الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة (326)

حاول تخويفهم ، فيقول ابن المطيع : يا نعمان ، ما عملك على فساد ما أصلح الله من أمرنا وتفريق جماعتنا ؟ .

6 ـ وقد ثبت عن أبي حنيفة حثّه ومساعدته على الثورة على حكّام الجور من بني اُميّة , يقول أبو زهرة(1) : كان (رضي الله عنه) ، لنزعته العلويّة من غير تشيع ، لا يرى لبني اُميّة أيّ حقّ في إمرة المؤمنين ، ولكنّه ما كان ليثور عليهم ، ولعلّه كان يهمّ أنْ يفعل .

ويُروى أنّه لمّا خرج زيد بن عليّ (ع) بالكوفة على هشام بن عبد الملك ، قال أبو حنيفة : ضاهى خروجه خروج رسول الله يوم بدر . فقِيل له : لمَ تخلّفت عنه ؟ قال : حبستني ودائع الناس ، عرضتها على ابن أبي ليلى فلمْ يقبل ، فخفت أنْ أموت مجهلاً . ويُروي أنّه قال في الاعتذار عن عدم الخروج مع زيد : لو علمت أنّ الناس لا يخذلونه كما خذلوا جدّه لجاهدت معه ؛ لأنّه إمام حقّ ، ولكن أعينه بمالي . فبعث إليه بعشرة آلاف درهم ، وقال للرسول : ابسط عذري له .

وعندما هلكت دولة بني اُميّة ، وجاء العبّاسيّون ظنّ في البداية خيراً فيهم ، ثمّ تبيّن له جورهم من بعد ممّا جعله يعين على الخروج عليهم كذلك محمّد النفس الزكيّة وأخاه إبراهيم .

وهكذا كان أبو حنيفة مشاركاً إنْ بالحض وإنْ بالمال على الخروج على حكّام الجور ، ولمْ يكن مجرّد مكتف بإبداء الرأي بجواز الخروج .

ويردّ أبو بكر الجصاص قول من ادّعى : أنّ أبا حنيفة لمْ يُجيز الخروج , بقوله(2) : وكان مذهبه مشهوراً في قتال الظلمة وأئمّة الجور ، ولذلك قال لأوزاعي : احتملنا أبا حنيفة على كلّ شيء حتّى جاءنا بالسيف ، يعني : قتال الظلمة ، فلمْ

ـــــــــــــــ

(1) تاريخ المذاهب الإسلاميّة ، مرجع سابق / 368 .

(2) أحكام القرآن ، مرجع سابق 1 / 86 .


الصفحة (327)

نحتمله . وكان من قوله : وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض بالقول ، فإنْ لمْ يُؤتمر له فبالسيف على ما روى النبي (صلّى الله عليه وآله) ... وقضيّته في أمر زيد بن عليّ (ع) مشهورة ، وفي حمله المال إليه وفتياه الناس سرّاً في وجوب نصرته والقتال معه ، وكذلك أمره مع مُحمّد وإبراهيم ابني عبد الله بن حسن .

وهذا إنّما أنكره عليه أغمار أصحاب الحديث الذين بهم فقد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتّى تغلّب الظالمون على أمور الإسلام . فمَن كان هذا مذهبه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كيف يرى إمامة الفاسق ؟

7 ـ وزعموا أنّ الإنكار لا يكون إلاّ برفق ، وفي حال القدرة ، ولا يكون ذلك السلطان وإنّما لمَن دونه .

يذكر الشوكاني(1) : وقال غيره ـ غير النووي ـ إذا كانت المنازعة في الولاية ، فلا ينازعه بما يقدح في الولاية إلاّ إذا ارتكب الكفر ، وحمل رواية المعصيّة على ما إذا كانت المنازعة فيما عدا الولاية ، فإذا لمْ يقدح في الولاية نازعه المعصيّة بأنْ ينكر عليه برفق ويتوصّل إلى تثبيت الحقّ له بغير عنف ، ومحلّ ذلك إذا كان قادراً .

وممّن سار على ذات النهج ابن قتيبة في محاولته الجمع بين حديث : مَن قُتل دون ماله ، فهو شهيد . وحديث كن حلس بيتك . فأراد ابن قتيبة(2) أنْ يقصر معنى الحديث الأوّل على ( اللصوص ) دون السلطان ، فيقول : مَن قتل دون ماله ، فهو شهيد ، مَن قاتل اللصوص عن ماله حتّى يُقتل في منزله وفي أسفاره .

ـــــــــــــــ

(1) نيل الأوطار ، المرجع السابق .

(2) تأويل مختلف الحديث ، مرجع سابق / 105 .


الصفحة (328)

وهذا امتداد لرأيه في السلطان الفاجر ، إذ يقول : لا تخرجوا عليه ولا تشقّوا العصا ولا تفارقوا جماعة المسلمين ، وإنْ كان سلطانكم فاجراً .

ومن هؤلاء أيضاً ابن سيرين حين سأله بعض الناس عن قتال الحروريّة ، فأجاب : ما علمت أنّ أحداً كان يتحرّج من قتل هؤلاء تأثيماً ، ولا من قتل مَن أراد قتالك إلاّ السلطان ، فإنّ للسلطان نحواً .

وقالت طائفة : إنّ السلطان في هذا بخلاف غيره ، ولا يُحارب السلطان وإنْ أراد ظلماً .

ونحن ندع ابن حزم الذي أورد بعض أقوالهم السابقة ليردّ عليهم(1) : وأمّا مَن دعا إلى أمر بمعروف أو نهي عن منكر ، وإظهار القرآن والسنن ، والحكم بالعدل فليس باغياً ، بل الباغي من خالفه وبالله تعالى التوفيق ، وهكذا من أريد بظلم فمنع من نفسه ، سواء أراده الإمام أو غيره .

ويستشهد ابن حزم بما وقع من عبد الله بن عمرو بن العاص ، فيما رواه أبو قلابة قال : أرسل معاوية بن أبي سفيان إلى عامل له أنْ يأخذَ الوهط(2) فبلغ ذلك عبد الله بن عمرو بن العاص ، فلبس سلاحه هو ومواليه وغلمته ، وقال : إنّي سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، يقول : مَن قُتل دون ماله ، فهو شهيد .

ويعلّق ابن حزم على ذلك بقوله : رأى عبد الله بن عمرو أنّ ذلك ليس بحقّ ، ولبس السلاح للقتال ، ولا مخالف له في ذلك من الصحابة (رضي الله عنهم) . وهكذا جاء عن أبي حنيفة ، والشافعي وأبي سليمان ، وأصحابهم أنّ

ـــــــــــــ

(1) المحلّى ، مرجع سابق 11 / 98 .

(2) الوهط : كانت أرضاً لعمرو بن العاص قدرت بعشرة ملايين درهمٍ ـ كما جاء في مروج الذهب للمسعودي 3 / 32 ـ ومعلوم أنّ معاوية أعطى مصر طعمةً لعمرو ما بقي حيّاً ، كشرط عمرو على مساعدته في حرب الإمام عليّ (ع) ، فآلت هذه الأرض بعد موته إلى ابنه عبد الله .


الصفحة (329)

الخارجة على الإمام إذا خرجت سُئلوا عن خروجهم ، فإنْ ذكروا مظلمةً ظلموها أنصفوا ، وإلاّ دعوا إلى الفيئة ، فإنْ فاؤوا فلا شيء عليهم ، وإنْ أبوا قُوتلوا ، ولا نرى هذا إلاّ قول مالك أيضاً ، فلمّا اختلفوا ـ كما ذكرنا ـ وجب أنْ نردّ ما اختلفوا فيه إلى ما افترض الله تعالى الردّ عليه ، إذ يقول الله تعالى : ( فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْ‏ءٍ فَرُدّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرّسُولِ )(1) . ففعلنا فلمْ نجد الله تعالى فرّق في قتال الفئة الباغية على الأخرى بين سلطان وغيره ، بل أمر الله تعالى بقتال مَن بغى على أخيه المسلم عموماً حتّى يفيء إلى أمر الله تعالى وما كان ربّك نسياً . وكذلك قوله (عليه السلام) : مَن قُتل دون ماله ، فهو شهيد . أيضاً عموم لمْ يخصّ معه سلطاناً من غيره .

وممّا قاله ابن حزم أيضاً ، واحتجّ به عمر عبد الرحمن في محاكمته في قضيّة قتل السادات(2) : ما تقولون في سلطان جعل اليهود أصحاب أمره ، والنصارى جنده ، وحمل السيف على كلّ مَن وجد من المسلمين ، وأعلن العبث به ، وأباح المسلمات للزنى ، وهو في كلّ ذلك مقرّ بالإسلام ، معلن به لا يدع الصلاة ؟

فإنْ أجازوا الصبر على هذا خالفوا الإسلام جملةً وانسلخوا منه ، وإنْ قالوا : بل يُقام عليه ويُقاتل ، فقد رجعوا إلى الحقّ ، ولو على قتل مسلم واحد ، أو على امرأة واحدة ، أو على أخذ مال ، أو على انتهاك بشرة بظلم ، إنْ أنكروا كلّ ذلك رجعوا إلى الحقّ ، والواجب إنْ وقع شيء من الجور وإنْ قلّ أنْ يكلّم الإمام في ذلك ، ويمنع منه ، فإنْ امتنع ورجع إلى الحقّ وأذعن فلا سبيل إلى خلعه ... وإنْ امتنع من إنفاذ شيء من هذه الواجبات عليه ، ولم يرجع وجب خلعه وإقامة غيره ممّن

ـــــــــــــــ

(1) سورة النساء / 59 .

(2) د . عمر عبد الرحمن ، كلمة حقّ ، مرجع سابق / 37 .


الصفحة (330)

يقوم بالحقّ ، لقول الله تعالى : ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرّ وَالتّقْوَى‏ وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الْثمّ وَالْعُدْوَانِ ) ، ولا يجوز تضييع شيء من واجبات الشرائع ، وبالله التوفيق .

8 ـ ومن غريب تناقض هؤلاء الزاعمين بحجيّة عدم الخروج على الحاكم الظالم ، احتجاجهم في الوقت ذاته بسنّة أبي بكر وعمر ، وهُم ما فتئوا يرددون أقوالهم ، مثل قول أبي بكر : فإنْ رأيتموني على الحقّ فأعينوني ، وإنْ رأيتموني على الباطل فقوّموني ، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله ، فإنْ عصيت فلا طاعة لي عليكم . ومثل قول عمر : إنْ رأيتم فيّ اعوجاجاً فقوّموني . فيردّ عليه أحد الرعيّة : لو رأينا فيك اعوجاجاً لقوّمناه بسيوفنا .

ولكنّهم يوردون هذه الأقوال في معرض المديح لأبي بكر وعمر وكأنّها للتزين فقط ، في فصل تامّ لها عن أيّ ممارسة عمليّة ، فإذا ما استدعيت في موقع ظلم تراجعوا على الفور ، وعمدوا للولوج في دهاليز تأويلات ما أنزل الله بها من سلطان .

ثمّ ما قولهم في رأي أشدّ لعمر بصريح قوله لقوم أتوه(1) : أمَا والله ، لوددت أنّي وإيّاكم في سفينة في لجّة البحر ، تذهب بنا شرقاً وغرباً ، فلن يعجزَ الناس أنْ يولّوا رجلاً منهم ، فإنْ استقام اتّبعوه ، وإنْ جنف قتلوه . فقال طلحة : وما عليك لو قلت : إنْ تعوّج عزلوه . فقال : لا ، القتل أنكل لمَن بعده .

9 ـ أيّهما أشدّ ضرراً : ظلم السلطان أمْ ظلم الرعيّة ؟

إنّ العقل ليشهد ، وإنّ الخبرة الإنسانيّة على مدى التاريخ لتصدق على الأنظمة

ـــــــــــــــ

(1) الطبري ، مرجع سابق 3 / 213 .


الصفحة (331)

الحاكمة أنّها كانت السبب الرئيس فيما عانته البشريّة من مآس ، وإنّ ظلم الفرد من الرعيّة مهما بلغ لا يُقارن بحال ، بحيود الحاكم ونظامه عن الحقّ .

ذلك أنّه من البديهي أنّ أمر الفرد مهما اتّسع فهو محدود ، بينما أمر الحاكم عامّ وظلمه يستغرق الناس بغير حدّ ، فكان حتماً أشدّ ضرراً .

ثمّ إنّ الحاكم قدوة لرعيّته ، فإنْ ظلم تظالموا ، وإنْ شذّ عن الحقّ شاع فيهم الباطل . يقول الأفوه الأودي الشاعر الجاهلي :

لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم      ولا سـراة إذا جهـالهـم سـادوا

ولا جهل أكثر من اتّباع الهوى دون الحقّ ، فيُؤدّي إلى الضلال الذي يعمّ الناس إذا أصاب حكّامهم .

ونذّكر بقول الله تعالى : ( يَا دَاوُدُ إِنّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ الناس بِالحقّ وَلاَ تَتّبِعِ الْهَوَى‏ فَيُضِلّكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ )(1) .

فإذا كان الأمر كذلك ، فكيف يقبلونه رأساً على عقب ، فيعظّمون ظلم الرعيّة ، ويتصاغرون بظلم السلطان وإنْ جلد الظهور وأخذ الأموال وضرب الأبشار ، بل يبلغون المدى مثل الباقلاني القائل : وإنْ عطّلوا الحدود واستأثروا بالفيء ، وقتلوا النفس المحرّمة .

ثمّ ألمْ يقل عثمان : إنّ الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن . وفيه دليل على مدى خطورة منصب الحكم وآثاره .

ومن غريب تناقضهم كذلك ما زعمه قائلهم ابن قتيبة من تلك التفرقة ، بينما هو يذكر(2) : لا بدّ للناس من وزعة يريد سلطاناً يزعهم عن التظالم

ـــــــــــــــ

(1) سورة ص / 26 .

(2) تأويل مختلف الحديث ، مرجع سابق / 105 .


الصفحة (332)

والباطل وسفك الدماء وأخذ الأموال بغير حقّ . فإذا كان مبرّر وجوده أصلاً منع التظالم على الوجوه التي ذكرها ، فكيف إذا أتى هو ذاته بها ؟

وقد تناول هذه المسألة تحديداً ابن خلدون ، فذكر(1) :

ب ـ ذُكر على لسان الموبذان الفارسي : إنّ الملك لا يتمّ عزّه إلاّ بالشريعة ، والقيام لله بطاعته والتصرف تحت أمره ونهيه ، ولا قوام للشريعة إلاّ بالملك ، ولا عزّ للملك إلاّ بالرجال ، ولا قوام للرجال إلاّ بالمال ، ولا سبيل إلى المال إلاّ بالعمارة ، ولا سبيل للعمارة إلاّ بالعدل ، والعدل الميزان المنصوب بين الخليفة نصبّه الربّ ، وجعل له قيّماً وهو الملك .

ت ـ الظلم مخرّب للعمران ، وأنّ عائدة الخراب في العمران على الدولة بالفساد والانتقاض .

ث ـ واعلم أنّ هذه هي الحكمة المقصودة للشارع في تحريم الظلم ، وهو ما ينشأ عنه من فساد العمران وخرابه ، وذلك مؤذن بانقطاع النوع البشري وهي الحكمة العامّة المراعاة للشرع ، في جميع مقاصده الضروريّة الخمسة من حفظ : الدين والنفس والعقل والنسل والمال . فلمّا كان الظلم كما رأيت مؤذناً بانقطاع النوع لمَا أدّى إليه من تخريب العمران ، كانت حكمة الحظر فيه موجودة ، فكان تحرّيه مهمّاً وأدلته من القرآن والسنّة كثيرة أكثر من أنْ يأخذها قانون الضبط والحصر .

* * *

فلمّا كان قصد الشارع متعلّقاً تعلّقاً حتميّاً بالعدل ، وأنّ الظلم مفوّت بالضرورة لهذا القصد ، وباتّباع قاعدة أخفّ الضررين ، كان الأخذ على يد الظالم وأطره على الحقّ أطراً وإلاّ خلعه أمراً وجوبيّاً .

ـــــــــــــــ

(1) المقدّمة ، مرجع سابق / 240 .


الصفحة (333)

وممّن فطن إلى هذا الماوردي الذي جعل الجرح في عدالة الإمام مخرجاً له من الإمامة ، لمّا عدّه فسقاً لا تجوز معه الإمامة . فقال(1) : فهذا فسق يمنع من انعقاد الإمامة ومن استدامتها ، فإذا طرأ على من انعقدت إمامته خرج منها ، فلو عاد إلى العدالة لمْ يعد إلى الإمامة إلاّ بعقد جديد .

وهذا أيضاً ابن قيم الجوزية الذي رفض فكرة تخصيص السلطان واستثنائه من عموم عدم الطاعة في المعصية ، فذكر أحاديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( إنّما الطاعة في المعروف )) . (( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق )) . (( مَن أمركم منهم بمعصية الله فلا تطيعوه )) . وعلّق على ذلك بقوله(2) : فهذه فتوى عامّة لكلّ من أمره أمير بمعصية الله كائناً مَن كان ، ولا تخصيص فيها البتّة .

10 ـ وبرّروا عدم الخروج بسبب أنّه يصاحبه فتنة هوجاء .

والحقّ أنّ الحقيقة السابقة التي أوجزها ابن خلدون في قوله : الظلم مؤذن بخراب العمران . ترد على ذلك الزعم ، فهي تلخّص استقراء وقائع التاريخ ، والنظر في أحوال الاُمم والملوك ، وهو ما أكدته من قبل أدّلة القرآن والسنّة ، فليست هناك فتنة أشدّ من الخراب على يد الظالمين ، وليست هناك فتنة أشدّ من تعطيل أحكام الشرع واتّباع الهوى دون العدل .

إنّ الحاكم الظالم بما هو كذلك لا يرعوي عن إتيان كلّ منكر نزل الشرع لمنعه ، والمسلم مطالب أساساً بالتمكين لإقامة دين الله في الأرض ، وليس المقصود بحال هو مجرّد عيش الجماعة في ظلّ سلطان كيفما اتّفق ، وإلاّ لكان من الممكن أنْ يعيش المسلمون الأوائل بعقيدتهم الجديدة في ظلّ السيادة

ـــــــــــــــ

(1) الأحكام السلطانيّة ، مرجع سابق / 19 .

(2) أعلام الموقعين 4 / 400 ـ بيروت ـ  المكتبة العصريّة / 1987 م .


الصفحة (334)

القرشيّة الجاهليّة ، وكان من الممكن كذلك أنْ يمارسوا شعائرهم دون تعرّض من أحد ، ولكن المشكل كان يكمن في سيادة نظام يحكم الناس بالعدل وفق المقرّرات الإلهيّة وليس وفق تصورات وأهواء البشر .

والحكم الظالم يدفع الناس دفعاً للوقوع في حبائل الفتنة ، فتنة التعرّض للأذى في النفس والبدن والمال والعرض ، وفتنة النفاق وفتنة فقدان المروءة ، وفتنة الانطواء على الضيم ، وفتنة الانكفاء على الذات طلباً للنجاة الفرديّة ، وفتنة الركون إلى الظالمين ، ثمّ تكون العاقبة لذلك كلّه فتنة التعرّض للغضب الإلهي .

يقول الله تعالى : ( وَاتّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنّ الذينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خاصّة وَاعْلَمُوا أَنّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ )(1) .

ويفسّر سيّد قطب هذه الآية بقوله(2) : والفتنة ، الابتلاء أو البلاء  ، والجماعة التي تمسح لفريق منها بالظلم في صورة من صوره ـ وأظلم الظلم نبذ شريعة الله ومنهجه في الحياة ـ ولا تقف في وجه الظالمين , ولا تأخذ الطريق على المفسدين ، جماعة تستحقّ أنْ تؤخذ بجريرة الظالمين المفسدين . فالإسلام منهج تكافلي إيجابي لا يسمح أنْ يقعد القاعدون عن الظلم والفساد والمنكر يشيع ـ فضلاً على أنْ يروا دين الله لا يُتّبع ، بل أنْ يروا اُلوهيّة الله تنكر وتقوم اُلوهيّة العبيد مقامها ـ وهم ساكتون , ثمّ هم بعد ذلك يرجون أنْ يخرجهم الله من الفتنة ؛ لأنّهم هم في ذاتهم صالحون طيّبون .

ـــــــــــــــ

(1) سورة الأنفال / 25 .

(2) في ضلال القرآن ، مرجع سابق 3 / 1496 .


الصفحة (335)

وبعد ، فللمرء أنْ يتساءل أيّ فتنة أشدّ على مجتمع يشيع فيه الظلم ، وتستحلّ الحرمات وتنتهك المحارم ، ولا يستشعر فيه أمن ؟ أيُرجى من مثل هذا المجتمع خير ؟ أيرجى خير من مجتمع تسلّط عليه معاوية وزبانيّته وعلى رأسهم جلاّده زياد بن سميّة ، وقد كان شعار الناس يومئذ : انجُ سعد ، فقد هلك سعيد .

وقد رأيت كيف شرط معاوية على حجر وأصحابه ليستبقيهم أنْ يلعنوا عليّ بن أبي طالب (ع) ، فلمّا أبوا ضرب أعناقهم .

أمْ يُرجى خير من مجتمع تسلّط عليه يزيد بن معاوية الذي قتل خيار الاُمّة واستبقى شرارها ، واجتثّ عترة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حتّى قال القائل :

سمية أمسى نسلها عدد الحصى        وبنـت رسول الله ليس لها نسل

وعندما أراد سفّاحه ابن عقبة من أهل المدينة أنْ يُبايعوا يزيد على أنّهم خول ( عبيد ) له ، قالوا : نُبايعك على كتاب الله وسنّة رسوله ، ضرب أعناقهم .

ومن بعد ، ترى عبد الملك بن مروان بن الحكم(1) يقول : لا أجد أحداً بعد مقامي هذا يقول : اتّق الله ، إلاّ ضربت عنقه .

11 ـ وأخيراً نُورد حديث جابر بن عبد الله ، رواه الحاكم في مستدركه وهو يكاد يكون بذات ألفاظ حديث حذيفة ، إلاّ أنّه ذو مفهوم مُغاير :

ـــــــــــــــ

(1) عبد الملك قائل هذا ، ترى ابن العربي يمتدحه في العواصم من القواصم ، مرجع سابق / 236 . وكذلك يمتدحه محققّ الكتاب محيي الدين الخطيب ، وينسب له مروءة وفتوى وقضاء ، بينما يكفّره أبوبكر الجصاص بقوله : ولمْ يكن في العرب ولا آل مروان أظلم ولا أكفر ولا أفجر من عبد الملك ، ولمْ يكن في عمّاله أكفر ولا أظلم ولا أفجر من الحجّاج ، وكان عبد الملك أوّل من قطع ألسنة الناس في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . أحكام القرآن ، مرجع سابق 1 / 87 .


الصفحة (336)

عن جابر بن عبد الله أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) قال لكعب بن عجرة : (( أعاذك الله يا كعب بن عجرة من إمارة السفهاء )) . قال : وما إمارة السفهاء ؟ قال (ص) : (( اُمراء يكونون من بعدي لا يهتدون بهديي ، ولا يستنّون بسنّتي ، فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فأولئك ليسوا منّي ولست منهم ، ولا يردون عليّ حوضي ، ومَن لمْ يصدّقهم بكذبهم ولمْ يعنهم على ظلمهم ، فأولئك منّي وأنا منهم وسيردون عليّ حوضي . يا كعب بن عجرة ، الصوم جنّة ، والصدقة تُطفئ الخطيئة ، والصلاة قُربان أو برهان )) .

* * *

لِمَ كان الخلاف في حكّام الجور ؟

إنّ هذا الخلاف في الواقع ليس مقصوراً على هذه المسألة بذاتها ، وإنّما هو يعمّ كثيراً من المسائل الفقهيّة . فأنت تجد لمسألة بعينها إجابات متعدّدة وليست إجابة واحدة مغنية ، وكلّ إجابة تستند إلى دليلها ، وجلّ الأدلة مرجعها إلى أخبار الآحاد المنسوبة إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .

وهذه الأخبار(1) تجد فيها الكثير المتناقض(2) ، وكذلك المناقض لأصول قطعيّة على ما رأينا من قبل .

ومرجع ذلك كلّه إلى سبب أوّل ، وهو عدم كتابة الحديث منذ البداية ، وهنا أيضاً تجد الاختلاف في الحديث :

ـــــــــــــــ

(1) توجد فتوى للأزهر بتاريخ 1 / 2 / 1990 تقول بعسر إثبات المتواتر ، وكذلك بعدم يقينيّة أحاديث الآحاد ، سواء ما جاء في الصحيحين أو غيرهما .

(2) إذا رجعت إلى محاولات التوفيق بين الأحاديث المتناقضة كما فعل ابن قتيبة في ( تأويل مختلف الحديث ) لهالك منها التافت الشديد الذي لا يُقنع أحداً ، فيه قال ابن الصلاح ـ في مقدمته ، مرجع سابق / 478 ـ : إنّه ـ ابن قتيبة ـ أساء في أشياء منه قصر باعه فيها .


الصفحة (337)

فقد أخرج مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) قال : لا تكتبوا عنّي شيئاً إلاّ القرآن ، ومَن كتب عنّي شيئاً غير القرآن فليمحه .

بينما أخرج البخاري وكذلك مسلم في صحيحيهما ، وأبو داود والنسائي وابن ماجة حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الذي أجاز الكتابة لأبي شاه اليمني ، عندما التمس من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنْ يكتب عنه من خطبته عام فتح مكّة ، فقال : اكتبوا لأبي شاه .

وقد جمع السراج البلقيني(1) الأحاديث الواردة في إباحة الكتابة حتّى لا يدّعي أحد أنّ حديث أبي شاه واقعة عين ، ونذكر منها حديث عبد الله بن عمرو قال ، قلت : يا رسول الله ، اكتب ما أسمعه منك ؟ قال (ص) : نعم . قلت : في الغضب والرضا ؟ قال (ص) : نعم , فإني لا أقول إلاّ حقّاً.

وقد قالوا(2) في ذلك : إنّ حديث الإباحة ناسخ لحديث المنع ، لمّا كثرت الأحداث والأحاديث وخِيف عليها الفوت . ولكن لا يُحتجّ بقول ابن قتيبة : إنّ ذلك اختصّ به عبد الله بن عمرو . لأنّك رأيت أنّ الرسول أجاز الكتابة لغيره كأبي شاه . وكذلك لا يُحتجّ بالرّأي الشائع ، ذكره ابن الصلاح(3) : نهى عن كتابة ذلك عنه حين خاف عليهم اختلاط ذلك بصحف القرآن العظيم .

فهذا الرأي مردود بقول الله تعالى : ( إِنّا نَحْنُ نَزّلْنَا الذّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحَافِظُونَ )(4) . ثمّ إنّ هذا الرأي فيه تنقّص للقرآن ـ حاشا لله ـ ؛ ذلك أنّ أحد وجوه إعجاز القرآن

ـــــــــــــــ

(1) محاسن الاصطلاح على هامش مقدّمة ابن الصلاح ، مرجع سابق / 364 .

(2) تأويل مختلف الحديث ، مرجع سابق / 191 .

(3) مقدمة ابن الصلاح ، مرجع سابق / 367 .

(4) سورة الحجر / 9 .


الصفحة (338)

بيانه ، وقد تحدّى الله تعالى أنْ يأتي أحد بآية من مثله ، فكيف يزعم زاعم أنّ مثله شيء حتّى يُخاف عليه الاختلاط ؟

فإذا كان الحديث قد أُبيحت كتابته ، ولو في آخر الأمر ، ولكن في وجود رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فالسؤال لا يزال مطروحاً : لِمَ لمْ يُجمع ويُكتب في الصدر الأوّل ؟

ولو أنّ ذلك حدث ، ولو بعد الفراغ من جمع القرآن ، لأزال عنّا حرجاً شديداً وقعت فيه الاُمّة واختلفت ولا تزال تعاني آثاره حتّى اليوم .

ولو أنّه جُمع بعد الفراغ من جمع القرآن في عهد أبي بكر ، لمَا كان هناك مساغ للقول بالخوف من اختلاط الحديث بالقرآن .

ولو أنّه جمع في وجود جلّ الصحابة يومئذ ، لتوفّرت شروط فرزه وتصحيحه تلقائيّاً ، كما حدث في كشف تدليس أبي هريرة في رواية حديث الجنابة ، وكما حدث في ردّ عائشة لحديث تعذيب الميّت ببكاء أهله .

ولو أنّه جُمع في هذا العهد المبكّر لمَا وكلّ إلى الذاكرة ، وبالتالي لمَا تسربت إليه كلّ عوامل الضعف ، ولمَا احتيج لإثبات صحّته إلى إثبات عدالة الرواة ، بينما الذي يحكم بتعديل وجرح الرجال ـ هم بعد ـ رجال من الرجال .

ولو أحكم منذ البدء لمَا وجد الوضّاعون ثغرةً ينفذون منها إليه ، ولمَا وجد أصحاب الزهد المزعوم مجالاً للتقوّل كذباً على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وهم يبجحون أنّهم ما فعلوا ذلك إلاّ احتساباً لله بزعمهم ، أو كذباً له وليس عليه بإفكهم تحريفاً لكلم رسول الله (ص) عن مواضعه ، إذ يقول : (( مَن كذب عليّ فليتبوّأ مقعده من النار )) . فيقولون : نحن نُكذّب له لا عليه , يذكر ابن الصلاح(1) .

ـــــــــــــــ

(1) المرجع السابق / 279 .


الصفحة (339)

والوضّاعون للحديث أصناف , وأعظمهم ضرراً قوم من المنسوبين إلى الزهد ، وضعوا الأحاديث احتساباً فيما زعموا ، فتقبّل الناس موضوعاتهم ثقةً منهم بهم وركنوا إليهم .

وآخرون تسلّلوا إلى القرآن فوضعوا الأحاديث في تفسيره بادّعاء الحسبة كذلك ، مثلما فعل نوح بن أبي مريم وقد قيل له : من أين لك عن عكرمة عن ابن عبّاس في فضائل القرآن سورة سورة ؟ فقال : إنّي رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن ، واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي ابن إسحاق ، فوُضعت هذه الأحاديث حسبةً .

على أنّنا في بحثنا عن إجابة مقنعة لسؤالنا عن أسباب عدم كتابة الحديث ، وجدنا ما هو أشدّ خطراً بما يجعل المسألة أكثر غموضاً ، ذلك أنّا وجدنا الخلفاء الثلاثة : أبا بكر وعمر وعثمان لا يقفون عند عدم كتابة الحديث ، بل يتعدّون ذلك إلى الترغيب في عدم رواية الحديث ، بل كادوا يمنعونه منعاً .

يروي الذهبي في تذكرة الحفاظ ، عن أبي مليكة قوله : إنّ الصديق جمع الناس بعد وفاة نبيّهم ، فقال : إنّكم تُحدّثون عن رسول الله (ص) أحاديث تختلفون فيها ، والناس بعدكم أشدّ اختلافاً ، فلا تُحدّثوا عن رسول الله (ص) شيئاً ، فمَن سألكم فقولوا : بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلّوا حلاله ، وحرّموا حرامه .

ويذكر الطبري(1) : أنّ عمر كان إذا استعمل العمّال ، خرج يشيّعهم فيقول لهم فيما يقول : جرّدوا القرآن ، وأقلّوا الرواية عن محمّد (صلّى الله عليه وآله) ، وأنا شريككم .

ـــــــــــــــ

(1) تاريخ الطبري ، مرجع سابق 4 / 204 .


الصفحة (340)

وذكر ابن عبد البرّ عن قرظة بن كعب قال(1) ، قال عمر : إنّكم تأتون أهل قرية لها دويّ بالقرآن كدويّ النحل ، فلا تصدّوهم بالأحاديث لتشغلوهم ، جرّدوا القرآن وأقلّوا الرواية عن رسول الله (ص) ، وأنا شريككم . فلمّا قدم قرظة قالوا : حدّثنا . فقال : نهانا عمر .

وتابع عثمان أبا بكر وعمر في تقليص الرواية عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حتّى كان يقول ـ فيما يذكر ابن سعد وابن عساكر عن محمود بن لبيد ـ : سمعت عثمان بن عفّان على المنبر ، يقول : لا يحلّ لأحد يروي حديثاً لمْ يُسمع به في عهد أبي بكر ولا في عهد عمر .

وعلى العكس من ذلك تماماً كان موقف عليّ (ع) الذي أباح وكتب وروى الحديث , وقد ذكر ابن الصلاح عنه ذلك(2) . وجاء في طبقات ابن سعد : عن محمّد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب (ع) قال ، قِيل لعليّ (ع) : مالك أكثر أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حديثاً ؟ فقال (ع) : (( إنّي كنت إذا سألته أنبأني ، وإذا سكت ابتدأني )) .

وذكر الحاكم(3) ـ وقال : على شرط الشيخين ـ أنّ عليّاً (ع) قال : (( تذاكروا الحديث , فإنّكم إلاّ تفعلوا يندرس )) .

وروى الحاكم كذلك عن عبد الله بن مسعود قوله : (( تذاكروا الحديث ، فإنّ ذكر الحديث حياته )) .

وهنا يجب التوقّف طويلاً لفهم دوافع الخلفاء الثلاثة في موقفهم ذاك ، من رواية حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .

ـــــــــــــــ

(1) الحاكم النيسابوري ، المستدرك  1 / 102 ـ بيروت ـ دار المعرفة ، ب ، ت .

(2) مقدّمة ابن الصلاح ، مرجع سابق / 204 .

(3) المستدرك ، مرجع سابق 4 / 95 .


الصفحة (341)

وللمرء أنْ يتساءل : ألمْ يعلموا بحديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( نضر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها ثمّ بلّغها عنّي , فربّ حامل فقه غير فقيه ، وربّ حامل فقه إلى مَن هو أفقه منه )) . رواه أحمد وابن ماجة .

وفي رواية البخاري في حجة الوداع ، قول الرسول (صلّى الله عليه وآله) : (( ليبلّغ الشاهد الغائب ، فإنّ الشاهد عسى أنْ يبلّغ مَن هو أوعى له منه )) .

وكيف يُفعل بحديث رسول الله (ص) ـ رواه الحاكم ، وقال : صحيح على شرط الشيخين ـ : (( مَن سُئل عن علم فكتمه جِيء به يوم القيامة ، وقد أُلجم بلجام من نار )) . فهل يُغني عن قرظة يومئذ قوله لسائليه الحديث ـ أوردناه من قبل ـ : نهانا عمر ، أم ينهض لعمر ذاته عذر لهذا النهي ؟

وكيف يقول أبوبكر : فلا تُحدّثوا عن رسول الله (ص) شيئاً ، فمَن سألكم فقولوا : بيننا وبينكم كتاب الله ، فاستحلّوا حلاله ، وحرّموا حرامه . وقد قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ـ فيما رواه الحاكم عن المقدام بن معد يكرب ـ : يُوشك أنْ يقعد الرجل منكم على أريكته يُحدّث بحديثي ، فيقول بيني وبينكم كتاب الله ، فما وجدنا فيه حلالاً استحللناه ، وما وجدنا فيه حراماً حرّمناه ، وإنّما حرّم رسول الله كما حرّم الله .

إنّنا لكي يُمكننا فهم أبعاد هذا المشكل المُحير ، فلا بدّ من العودة إلى استحضار السياق الذي عبّر فيه الخلفاء الثلاثة عن رغبتهم ، في عدم تداول حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، ثمّ استظهار الملابسات الدقيقة المباطنة لتلك الرغبة ، وإنّنا ـ وقد فعلنا ـ نقف عند الحوادث التالية التي نرى أنّها فارقة في تحديد وفرز المواقف :

أ ـ أخطر هذه الأحاديث جميعاً موقف الصحابة ـ خاصّة عمر ـ وهم حول الرسول (صلّى الله عليه وآله) في بيته ، وهو في آخر لحظات عهده بالدنيا . ولنستحضر معاً هذا


الصفحة (342)

المشهد ـ الذي يرويه لنا البخاري في صحيحه ـ عن ابن عبّاس قوله : لمّا اشتدّ بالنبيّ (صلّى الله عليه وآله) وجعه ، قال : (( ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده )) . قال عمر : إنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) غلبه الوجع ، وعندنا كتاب الله حسبنا . فاختلفوا وكثر اللغط ، قال (ص) : (( قوموا عنّي ولا ينبغي عندي التنازع )) . فخرج ابن عبّاس يقول : إنّ الرزيّة كلّ الرزيّة ما حال بين رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وبين كتابه !

وفي رواية للبخاري ، بدلاً من غلبه الوجع ، قالوا : ماله أهَجَرَ !

وفي رواية لمسلم وأحمد : ما شأنه أهَجَرَ !

[ ومعنى ] الهُجر والهَجر : الهَذيان(1) .

ولأوّل وهلة ، لا شكّ أنّه يهولك كما يهولنا ، وكما يهول كلّ مسلم تلك الجرأة ، وذلك التطاول من عمر أو من غيره حتّى ليصف رسول الله (صلّى الله عليه وآله) المعصوم بأنّه يهذي !

وكيف يغالب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على شيء أراده ؟ وكيف يُمنع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من إصدار أمر ، بينما نحن مأمورون بطاعته على كلّ حال ؟

وبأيّ مبرّر شرعي يُستبعد كتاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الذي لا ينطق عن الهوى بادّعاء عمر : ( حسبنا كتاب الله ) .

وهل عمر أكثر تحوّطاً واحترازاً لهذه الاُمّة من الله عزّ وجلّ ؟ حاشا لله ، لو شاء الله الذي أحاط كلّ شيء علماً ما ترك رسوله (صلّى الله عليه وآله) حتّى يقبل على أمر ليس بحقّ .

ـــــــــــــــ

(1) قال الله تعالى : ( مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِراً تَهْجُرُونَ ) . سورة المؤمنون / 67 .

قال الفرّاء : تهجُرون ، جعل من قولك : هجر الرجل في منامه ، إذا هذى . وعن إبراهيم أنّه قال في قوله عزّ وجلّ : ( إِنّ قَوْمِي اتّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً ) ـ سورة الفرقان / 30 ـ قال : قالوا فيه غير الحقّ ، ألمْ ترَ إلى المريض إذا هجر قال غير الحقّ ؟! وقال مجاهد نحوه . انظر لسان العرب ، مرجع سابق 5 / 253 .


الصفحة (343)

ثمّ لماذا أمضوا طلب رسول الله (ص) في ذات المرض ، بتقديم أبي بكر لإمامة الصلاة ـ وإنْ لم تتم ـ ولمْ يمضوا أمره بالكتاب ؟ إنْ ذلك يُوحي بأنّ وراء تلك الانتقائيّة في طاعة الأوامر شيئاً ما ، ربّما كشف عن استتاره ما حدث من بعد من احتجاج البعض بأحقيّة أبي بكر في أسبقيّة خلافة الرسول (صلّى الله عليه وآله) استناداً إلى تلك الواقعة !

وربّما يكشف عنه أيضاً ـ ممّا يدخل في الانتقاء ـ تلكّؤهم في تنفيذ أمر الرسول (صلّى الله عليه وآله) ببعث جيش أسامة ، بعد أنْ نازعوا الرسول في أمر إمارة الجيش حتّى أغضب عمر الرسولَ (صلّى الله عليه وآله) في ذات المرض أيضاً ، ثمّ إصرارهم ـ وفيهم أبوبكر وعمر ـ على التربّص بالمدينة رغم غضب الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، وعدم تنفيذ الأمر حتّى توفّي الرسول (صلّى الله عليه وآله) وتولّى الأمر أبو بكر ، وحينئذ فقط أنفذ جيش أسامة .

إنّها حقّاً ـ كما قال ابن عبّاس ـ مصيبة المصائب .

إذاً لمْ يكن منع الحديث في عهود الخلفاء الثلاثة ، وإنّما كان له شاهد في اُخريات أيّام رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .

ب ـ ولكن إذا عدنا إلى الوراء قليلاً ، لوجدنا أنّ الرغبة في منع توثيق الحديث تمتدّ إلى تلك الفترة أيضاً ، وأنّ المنع أتى من قريش .

يروي أبو داود والدارمي والحاكم في مستدركه ، عن عبد الله بن عمرو قوله : كنت أكتب كلّ شيء أسمعه من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأريد حفظه , فنهتني قريش وقالوا : تكتب كلّ شيء تسمعه من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، ورسول الله (صلّى الله عليه وآله) بشر يتكلّم في الرضا والغضب . قال : فأمسكت , فذكرت ذلك لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فقال (ص) : (( اكتب ، فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلاّ حقّ )) . وأشار بيده إلى فيه . ونتوقف هنا عند قول : فنهتني قريش .


الصفحة (344)

فمَن هي قريش تلك التي تنهى ؟ لقد كانوا جميعاً بالمدينة مهاجرين وأنصار ، فلمَ نهت قريش بالذات عن الكتابة دون بقية المهاجرين والأنصار؟

لا بدّ إذاً أنْ يكون المعانعون هم وجهاء المهاجرين المعبّر عنهم بقريش , ويُؤيّد ذلك ما حدث من بعد احتجاج أبي بكر وعمر في اجتماع السقيفة : إنّ هذا الأمر في هذا الحيّ من قريش .

ولكن يخرج من هؤلاء بالضرورة عليّ بن أبي طالب (ع) ، ذلك أنّه كان يكتب أيضاً ، ولو بدليل الصحيفة التي كانت لديه ـ وذكرها البخاري ومسلم في صحيحيهما ـ ، فلا يُعقل أنْ يكتب عليّ (ع) وينهى غيره عن الكتابة . وكيف ينهى هؤلاء عن شيء ، أو يأمرون به هكذا من تلقاء أنفسهم ، وفيهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حيّ ؟ ألمْ يكن أولى بهم أنْ يسألوا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ؟

لا بدّ إذاً أنهم استشعروا في أنفسهم مكانة خاصّة ، ظنّوا أنّها تُبيح لهم الإجازة والمنع دون الرسول (صلّى الله عليه وآله) , ومن ظنّ من نفسه ذلك ، سهل عليه ظنّ غيره الكثير .

فإذا لمْ يكن لديهم مثل ذلك الظنّ بأنفسهم ، فهل تعاقدوا على أنْ يقضوا ذلك بينهم ، ظانين أنّ الرسول (صلّى الله عليه وآله) لا يطّلع عليه ؟

ثمّ إنّهم لمْ يحتجّوا بحديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في المنع ـ حسبما ذكر ـ حتّى يُمكن أنْ يعذروا ، بل برّروا منعهم بكبير قول خرج من أفواههم ، بأنْ جوّزوا قول غير الحقّ على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في حال الغضب ، فيردّ الرسول (صلّى الله عليه وآله) قولهم ذاك بأنّه لا ينطق إلاّ حقّاً , فما قدروا الرسول (صلّى الله عليه وآله) ذا العصمة حقّ قدره .

ج ـ وقد شاع بين الناس أنّ عمر حبس في المدينة كبار الصحابة استئثاراً بمشورتهم ، بينما رأى آخرون أنّه حبسهم خوف الافتتان بهم في البلاد المفتوحة ، وخوف الفتنة عليهم أنفسهم .


الصفحة (345)

يقول طه حسين(1) : فأمّا حقيقة الأمر ، فهو أنّه كان يُخاف على أكابر أصحاب النبيّ من أنْ يفتتنوا أو يفتنوا الناس , ولذلك لمْ يولّهم الأمصار .

ولكن حقيقة هذه الفتنة التي ادرّع لها عمر بحبسه بعض الصحابة ، لها وجه آخر بعضه ألاّ يرووا الحديث في الآفاق . يذكر ابن العربي(2) : رُوي أنّ عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) حبس ابن مسعود في نفر من الصحابة سنةً بالمدينة حتّى استُشهد ، فأطلقهم عثمان , وكان سجنهم ؛ لأنّ القوم أكثروا الحديث عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .

وأنت إنْ ناقشت الأمر في ظاهره لساءلت نفسك : ما الضرر من رواية حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) والإكثار منه ؟ الأمر البادي أنّه لا يخرج عن وجهين : إمّا احتمال الكذب على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وهو ما لا يقرّ في حقّ مثل ابن مسعود وصحبه , وإمّا مخافة الوهم أو النسيان أو الخطأ غير المتعمد .

ولكن بافتراض إمكان وقوع الاحتمالين : الكذب والخطأ ، فإنّه يردّه وجود الضابط يومئذ المتمثّل في وجود بقيّة الصحابة ، وهو ما كان متاحاً ساعتها فقط ، فما كان كذباً أو تدليساً كحديث أبي هريرة ، كُشف من فوره ، وما كان يُمكن أنْ يخطئ فيه أحدهم كان الآخر له مرجعاً .

لذلك فإنّ الإكثار في رواية الحديث يومئذ كان يُحققّ مصلحة وفائدة كبرى فاتت على الاُمّة إلى الأبد ، فإنْ فشو الحديث بين الناس وعرضه عليهم كان كفيلاً بتنقيته منذ البداية ، فلا يصحّ إلاّ الصحيح في النهاية .

ـــــــــــــــ

(1) الخلفاء الراشدون ، مرجع سابق / 174 .

(2) العواصم والقواصم ، مرجع سابق / 87 .


الصفحة (346)

وسؤال آخر يطرح نفسه : لماذا لمْ يطبّق ذات المنهج الذي اُتبع في جمع القرآن وتوحيد نسخه على الحديث ؟

ولو اُتبع ذلك ، لقضي على اختلاف هذه الأمّة إلى يوم البعث .

إذاً كان الأوجب إفشاء الحديث وتوثيقه قدر الطاقة في حياة الصحابة ، وهم جماعة وقبل أن يتناقصوا بالوفاة ، فيختلف الناس دون أنْ يجدوا مرجعاً . ولمثل هذا حذّر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) . قال عبد الله بن عمرو ـ فيما أخرجه البخاري ـ : سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، يقول : (( إنّ الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد ، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء )) .

ولمثل هذا نظر عمر بن عبد العزيز ـ فيما أخرجه البخاري ـ كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم : انظر ما كان من حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فاكتبه ، فإنّي خفت دروس العلم وذهاب العلماء ، ولا تقبل إلاّ حديث النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ، ولتفشوا العلم ، ولتجلسوا حتّى يعلم مَن لا يعلم ، فإنّ العلم لا يُهلك حتّى يكون سرّاً .

ومثل ذلك أيضاً فعله ابن عبّاس ـ فيما أخرجه الحاكم وقال : على شرط البخاري . وقال : هو أصل في طلب الحديث وتوقير المحدّث ـ فقد قال : لمّا قُبض رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قلت لرجل من الأنصار : هلّم فلنسأل أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فإنّهم اليوم كثير . فقال : وا عجباً لك يابن عبّاس ! أتري الناس يفتقرون إليك ، وفي الناس من أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مَن فيهم ؟ قال : فتركت ذاك وأقبلت أسأل أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وإنْ كان ليبلغني الحديث عن الرجل ، فآتي بابه وهو قائل ، فأتوسّد ردائي على بابه يسفي الريح عليّ من التراب ، فيخرج فيراني فيقول : يابن عمّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ما جاء بك ، هلاّ أرسلت إليّ فآتيك . فأقول : لا ، أنا أحقّ أنْ آتيك ، قال : فأسأله عن الحديث ،


الصفحة (347)

فعاش هذا الرجل الأنصاري حتّى رآني ، وقد اجتمع الناس حولي يسألونني ، فيقول : هذا الفتى كان أعقل منّي .

د ـ ومنع أبو ذر الغفاري ـ الذي قال فيه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر )) ـ من مجالسة أحد ، ومن الفتيا ومن رواية الحديث حتّى صرخ بأن ذبحه أهون عليه من كتمان حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، ثمّ كان من أمره ما هو معلوم من نفيه إلى الربذة حتّى مات منفيّاً وحيداً في عهد عثمان .

يروي الدارمي في سننه : أخبرنا عبد الوهاب بن سعيد ، حدّثنا شعيب ـ هو ابن إسحاق ـ حدّثنا الأوزاعي ، حدّثني أبو كثير حدّثني أبي قال : أتيت أبا ذر ، وهو جالس عند الجمرة الوسطى ، وقد اجتمع الناس عليه يستفتونه ، فأتاه رجل فوقف عليه ، ثمّ قال : ألمْ تنه عن الفتيا ؟ فرفع رأسه إليه ، فقال : أرقيب أنت عليّ ؟ [ لو وضعتم الصمصامة على هذه ـ وأشار إلى قفاه ـ ثمّ ظننت أنّي أنفذ كلمةً سمعتها من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قبل أنْ تجيزوا علي لأنفذتها ](1) .

* * *

نلخص إذاً ممّا سبق إلى أنّ الاتّجاه الذي قاده الخلفاء الثلاث لمنع كتابة ورواية وانتشار حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، لمْ يكن ذا سند من نصّ شرّع لهم ، بل جاء مخالفاً للنصوص ومغالباً لإرادة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، بما تسقط معه أيّة دعوى للاحتجاج بالاجتهاد .

ولكن لماذا ؟

إنّ هناك حادثتين أخريين نظنّ أنّهما كفيلتان بالإجابة على هذا السؤال :

ـــــــــــــــ

(1) الكلام الموضوع بين المعكوفتين أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب العلم .


الصفحة (348)

فأمّا أوّلهما ، فنقرأ تفاصيلها في المحاورة التالية التي جرت بين عمر بن الخطاب وعبد الله بن عبّاس(1) :

عمر : يابن عبّاس ، أتدري ما منع قومكم منكم بعد مُحمّد (ص) ؟

ابن عبّاس : فكرهت أنْ أجيبه ، فقلت : إنْ لمْ أكن أدري ، فأمير المؤمنين يُدريني .

عمر : كرهوا أنْ يجمعوا لكم النبوّة والخلافة ، فتبجحوا على قومكم بجحاً بجحاً ، فاختارت قريش لنفسها فأصابت ووفقت .

ابن عبّاس : يا أمير المؤمنين ، إن تأذن لي في الكلام وتمط عنّي الغضب تكلّمت .

عمر : تكلّم يابن عبّاس .

ابن عبّاس : أمّا قولك يا أمير المؤمنين ، اختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفقت ، فلو أنّ قريشاً اختارت لأنفسها حيث اختار الله عزّ وجلّ لها ، لكان الصواب بيدها غير مردود ولا محسود .

وأمّا قولك : إنّهم كرهوا أنْ تكون لنا النبوّة والخلافة ، فإنّ الله عزّ وجلّ وصف قوماً بالكراهيّة ، فقال : ( ذلِكَ بِأَنّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ فَأَحْبَطَ أعمّالَهُمْ )(2) .

عمر : هيهات والله يابن عبّاس ! وقد كانت تبلغني عنك أشياء كنت أكره أنْ اُفرّك(3) عنها ، فتزيل منزلتك منّي .

ابن عبّاس : وما هي يا أمير المؤمنين ؟

ـــــــــــــــ

(1) الطبري ، مرجع سابق 4 / 223 .

(2) سورة محمّد / 9 .

(3) في ابن الأثير : أقرك .


الصفحة (349)

فإنّ كانت حقّاً فما ينبغي أنْ تزيل منزلتي منك ، وإنْ كانت باطلاً فمثلي أماط الباطل عن نفسه .

عمر : بلغني أنّك تقول : إنّما صرفوها عنّا حسداً وظلماً !

ابن عبّاس : أمّا قولك يا أمير المؤمنين : ظلماً ، فقد تبيّن للجاهل والحليم , وأمّا قولك حسداً ، فإنّ إبليس حسد آدم ، فنحن ولده المحسودون .

عمر : هيهات ! أبتْ والله قلوبكم يا بني هاشم , إلاّ حسداً ما يحول وضغناً وغشّاً ما يزول .

ابن عبّاس : مهلاً يا أمير المؤمنين ، لا تصف قلوب قوم أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً بالحسد والغشّ ، فإنّ قلب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من قلوب بني هاشم .

عمر : إليك عنّي يابن عبّاس .

ابن عبّاس : أفعل .

* * *

ولعمرك ها هنا لبّ القضيّة : اختيار الله في مقابل اختيار قريش .

فابن عبّاس يذّكر عمر بحقّ عليّ بن أبي طالب (ع) المجحود في الحلافة بالدليل النصّي عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وبحيث تبيّن للجاهل والحليم الظلم الواقع عليه من جرّاء منعه حقّه الذي هو اختيار الله ، بينما يقول عمر باختيار قريش لنفسها .

وهنا  نكتشف السبب الذي من أجله رفض عمر الاستجابة لأمر رسول الله (ص) أنْ يأتوه بكتاب يكتب فيه كتاباً لن يضلّوا بعده . فقد سبق لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، أنْ قال : (( إنّي تارك فيكم ما إنْ تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي ، أحدهما أعظم من الآخر ، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، ولن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما )) .


الصفحة (350)

فقد سبق إذاً للرسول (صلّى الله عليه وآله) أنْ حدّث بالكتاب الذي لن يضلّ بعده المسلمون ، وهو ها هنا ساعة الفراق يريد تأكيد الحديث كتابةً بذات الألفاظ : كتاب لا يضلّون بعده ، فإذا بعمر بن الخطاب يمنع الرسول (ص) ممّا أراد ، بل زاد أنْ قال : إنّه (صلّى الله عليه وآله) قد هجر !
 وأمّا الحادثة الثانية ، فعند ما قال عمّار بن ياسر : لئن مات عمر لأبايعنّ عليّاً (ع) . فأثار هذا القول بشدّةٍ بالغةٍ عمر ، ونترك البخاري يروي لنا ما حدث , فقد جاء في صحيحه بكتاب الحدود عن ابن عبّاس قوله :

 كنت أقرئ رجالاً من المهاجرين منهم عبد الرّحمن بن عوف ، فبينما أنا في منزله بمنىً وهو عند عمر بن الخطّاب في آخر حجّة حجّها ، إذ رجع إليّ عبد الرّحمن ، فقال : لو رأيت رجلاً أتى أمير المؤمنين اليوم فقال : يا أمير المؤمنين ، هل لك في فلان ، يقول : لو قد مات عمر لقد بايعت فلاناً ، فوالله ، ما كانت بيعة أبي بكر إلاّ فلتةً فتمّت . فغضب عمر ، ثمّ قال : إنّي إنْ شاء الله لقائم العشيّة في الناس فمحذّرهم هؤلاء الذين يريدون أنْ يغصبوهم أمورهم .

قال عبد الرّحمن ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، لا تفعل فإنّ الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم , فإنّهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس ، وأنا أخشى أنْ تقوم فتقول مقالةً يطيّرها عنك كلّ مطيّرٍ ، وأنْ لا يعوها وأنْ لا يضعوها على مواضعها ، فأمهل حتّى تقدّم المدينة فإنّها دار الهجرة والسنّة ، فتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس ، فتقول ما قلت متمكّناً ، فيعي أهل العلم مقالتك ويضعونها على مواضعها .

فقال عمر : أمَا والله ، إنْ شاء الله لأقومنّ بذلك أوّل مقام أقومه بالمدينة .

 قال ابن عبّاس فقدمنا المدينة في عقب ذي الحجّة ، فلمّا كان يوم الجمعة عجّلت الرّواح حين زاغت الشّمس حتّى أجد سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل جالساً إلى ركن المنبر ، فجلست حوله تمسّ ركبتي ركبته ، فلمْ أنشب أنْ خرج عمر بن الخطاب ، فلمّا

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة