولكن في وجود رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فالسؤال لا يزال مطروحاً
: لِمَ لمْ يُجمع ويُكتب في الصدر الأوّل ؟
ولو أنّ ذلك حدث
، ولو بعد الفراغ
من جمع القرآن ، لأزال عنّا حرجاً شديداً وقعت فيه الاُمّة واختلفت ولا تزال تعاني
آثاره حتّى اليوم .
ولو أنّه جُمع بعد الفراغ من جمع القرآن
في عهد أبي بكر ، لمَا كان هناك مساغ للقول بالخوف من اختلاط الحديث بالقرآن .
ولو أنّه جمع في وجود جلّ الصحابة يومئذ ،
لتوفّرت شروط فرزه وتصحيحه تلقائيّاً ، كما حدث في كشف تدليس أبي هريرة في رواية
حديث الجنابة ، وكما حدث في ردّ عائشة لحديث تعذيب الميّت ببكاء أهله .
ولو أنّه جُمع في هذا العهد المبكّر لمَا
وكلّ إلى الذاكرة ، وبالتالي
لمَا تسربت إليه كلّ عوامل الضعف ، ولمَا احتيج لإثبات صحّته
إلى إثبات عدالة الرواة ، بينما الذي يحكم بتعديل وجرح الرجال
ـ هم بعد ـ رجال من
الرجال .
ولو أحكم منذ البدء
لمَا وجد الوضّاعون ثغرةً
ينفذون منها إليه ، ولمَا وجد أصحاب الزهد
المزعوم مجالاً للتقوّل كذباً على رسول
الله (صلّى الله عليه وآله)
، وهم يبجحون أنّهم ما فعلوا ذلك إلاّ احتساباً لله بزعمهم
، أو كذباً له وليس عليه بإفكهم تحريفاً لكلم رسول الله
(ص) عن مواضعه ، إذ يقول :
(( مَن كذب
عليّ فليتبوّأ مقعده من النار
)) . فيقولون : نحن نُكذّب له لا عليه
, يذكر ابن الصلاح(1)
.
ـــــــــــــــ
(1) المرجع السابق
/ 279
.
الصفحة (339)
والوضّاعون للحديث أصناف
, وأعظمهم ضرراً
قوم من المنسوبين إلى الزهد
، وضعوا الأحاديث احتساباً فيما زعموا ، فتقبّل الناس
موضوعاتهم ثقةً منهم بهم وركنوا إليهم .
وآخرون تسلّلوا إلى القرآن فوضعوا الأحاديث
في تفسيره بادّعاء الحسبة كذلك ، مثلما فعل نوح بن أبي مريم وقد قيل له : من أين لك
عن عكرمة عن ابن
عبّاس في فضائل القرآن سورة سورة ؟ فقال : إنّي رأيت الناس قد
أعرضوا عن القرآن ، واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي ابن إسحاق ، فوُضعت هذه الأحاديث
حسبةً .
على أنّنا في بحثنا عن إجابة مقنعة لسؤالنا
عن أسباب عدم كتابة الحديث ، وجدنا ما هو أشدّ خطراً بما يجعل
المسألة أكثر غموضاً ،
ذلك أنّا وجدنا الخلفاء الثلاثة
: أبا بكر وعمر وعثمان لا يقفون عند عدم كتابة الحديث
،
بل يتعدّون ذلك إلى الترغيب في عدم رواية الحديث ، بل كادوا يمنعونه منعاً .
يروي الذهبي في تذكرة الحفاظ
، عن أبي مليكة قوله : إنّ الصديق جمع الناس بعد وفاة نبيّهم
، فقال : إنّكم تُحدّثون عن رسول الله
(ص) أحاديث تختلفون فيها ، والناس بعدكم أشدّ اختلافاً ، فلا تُحدّثوا عن رسول الله
(ص) شيئاً
، فمَن سألكم فقولوا : بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلّوا حلاله ، وحرّموا حرامه .
ويذكر الطبري(1)
: أنّ عمر كان إذا استعمل
العمّال ، خرج يشيّعهم فيقول لهم فيما يقول : جرّدوا القرآن ، وأقلّوا الرواية عن
محمّد (صلّى الله عليه وآله) ، وأنا شريككم .
ـــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري ، مرجع
سابق 4 / 204 .
الصفحة (340)
وذكر ابن عبد البرّ عن قرظة بن كعب قال(1)
، قال عمر : إنّكم تأتون أهل قرية لها دويّ بالقرآن كدويّ النحل
، فلا تصدّوهم
بالأحاديث لتشغلوهم
، جرّدوا القرآن وأقلّوا الرواية عن رسول الله
(ص) ، وأنا شريككم .
فلمّا قدم قرظة قالوا : حدّثنا
. فقال : نهانا عمر .
وتابع
عثمان أبا بكر وعمر في تقليص الرواية
عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)
حتّى كان يقول ـ فيما يذكر ابن سعد وابن عساكر
عن محمود بن لبيد ـ
: سمعت
عثمان بن عفّان على
المنبر ، يقول : لا يحلّ لأحد يروي حديثاً
لمْ يُسمع به في عهد أبي بكر ولا في عهد عمر .
وعلى العكس من ذلك تماماً كان موقف عليّ
(ع) الذي أباح وكتب وروى الحديث
, وقد ذكر ابن الصلاح عنه ذلك(2) . وجاء في طبقات ابن
سعد : عن محمّد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب
(ع) قال ، قِيل لعليّ
(ع) : مالك أكثر أصحاب رسول
الله (صلّى الله عليه وآله) حديثاً ؟ فقال
(ع) : (( إنّي كنت إذا سألته أنبأني ، وإذا سكت
ابتدأني )) .
وذكر الحاكم(3)
ـ وقال : على شرط الشيخين
ـ
أنّ عليّاً (ع) قال :
(( تذاكروا الحديث
, فإنّكم إلاّ تفعلوا يندرس
)) .
وروى الحاكم كذلك عن عبد الله بن مسعود
قوله : (( تذاكروا الحديث
، فإنّ ذكر الحديث حياته
)) .
وهنا يجب التوقّف طويلاً لفهم دوافع
الخلفاء الثلاثة في موقفهم ذاك
، من رواية حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .
ـــــــــــــــ
(1) الحاكم النيسابوري ،
المستدرك 1 / 102 ـ بيروت
ـ دار
المعرفة ، ب ، ت .
(2) مقدّمة ابن الصلاح ،
مرجع سابق / 204 .
(3) المستدرك ، مرجع سابق
4 / 95 .
الصفحة (341)
وللمرء أنْ
يتساءل :
ألمْ يعلموا بحديث رسول
الله (صلّى الله عليه وآله) :
(( نضر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها
ثمّ بلّغها عنّي , فربّ
حامل فقه غير فقيه
، وربّ حامل فقه إلى مَن هو أفقه منه
)) . رواه أحمد وابن ماجة .
وفي رواية البخاري في حجة الوداع
، قول
الرسول (صلّى الله عليه وآله) : (( ليبلّغ الشاهد الغائب ، فإنّ الشاهد عسى أنْ يبلّغ مَن
هو أوعى له منه
)) .
وكيف يُفعل بحديث رسول الله
(ص) ـ رواه الحاكم
، وقال : صحيح على شرط الشيخين ـ :
(( مَن سُئل عن علم فكتمه جِيء به يوم القيامة
، وقد أُلجم
بلجام من نار )) . فهل يُغني عن قرظة يومئذ قوله لسائليه الحديث ـ أوردناه من قبل ـ :
نهانا عمر ، أم ينهض لعمر ذاته عذر لهذا النهي ؟
وكيف يقول أبوبكر : فلا تُحدّثوا عن رسول
الله (ص) شيئاً ، فمَن سألكم فقولوا : بيننا وبينكم كتاب الله ، فاستحلّوا حلاله ، وحرّموا
حرامه . وقد قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ـ فيما رواه الحاكم عن
المقدام
بن معد يكرب ـ :
يُوشك أنْ يقعد الرجل منكم على أريكته يُحدّث بحديثي ، فيقول بيني وبينكم كتاب الله
، فما وجدنا فيه حلالاً استحللناه ، وما وجدنا فيه حراماً حرّمناه ، وإنّما حرّم
رسول الله كما حرّم الله .
إنّنا لكي يُمكننا فهم أبعاد هذا
المشكل
المُحير ، فلا بدّ من العودة إلى استحضار السياق الذي عبّر فيه الخلفاء الثلاثة عن
رغبتهم ، في عدم تداول حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ،
ثمّ استظهار الملابسات
الدقيقة المباطنة لتلك الرغبة
، وإنّنا ـ وقد فعلنا
ـ نقف عند الحوادث التالية التي
نرى أنّها فارقة في تحديد وفرز
المواقف :
أ ـ أخطر هذه الأحاديث جميعاً موقف
الصحابة ـ خاصّة عمر
ـ وهم حول الرسول (صلّى الله عليه وآله) في بيته ، وهو في آخر
لحظات عهده بالدنيا . ولنستحضر معاً هذا
الصفحة (342)
المشهد ـ الذي يرويه لنا البخاري في صحيحه
ـ عن ابن عبّاس قوله : لمّا اشتدّ بالنبيّ (صلّى الله عليه وآله) وجعه
، قال : (( ائتوني
بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده
)) . قال عمر : إنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) غلبه
الوجع ، وعندنا كتاب الله حسبنا
. فاختلفوا وكثر اللغط
، قال (ص) : (( قوموا عنّي ولا ينبغي عندي
التنازع )) . فخرج ابن
عبّاس يقول : إنّ الرزيّة
كلّ الرزيّة ما حال بين رسول الله (صلّى الله
عليه وآله) وبين كتابه
!
وفي رواية للبخاري
، بدلاً من غلبه الوجع
، قالوا : ماله أهَجَرَ
!
وفي رواية
لمسلم وأحمد : ما شأنه أهَجَرَ
!
[ ومعنى ] الهُجر والهَجر : الهَذيان(1) .
ولأوّل وهلة ، لا شكّ أنّه يهولك كما يهولنا
، وكما يهول كلّ مسلم تلك الجرأة
، وذلك التطاول من عمر أو من غيره
حتّى ليصف رسول الله
(صلّى الله عليه وآله)
المعصوم بأنّه يهذي !
وكيف يغالب رسول الله (صلّى الله عليه
وآله) على شيء أراده ؟ وكيف يُمنع رسول الله (صلّى الله عليه
وآله) من إصدار أمر ، بينما نحن مأمورون بطاعته على
كلّ حال ؟
وبأيّ مبرّر شرعي يُستبعد كتاب رسول الله
(صلّى الله عليه وآله) الذي لا ينطق عن الهوى بادّعاء عمر : ( حسبنا كتاب الله )
.
وهل
عمر أكثر تحوّطاً واحترازاً لهذه
الاُمّة من الله عزّ وجلّ ؟ حاشا لله ، لو شاء الله
الذي أحاط كلّ شيء علماً ما ترك رسوله (صلّى الله عليه وآله)
حتّى يقبل على أمر ليس
بحقّ .
ـــــــــــــــ
(1) قال الله تعالى :
(
مُسْتَكْبِرِينَ
بِهِ سَامِراً تَهْجُرُونَ
)
. سورة المؤمنون
/ 67 .
قال الفرّاء : تهجُرون ، جعل من قولك
: هجر الرجل في منامه
، إذا
هذى . وعن إبراهيم أنّه قال في قوله عزّ وجلّ :
(
إِنّ
قَوْمِي اتّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً
)
ـ سورة الفرقان / 30 ـ قال : قالوا فيه غير
الحقّ ، ألمْ ترَ إلى المريض إذا هجر قال غير
الحقّ ؟! وقال مجاهد نحوه .
انظر لسان العرب ، مرجع سابق 5
/ 253 .
الصفحة (343)
ثمّ لماذا أمضوا طلب رسول الله
(ص) في ذات
المرض ، بتقديم أبي بكر
لإمامة الصلاة ـ وإنْ
لم تتم ـ ولمْ يمضوا أمره بالكتاب ؟ إنْ
ذلك يُوحي بأنّ وراء تلك الانتقائيّة
في طاعة الأوامر شيئاً ما ، ربّما كشف عن
استتاره ما حدث من بعد من احتجاج البعض بأحقيّة أبي بكر في أسبقيّة خلافة الرسول
(صلّى الله عليه وآله) استناداً إلى تلك الواقعة !
وربّما يكشف عنه أيضاً ـ ممّا يدخل في
الانتقاء ـ تلكّؤهم في تنفيذ أمر الرسول (صلّى الله عليه وآله) ببعث جيش أسامة
، بعد
أنْ نازعوا الرسول في أمر إمارة الجيش
حتّى أغضب عمر الرسولَ (صلّى الله عليه وآله) في ذات المرض أيضاً
، ثمّ إصرارهم ـ وفيهم أبوبكر وعمر ـ على التربّص بالمدينة رغم
غضب الرسول (صلّى الله عليه وآله)
، وعدم تنفيذ
الأمر
حتّى توفّي الرسول (صلّى الله
عليه وآله) وتولّى
الأمر أبو بكر ، وحينئذ فقط أنفذ جيش أسامة
.
إنّها حقّاً ـ كما قال ابن
عبّاس ـ مصيبة
المصائب .
إذاً لمْ يكن منع الحديث في عهود الخلفاء
الثلاثة ، وإنّما كان له شاهد في
اُخريات أيّام رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .
ب ـ ولكن إذا عدنا إلى الوراء قليلاً ،
لوجدنا أنّ الرغبة في منع توثيق الحديث تمتدّ إلى تلك الفترة أيضاً ، وأنّ
المنع أتى
من قريش .
يروي أبو داود والدارمي
والحاكم في
مستدركه ، عن عبد الله بن عمرو قوله : كنت أكتب
كلّ شيء أسمعه من رسول الله
(صلّى الله عليه وآله) وأريد حفظه
, فنهتني قريش وقالوا : تكتب
كلّ شيء تسمعه من
رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، ورسول الله (صلّى الله عليه وآله) بشر يتكلّم في
الرضا والغضب . قال : فأمسكت
, فذكرت ذلك لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فقال
(ص) : (( اكتب ، فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلاّ حقّ
)) . وأشار بيده إلى فيه
. ونتوقف هنا عند قول : فنهتني قريش
.
الصفحة (344)
فمَن هي قريش تلك التي تنهى ؟ لقد
كانوا جميعاً بالمدينة مهاجرين وأنصار ، فلمَ نهت قريش بالذات عن الكتابة دون بقية
المهاجرين والأنصار؟
لا بدّ إذاً أنْ يكون المعانعون هم وجهاء
المهاجرين المعبّر عنهم بقريش
, ويُؤيّد
ذلك ما حدث من بعد احتجاج أبي بكر وعمر في
اجتماع السقيفة
: إنّ هذا
الأمر في هذا الحيّ من قريش .
ولكن يخرج من هؤلاء بالضرورة عليّ بن أبي
طالب (ع) ، ذلك أنّه كان يكتب أيضاً ، ولو بدليل الصحيفة التي كانت لديه ـ وذكرها
البخاري ومسلم في صحيحيهما ـ ، فلا يُعقل أنْ يكتب عليّ
(ع) وينهى غيره عن الكتابة . وكيف ينهى هؤلاء عن شيء
، أو يأمرون به هكذا
من تلقاء أنفسهم ، وفيهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حيّ ؟ ألمْ يكن أولى بهم أنْ يسألوا رسول الله
(صلّى الله عليه وآله) ؟
لا بدّ إذاً أنهم استشعروا في أنفسهم مكانة
خاصّة ، ظنّوا أنّها تُبيح لهم الإجازة والمنع دون الرسول (صلّى الله عليه وآله)
, ومن ظنّ من نفسه ذلك ، سهل عليه ظنّ غيره
الكثير .
فإذا لمْ يكن لديهم مثل ذلك الظنّ بأنفسهم ،
فهل تعاقدوا على أنْ يقضوا ذلك بينهم ، ظانين أنّ الرسول (صلّى الله عليه وآله) لا
يطّلع عليه ؟
ثمّ إنّهم لمْ يحتجّوا بحديث رسول الله (صلّى
الله عليه وآله) في
المنع ـ حسبما ذكر ـ
حتّى يُمكن أنْ يعذروا ، بل برّروا منعهم بكبير
قول خرج من أفواههم
، بأنْ جوّزوا قول غير
الحقّ على رسول الله (صلّى الله عليه وآله)
في حال الغضب ، فيردّ الرسول (صلّى الله عليه وآله) قولهم ذاك بأنّه لا ينطق إلاّ
حقّاً , فما قدروا الرسول (صلّى الله عليه وآله) ذا العصمة حقّ قدره .
ج ـ وقد شاع بين الناس أنّ عمر حبس في
المدينة كبار الصحابة استئثاراً بمشورتهم ، بينما رأى آخرون أنّه حبسهم خوف الافتتان
بهم في البلاد
المفتوحة ، وخوف الفتنة عليهم أنفسهم .
الصفحة (345)
يقول طه
حسين(1) : فأمّا حقيقة
الأمر
، فهو أنّه كان يُخاف على أكابر أصحاب النبيّ من أنْ يفتتنوا أو يفتنوا الناس
, ولذلك
لمْ
يولّهم الأمصار .
ولكن حقيقة هذه الفتنة التي ادرّع لها عمر
بحبسه بعض الصحابة
، لها وجه آخر بعضه ألاّ يرووا الحديث في الآفاق . يذكر ابن العربي(2) : رُوي أنّ عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) حبس ابن مسعود في نفر من الصحابة سنةً
بالمدينة حتّى استُشهد ، فأطلقهم
عثمان , وكان سجنهم ؛ لأنّ القوم أكثروا الحديث عن رسول
الله (صلّى الله عليه وآله) .
وأنت إنْ ناقشت
الأمر في ظاهره لساءلت
نفسك : ما الضرر من رواية حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) والإكثار منه ؟ الأمر البادي أنّه لا يخرج عن وجهين : إمّا احتمال الكذب على رسول الله (صلّى
الله عليه وآله)
، وهو ما لا يقرّ في حقّ مثل ابن مسعود وصحبه
, وإمّا مخافة الوهم أو النسيان أو الخطأ غير
المتعمد .
ولكن بافتراض إمكان وقوع الاحتمالين :
الكذب والخطأ ، فإنّه يردّه وجود الضابط يومئذ
المتمثّل في وجود بقيّة الصحابة ، وهو ما
كان متاحاً ساعتها فقط
، فما كان كذباً أو تدليساً كحديث أبي هريرة
، كُشف من فوره
، وما كان يُمكن أنْ يخطئ فيه أحدهم كان الآخر له مرجعاً .
لذلك فإنّ الإكثار في رواية الحديث يومئذ
كان يُحققّ مصلحة وفائدة كبرى فاتت على
الاُمّة إلى الأبد ، فإنْ فشو الحديث بين الناس
وعرضه عليهم كان كفيلاً بتنقيته منذ البداية ، فلا يصحّ إلاّ الصحيح في النهاية .
ـــــــــــــــ
(1) الخلفاء الراشدون ،
مرجع سابق / 174 .
(2) العواصم
والقواصم ،
مرجع سابق / 87 .
الصفحة (346)
وسؤال آخر يطرح نفسه :
لماذا لمْ يطبّق ذات
المنهج الذي اُتبع في جمع القرآن وتوحيد نسخه على الحديث ؟
ولو اُتبع ذلك ، لقضي على اختلاف هذه
الأمّة
إلى يوم البعث .
إذاً كان الأوجب إفشاء الحديث وتوثيقه قدر
الطاقة في حياة الصحابة
، وهم جماعة وقبل أن يتناقصوا بالوفاة ، فيختلف الناس دون أنْ
يجدوا مرجعاً . ولمثل هذا حذّر رسول الله (صلّى الله عليه وآله)
. قال عبد الله بن
عمرو ـ فيما أخرجه البخاري
ـ : سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله)
، يقول :
(( إنّ الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد ، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء
))
.
ولمثل هذا نظر عمر بن عبد العزيز
ـ فيما
أخرجه البخاري
ـ كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم : انظر ما كان من
حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فاكتبه ، فإنّي خفت دروس العلم وذهاب
العلماء ، ولا تقبل إلاّ حديث النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ، ولتفشوا العلم ،
ولتجلسوا حتّى يعلم مَن لا يعلم ، فإنّ العلم لا يُهلك
حتّى يكون سرّاً .
ومثل ذلك أيضاً فعله ابن
عبّاس ـ فيما
أخرجه الحاكم وقال
: على شرط البخاري
. وقال : هو أصل في طلب الحديث وتوقير
المحدّث ـ
فقد قال : لمّا قُبض رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قلت لرجل من الأنصار : هلّم
فلنسأل أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فإنّهم اليوم كثير
. فقال : وا عجباً
لك يابن عبّاس ! أتري الناس يفتقرون إليك
، وفي الناس من أصحاب رسول الله (صلّى الله
عليه وآله) مَن فيهم
؟ قال : فتركت ذاك
وأقبلت أسأل أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه
وآله) ، وإنْ كان ليبلغني الحديث عن الرجل ، فآتي بابه وهو قائل ، فأتوسّد ردائي على
بابه يسفي الريح عليّ من التراب ، فيخرج فيراني فيقول : يابن عمّ رسول الله (صلّى
الله عليه وآله) ما جاء بك ، هلاّ أرسلت إليّ فآتيك
. فأقول : لا ، أنا أحقّ أنْ آتيك
، قال : فأسأله عن الحديث ،
الصفحة (347)
فعاش هذا الرجل الأنصاري
حتّى رآني ، وقد
اجتمع الناس حولي يسألونني ، فيقول : هذا الفتى كان أعقل منّي .
د ـ ومنع أبو ذر الغفاري
ـ الذي قال فيه
رسول الله (صلّى الله عليه وآله) :
(( ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء من ذي لهجة
أصدق من أبي ذر
)) ـ من مجالسة أحد
، ومن الفتيا ومن رواية الحديث
حتّى صرخ بأن ذبحه
أهون عليه من كتمان حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ،
ثمّ كان من أمره ما هو
معلوم من نفيه إلى الربذة
حتّى مات منفيّاً وحيداً في عهد
عثمان .
يروي الدارمي في سننه : أخبرنا عبد
الوهاب بن سعيد
، حدّثنا شعيب ـ هو ابن إسحاق
ـ حدّثنا الأوزاعي
، حدّثني أبو كثير حدّثني أبي
قال : أتيت أبا ذر
، وهو جالس عند الجمرة الوسطى
، وقد اجتمع الناس عليه يستفتونه
، فأتاه
رجل فوقف عليه
، ثمّ قال : ألمْ تنه عن الفتيا
؟ فرفع رأسه إليه
، فقال : أرقيب أنت عليّ ؟ [ لو
وضعتم الصمصامة على هذه
ـ وأشار إلى قفاه
ـ ثمّ ظننت أنّي أنفذ كلمةً سمعتها من رسول الله
(صلّى الله عليه وآله) قبل أنْ تجيزوا علي لأنفذتها ](1) .
* * *
نلخص إذاً ممّا سبق إلى أنّ الاتّجاه الذي
قاده الخلفاء الثلاث
لمنع كتابة ورواية وانتشار حديث رسول الله (صلّى الله عليه
وآله) ، لمْ يكن ذا سند من نصّ شرّع لهم ، بل جاء مخالفاً للنصوص ومغالباً لإرادة رسول
الله (صلّى الله عليه وآله) ، بما تسقط معه أيّة دعوى للاحتجاج بالاجتهاد .
ولكن لماذا ؟
إنّ هناك حادثتين أخريين نظنّ أنّهما كفيلتان
بالإجابة على هذا السؤال :
ـــــــــــــــ
(1) الكلام
الموضوع بين
المعكوفتين أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب العلم .
الصفحة (348)
فأمّا أوّلهما
، فنقرأ تفاصيلها في
المحاورة
التالية التي جرت بين عمر بن الخطاب وعبد الله بن
عبّاس(1) :
عمر : يابن
عبّاس ، أتدري ما منع قومكم
منكم بعد مُحمّد (ص) ؟
ابن عبّاس : فكرهت أنْ أجيبه ، فقلت : إنْ
لمْ
أكن أدري ، فأمير
المؤمنين يُدريني .
عمر : كرهوا أنْ يجمعوا لكم النبوّة
والخلافة ، فتبجحوا على قومكم بجحاً بجحاً ، فاختارت قريش لنفسها فأصابت ووفقت .
ابن عبّاس : يا أمير
المؤمنين ، إن تأذن لي
في الكلام وتمط عنّي الغضب تكلّمت .
عمر : تكلّم يابن
عبّاس .
ابن عبّاس : أمّا قولك يا أمير
المؤمنين ، اختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفقت ، فلو أنّ قريشاً اختارت لأنفسها حيث اختار الله
عزّ وجلّ لها ، لكان الصواب بيدها غير مردود ولا محسود .
وأمّا قولك : إنّهم كرهوا أنْ تكون لنا
النبوّة والخلافة ، فإنّ الله عزّ وجلّ وصف قوماً بالكراهيّة
، فقال :
(
ذلِكَ
بِأَنّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ فَأَحْبَطَ
أعمّالَهُمْ
)(2) .
عمر : هيهات والله يابن
عبّاس ! وقد كانت
تبلغني عنك أشياء كنت أكره أنْ
اُفرّك(3) عنها ، فتزيل منزلتك منّي .
ابن عبّاس : وما هي يا أمير
المؤمنين ؟
ـــــــــــــــ
(1) الطبري ، مرجع سابق 4
/ 223 .
(2) سورة
محمّد / 9 .
(3) في ابن الأثير
: أقرك
.
الصفحة (349)
فإنّ كانت حقّاً فما ينبغي أنْ تزيل منزلتي
منك ، وإنْ كانت باطلاً فمثلي أماط الباطل عن نفسه .
عمر : بلغني أنّك تقول : إنّما صرفوها عنّا
حسداً وظلماً !
ابن عبّاس : أمّا قولك يا أمير
المؤمنين :
ظلماً ، فقد تبيّن للجاهل والحليم
, وأمّا قولك حسداً ، فإنّ إبليس حسد آدم ، فنحن
ولده المحسودون .
عمر : هيهات ! أبتْ والله
قلوبكم يا بني
هاشم , إلاّ حسداً ما يحول وضغناً وغشّاً ما يزول .
ابن عبّاس : مهلاً يا أمير
المؤمنين ، لا
تصف قلوب قوم أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً بالحسد والغشّ ، فإنّ قلب رسول
الله (صلّى الله عليه وآله) من قلوب بني هاشم .
عمر : إليك عنّي يابن
عبّاس .
ابن عبّاس : أفعل .
* * *
ولعمرك ها هنا لبّ القضيّة : اختيار الله في
مقابل اختيار قريش
.
فابن عبّاس يذّكر عمر بحقّ عليّ بن أبي طالب
(ع) المجحود في الحلافة بالدليل النصّي عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وبحيث تبيّن
للجاهل والحليم الظلم الواقع عليه من جرّاء منعه حقّه الذي هو اختيار الله ، بينما
يقول عمر باختيار قريش لنفسها
.
وهنا نكتشف السبب الذي من أجله رفض
عمر الاستجابة
لأمر رسول الله (ص) أنْ يأتوه بكتاب يكتب فيه كتاباً لن يضلّوا بعده . فقد
سبق لرسول الله (صلّى الله عليه وآله)
، أنْ قال : (( إنّي تارك فيكم ما إنْ تمسّكتم به لن
تضلّوا بعدي ، أحدهما أعظم من الآخر
، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض
، وعترتي
أهل بيتي ، ولن يفترقا
حتّى يردا عليّ الحوض
، فانظروا كيف تخلفوني فيهما
)) .
الصفحة (350)
فقد سبق إذاً للرسول (صلّى الله عليه وآله)
أنْ حدّث بالكتاب الذي لن يضلّ بعده
المسلمون ، وهو ها هنا ساعة الفراق يريد تأكيد
الحديث كتابةً بذات الألفاظ : كتاب لا يضلّون بعده ، فإذا بعمر بن
الخطاب يمنع الرسول
(ص) ممّا أراد ، بل زاد أنْ قال : إنّه (صلّى الله عليه وآله) قد هجر
!
وأمّا الحادثة الثانية
، فعند ما قال
عمّار بن ياسر : لئن مات عمر لأبايعنّ عليّاً
(ع) .
فأثار هذا القول بشدّةٍ بالغةٍ عمر
، ونترك البخاري يروي لنا ما حدث
, فقد جاء في صحيحه بكتاب الحدود عن ابن
عبّاس قوله :
كنت أقرئ رجالاً من
المهاجرين منهم عبد
الرّحمن بن عوف
، فبينما أنا في منزله بمنىً وهو
عند عمر بن الخطّاب في آخر حجّة حجّها
، إذ
رجع إليّ عبد الرّحمن
، فقال : لو رأيت رجلاً أتى أمير
المؤمنين اليوم فقال
: يا أمير
المؤمنين ، هل لك في فلان
، يقول : لو قد مات عمر لقد بايعت فلاناً
، فوالله ، ما كانت بيعة
أبي بكر إلاّ فلتةً فتمّت
. فغضب عمر
، ثمّ قال : إنّي إنْ شاء الله لقائم العشيّة في
الناس فمحذّرهم هؤلاء
الذين يريدون أنْ يغصبوهم أمورهم
.
قال عبد الرّحمن
، فقلت : يا
أمير المؤمنين ، لا تفعل فإنّ
الموسم يجمع رعاع
الناس وغوغاءهم , فإنّهم هم
الذين
يغلبون على قربك حين تقوم في
الناس ، وأنا أخشى أنْ تقوم فتقول مقالةً يطيّرها عنك كلّ
مطيّرٍ ، وأنْ لا يعوها وأنْ لا يضعوها على مواضعها
، فأمهل
حتّى تقدّم المدينة فإنّها
دار الهجرة والسنّة
، فتخلص بأهل الفقه وأشراف
الناس ، فتقول ما قلت متمكّناً
، فيعي أهل
العلم مقالتك ويضعونها على مواضعها
.
فقال عمر
: أمَا والله ، إنْ شاء الله لأقومنّ بذلك
أوّل مقام أقومه بالمدينة
.
قال ابن
عبّاس فقدمنا
المدينة في عقب ذي الحجّة
، فلمّا كان
يوم الجمعة عجّلت الرّواح حين زاغت الشّمس
حتّى أجد سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل
جالساً إلى ركن
المنبر ، فجلست حوله تمسّ ركبتي ركبته
، فلمْ أنشب أنْ خرج عمر بن الخطاب
، فلمّا
|