|
الصفحة (251)
وأمّا معاوية
، فكانت ولايته
غلبةً وقهراً ، ثمّ اتّبعت سنّته في توريث الحكم إلى آخر عهد الناس
، باسم الخلافة على يد
أتا تورك قُبيل انتصاف القرن الرابع عشر الهجري .
إذاً أيّ شعب تسلك مهما كان
إلتفافه، ستجد نفسك حتماً في النهاية أمام عليّ
(ع) خليفةً لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وذلك
بذات المعايير التي يرتضيها أصحابه، وليس بمحكات
اُخرى خارجة عنها .
على أنّه مع
كلّ ذلك فإنّ الأمر
ليس كذلك ، فليس
المعيار هو الفهم القبلي للقرشيّة بتنويعاته ، ولا
حتّى السابقة
والبطولة , ولكنّه علم الله الذي يحوط
كلّ شيء ويسبق كلّ شيء ، فهو الأعلم بمَن يصلح
ومَن لا يصلح ، ولا
إعمال لعقل مع تدبير الله ، فإذا وُجد النصّ فلا اجتهاد معه ، وهاك
بعض النصوص المثبتة
لمّا ثبت :
لمّا نزلت آية
:
(
وَأَنذِرْ
عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ
)(1)
, جمع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بني عبد
المطلب ، وقال : (( فأيّكم يُؤازرني على
هذا الأمر ، على أنْ يكون أخي ووصيّي وخليفتي فيكم
؟ )) . فلمْ يجبه أحد إلاّ عليّ
(ع) ، فقال
الرسول (صلّى الله عليه وآله) :
(( إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم
))(2) .
ـ وفي يوم أُحد ، عندما قتل
عليّ (ع) أصحاب ألوية الكفر ، قال الرسول (صلّى الله عليه وآله) في عليّ
(ع) : (( إنّه منّي وأنا
منه ))(3) .
ـ وفي غزوة تبوك ، قال الرسول
(صلّى الله عليه وآله) لعليّ
(ع) : (( أنت منّي بمنزلة هارون من موسى ، إلاّ أنّه لا نبيّ
بعدي ))(4) .
ـــــــــــــــ
(1) سورة
الشعراء / 214 .
(2) الطبري ،
مرجع سابق 2 / 321 .
(3) المرجع
السابق / 514 .
(4) البخاري
.
الصفحة (252)
وفي غدير خم
منصرف رسول الله
(صلّى الله عليه وآله) من حجّة الوداع ، قال :
(( مَن كنت مولاه
، فعليّ مولاه ))(1) . وقال الرسول (صلّى الله عليه
وآله) : (( تركت فيكم ما إنْ تمسّكتم به لن تضلّوا أبداً
: كتاب الله وعترتي أهل بيتي ))(2) .
ووجّه رسول الله (صلّى الله
عليه وآله) عليّاً
(ع) بسورة البراءة ليلحق أبابكر في مسيره إلى الحج ، فلمّا
اكتأب أبو بكر
لذلك ، قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) :
(( لا يُؤدّي عنّي إلاّ أنا أو رجل منّي
))(3) .
* * *
تمييز معاوية ورهطه من قريش :
لمْ تكن مهمّة معاوية في سبيل
تنفيذ هذا الجزء من الخُطّة يسيرة بحال
، فأنّى
لمثله وهو مَن دخل الإسلام طليقاً من
طلقاء ، فارغ اليدين من كلّ سبب وسند لشرعيّة
المكانة في المجتمع الجديد ، فلا سابقة
ولا هجرة ولا نصرة
، أنْ يزعم فضلاً خاصّاً أو خصوصيّة متميّزة تضفي عليه مشروعيّة
التصدي للإمامة العظمى للمسلمين
, ولمّا يزل فيهم بقيّة أصحاب السابقة والهجرة والنصرة
.
من أجل ذلك تحرّك معاوية
تحرّكاً متزامناً على ثلاثة مسارات متقاربة لتلتقي في النهاية
، وقد أُحكمت إحاطتها
بالناس وألبست عليهم فكرهم ، وبحيث لا تدع لهم من طريق يسلكون إلاّ واحداً قد
عبّده لهم سلفاً ، وهي :
الزعم لبني
اُميّة بفضل خاصّ
متّصل في الجاهليّة والإسلام .
الانتقاص من مناوئيه ، وإلصاق
كلّ رذيلة بهم .
ـــــــــــــــ
(1) مسند
أحمد .
(2) مُسلم .
(3) خصائص
النسائي وجميع كتب التفسير والسنن .
الصفحة (253)
وضع الأحاديث
المؤيّدة لمزاعمه
.
فهو يتعالى على بني هاشم
عندما سُئل(1) : أخبرنا عنكم وعن بني هاشم ؟ فقال : بنو هاشم أشرف واحداً ، ونحن
أشرف عدداً .
وهو يزكّي نفسه وأباه عندما
تلّقى وفد العراق بقوله(2) : قدمتم على خير أمير
، يبرّ كبيركم ويرحم صغيركم ، ولو
أنّ الناس كلّهم وُلد أبي سفيان
، لكانوا حُلماء عقلاء .
وهو يُفاخر بنفسه بقوله(3) : قد عرفت قريش أنّ أبا سفيان كان أكرمها وابن أكرمها .
وممّا تجدُر ملاحظته
: أنّ معاوية
ساق ذلك التفاخر في مواجهته للكوفيّين
المعارضين للسياسات الجائرة للعمّال
الاُمويّين
من قبل عثمان ، وهو يُريد بذلك إثبات زعمه بأحقيّته في
المنصب .
وكان من سياسة معاوية
ـ كذلك
ـ اصطناع الشعراء يمدحونه وفصيلته ، فيجيزهم بالعطايا السخيّة باعتبارهم الجهاز
الدعائي القوي السائد في ذلك الزمان
. وقد مرّ بنا كيف بلغ بمعاوية أنْ أبطل(4) حدّ
الخمر عن ابن أرطأة رغم ثبوتها عليه
، متعلّلاً إلى واليه على
المدينة بلا أدنى
مواربة ، أنّ ابن أرطأة حليفهم القائل :
وإني امرؤ أُنمى إلى أفضل الورى عديداً إذا ارفضت عصا iiالمتحلف
إلـى نضد من عبد شمس iiكأنهم هـضاب أجـا أركانها لم iiتقصّف
ـــــــــــــــ
(1) العقد
الفريد ، مرجع سابق 3
/ 67 .
(2) المرجع
السابق / 100 .
(3) الطبري ،
مرجع سابق 4 / 323 .
(4) الأغاني
، مرجع سابق 2 / 243 .
الصفحة (254)
ميامين يرضون الكفاية إن iiكفوا ويـكفون مـا ولّوا بغير تكلّف
غـطارفة ساسوا البلاد iiفأحسنوا سـياستها حـتّى أقرّت iiلمردف
فمن يك منهم موسراً يفش فضله ومـن يـك منهم معسراً iiيتعفف
إذ انصرفوا للحق يوماً iiتصرّفوا إذا الجاهل الحيران لم iiيتصرّف
سـموا فـعلوا فوق البرية iiكلّها ببنيان عال من منيف iiومشرف
وممّن اصطنعهم معاوية أيضاً
مسكين الدارمي
, استمع إليه ينشده(1) :
ولا زال بـيت الملك فوقك iiعالياً تـشـيّد أطـناب لـه iiوعـمود
فدور ابن حرب كالجوابي وتحتها أثـاف كـأمثال الـرئال iiركود
وفي الوقت الذي يعلي فيه من
شأنه وشأن أبيه وبني
اُميّة وحلفائهم ، تراه وقد فقد
كلّ وازع من دين يردعه
ـ فيما
علمت من قبل ـ من سن سنّة لعن عليّ
(ع) ومَن شايعه في الصلوات
، وعلى منابر
المساجد في
الأمصار كلّها ، مع إسقاط مَن يظنّون به حبّاً لعليّ
(ع) من الديوان . وقد عرضنا من قبل قصّة
قتل معاوية لحجر بن عدي وأصحابه
، لمّا رفضوا بدعة معاوية الشائنة .
لقد أراد معاوية أنْ تكون
موالاته ديناً من الدين
، بقدر ما أراد أنْ تكون البراءة من أهل البيت
(عليهم السّلام) ديناً من الدين
, وهكذا جعل القنوت لعناً لعليّ
(ع) ، وأعقب الصلاة بدعاء لعن عليّ
(ع) .
وما رأيك في سياسة تجعل ـ كما
يُحدّثنا التاريخ ـ الرجل العادي يهون عليه اتّهامه بالزندقة
، ولايّتهم بحبّ عليّ
(ع) ؟
وإذا كان ذلك فعل معاوية مع
رجل كعليّ (ع) في منزلته ، فلك أنْ تتصوّر ما يُمكن
ـــــــــــــــ
(1) الأغاني
، مرجع سابق 20 / 228 .
الصفحة (255)
أنْ يفعله مع غيره . فهكذا فعل
مع الأنصار الذي قال فيهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ـ رواه البخاري في باب
مناقب الأنصار ـ :
(( لو أنّ الأنصار سلكوا وادياً أو شعباً
، لسلكت في وادي الأنصار ،
ولو لا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار
)) .
وقال (صلّى الله عليه وآله)
فيهم ـ رواه البخاري في باب حبّ الأنصار ـ :
(( الأنصار لا يحبّهم إلاّ مؤمن ولا يبغضهم
إلاّ منافق ، فمَن أحبّهم أحبّه الله ، ومَن أبغضهم أبغضة الله
)) .
يأتي معاوية وابنه يزيد بشاعر
مُسلم، وهو كعب بن جعيل ليهجوَ الأنصار أنّهم لا يبرؤون من عليّ
(ع) ، فيرفض كعب ، فيأتي
معاوية بشاعر نصراني خمير وهو الأخطل، ويتعهّد له بحمايته، فيقول(1) :
إن الفوارس يعلمون ظهوركم أولاد كــلّ مـقبّح iiأكّـار
ذهبت قريش بالمكارم iiوالعلا واللؤم تحت عمائم iiالأنصار
* * *
وبعد ، فالذي يأتي بموبقات لو
لمْ يأتِ منهنّ إلاّ واحدة ـ كما قال
الحسن البصري ـ لكانت كافية للإحاطة به ، والذي
لا يستحي من سوق ترهات على أنّها تأويلات ، ويخالف الشرع مخالفات بيّنة ، ويقتل بالظنّة ، ويقطع الأرزاق ، ويبيد على
المشاعر في خبء الصدور ، هل تظنّ به يرعوي عن
شراء ذمم تكذب على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فتضع الأحاديث مفصّلة على هواه
؟
اقرأ معي ما صنّفه الهيتمي(2)
في مناقب معاوية
، رغم اعترافه بضعفها ، إلاّ أنّه يزعم أنّ الضعيف حجّة
في المناقب :
ـــــــــــــــ
(1) تاريخ
آداب اللغة العربيّة ، مرجع سابق 1
/ 248 .
(2) تطهير
الجنان واللسان ، مرجع سابق
/ 11 وما بعدها .
الصفحة (256)
دعا رسول الله (صلّى الله
عليه وآله) لمعاوية
، فقال :
اللهمّ ، اجعله هادياً مهديّاً .
قال الرسول (صلّى الله عليه
وآله) : معاوية بن أبي سفيان أحلم اُمّتي
وأجودها .
قال الرسول (صلّى الله عليه
وآله) : صاحبُ سرّي معاويةُ بن أبي سفيان .
جاء جبريل إلى النبي (صلّى
الله عليه وآله)
، فقال : يا
محمّد ، استوصِ بمعاوية
, فإنّه أمين على كتاب الله ونعم
الأمين هو .
قال رسول الله (صلّى الله
عليه وآله) :
إنّ الله ورسوله يحبّانه .
قال الرسول (صلّى الله عليه
وآله) : عزيمة من ربّي
وعهد عهده إليّ أنْ لا أتزوّج إلى أهل بيت ، ولا أزوّج بنتاً من بناتي لأحد ، إلاّ
كانوا رفقائي في الجنّة .
دعا رسول الله (صلّى الله
عليه وآله) لمعاوية ، فقال :
اللهمّ علّمه الكتاب والحساب
، ومكّن له في البلاد
، وقه سوء
العذاب .
ثمّ اقرأ معي موضوعات أبي
هريرة(1) ـ وقد كافأه معاوية بالإغداق عليه وتوليته
المدينة ـ وكذلك موضوعات عمرو
بن العاص ، وعروة بن الزبير وغيرهم(2) ، تقف على
المدى الذي بلغه معاوية
: قال أبو هريرة : سمعت رسول
الله (صلّى الله عليه وآله)
، يقول : إنّ الله ائتمن على وحيه ثلاثة
: أنا وجبرئييل
ومعاوية .
قال أبو هريرة : عن رسول الله
(صلّى الله عليه وآله) :
الأمناء ثلاثة : جبرئيل وأنا ومعاوية .
ـــــــــــــــ
(1) محمود
أبو ريّة ، أبو هريرة شيخ
المضيرة / ط 4 ـ بيروت ـ مؤسسة الأعلمي للمطبوعات
/ 1993 م .
(2) هذه
الموضوعات تجدها كذلك مفصّلة في البداية والنهاية لابن كثير 8
/ 20 ، وما يليها .
ويعلّق ابن كثير على الأحاديث
الموضوعة التي أوردها ابن عساكر بقوله : والعجب منه
مع حفظه وإطلاعه ، كيف لا ينبّه عليها ، وعلى نكارتها وضعف رجالها
؟!
الصفحة (257)
قال أبو هريرة
: إنّ النبيّ (صلّى
الله عليه وآله)
، قال : لا يزال أهل الغرب ظاهرين على
الحقّ
حتّى تقوم الساعة . قال
أحمد وغيره : هُم أهل الشام .
روى الزهري
: أنّ عروة بن الزبير
حدّثه قال ، حدّثتني عائشة
، قالت : كنت عند رسول الله
، إذ أقبل العبّاس وعليّ
(ع) ، فقال (ص) :
يا عائشة ، إنّ هذين يموتانِ على غير ملّتي .
وعن عروة أنّ عائشة حدّثته
، قالت
: كنت عند النبي
(ص) ، إذ أقبل العبّاس وعليّ
(ع) ، فقال (ص) : يا عائشة ، إنْ
سرّك أنْ تنظري إلى رجلين
من أهل النار ، فانظري إلى هذين قد طلعا
. فنظرت فإذا العبّاس وعليّ بن أبي طالب
(ع) .
أخرج الشيخان لعمرو بن العاص
، قال : سمعت رسول الله
(ص) ، يقول : إنّ آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء ، إنّما وليّي الله
وصالح المؤمنين .
عن أبي الدرداء
، قال : قال
رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : بينا أنا نائم رأيت الكتاب احتمل من تحت رأسي
فظننت أنّه مذهوب به ، فأتبعته بصري فعمد به إلى الشام ، وإنّ الإيمان حين تقع الفتنة
بالشام .
عن عبد الله بن قيس : سمعت
عمر بن الخطاب
، يقول : قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) :
رأيت عموداً من نور
خرج من تحت رأسي ساطعاً
حتّى استقرّ بالشام
.
روي ابن
عبّاس : قال رسول الله
(صلّى الله عليه وآله) :
الأمناء سبعة : القلم
واللوح ، وإسرافيل وميكائيل ،
وجبريل وأنا ومعاوية(1) .
* * *
هذه القائمة من
الموضوعات لا
نظنّ أنّها في حاجة إلى تعليق ، وإنْ كان لا بدّ
، فلا نجد خيراً ممّا نبّه إليه ابن حجر في
شرحه للبخاري ، أنّ البخاري
ـــــــــــــــ
(1) يذكر ابن
كثير في تعلقه
على هذا الحديث : وهذا أنكر من الأحاديث التي قبله ، وأضعف إسناداً
. البداية والنهاية 8
/ 123 .
الصفحة (258)
ذكر فضائل الصحابة
حتّى إذا
جاء إلى معاوية
، قال : باب ذكر معاوية
، ولمْ يقل بفضله ؛ ذلك أنّ إسحاق بن راهويه شيخ البخاري
، قال : لمْ يصحّ في فضل معاوية شيء .
التفرقة
بين العرب :
لمْ يكن يعني معاوية من تمييز
بني اُميّة وبني أبيه ونفسه
، إلاّ أنّها وسيلة من الوسائل يروم من ورائها غرضه الأقصى
وهو السيادة والملك . ولمْ تكن له في تحصيل ذلك ثوابت يلتزمها ، كما
لمْ يرهق نفسه
بقيود تعوقه عن إدراكها ، وإنّما
كلّ وسيلة تُؤدّي به إلى غرضه فهي
الحقّ ، وما عداها
فهي الباطل .
إلاّ أنّه التزم سياسة واحدة
طوال حكمه لمْ يحدُ عنها
، وعنوانها : فرّقْ تسدْ
. فكان يُغري القبائل بعضها ببعض ، ويأتي
نفوس أفرادها من أضعف أركانها ، فيُباغتهم من ناحيّتها
حتّى يأتوا له طائعين ، فيعود
يُغري بعضهم ببعض بينما هو جالس في مأمن من اجتماعهم .
واقرأ ما يقوله العقّاد الذي
استخرج من درس سيرة معاوية تلك السياسة(1)
: كانت له حيلته التي كرّرها
وأتقنها وبرع فيها واستخدمها مع خصومه في الدولة من
المسلمين وغير المسلمين ، وكان
قوام تلك الحيلة ، العمل الدائب على التفرقة والتخذيل بين خصومه ، بإلقاء الشبهات
بينهم وإثارة الإحن فيهم ، ومنهم من كانوا من أهل بيته وذوي قرباه ، كان لا يطيق
أنْ يرى رجلين ذوي خطر على وفاق ، وكان التنافس الفطري بين ذوي الأخطار ممّا يَعينه
على الإيقاع بينهم .
ـــــــــــــــ
(1) عبّاس
محمود العقّاد ، معاوية في
الميزان / 64 .
الصفحة (259)
وقد مرّ بنا كيف كان يُعاقب على
المدينة بين ولاته : مروان بن الحكم ، والوليد بن عتبة
.
ثمّ ألمْ ترَ كيف أنّه
لمْ يطقْ ميل
أهل الشام إلى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد
، الذي كان صاحب لوائه الأعظم يوم
صفّين
، فدسّ له مَن قتله بالسُّم . يروي الطبري(1) : خافه معاوية وخشي على نفسه منه ،
لميل الناس إليه ، فأمر ابن
أثال النصراني أنْ يحتال في قتله ، وضمن له إنْ هو فعل
ذلك أنْ يضعَ عنه خراجه ما عاش ، وأنْ يولّيه جباية خراج حمص .
وكان من شأن معاوية كذلك أنْ
أثار الإحن بين أهل العراق وأهل الشام ، وعمد إلى تجهيل أهل الشام وإغرائهم بأهل
العراق ، وتعميق أسباب البغض بينهم . حدث أنّ عليّاً
(ع) بعث بجرير إلى معاوية يدعوه إلى
الدخول في الطاعة وعدم شقّ عصا
المسلمين ، فإذا بمعاوية يأبى الجماعة ، ويرسل إلى
عليّ (ع) بأبيات كعب بن جعيل(2) :
أرى الشام تكرهُ ملكَ iiالعراق وأهـل العراقِ لهم كارهونا
وكـلّ لـصاحبه iiمـبغضٌ يرى كلّ ما كان من ذاك دينا
وقـالوا عـليٌّ إمـام iiلـنا فقلنا رضينا ابن هند iiرضينا
وكذلك أشعل معاوية النار بين
العرب المضريّة والعرب اليمانيّة بالشام ،
لمّا حابى الكلبيّة اليمانيّة واتّخذهم ردءه ، وأقسي عنه القيسيّة(3) ،
حتّى إنّه تزوّج من ميسون الكلبيّة
اُمّ زيد ، وزوّج يزيد كلبيّة
اُخرى ، وكذلك كان يفرض العطاء للكلبيّة دون القيسيّة .
ـــــــــــــــ
(1) الطبري ،
مرجع سابق 5 / 227 .
(2) الدينوري
، الأخبار الطوال
/ 160 ، تحقيق عبد
المنعم عامر ـ بغداد
ـ مكتبة
المثنى ، ب . ت .
(3) بروكلمان
، تاريخ الشعوب
الإسلاميّة ، مرجع سابق / 130 .
الصفحة (260)
على أنّ معاوية
لمْ يكن يَعنيه
هؤلاء كلبيّة هم أو قيسيّة
، أو بمعنى آخر يمانيّة أو مضريّة ، إلاّ بالقدر الذي يتيح له
جمع كلّ الخيوط في يده ، يحرّكها كيف شاء ومتى شاء .
وآية ذلك استئجاره الأخطل
النصراني ـ كما مرّ بنا ـ لهجاء الأنصار بالمدينة
، وهم يمانيّة .
وآية ذلك أيضاً ، صلته بمضريّة
العراق لمّا كانت اليمانيّة هناك تشايع عليّاً
(ع) ؛ وأنّه عند إرساله ابن الحضرمي إلى
العراق ليفسد على عليّ
(ع) أمره ، أنزل ابن الحضرمي منازل بني تميم المضريّة
، وبهم استجار
.
وآية ذلك ثالثاً
، أنّ معاوية
لمّا شعر أنّ اليمانيّة بالشام قد قاربوا الحدّ الذي رسمه لهم ألاّ يتعدّوه ، فرض من
فوره عطاء لأربعة آلاف من قيس سوى خندف(1) ،
ثمّ جعل يغزي اليمن في البحر ، ويغزي
قيساً في البرّ ، فقال شاعر اليمن :
ألا أيـها الـقوم الـذين iiتـجمعوا بـعـكّا أنـاس أنـتم أم أبـاعر ؟
أتـتـرك قـيس آمـنين iiبـدارهم ونركب ظهر البحر والبحر زاخر ؟
وهكذا أعاد معاوية
العصبيّة
جذعة تفتّ في عضد
الاُمّة ، وتنخر في جسدها طيلة سنين حكمه ، ولمْ تنقضِ بموته ، وإنّما
استفحل أمرها
حتّى صارت عنواناً للصراع بين العرب في
كلّ البقاع , وتكرّست بذلك الفرقة
بين المسلمين ، فالعجب إذاً ـ نردّدها مع عجب الجاحظ ـ ممّن سمّى عام غلبة معاوية على
الخلافة : عام الجماعة !
ـــــــــــــــ
(1) الأغاني ، مرجع سابق
20 / 224 .
الصفحة (261)
يقول أحمد أمين(1) : ولمّا
ولي الاُمويّون الخلافة عادت
العصبيّة إلى حالها كما كانت في الجاهليّة
, وعاد النزاع
في الإسلام بين القحطانيّة والعدنانيّة
, فكان في
كلّ قطر عداء وحروب بين النوعين ،
واتّخذوا في كلّ صقع أسامي مختلفة ، ففي خراسان كانت الحرب بين الأزد وتميم ،
والأوّلون يمنيون والآخرون عدنانيون ، ومثل ذلك في الأندلس ، ومثل ذلك في العراق .
استردّت إذاً الجاهليّة بناءها
على جميع مستوياتها على يد معاوية وصحبه ، ولمْ تزل تُمكّن لنفسها تمكيناً بمضيّ الزمن
. وقد جرى أمر الدنيا على أنّ العطب إذا أصاب جسماً
ـ ولو في جزء منه
ـ استفحلّ ما
لمْ
يتدارك بالعلاج في حينه ، وكلّما مضى الزمن استعصى العلاج ، بينما الجسم الصحيح
يحتاج إلى الجهد الدائب لصيانته ، أي
: أنّ
المرض يتفاقم بينما الصحّة تتآكل .
وهذا ما
حدث في أمر الجاهليّة التي عادت بمعاوية مستخفيةً أوّل
الأمر ، ثمّ ما لبست أنْ أعلنت
سفورها بجلاء وبلا حياء
، وبلا مبالاة
لأمر هذه الاُمّة ،
حتّى ابتعثت العداوات القديمة
، كتلك التي كانت بين الأوس والخزرج بغرض تفريق وحدة كلمة الأنصار . يذكر الأصفهاني(2) : كان طويس(3) ولعاً بالشعر
الذي قالته الأوس والخزرج في حروبهم ، وكان يُريد بذلك الإغراء ، فكلّ مجلس اجتمع فيه
هذان الحيان ، فغنّى فيه طويس إلاّ وقع فيه شيء ، فكان يُبدي السرائر ويُخرج
الضغائن .
وكان من سنّة معاوية تلك ، أنْ
صار للفخار بين النزاريّة واليمانيّة مجاله الواسع ، كلّ يهجو الآخر ويفاخر بقومه ،
واُستبدلت أغراض الشعر من إيمان
ـــــــــــــــ
(1) فجر
الإسلام ، مرجع سابق
/ 79 .
(2) الأغاني
، مرجع سابق 3 / 40 .
(3) طويس
:
مغنّي مخنّث بالمدينة في العهد
الاُموي .
الصفحة (262)
وحماسة للجهاد إلى
المجون
وتعصّب القبليّات
حتّى لتتعقّب الأجيال قول
كلّ فيزداد رسوخاً . حدث أنْ زاد الكميت ـ
توفّي عام 126 هـ ـ عن النزاريّة معرّضاً باليمانيّة :
وجـدتُ الله إذ سمّى iiنزاراً وأسـكنهم بـمكّة قـاطنينا
لـنا جعل المكارم iiخالصات ولـلناس الـقفا ولنا iiالجبينا
وما وجدت نساء بني iiنزار حلائل أسودين وأحمرين(1)
فلمْ يزل الأمر مهتاجاً
حتّى
يرد دعبل الخزاعي ـ توفّي عام
246 هـ ـ هجاء الكميت بهجاء(2) :
فـإن يك آل إسرائيل iiمنكم وكـنتم بـالأعاجم iiفـاخرينا
فـلا تنس الخنازير iiاللواتي مـسخن مع القرود iiالخاسئينا
بـأيـلة والـخليج iiرسـوم وآثـار قـدمن ومـا iiمحينا
وما طلب الكميت طلاب وَتر ولـكـنا لـنصرتنا iiهـجينا
لـقد علمت نزار أن iiقومي إلـى نـصر النبوة iiفاخرينا
ويذكر ابن عبد ربّه(3)
في
المفاخرة بين يمن ومضر
: أنّ هشام بن عبد
الملك بن مروان طلب من خالد بن صفوان
، أنْ
يقول في اليمانيّة
، فقال : وما أقول لقوم يا أمير
المؤمنين ، هم بين حائك برد
، وسائس قرد ، ودابغ جلد
، دلّ عليهم هدهد ، وملكتهم امرأة ، وغرقتهم فأرة ، فلمْ يثبت
لهم بعدها قائمة .
ـــــــــــــــ
(1) يعرّض
باليمانيّة لتتابع الحبش والفرس عليهم .
(2) المسعودي
، مروج الذهب ، مرجع سابق 3
/ 245 .
(3) العقد
الفريد ، مرجع سابق 3
/ 78 .
الصفحة (263)
التفرقة بين
العرب وأهل البلاد المفتوحة وظهور الشعوبيّة
كان موقف الإسلام حاسماً في هذه
القضيّة ، يلخّصه قول الرسول (صلّى الله عليه وآله) :
(( لا فضل لعربي على أعجمي
إلاّ بالتقوى )) . إلاّ أنّ السيرة الفعليّة تجاه أهل البلاد
المفتوحة كان يشوبها
الكثير ممّا يناقض
المعيار الإسلامي الخالص . وأوّل ما يُلاحظ في تلك السيرة إطلاق وصف
: الموالي(1) عليهم أجمعين ، وشيوع وصف
الهجين على أبناء الأعجميّات من آباء عرب
، بما تحمله تلك الأوصاف من غمزات
التحقير والازدراء .
ثمّ تعدّى الأمر مجرد إطلاق
الأوصاف المزريّة
، إلى السلوك العملي الذي يتّسم بالتمييز العنصري الشديد البالغ أوجه
في عهد بني اُميّة . يذكر ابن عبد ربّه(2) : دعا معاوية الأحنف بن قيس وسمرة بن جندب
، فقال : إنّي رأيت هذه الحمراء ـ يعني
: الروم والفرس ـ قد كثرت ، وأراها قد قطعت عليّ
السلف ، وكأنّي أنظر إلى وثبة منهم على العرب والسلطان
, فقد رأيت أنْ أقتل شطراً
وأدع شطراً لإقامة السوق وعمارة الطريق ، فما ترون ؟
ـــــــــــــــ
(1) شاع
استعمال الموالي ، بمعنى
: المعتقين من الرقّ
. ونقل أحمد أمين عن الزيعلي قوله :
وسَمّي العجم موالي
؛ لأنّ بلادهم فُتحت عنوة بأيدي العرب . فجر الإسلام
/ 89 .
(2) العقد
الفريد ، مرجع سابق 3
/ 130 .
الصفحة (264)
تلك إذا كانت عقيدة معاوية ،
فما أبعدها عن صحيح الدين .
فهو يُسمّي غير العرب حمراء
تحقيراً , أوَ لمْ يعرف من الصحابة بلال الحبشي وسلمان الفارسي ، وصهيب الرومي ؟
وهو يرى في كثرتهم ـ بفضل
الله ـ مشكلاً يؤرقه
, فلم إذاً كان الفتح الإسلامي للبلاد ؟
وهو يرى أنْ يحلّ مشكلته بأنْ
يقتل بكلّ بساطة نصفهم
, فأيّ مستند من دين أو
حتّى عرف جاهلي يبيح له دماءهم ؟
ويرى أنْ يبقى على النصف الآخر
منهم ، لا لشيء إلاّ لخدمة السادة العرب في
الأعمال
الحقيرة , أفلا يذكرنا ذلك على
الفور بسلوك المستكبرين من الدول الاستعماريّة والجائرة في العصر الحديث ؟
وهكذا أرسى معاوية ضمن ما
أرسى من بدع ، سنّة التفرقة العنصريّة
حتّى داخل مجتمع المُسلمين الواحد
.
وسار على
منواله من بعده ورثة حكمه ، بحيث صارت تلك التفرقة أحد معالم سياسة بني
اُميّة .
يقول أحمد أمين(1) : ومع أنّ
الإسلام يدعو إلى أنّ
المسلمين كلّهم سواء ، فقد كان العرب وخاصّة في الدولة
الاُمويّة ، ينظرون إليهم نظرةً فيها شيء من الازدراء
، ممّا أدّى إلى كراهية
الموالي للاُمويّين(2) .
ويذكر أبو زهرة في بحثه عن أسباب اختلاف
الاُمّة أنّ العصبيّة العربيّة كانت
ـــــــــــــــ
(1) فجر
الإسلام ، مرجع سابق
/ 90 .
(2) آراء
أحمد أمين يوشبها كثير من الاضطراب ، فبعد أنْ أورد رأيه السابق تراه يعلّق على ما
قاله عمر بن الخطاب من استعاذته من
الموالي ، بقوله : نعم
، إنّه استعاذ بالله ، وحقّ له
أنْ يستعيذ منهم ومن
كلّ الموالي ونسلهم ، فقد كانت لهم عصبيّة
سياسيّة غير العصبيّة العربيّة وضدها .
الصفحة (265)
أهمّ هذه الأسباب(1) : هذه
من أسباب الخلاف ، بل هي جوهر الخلاف الذي فرّق أمر
الاُمّة .
وإليك بعضاً من
الأمثلة(2)
تصوّر كيف فشت تلك التفرقة ، بحيث أضحت نمطاً من السلوك معتاداً
:
كانوا يقولون : لا يقطع
الصلاة إلاّ ثلاثة : حمار أو كلب أو مولى .
كانوا لا يكنّونهم بالكنى ،
ولا يدعونهم إلاّ بالأسماء والألقاب ، ولا يمشون في الصفّ معهم ، ولا يتقدمونهم في
الموكب .
وإن حضروا طعاماً قاموا على
رؤوسهم , وإنْ أطعموا
المولى لسنّه وفضله
وعلمه وأجلسوه في طريق الخباز
؛ لئلا يخفى على الناظر أنّه ليس من العرب . ولا يدعونهم يُصلّون على
الجنائز إذا حضر أحد من العرب
، وإنْ كان صبيّاً .
وكان الخاطب لا يخطب
المرأة
منهم إلى أبيها ولا إلى أخيها ، وإنّما يخطبها إلى مواليها من العرب
، فإنْ رضي زوج
وإلاّ ردّ , فإنْ زوّج الأب والأخ بغير رأي مواليه فُسخ النكاح ، وإنْ كان قد دخل بها
كان سفاحاً غير نكاح
.
هناك واقعة يرويها ابن عبد
ربّه(3) ولا بدّ من إمعان النظر فيها ،
لما تصوّره من غلبة مفهوم التفرقة العنصريّة
وشيوعه العام
، بحيث غلب على أحكام الشريعة لدى الناس
, إذ بلغ
الأمر أنْ اُستشكل على
عربي له أخ صريح النسب العربي وأخ آخر هجين ، ومات أبوه عن تركة لهم ، فذهب إلى
القاضي ليسأله
كيف يقسّم
المال , فأجابه القاضي : فالمال بينكم أثلاثاً
. فدُهش
العربي ، وقال للقاضي : ما أحسبك
ـــــــــــــــ
(1) تاريخ
المذاهب الإسلاميّة ، مرجع سابق
/ 12 .
(2) العقد
الفريد ، مرجع سابق
/ 130 .
(3) المرجع
السابق / 133
.
الصفحة (266)
فهمت عنّي
، إنّه تركني وأخي
وهجيناً , فكيف يأخذ الهجين كما آخذ أنا وكما يأخذ أخي ؟! فغضب العربي
لمّا أصرّ
القاضي على قوله
.
ولو أنّ أحداً ذكر لك ما سبق
على أنّّه كان على عهد الرومان في سالف زمان الوثنيّة لاستنكرته ، ولو ذُكر أنّه من صنع
نبلاء العصور الوسطى الأوروبيّة النصرانيّة لزدت ازدراء ، ولو أُخبرت أنّه كذلك فعل
النازيّون في العصر الحديث
، لارتضيت في نفسك ما حاق بهم ، فكيف حدث
كلّ ذلك في مجمع
يُوصف بالإسلام ؟!
لقد آتت سياسة بني
اُميّة
ثمرها
الحنظل في خلق ذهنيّة عامّة
، وتعميق شعور جمعي بالعنصريّة
العربيّة . والعجب بعد ذلك ،
كلّ العجب ـ
ويبدو أنّ عجبنا في هذا
البحث لا نهاية له ـ ممّن يدين الاتّجاه الذي يطلق عليه
: الشعوبيّة . فلا تُطلق هذه
الكلمة حتّى اليوم إلاّ مقرونة بالاستنكار ، وإنْ أُريد إدانة شخص واتّهامه في قوله
، قِيل : إنّه كان شعوبيّاً
.
كتب ابن عبد ربّه في كتاب
( اليتيمة في النسب وفضائل العرب
)(1) فصلاً بعنوان
: قول الشعوبيّة وهم أهل التسويّة
. وأورد فيه نُبذاً من كتاب ابن قتيبة ( تفصيل العرب )
، ومنها قوله : إنّ العرب إذا أرادت أنْ تذمّ
قوماً ، قالت : سواسيّة
كأسنان الحمار .
ويقول أحد
المحقّقين المحدثين(2) : الشعوبيّة هي فرقة تنكر تفضيل العرب على غيرهم ، وتحاول الحطّ من قدرهم ،
وتطالب بالتسويّة
بين الشعوب .
ـــــــــــــــ
(1) العقد
الفريد ، مرجع سابق 3
/ 123 .
(2) شرح
الأغاني 4 / 404
.
الصفحة (267)
ولقد رأيت توّاً كيف كان يُعامل
المسلمون من غير العرب ، فكان ردّ الفعل الطبيعي لتلك
المعاملة استنفار هممهم للذود
عن ذواتهم ، ورفض تلك التفرقة العنصريّة التي
لم يأتِ بها دين , فكانت جريرتهم الكبرى
في عرف بني اُميّة ومَن اتّبع سنّتهم
، أنْ قال هؤلاء بالتسوية بين
المسلمين .
وطالما اُستبعد الدين وعادت
النزعة الجاهليّة ، فلمْ تُعد الناس سواسيّة كأسنان
المشط ـ لا كأسنان الحمار ـ كان من
الطبيعي إذاً أنْ يلوذ العجم بحضارتهم السالفة
، يستمدّون منها أسباباً
لمغالبة مغالاة
العرب .
يقول شاعر العرب(1) :
ما بال هذي العجم تحيا
دوننا
إن الغريب لفي عمّى وخسار
ويقول شاعر العجم(2)
:
إنّـما سـمي الـفوارس iiبـالفر س مـضاهاة رفـعة الأنـساب
فـاتركي الـفخر يـا أُمام iiعلينا واتركي الجور وانطقي بالصواب
واسـألي إن جَهِلت عنا iiوعنكم كـيف كـنا في سالف iiالأحقاب
إذ نـربـي بـنـاتنا iiوتـدوسو ن سَـفاهاً بـناتكم فـي التراب
* * *
ـــــــــــــــ
(1) العقد
الفريد ، المرجع السابق
/ 126 .
(2) إسماعيل
بن يسار ، الأغاني ، مرجع سابق 4
/ 403 .
الصفحة (268)
الباب الرابع
خروج الحُسين عليه السّلام
الصفحة (269)
الخروج من المدينة إلى مكّة
ما أنْ هلك معاوية عام 60 هـ
حتّى ورث الملك ابنه يزيد
؛ تحقيقاً لولاية العهد التي عقدها معاوية
، وأخذ البيعة له
أثناء ملكه .
وما أنْ استقرّ يزيد على دست
الملك ، حتّى أقلقه هؤلاء الذين امتنعوا عن متابعة أبيه في أخذ البيعة له . يذكر
الطبري(1) : ولمْ يكن ليزيد همّة حين ولي إلاّ بيعة النفر الذين أبوا على معاوية
الإجابة ، إلى بيعة يزيد حين دعا الناس إلى بيعته ، وأنّه ولي عهده بعده والفراغ من
أمرهم ، فكتب إلى الوليد(2) :
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
من يزيد أمير
المؤمنين إلى
الوليد بن عتبة
.
أمّا بعد ، فإنّ معاوية كان عبداً من عباد الله ، أكرمه الله
واستخلفه وخوّله ومكّن له ، فعاش بقدر ومات بأجل فرحمه الله ، فقد عاش
محموداً ومات برّاً تقيّاً ، والسّلام .
وكتب إليه في صحيفة
كأنّها أذن
فأرة : أمّا بعد ، فخذ حُسيناً (ع) وعبد
الله بن عمر ، وعبد الله بن الزبير بالبيعة أخذاً شديداً ليست فيه رخصة
حتّى يبايعوا ،
والسّلام .
فاستشار الوليد مروان بن
الحكم ، فأشار عليه بقوله (3) : فإنّي أرى أنْ تبعث
ـــــــــــــــ
(1) الطبري ،
مرجع سابق 5 / 338 .
(2) هو
: الوليد بن عتبة بن أبي سفيان عامله على
المدينة ، وكان أمير البصرة في ذلك الوقت
عبيد الله بن زياد ، وعلى الكوفة النعمان بن بشير ، وعلى
مكّة عمرو بن سعيد بن العاص
.
(3) المرجع
السابق / 339 .
الصفحة (271)
السّاعة إلى هؤلاء النفر
، فتدعوهم إلى البيعة والدخول في الطاعة ، فإنْ فعلوا قبلت منهم وكففت عنهم ، وإنْ
أبوا قدّمتهم فضربت أعناقهم قبل أنْ يعلموا بموت معاوية .
فأرسل الوليد إلى الحُسين (ع) ،
وعبد الله بن الزبير أنْ يأتيا من فورهما
. فجمع الحُسين (ع) أهل بيته ومواليه ليمتنع بهم
إنْ دخل دار الوليد فغُدر به ، ودخل
الحُسين (ع) ، فسأله الوليد ومروان البيعة ليزيد ،
فقال الحُسين (ع) : (( أمّا ما سألتني من البيعة
، فإنّ مثلي لا يُعطي بيعته سرّاً ، ولا أراك تجتزئ بها منّي سرّاً دون أنْ نظهرها على
رؤوس الناس علانيّة
)) . قال : أجل . قال
(ع) : (( فإذا خرجت إلى الناس
، فدعوتهم إلى البيعة
دعوتنا مع الناس ، فكان أمراً واحداً
)) . فقبل منه الوليد ورفض مروان ، وحثّ مروان
الوليد على ضرب عنق
الحُسين (ع) إنْ لمْ يُبايع فوراً
، فوثب الحُسين (ع) قائلاً لمروان :
(( يابن
الزرقاء أنت تقتلني
، أمْ هو ؟! كذبت والله
وأثمت )) .
وخرج الحُسين (ع) ، وأزمع المسير إلى
مكّة في بنيه وإخوته وبني أخيه
وجلّ أهل بيته إلاّ
محمّد بن الحنفيّة . فلمّا سار بليل
نحو مكّة ، قال (ع) :
(( فَخَرَجَ
مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَبُ قَالَ رَبّ نَجّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ ))(1) . ولمّا أتى مكّة
، قال (ع) : ((
وَلما
تَوَجّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السّبِيلِ
))(2) . وكان خروجه من
المدينة لليلتين بقيتا من شهر رجب عام 60 هـ
.
وأمّا عبد الله
بن الزبير فخرج
، ومعه أخوه جعفر عائذاً بمكّة
. وأمّا عبد الله بن عمر فمكث بالمدينة
مجيباً الوليد
، أنّه إذا بايع الناس بايع معهم ، فتركوه
لما كانوا لا يخافونه .
وقد
روى الطبري(3) أنّ ابن عمر وابن
عبّاس بايعا يزيد .
ـــــــــــــــ
(1) سورة
القصص / 21 .
(2) سورة
القصص / 22 .
(3) الطبري ،
المرجع السابق / 343 .
الصفحة (271)
الاستحلال الأوّل للحرم :
عزل يزيد بن معاوية الوليد بن
عتبة في رمضان عام 60 هـ ، وولّى بدلاً منه عمرو بن سعيد بن العاص ، وأمره ببعث
جيش لمقاتلة عبد الله بن الزبير بمكّة .
وقد نصح غير واحد لعمرو ألاّ
يغزو مكّة الحرام ،
كلّهم يذكّره بحديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) :
(( إنّما أذن
الله لي في القتال بمكّة ساعة من نهار ،
ثمّ عادت كحرمتها
)) . فما كان جواب عمرو إلاّ
أنْ قال لشيخ ذكّره : نحن أعلم بحرمتها منك أيّها الشيخ
.
أنفذ عمرو بن سعيد أمر يزيد ،
فبعث عمرو بن الزبير على رأس جيش
، ليقاتل أخاه عبد الله بن الزبير بمكّة
, وكان عبد
الله ممتنعاً بمكّة ومَن معه ممّن آزره ، وكانوا يُصلّون وحدهم ولا يُصلّون بصلاة والي
يزيد على مكّة ، ومَن معه مسّ هواهم في يزيد .
والتقى الجمعان بمكّة الحرام ،
وعلى رأس الجمعين الأخوان : عبد الله بن الزبير ممتنعاً عن بيعة يزيد في جمع ، وفي
الجمع الآخر عمرو بن الزبير على رأس جيش يزيد
, فهزم عبد الله عمراً ،
ثمّ أخذه فأقاده ممّن ضربه
حتّى مات عمرو تحت السياط
, وكان عبد الله قد أطلق على أخيه عمرو
: الفاسق المستحلّ لحرمات الله .
أمر الكوفة :
كان النعمان بن بشير الأنصاري
والياً على الكوفة من قبل معاوية ، فجعل الكوفيّون يتشاورون فيما بينهم ، وأرسلوا
كتبهم إلى الحُسين (ع) يوثقون فيها
الصفحة (272)
بيعتهم له ، وأنّهم مفارقون للنعمان ولي يزيد
حتّى إنّهم لا يحضرون الجمعة معه ، وأنّهم في انتظار قدومه عليهم .
فلمّا جاءت الكتبُ
الحُسين (ع) ، بعث ابن عمّه مُسلم بن عقيل إلى الكوفة ليخبره عن كتب أمر الكوفيين
, وما أنْ دخل مُسلم الكوفة حتّى جاءه القوم فرادى وجماعات يُبايعونه ببيعة
الحُسين (ع) ، فأرسل إلى
الحُسين (ع)
ببيعة اثني عشر ألفاً ، وطلب منه القدوم .
في هذا الوقت أشار سرجون الرومي النصراني مولى معاوية وكاتم سرّه
، على يزيد بعزل النعمان لضعفه وتولية عبيد
الله بن زياد والي البصرة على الكوفة أيضاً .
وما أنْ قدم عبيد الله الكوفة
حتّى دسّ مولى له بين أنصار
الحُسين (ع) وأعطاه مالاً ليزعم أنّه جاء من حمص بالشام ليُؤازر
الحُسين (ع) ويبايعه . فانخدع القوم ودلوه على مكان
مُسلم ببيت هانئ بن عروة ، فرجع إلى
عبيد الله فأخبره الخبر .
استدعى عبيد الله هانئاً ،
وأبرز له مولاه الدسيسة فأيقن هانئ الخدعة ، فضربه عبيد الله وشجّه وحبسه
, فلمّا
علمت مذحج ـ قبيلة هانئ
ـ بالخبر أحاطت بقصر عبيد الله
, فأخرج لهم شريحاً القاضي
زاعماً كذباً : أنّ هانئاً بخير وأنّه يُشاوره عبيد الله
، فانصرف القوم .
وما أنْ علم
مُسلم بن عقيل بخبر
هانئ حتّى نادى بشعاره ، فاجتمع له أربعة آلاف مقاتل
حتّى أحاطوا بقصر عبيد الله
,
إلاّ أنّه كان قد احتاط
لأمره من قبل ، فجمع عنده وجوه أهل الكوفة وزعماء القبائل
، ليرشوهم ويمنّيهم ، فخرجوا وأشرفوا من القصر على
المحيطين به ؛ ليخذلوهم ويصرفوهم عن
مُسلم ، فما زالوا بهم
حتّى إذا أتى المساء وجد
مُسلم نفسه وحده .
الصفحة (273)
وانتهى أمر الكوفة بأسر
مُسلم بعد أنْ أمّنه عبد الرحمن بن
محمّد الأشعث ، فأمر عبيد الله بضرب عنق
مُسلم وإلقاء
جثّته من أعلى القصر ، وقتل هانئ بن عروة وصلبه .
خروج
الحُسين (ع) إلى الكوفة :
لمّا كان يوم التروية لعام
60 هـ ، طاف الحُسين (ع) بالبيت وسعى بين الصفا والمروة
، ثمّ قصّ شعره وحلّ من عمرته ،
وتوجّه تلقاء الكوفة ومَن معه من الناس ، بينما توجّه الحجيج إلى منى .
وكان الحُسين (ع) قد التقى أثناء
خروجه الأخير بكثيرين ألحّوا عليه إلحاحاً ألاّ يخرج
, وقد تعددت أسباب هؤلاء
المشيرين بعدم الخروج
؛ فمنهم ناصح مشفق من غدر أهل العراق ، ومنهم
حذّر من سطوة بني
اُميّة ، ومنهم مَن خبر غلبة الدرهم والدينار على
المبدأ لدى الكثيرين من أهل العصر ،
ومنهم مَن تاقت نفسه للتخلّص من
الحُسين (ع) ليخلو له الجوّ فيدعو لنفسه ولكن ينصح مداراة ،
ومنهم مَن زعم أنّ خروجه شقاق ونزع ليده من الطاعة وخروج عن الجماعة .
وكان من هؤلاء
: عبد الله بن
عبّاس وعبد الله بن الزبير ، وعبد الله بن جعفر على اختلاف أسبابهم .
وتراوحت إجابة
الحُسين (ع) لهؤلاء
بين بيان حجّته والاكتفاء بالشكر على النصح ، وبيان أنّها رؤية رآها ولا يستطيع
الإفصاح عنها ، وإعلام البراءة من عمل بني
اُميّة وأنّ لهم عملهم وله عمله .
ومضى الحُسين (ع) في طريقه حتّى لقيه مَن
أخبره بمتقل رسوله مُسلم بن عقيل بالكوفة ومعه هانئ بن عروة , وأنّهما جرّا من
أرجلهما بالأسواق سحلاً ,
الصفحة (274)
فاسترجع وأبان
الأمر لأصحابه
، وخلّى بينهم وبين رغبتهم في الاستمرار في
المسير أو التفرّق
, فتفرّق عنه الكثيرون
لمّا استشعروا إدبار
الأمر ، وأنّهم إنّما اتبعوه لظنّهم غلبته .
وما أنْ وصل
الحُسين (ع) إلى مشارف
القادسيّة حتّى لقيه جيش ابن زياد
، ألف فارسٍ على رأسهم الحرّ بن يزيد
، والحُسين
(ع) يُريد
أنْ يمضي في طريقه والحرّ يمنعه من
المسير ، قائلاً : إنّه لا يدعه
حتّى ينفذ أمر ابن
زياد بإقدامه الكوفة ولقائه . فترادا القول
حتّى تراضيا على أنْ يُساير الحرّ
الحُسين (ع) في
طريق لا تدخله الكوفة ولا ترجعه إلى
المدينة
، حتّى يُكاتب الحرُّ ابن زياد ويعلم رأيه .
ثمّ بعث ابن زياد بجيش على
رأسه عمر بن سعد بن أبي وقّاص في أربعة آلاف مقاتل
ـ بعد أنْ عهد ابن زياد لعمر
بولاية الرّي إنْ هو كفاه
الحُسين (ع) ـ وأمر ابن زياد عمر أنْ يحول بين
الحُسين (ع) وأصحابه
وبين الماء وألاّ يذوقوا منه قطرة ، وأنْ ينزلوا على حكم ابن زياد ويُبايعوا يزيد ،
وإلاّ فليُقاتلهم .
ونشب القتال بعد أنْ أعذر
الحُسين (ع) إليهم ، بين جيش يزيد وقوامه أربعة آلاف ، وبين جماعة
الحُسين (ع) وقد زوت إلى
اثنين وسبعين منهم أربعون راجلاً ، وخلفهم في الخيام نساء آل بيت النبي
(ص) وفيهم زينب
بنت عليّ (ع) ، وسكينة وفاطمة ابنتي
الحُسين (عليه السّلام) ، وفيهم عليّ زين العابدين يرقد عليلاً .
وتحفل كتب التاريخ والمقاتل
بتفصيلات الأهوال والفظائع التي لابست القتال
, فأنت تقرأ عن
التحرق ظمأ من نساء آل
البيت (عليهم السّلام) والأطفال ، فضلاً عن الشيوخ والرجال بينما يحلؤهم جيش يزيد ، في الوقت الذي
يرتوي من النهر بجانبهم الكلاب الضالة وخنازير النصارى .
ثمّ هذه الأطفال تُذبح أمام
أعين اُمّهاتهم ، ومنهم
: عبد الله بن الحُسين (ع) الرضيع الذي يسدّد له أحدهم سهماً فيذبحه
في حجر أبيه .
الصفحة (275)
وهذه بنات الرسول (صلّى الله
عليه وآله) تنتهك حرمة أخبيتهنّ لينتهبوا متاعهنّ ،
حتّى تنازع المرأة عن ثوبها فتغلب
عليه وينتزع عن ظهرها .
ثمّ هذا هو
الحُسين (ع) يُقتل ويُذبح
، فينتدب عمر بن سعد عشرة من رجاله ليطؤوا
الحُسين (ع) ميّتاً بطناً وظهراً .
وتُساق نساء بيت النبي (صلّى
الله عليه وآله) بعد ذلك على الأقتاب بغير وطاء حاسرات
، كأنّهم سبايا الشرك إلى ابن
زياد في الكوفة ومنها إلى يزيد بدمشق ، يتقدّم موكبهم رؤوس
الحُسين (ع) وأصحابه على
الرماح .
ويتكرّر في مجلس يزيد ذات المشهد الذي وقع
في مجلس ابن زياد : رأس الحُسين (ع) ملقىً أمام كلٍّ ، وكلٌ ينكث ثغر الحُسين (ع) بقضيبه ، وحوله نساء آل البيت
(عليهم السّلام) باكيات معولات
, ولا يعدم كلّ مجلس من صحابي ، لا يعترض إلاّ على البعث بثغر الحُسين (ع) .
فكذلك فعل أبو برزة الأسلمي في حضرة يزيد ،
مثلما فعل زيد بن أرقم في حضرة ابن زياد
, ذلك باقتضاب خبر خروج
الحُسين (ع) ، فماذا يعني هذا الخروج ؟
أسباب الخروج :
يحتاج درس خروج
الحُسين (ع) إلى
فهم غير متعجّل ، لا مانع فيه من الإطالة وتستحبّ معه الرؤية ، بل تجب فيه الأناة أبعد الأناة . هاهنا نتتبّع أسباب الخروج ونطلبها في
كلّ مظانها كلّما أمكن ذلك ،
ونحاول تلمّس هذه الأسباب لدى أصحابه ، ولدى من دعا بالخروج في عصره وإنْ
لمْ يكن من
أصحابه ، حتّى تكتمل لنا معالم الصورة كاملة ، فنراها وكأنّنا عايناها .
فأمّا الحُسين (ع) ، فأوّل ما يَعيننا
على فهم خروجه فهمه هو الشخصي
لمعنى
|