|
الصفحة (226)
يتّضح ذلك مباشرةً من قول
معاوية لعبد الله بن عمر
، عندما أراده ليُبايع ابنه يزيد ، فيقول(1) : يا عبد الله
بن عمرو ، قد كنت تُحدّثنا أنّك لا تُحبّ أنْ تبيتَ ليلةً وليس في عنقك بيعة جماعة
، وأنّ لك
الدنيا وما فيها ، وإنّي أحذّرك أنْ تشقَّ عصا
المسلمين ، وتسعى في تفريق ملئهم وأنْ تسفكَ
دماءهم ، وإنّ أمر يزيد قد كان قضاء من القضاء ، وليس للعباد خيرة من أمرهم .
وما أنْ استهلّ معاوية دولة بني
اُميّة بالجبر حتّى فشا فيهم وصار مذهباً . يقول أبو زهرة(2) : ولكنّا نجزم بأنّ القول
بالجبر شاع في أوّل العصر
الاُموي وكثر
حتّى صار مذهباً في آخره
.
ثمّ يُورد خطاب عبد
الله بن عبّاس لجبريّة أهل الشام : أمّا بعد
، أتأمرون الناس
بالتقوى ، وبكم ضلّ
المتّقون ؟ وتنهون الناس عن
المعاصي ، وبكم ظهر العاصون
؟ يا
أبناء سلف المنافقين وأعوان الظالمين وخزان
مساجد الفاسقين ، هل منكم إلاّ مفترٍ
على الله ، يجعل أجرامه عليه سبحانه ، وينسبه علانيّةً إليه
.
ثمّ يُورد رأي الحسن البصري :
ومَن لمْ يُؤمن بالله وقضائه وقدره فقد كفر ، ومَن حمّل ذنبه على ربّه فقد كفر .
وأنت تجد أحد التطبيقات
المباشرة لهذا المذهب
في الحادثة
المروعة التي قُتل فيها أحد ملوك بني
اُميّة ، وهو عبد
الملك بن مروان واحداً من
المختلفين معه ، وهو عمرو بن سعيد بن العاص . إذ(3) صالح
عبد الملك عمراً واستدعاه لقصره
، ثمّ فتك به وأدخله تحت سريره ، فدخل عليه أحد فقهائه
ـ وهو قبيصة بن ذؤيب
ـــــــــــــــ
(1) الإمامة
والسياسة ، المرجع السابق .
(2) تاريخ
المذاهب ، مرجع سابق
/ 104 .
(3) الطبري ،
مرجع سابق 6 / 69 ، وابن قتيبة ، مرجع سابق 2
/ 34 .
الصفحة (227)
الخزاعي
ـ فأبصر رجل عمرو تحت
السرير حينما سأله عبد
الملك رأيه في عمرو ، فأسرع الفقيه بقوله : اضرب عنقه يا
أمير المؤمنين . ثمّ نصح عبد
الملك بأنْ يلقي رأس عمرو إلى رجال عمرو
، وكانوا أربعة
آلاف يحيطون بقصر عبد
الملك ، وأنْ يطرح عليهم الدنانير مع الرأس فيتشاغلوا بها عن
صاحبهم ، ففعل .
ثمّ أخرج لهم هاتفاً يُنادي : إنّ أمير
المؤمنين قد قتل صاحبكم بما
كان من القضاء السابق ، والأمر النافذ .
إنّ هذه القصّة وحدها ترينا كيف
يُمكن أنْ تجتمع
كلّ النقائص في آنٍ معاً
, فأمير
المؤمنين الاُموي يُحيك مؤامرة فيصالح
عمراً ظاهراً وهو يبطن نقضه ،
ثمّ هو يستأمنه ليغدر به . وفي ذلك يقول ابن الحنفيّة
ـ عندما بلغه الخبر
ـ : [ ( فَمَن
نَكَثَ فَإِنّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ )(1)
، يرفع له يوم القيامة لواء على قدر غدرته ] . ولمّا طلب عبد
الملك من امرأة
عمرو كتاب الصلح الذي عقده له ، أجابت رسوله بقولها : ارجع ، فأعلمه أنّ ذلك الصلح
معه في أكفانه
، ليُخاصمك عند ربّه(2) .
ثمّ إنّك ترى كيف اتّخذ فقهاء
بني اُميّة دينهم نفاقاً للسلاطين ، فما أنْ أبصر قبيصة رجل عمرو
المقتول
حتّى أسرع
بالإشارة على عبد
الملك أنْ يقتله ، فيمدحه عبد
الملك بقوله : ما علمناك إلاّ ناصحاً
أميناً . ثمّ هو يُشير عليه بأخبث مشورة : أنْ يلقي لأصحاب
المقتول رأسه ومعها
الدنانير ، فيزيد الفقيه
الملك خبثاً على غدر .
ولكن الأغرب من
كلّ ذلك ما آل
إليه حال الناس ـ دعك من السلطان وفقهائه ـ فقد جاؤوا يمنعون صاحبهم ، فإذا بهم لا
يُعيرون مقتله اهتماماً تشاغلاً بجمع الدنانير ! وهكذا عمّت البلوى .
ـــــــــــــــ
(1) سورة
الفتح / 10 .
(2) الكامل ،
مرجع سابق 4 / 89 .
الصفحة (228)
ولك أنْ تتوقّف طويلاً عند تلك
العبارة العجيبة مبنى ومعنى : أمير
المؤمنين يقتل بما كان من القضاء السابق والأمر
النافذ ! الحقّ عند بني
اُمية هو ما يصلح لسلطانهم ، وإنْ تمّ بإلصاق التهم بالله بلا
حرج .
يعلّق جولد تسيهر على ذلك
بقوله(1) : إنّهم كانوا يعلمون تماماً أنّ أُسرتهم كانت غير محتملة من الزهاد ، أي
:
من هؤلاء الذين يملكون رقاب
العامّة بسبب طهارة قلوبهم . وإنّهم
لمْ يكونوا يجهلون
أنّهم في رأي الكثير من رعاياهم مُختلسون وصلوا إلى السلطان بوسائل قهريّة شديدة ،
وأعداء لآل النبي
(عليهم السلام) ، وقتلة أشخاص مقدّسين ، ومنتهكون للأماكن
المقدّسة الطاهرة .
إذاً لو أنّ عقيدة عملت تماماً
لإمساك الاُمّة بالعنان ، وصرفتها عن الثورة عليهم وعلى ممثّليهم ، لكانت عقيدة الجبر
. هذه العقيدة التي ترى
: أنّ الله قد حكم أزلاً أنْ تصل هذه الأُسرة إلى الحكم ، وأنّ
ما يعملون ليس إلاّ أثراً أو نتيجةً لقدر إلهي محكم
، من أجل ذلك كان حسناً جدّاً لهم
ولديهم أنْ تتأصّل هذه الأفكار في الشعب .
* * *
ـــــــــــــــ
(1) العقيدة
والشريعة ، مرجع سابق
/ 86 .
الصفحة (229)
النظام
الاُموي والعصبيّة
القبليّة
معلوم أنّ الإسلام جاء مساوياً
بين الناس وجعلهم شعوباً وقبائل ليتعارفوا ، ونظر إليهم على أنّهم سواسية كأسنان
المشط ، ولمْ يضع إلاّ معياراً وحيداً لتمايزهم
، وهو التقوى . فلمْ يعرف فضلاً لعربي
على أعجمي ، ولا لأبيض على أحمر .
والإسلام أرسى قاعدة وحيدة
أصيلة للانتماء بين الناس ، تسبق ما عداها من صلات وانتماءات ثانويّة . فليست
القاعدة هي المواطنة ولا القوميّة ولا
المصلحة المشتركة ، ولا الأصل العرقي ولا
حتّى
قرابة الدم ، وإنّما هي العقيدة . فإذا ما وُجد رباط العقيدة في الأساس
، أضحى لبعض
الروابط الاُخرى دلالاتها الخاصّة النابعة من رباط العقيدة ذاته . وهذا بالطبع لا
ينفي بل يؤكّد وجوب شمول العلاقات الإنسانيّة عامّةً بقواعد
: العدل وحسن
المعاملة وسماحة
المعايشة . فتلك أيضاً منطوقات قواعد العقيدة ، ولكنّا نتحدّث تحديداً عن الانتماء .
وقد بيّن لنا القرآن حقيقة هذه
القاعدة في كثير من آياته ، فيقول الله تعالى : (
إِنّ
الذينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي
سَبِيلِ اللّهِ وَالذينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ
بَعْضٍ )(1) .
ـــــــــــــــ
(1) سورة
الأنفال
/ 72 .
الصفحة (230)
وضرب الله تعالى لنا
الأمثلة
على جميع صور القرابة القريبة ، وأنّها لا تُغني من العقيدة شيئاً : في البنوة ، وفي
الأبوّة ، وفي الزوجية : (
وَنَادَى
نُوحٌ رَبّهُ فَقَالَ رَبّ إِنّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنّ وَعْدَكَ
الحقّ
وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَانُوحُ إِنّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ
إِنّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ
)(1) .
( وَإِذِ
ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمّهُنّ قَالَ إِنّي جَاعِلُكَ
لِلنّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرّيَتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ)(2) .
(
وَمَا
كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلّا عَن مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيّاهُ
فَلما تَبَيّنَ لَهُ أَنّهُ عَدُوّ للّهِِ تَبَرّأَ مِنْهُ إِنّ إِبْرَاهِيمَ
لَأَوّاهٌ حَلِيمٌ )(3) .
(
ضَرَبَ
اللّهُ مَثَلاً لِلّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا
تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا
عَنْهُمَا مِنَ اللّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلاَ
النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ )(4) .
وقد وعى
المسلمون الأوائل هذه
الحقيقة بما لمْ يدع في نفوسهم أدنى شكّ في فحواها
, وإنّ نظرةً واحدةً في وقعة واحدة
كوقعة بدر لكفيلة بإظهار هذه
الحقيقة واضحةً لا لبس فيها
, فهذا أبو حذيفة بن عتبة
بن ربيعة يشهد مع الرسول (صلّى الله عليه وآله) مصارع أبيه عتبة
، وعمّه شيبة وأخيه الوليد
, وهذا مصعب بن عمير يمرّ بأخيه
أبي عزيز بن عمير
، وهو أسير في يد رجل
من الأنصار ، فيقول : شد يديك به ؛ فإنّ
اُمّه ذات
متاع ، لعلّها أنْ تفتديه منك(5) .
ـــــــــــــــ
(1) سورة هود
/ 45 ـ 46 .
(2) سورة
البقرة / 124 .
(3) سورة
التوبة / 114 .
(4) سورة
التحريم / 10 .
(5) الطبري ،
مرجع سابق 2 / 460 .
الصفحة (231)
ثمّ ألاَ تدلّنا هجرة الرسول
(صلّى الله عليه وآله) من
مكّة إلى مدينة إلى
المعنى العميق لحقيقة الانتماء ، فقد
آذاه قومه وفيهم عشيرته
، ومنهم بعض قرابته القريبة وتربّصوا به وأرصدوا له واستعدّوا
عليه ، بينما انتصر بقوم غير القوم وقبائل غير القبيلة .
إذاً حارب الرسول (صلّى الله
عليه وآله) قومه بغير قومه ، وأحلّت له دماء قومه وأموالهم ، بل إنّ بلده وهو الحرام
أحلّ له يوم الفتح .
ولو أنّ مقاييس أخرى كالمواطنة
وغيرها طُبّقت ، لاتّهم (صلّى الله عليه وآله) بأشنع التهم ، وهو ما تجده واضحاً في
أقوال المشركين من قوم الرسول (صلّى الله عليه وآله) الأقربين
، الذين فزعوا من هذا
الدين الجديد بمفاهيمه
المستحدثة ، وأحدها مخالفة ما شبّوا عليه من اعتقاد جازم في
الأواصر بينهم بالمفهوم القِبَلي . مثال ذلك ما حدث عندما تحيّر القوم في وصف القرآن ،
فاجتمع نفر من قريش يتدارسون ما يفعلون كيداً
لمحمّد (صلّى الله عليه وآله)
، ألاّ يتّصل
بقبائل العرب في
الموسم ، فقال الوليد بن
المغيرة(1) : إنّ أقرب القول فيه لأنْ
تقولوا : ساحر جاء بقول هو سحر يفرّق به بين
المرء وأخيه ، وبين
المرء وزوجته ، وبين
المرء وعشيرته . ومثاله كذلك قول عتبة بن ربيعة للرسول (صلّى الله عليه وآله) يوم
وجده في المسجد(2)
: يابن أخي ، إنّك منّا حيث قد علمت من السلطة في العشيرة ،
والمكان في النسب ، وإنّك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرّقت به جماعتهم . وعندما التقى
الجمعان يوم بدر ، استفتح أبو جهل على نفسه
، فقال(3) : اللهمّ
، أقطعنا للرحم ،
وآتانا
بما لا يعرف فأحنه الغداة .
ـــــــــــــــ
(1) سيرة ابن
هشام ، مرجع سابق 1
/ 270 .
(2) المرجع
السابق / 293 .
(3) تاريخ
الطبري ، مرجع سابق 2
/ 449 .
الصفحة (232)
إذاً ليست الأرض ولا القوم ،
ولا القرابة ، ولا الدم بمنتجة رباطاً إلاّ العقيدة أوّلاً ، وتلك هي نظرة الإسلام ،
وغيرها من مفاهيم الجاهليّة ، فكيف كانت رؤية وسياسة بني
اُميّة ؟
عمد معاوية منذ البدء
، وضمن
خُطّته لإحكام الملك لنفسه ولتوريثه بنيه إلى إحياء القبلية
، واستنفارها بعد الجهد
الهائل الذي بذله الرسول (صلّى الله عليه وآله)
لإماتتها . وقد كانت خُطّته تلك
متعدّدة المستويات وإنْ تلازمت معاً ، ونحن نستعرضها أوّلاً
ثمّ نُقيم الأدلة التي
قادتنا إليها ثانياً :
أ ـ تمييز قريش من سائر العرب .
ت ـ تمييز معاوية ورهطه من قريش .
ث ـ التفرقة بين قبائل العرب .
ج ـ التفرقة بين العرب بعامّة
والعجم .
أ ـ تمييز قريش :
أوّل ما يُقابلنا في هذا الباب
الحديث الذي رواه معاوية ذاته ، ومفاده
: أنّ الأئمّة من قريش . جاء في البخاري في باب
مناقب قريش : حدّثنا أبو اليمان أخبرنا
شعيب ، عن الزهري
، قال : كان
محمّد بن جبير بن مطعم يحدّث أنّه بلّغ معاوية
، وهو عنده في
وفد من قريش : أنّ عبد الله بن عمرو بن العاص يحدّث أنّه سيكون ملك من قحطان
. فغضب
معاوية فقام فأثنى على الله بما هو أهله
، ثمّ قال : أمّا بعد ، فإنّه بلغني أنّ رجالاً
منكم يتحدّثون أحاديث ليست في كتاب الله ولا تؤثر عن رسول الله (صلّى الله عليه
وآله) فأولئك جهّالكم ، فإيّاكم والأماني التي تضلّ أهلها ، فإنّي سمعت رسول الله (صلّى
الله عليه وآله) يقول :
إنّ هذا
الأمر في قريش لا يُعاديهم أحد إلاّ كبّه الله على
وجهه ما أقاموا الدين
.
الصفحة (233)
وهنا لا بدّ من وقفة نستوضح
فيها هذا المفهوم الذي انبرى له معاوية :
1 ـ هبّ معاوية غاضباً بمجرد
ذكر الحديث دون تثبت من صحّته ، ودون تروّ ليستوعب ما يسمع ، ودون تحوط ألاّ يقع في
إثم إنكار ، ولكنّه سرعان ما أصدر أحكامه قاطعة فرمى محدّث الحديث بالجهل ، وطعن في
الحديث بأنّه من صنع
الأماني .
وهكذا كان شأن معاوية شأن
كلّ المستبدّين بالسلطة بغير حقّ
, فهو على استعداد للتغافل عن نقد وتجاوزات الرّعية وإنْ طالته . وطالما
لمْ تجاوز حدود القول
حتّى يوصف بالحليم ، وهو يصل مَن أراد وإنْ من
بيت المال حتّى يُوصف بالكريم ، وهو لا يعير اهتماماً لإتيان
المنكرات
حتّى ليُعطّل
الحدود عمّن أراد على ما رأينا ، إلاّ أنْ يقترب أحد ولو من بعيد من
المنطقة الحرام :
السلطان .
وإذا كان معاوية قد أنكر
الحديث الذي رواه عبد الله وهو من تابعيه ، أفلم يحدّثه كذلك خليله أبو هريرة بقوله
ـ ورواه البخاري في باب ذكر قحطان
ـ قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( لا تقوم
الساعة حتّى يخرج رجلٌ من قحطان يسوق الناس بعصاه )) .
2 ـ أوّل ما يستفاد من الحديث
ـ حال صحّته ـ أنّ هناك شرطاً لا بدّ من توفّره كي تصحّ إمامة قريش ، وهو
: ما أقاموا
الدين . فإن غاب هذا الشرط ، فلا إمامة إذاً في قريش ، وإنّما قد تكون في قحطان أو
في غيرها .
ويعلّق السندي في حاشيّته على
البخاري بقوله : استدلاله
ـ معاوية ـ بحديث
أنّ هذا الأمر دليل عليه لا له ؛ لأنّ
تقييد ما : أقاموا الدين
. يشعر أنّ هذا
الأمر لا يبقى فيهم حين تركهم مراعاة الدين .
3 ـ هذا الحديث
: الأئمّة من
قريش . غير مقطوع بصّحته ، وقد ردّه إمام
الصفحة (234)
الحرمين الجويني بقوله(1) :
ذكر بعض الأئمّة أنّ هذا الحديث في حكم
المستفيض المقطوع بثبوته
، من حيث إنّ
الاُمّة
تلقّته بالقبول . وهذا مسلك لا أوثره ، فإنّ نقلة هذا الحديث معدودون ، لا يبلغون
مبلغ عدد التواتر . والذي يوضّح
الحقّ في ذلك ، أنّا لا نجد من أنفسنا ثلج الصدور
واليقين المبتوت بصدر هذا من فلق في رسول الله (صلّى الله عليه وآله)
، كما لا نجد
ذلك في سائر أخبار الآحاد ، فإذاً لا يقتضي هذا الحديث العلم باشتراط النسب في
الإمامة . ثمّ يقول : ولسنا نعقل احتياج
الإمامة في وضعها إلى النسب . وممّن نفى كذلك اشتراط القرشيّة
، القاضي أبوبكر الباقلاني من كبار الأشاعرة .
4 ـ احتجّ أهل السنّة بحديث أبي
بكر لسعد بن عبادة
يوم السقيفة ، بقول الرسول (صلّى الله عليه وآله) : قريش ولاة
هذا الأمر . وهو ما ذُكر في مسند أحمد .
وما يجعلنا نشكّ في صحّة حدوث
هذا الاحتجاج ، أو رواية
المسند ، تذكر أنّ سعداً أجاب أبابكر عند ذكره الحديث بقوله :
صدقت . بينما يذكر الطبري(2)
: أنّ عمر بن الخطّاب حثّ الناس على قتل سعد في مستهلّ مبايعة أبي بكر بقوله :
اقتلوه قتله الله !
ثمّ لمّا
أراد سعد على
المبايعة قال : أمَا والله ، حتّى أرميكم بما في كنانتي من نبلي ، وأخضب سنان رمحي ،
وأضربكم بسيفي ما ملكته يدي ، وأقاتلكم بأهل بيتي ومَن أطاعني من قومي ، فلا أفعل ، وأيمْ الله
، لو أنّ الجنّ اجتمعت لكم مع الإنس ما بايعتكم ، حتّى أعرض على ربّي ، وأعلم
ـــــــــــــــ
(1) الجويني
، غياث الاُمم في التياث الظلم ، تحقيق د . عبد العظيم الديب
/ 80 ، ط 2 ـ القاهرة ـ مطبعة نهضة
مصر / 1401 هـ .
(2) مرجع
سابق 3 / 222 .
الصفحة (235)
ما حسابي .
ثمّ يذكر : فكان
سعد لا يُصلّي بصلاتهم ، ولا يجمع معهم ، ويحجّ ولا يفيض معهم بإفاضتهم ، فلمْ يزل كذلك
حتّى هلك أبو بكر رحمه الله .
وذكر ابن الأثير(1)
: لمْ
يُبايع سعد أبا بكر ولا عمر ، وسار إلى الشام فأقام بحوران إلى أنْ مات .
5 ـ لمْ يُحدّث أن اجتمعت
الاُمّة
على مفهوم هذا الحديث
، أو تلّقته بالقبول ـ كما ذكر الجويني ـ فقد قال بغير ذلك جمهور
المعتزلة والخوارج وبعض
المرجئة , أنّهم اعتبروا
الإمامة جائزة في كلّ من قام بالكتاب
والسنّة ، قرشيّاً كان أو عربيّاً أو ابن عبد .
وذهب الضراريّة
، إلى أنّه إذا
اجتمع حبشي وقرشي
كلاهما قائم بالكتاب والسنّة ، فالواجب أنْ يقوم الحبشي
؛ لأنّه أسهل
لخلعه إذا حاد عن الطريقة(2) .
ولمْ يصب ابن حزم في بيانه
بشأن هذه المسألة ،
لمّا ذكر اتّفاق السنّة والشيعة على أنّ
الإمامة لا تجوز إلاّ في
قريش ، فذلك تعميم مخلّ بحقيقة
المسألة ، فللشيعة مفهوم آخر ، سنتناوله إنْ شاء الله
لاحقاً .
6 ـ نصوص سواسيّة الناس
وتفاضلهم بالتقوى تعارض
المفهوم القبلي لحديث
: الأئمّة من قريش
. ولعلّ أقرب ما يُذكر
بخصوص هذه المسألة
، ما قاله رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عندما تداعى
المهاجرون
والأنصار كلّ إلى فئته
. وذكره البخاري في باب ما يُنهى من دعوة الجاهليّة
[ حديثاً عن رسول الله (ص) ] : (( دعوها
، فإنّها خبيثة )) .
7 ـ هناك إشكاليّة من نوع آخر
تتعلّق بتحديد قريش
المختصّة بالإمامة ، فابن حزم(3) يذكر
: أنّ الجمهور على أنّ
الإمامة
لا تجوز إلاّ في قريش
خاصّة ، منَ كان
ـــــــــــــــ
(1) أُسد
الغابة ، مرجع سابق 2
/ 356 .
(2) ابن حزم
، الفصل في الملل ، مرجع سابق 4
/ 152 .
(3) المرجع
السابق .
الصفحة (236)
من ولد فهر بن مالك ، وأنّها
لا تجوز فيمَن كان أبوه من غير بني فهر بن مالك ، وإنْ كانت
اُمّه من قريش ، ولا في
حليف ، ولا في مولى .
بينما يُورد البغدادي اختلاف
النسّابين في قريش على النحو التالي(1) :
أ ـ هم : ولد النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان .
ب ـ هم : ولد إلياس بن مضر ،
وبذلك تدخل التميميّة في قريش .
ج ـ هم : ولد مضر بن نزار ،
وبذلك تدخل قيس عيلان في هذه الجملة .
ثمّ هناك تقسيم آخر يُورده ابن
عبد ربّه(2) :
ـ قريش الظواهر : نزلوا حول
مكّة وليست لهم ، وهؤلاء هم
: بنو الحارث وبنو محارب ، ابني فهر بن مالك .
ـ قريش البطاح : وهم ساكنوا
بطحاء مكّة .
ويذكر ابن عبد ربّه كذلك
، أنّ
أصل كلمة قريش من
: التقريش ، بمعنى
: التجميع ؛ ذلك أنّ قصي بن كلاب بن مرّة بن كعب
، جمع
ولد النضر بن كنانة من
كلّ أوب إلى البيت
، فسُمّوا : قريشاً
. وسُمّي قصي : مجمعاً
. وفيه قِيل
:
قصي أبوكم من يسمى مجمعاً بـه جمع الله القبائل من فهر
وذلك يعني
: أنّ هناك بُعداً آخر
في تحديد قريش
، إضافة إلى صريح النسب
، وهو البُعد
المكاني ، لمّا جمعهم قصي حول
البيت ؛ ولكن هذا التحديد
لمْ يرد قيداً في تحديد النسّابين ، على ما أورده ابن حزم
أو البغدادي .
ـــــــــــــــ
(1) أصول
الدين ، مرجع سابق
/ 277 .
(2) العقد
الفريد
، مرجع سابق 3
/ 70 .
الصفحة (237)
ونحن إذا تفحّصنا شجرة أنساب
كنانة ، لوجدنا أنّها تضّم العديد من البطون ، ولا يُعرف سبب محدّد لحصر
الإمامة ـ على ما
ذهب جمهور أهل السنّة ـ في ولد فهر
.
8 ـ قِيل : إنّ سورة إيلاف قريش
تخصيص لهم بالفضل ، فقد قال الله تعالى: (
لإيلاف قُرَيشٍ
*
إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشّتَاءِ وَالصّيْفِ
*
فَلْيَعْبُدُوا رَبّ هذَا الْبَيْتِ
*
الذي أَطْعَمَهُم مِن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِنْ خَوْفٍ )(1)
.
وذكر المفسّرون
: أنّ تلك نعمة أنعمها الله على سكان مكّة ؛ لعظمتهم عند الناس
، لكونهم سكّان حرم الله )(2)
. وربّما يفهم من ذلك صحة اعتبار البعد
المكاني في تحديد قريش ، كما فُهم من قبل من
كلام ابن عبد ربّه .
ولكن فضل
الله عليهم بالنعم لا ينهض دليلاً على وجوب حصر
الإمامة فيهم لمَن أراد تعليل الحكم
به ، فضلاً عن كون هذا الفضل ابتلاء لهم كما قال الرسول
(صلّى الله عليه وآله) :
(( ويل
لكم قريش ، لإيلاف قريش
! )) . ومعلوم كيف كانت قسوة قريش في حربها للرسول (صلّى الله
عليه وآله) ، وللدعوة الجديدة أشدّ من غيرها من أحياء العرب .
ولا يوزن بميزان واحد مع
الإيمان كونهم سكّان حرم الله والقائمين على
عمارته وصيانته وسقاية حجيجه ورفادتهم
، فقد قال الله تعالى : ( مَا
كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللّهِ شَاهِدِينَ عَلَى
أَنْفُسِهِم بِالْكُفْر ِ )(3)
. ( أَجَعَلْتُمْ
سِقَايَةَ الْحَاجّ وَعمّارَةَ
الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ
وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ
وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ
)(4) .
ـــــــــــــــ
(1) سورة
قريش / 1 ـ 4 .
(2) تفسير
ابن كثير 4 / 553 .
(3) سورة
التوبة / 17 .
(4) سورة
التوبة / 19 .
الصفحة (238)
فإذا كان ذلك حال قريش قبل
الدعوة ، وحال غالبيّتها في مستهلّ الدعوة ، فقد تنبّأ الرسول (صلّى الله عليه وآله)
بهلاك اُمته بأيدي بعض قريش
, جاء في البخاري : قال النبي (صلّى الله عليه وآله) :
(( هلاك اُمّتي على يدي غلمة من قريش
)) .
9 ـ الالتباس في تحديد قريش
تزيد من تعارض مفاهيمه
، نصوص تعارض ما ذهب إليه ابن حزم
، على أنّه رأي جمهور أهل السنّة
من كون الإمامة لا تجوز إلاّ في قريش ، ولا تجوز في الحليف والمولى
, فقد قال
الرسول (صلّى الله عليه وآله) :
(( الولاء لحمة كلحمة النسب
)) . وقال (ص) : (( ابن أخت القوم ومولى
القوم منهم )) . وقال
(ص) : (( قريش والأنصار وجهينة
، ومزينة وأسلم وغفار وأشجع مواليّ ، ليس لهم مولىً دون الله ورسوله
)) .
10 ـ إلى هنا ويبدو أنّ
المسألة قد زادت التباساً وأبعدت في الغموض
, وما جعلها كذلك في الواقع هو دوران
آراء السلف من أهل السنّة حول مفهوم قبلي بحت ، يستغرق في تعقب قريش ، ويستفرغ الجهد
في بحث بطونها ، بما يتعارض ومفهوم الإسلام النافي بحسم
لمفاهيم القبليّة الجاهليّة ،
حتّى إنّ أحد الباحثين
المحدثين حار في ذلك بقوله(1)
: يبدو من العجيب حقّاً
، أنْ يكون
الإسلام قد أصرّ على وجوب تحقيق شرط النسب ، وخصّ قبيلة مُعيّنة هي قريش بهذا
الامتياز
، وحصر فيهم الأمر .
ـــــــــــــــ
(1) د . ضياء
الريّس
، النظريّات السياسيّة والإسلاميّة ، مرجع سابق
/ 299 .
الصفحة (239)
شجرة أنساب كنانة (1) :
ـــــــــــــــ
(1) عن أطلس
تاريخ الإسلام ، مرجع سابق .
الصفحة (240)
ولكن ابن خلدون يأتينا بتفسير
لاشتراط القرشيّة باعتبار
المقصد الشرعي منه ، وهو اجتماع كلمة
الاُمّة دون المزاحمة
والخلاف , وما يضمن ذلك ـ من وجهة نظره ـ هو شوكة
العصبيّة المتوفّرة في قريش دون
سائر العرب . يقول ابن خلدون(1) : إنّ الأحكام الشرعيّة
كلّها لا بدّ لها من مقاصد
وحكم تشتمل عليها وتشرع لأجلها ، ونحن إذا بحثنا عن الحكمة في اشتراط النسب القرشي
وقصد الشارع منه
لمْ يقتصر فيه على التبرّك بوصلة النبي (صلّى الله عليه وآله) كما هو
في المشهور ، وإنْ كانت تلك الوصلة موجودة والتبرّك بوصلة النبي (صلّى الله عليه
وآله) كما هو في
المشهور ، وإنْ كانت تلك الوصلة موجودة والتبرّك بها حاصلاً ، لكن
التبرّك ليس من
المقاصد الشرعيّة كما علمت ، فلا بدّ إذاً من
المصلحة في اشتراط النسب
وهي المقصودة من مشروعيّتها .
وإذا سبرنا وقسّمنا
لمْ نجدها إلاّ اعتبار
العصبيّة التي
تكون بها الحماية والمطالبة ، ويرتفع الخلاف والفرقة بوجودها لصاحب
المنصب ، فتسكن
إليه الملّة وأهلها ، وينتظم حبل الألفة فيها
؛ وذلك أنّ قريشاً كانوا عُصبة مضر
وأصلهم وأهل الغلب منهم ، وكان لهم على سائر مضر العزّة بالكثرة والعصبيّة والشرف
, فكان سائر الناس يعترف لهم بذلك ويستكينون لغلبهم ، فلو جُعل
الأمر في سواهم لتوقّع
افتراق الكلمة بمخالفتهم وعدم انقيادهم .
وواضح من كلام ابن خلدون
، أنّه
أمعن في اعتماد
المفهوم القبلي المؤسّس على
العصبيّة وشوكتها ، وكأنّه يتحدّث عن مجتمع لا
صلة له بالإسلام ، وإنْ كسا تفسيره بحلّة
المقصد الشرعي .
والجواب على بطلان ما ذهب
إليه ابن خلدون من عدّة وجوه :
ـــــــــــــــ
(1) المقدمة
، مرجع سابق / 162 .
الصفحة (241)
أ ـ اختلف العرب في أيٍّ من
قبائلهم وبطونهم
كانت السيادة والشرف
, ولمْ يحدث أنْ اجتمعوا قط على أنّها كانت في
قريش على حدّ زعم ابن خلدون .
فهذا نسّاب(1) يُجيب معاوية
عندما سأله : أخبرني عن أشرف بيت في العرب ؟ قال : بنو أسد . وبنو أسد هم بنو خزيمة بن
عامر بن إلياس بن مضر ، وليسوا من بني النضر بن كنانة ، فليسوا إذاً من قريش على من
حصر قريش في ولد النضر ، فضلاً عن أنْ يكونوا من ولد فهر بن مالك .
وقال آخرون(2) : إنّ أشرف
بيت في مضر غير مدافع في الجاهليّة
، بيت بهدلة بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن
تميم .
وتميم من مر بن أد بن طابخة
بن إلياس بن مضر
, وهؤلاء
، كبني أسد في اختلافهم عن قريش .
وعندما سأل(3) عبد
الملك بن
مروان يوماً جلساءه : أخبروني عن حيّ من أحياء العرب فيهم أشدّ الناس
، وأسخى الناس
وأخطب الناس ، وأطوع الناس في قومه وأحلم الناس
، وأحضرهم جواباً
. قالوا : يا أمير
المؤمنين ، ما نعرف هذه القبيلة ولكن ينبغي لها أنْ تكون في قريش
. قال : لا .
فقالوا : ففي حِمير وملوكها ؟ قال : لا
. قالوا : ففي مضر ؟ قال : لا
. قال مصقلة بن
رقية العبدي : فهي إذاً في ربيعة ونحن هم
. قال : نعم .
وربيعة هؤلاء
، هم : بنو نزار بن
معد بن عدنان ، وهم أبعد عن قريش من أسد .
ـــــــــــــــ
(1) العقد
الفريد ، مرجع سابق 3
/ 79 .
(2) المرجع
السابق .
(3) المرجع
السابق / 99 .
الصفحة (242)
وإذا اطلعت على منازل هؤلاء
وهؤلاء ، لوجدتها بعيدة
كلّ البعد عن مكّة ، فلمْ يكونوا إذاً من سكّان حرم الله . وإذا
أُدخل البعض تميماً في قريش ـ على ما سبق بيانه ـ فإنّها تنزل كذلك بعيداً عن
مكّة ،
ويُشاركها في منازلها ويُتاخمها غيرها من القبائل
, فهل من سبب يُعقل إذاً ليميزها مع المتميّزين في جعل
الإمامة فيهم ، على من جعل الفضل في ساكني
مكّة من قريش ؟
إنّك لا تجد ردّاً على ذلك أبلغ
من قول صعصعة بن صوحان
لمعاوية : فلعمري ما الأرض تقدّس الناس ، ولا يقدّس الناس
إلاّ أعمالهم .
ثمّ اقرأ شعر الفرزدق(1)
، ترَ
أنّه يميّز تميماً من قريش ، ويُفاخر بها :
فإن تغضب قريش أو تغضّب فـإن الأرض تـوعبها iiتميم
هـم عـدد النجوم وكل حي سـواهـم لا تـعدله iiنـجوم
وكذلك يدحض زعم ابن خلدون
، ما
جاء على ألسنة المسيّرين عنوة من الكوفة إلى الشام في عهد
عثمان بن عفّان ,
لمّا قال
سعيد بن العاص عامل
عثمان على الكوفة ـ وقد سبق ذكره(2) ـ : إنّما هذا السواد
بستان لقريش . فردّ عليه مالك الأشتر مقالته . ولمّا سيّروا إلى معاوية
، قال لهم :
قد بلغني أنّكم نقمتم قريشاً ، وإنّ قريشاً لو
لمْ تكن ، عدّتم أذلّة كما كنتم
. فقال صعصعة من المسيّرين : أمّا ما ذكرت من قريش ، فإنّها
لمْ تكن أكثر العرب
، ولا
أمنعها في الجاهليّة فتخوّفنا .
فإذا كان
الأمر كذلك ، فمن
أين أتى ابن خلدون بزعمه
: أنّ قريشاً كانت أكثر العرب وأشدّها عصبيّة ؟!
ـــــــــــــــ
(1) الأغاني
، مرجع سابق 21 / 297 .
(2) الطبري ،
مرجع سابق ، أحداث عام 33 هـ .
الصفحة (243)
ب ـ ولو أنّ مدار
الأمر على
الشوكة العصبيّة كما يزعم ابن خلدون
، واعتباره أنّ ذلك ممّا يتوسّل به الشرع لاجتماع
الكلمة ، فكيف يبرز إذاً مال
الأمر إلى أبي بكر وعمر
، مع ما هو معلوم أنّهما
لمْ يكونا
ذوي عصبيّة تقارن بأصحاب العصبيّات الأشدّ في مجتمعهم .
وآية ذلك نظرة
المعاصرين
أنفسهم لتلك الأحداث
, فهذا أبو سفيان
ـ مع أسبابه الخاصّة
ـ يقول(1) عقب تولية أبي
بكر : ما بال هذا
الأمر في أقلّ حيّ من قريش ! والله
، لئن شئت لأملأنّها عليه خيلاً
ورجالاً .
ثمّ يقول : والله
، إنّي لأرى عجاجة لا يطفئها إلاّ دم ! يا آل عبد مناف
، فيمَ أبو بكر من أموركم
؟
ثمّ قالها بعد تولية
عثمان :
فيم تيم وعدي من أموركم
؟
بل إنّ
أبا قحافة والد أبي بكر
، وهو العليم بالتضاريس القبليّة
، عجب
لتولّي ابنه الخلافة بعد وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله)
؛ إذ قال
لمّا
سمع هذا الخبر(2) : أمر جلل ، فمَن قام بالأمر بعده ؟ قالوا : ابنك
. قال : فهل
رضيت بذلك بنو عبد مناف وبنو
المغيرة ؟ قالوا : نعم
. قال : لا واضع
لمَا رفعت ، ولا
رافع لمَا وضعت .
ثمّ لعلّ الدليل التاريخي أدحض
لرأي ابن خلدون من غيره ، فإنّه ما أنْ تولّى أبو بكر
حتّى انتفضت العرب قاطبة إلاّ
قليلاً منهم ، وتمردت على حكم قريش الذي زعم ابن خلدون
، أنّه ادعى لاجتماع الكلمة .
يذكر الطبري(3) : لمّا مات رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وفُصل
اُسامة ارتدّت العرب خواصّ أو عوامّ .
ت ـ ثمّ بماذا يُفسّر ابن خلدون
، قول الله تعالى :
ـــــــــــــــ
(1) المرجع
السابق 3 / 209 .
(2) تاريخ
الخلفاء ، مرجع سابق
/ 72 .
(3) مرجع
سابق 3 / 242 .
الصفحة (244)
( وَنُرِيدُ
أَنْ نّمُنّ عَلَى
الذينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمّةً
وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ
)(1) .
ثمّ هذا هو رسول الله لوط
(عليه السّلام) ، يظنّ أنّ
المنعة في العشيرة في قول الله تعالى حكاية عنه :
(
قَالَ
لَوْ أَنّ لِي بِكُمْ قُوّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ
)(2)
. فيروي المفسّرون أنّ
الملائكة وجدت عليه لقوله ذاك
، وقالوا : إنّ ركنك لشديد وهو
الله عزّ وجلّ .
ويروي البخاري قول رسول الله (صلّى الله عليه وآله) :
(( يرحم الله
لوطاً ، لقد كان يأوي إلى ركن شديد
)) .
ويتساءل رشيد رضا في معرض
استنكاره لرأي ابن خلدون، قائلاً(3) : ألمْ يكن جلّ اضطهاده (صلّى الله عليه وآله)
وصدّه عن تبليغ دعوة ربّه من رؤساء قريش؟
ألمْ يكونوا هم الذين ألجؤوه إلى الهجرة
؟
غريبة كبرى من الغرائب :
يذهب بنا التحليل السابق إلى
أنّ كلّ الآراء التي أسلفنا بيانها
، إنّما تدور حول محور واحد لا يتّفق وجوهر الدين
، وذلك
هو التفسير القبلي للإمامة .
وإنْ كنّا نعي الأسباب الخاصّة
لدى معاوية للتركيز على هذا التفسير ، إلاّ أنّنا لا نفهم مبرّر الفقهاء والمحقّقين من
سلف وخلف أهل السنّة للسير في ركاب معاوية ، إلاّ ما كان من عهدهم الدائم بتصحيح
حكم كلّ من حاز السلطة بعد الرسول (صلّى الله عليه وآله)
، وإنْ كان حكم جور من نمط
معاوية .
ـــــــــــــــ
(1) سورة
القصص / 5 .
(2) سورة هود
/ 80 .
(3) الخلافة
، مرجع سابق / 149
.
الصفحة (245)
وأمّا الغريبة حقّاً والتي
تُحار فيها العقول وتحتاج إلى بحث عميق
، فهي أحداث سقيفة بني ساعدة
؛ إذ
لمّا اجتمع
ثلاثة(1) فقط من المهاجرين وبعض الأنصار في السقيفة
، ولمّا يُدفن بعد النبي (صلّى
الله عليه وآله)
، وتقاذفوا الحجج لإثبات أحقيّة
كلّ في الإمارة ، كان مدار الحجج
جميعاً ـ ويا للغرابة
! ـ هو
المنطق القبلي البحت كذلك .
يقول أبو بكر(2) تزكيةً
للمهاجرين : هم أولياؤه وعشيرته .
ويقول عمر : ولنا بذلك
على مَن أبى من العرب الحجّة الظاهرة والسلطان
المبين , مَن ذا يُنازعنا سلطان
مُحمّد
(ص) وإمارته ، ونحن أولياؤه وعشيرته
؟
ويقول الحباب بن
المنذر : يا
معشر الأنصار ، املكوا على أيديكم ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه(3) ، فيُذهبوا
بنصيبكم من هذا
الأمر , فإنْ أبوا عليكم ما سألتموه
، فاجلوهم عن هذه البلاد وتولّوا
عليهم هذه الأمور .
ولمّا كانت الخزرج تطلب تأمير
سعد بن عبادة ، عظم ذلك على نفس الأوس ، فقال بعضهم لبعض ـ طبقاً لرواية الطبري ـ
والله ، لئن ولّيتها الخزرج عليكم مرّة لا زالت لهم عليكم بذلك الفضيلة ، ولا جعلوا لكم
معهم فيها نصيباً أبداً .
فلمّا انتهى
الأمير بتأمير
أبي بكر وبلغ ذلك عليّاً
(ع) , قال قولته الشهيرة : ((
احْتَجُّوا بِالشَّجَرَةِ وَ أَضَاعُوا الثَّمَرَةَ
)) .
فطالما أنّهم احتجّوا بعشيرة النبي (صلّى الله عليه وآله) ، فكان لزاماً عليهم إذاً أنْ
يقودهم منطقهم هذا إلى نهايته ، وهو القلب من هذه العشيرة . ولا يستطيع ممارٍ إنكار
أنّ عليّاً (ع) هو أقرب هذه العشيرة إلى
محمّد (صلّى الله عليه وآله) وأولى الناس به .
ـــــــــــــــ
(1) هم : أبو
بكر وعمر وأبو عبيدة الجراح .
(2) الطبري ،
مرجع سابق 3 / 220 ـ 221 .
(3) يقصد
: عمر
ومَن معه من المهاجرين .
الصفحة (246)
على أنّ هذا الذي ذهب إليه مهاجروا السقيفة
، يُضيف بُعداً آخر في
المسألة ، وهو القرب من النبي (صلّى الله عليه
وآله) كعامل حاسم في تحديد
الإمامة .
ثمّ إنّ أبابكر ذكر في
السقيفة حجّة اُخرى دعماً للمهاجرين في مقابل الأنصار
، بقوله : فهم أوّل مَن عبد الله
في الأرض وآمن بالله وبالرسول
(ص) . وهذا بدوره يطرح بُعداً جديداً آخر
، وهو : الأسبقيّة في
الإيمان .
إلاّ أنّ الحباب بن
المنذر
الأنصاري يردّ على حجج أبي بكر وعمر
، بقوله لقومه الأنصار : فأنتم والله
، أحقّ بهذا
الأمر منهم ؛ فإنّه بأسيافكم دان لهذا الدين مَن دان ممّن
لمْ يكن يُدين . وهذا يعني
: إضافة معيار آخر
، وهو ما يُمكن أنْ يُسمّى بالإسهام القتالي في إقامة الدين .
وإلى هنا ويبدو أنّ
المسألة قد
زاد تعقيدها وتشابكت وتعدّدت أبعادها
, بحيث أصبحت تشكّل مشكلاً حقيقيّاً ليس من
اليسير حلّه .
ولو أنّنا اعتبرنا
كلّ الحجج
السابقة كمعايير حقيقيّة معتمدة فرضاً في تحديد
الإمامة ، ولو أنّنا افترضنا
تساوي الحجيّة بحياد ، فإنّ
المنطق يقودنا حتماً إلى
المعادلة التالية : مَن تتوفّر فيه
كلّ المعايير في
آنٍ معاً ، فهو الأحقّ بالخلافة .
مقاربة رياضيّة :
وما لنا لا نستعين بالعلم
الحديث ، ونلجأ إلى
استخدام الأسلوب الرياضي لفكّ اشتباك
المسألة ، ومحاولة حلّها عن طريق
حصر المعايير ( المتغيّرات )
؟ وترميزها كالتالي :
الصفحة (247)
وطبقاً للمعادلة
المنطقيّة
السابقة ، فإنّ الإمامة هي دالة في هذه
المتغيّرات ، وتصير
الإمامة هي دالة ( د ) في
تقاطع هذه المتغيّرات ، أو بالتعبير الرياضي
المنطقي :
د (1) = ن . ج . ق . ع . س .
ك
ويُرمز لعكس
المتغيّر أو نفيه
بالرمز معلواً بالعلامة ( ـ ) ، أي
: مَن لا يتوفّر فيه النسب
، مثلاً يُرمز له بالرمز
: ـ ن
ـ .
وكي نزيد
الأمر وضوحاً ،
فإنّنا سنستخدم الرسم البياني ، كما هو واضح بالصفحة التالية :
ـــــــــــــــ
(1) تُسمّى هذه
الدالة بدالة (
و)
المنطقيّة ، أو ( LOGICAL AND
)
.
الصفحة (248)
[ الرسم (1) البياني
للمتغيّرات ]
ـــــــــــــــ
(1) يُسمّى هذا
الشكل برسم :
فنّ البياني ( VENN DIAGRAM
)
.
الصفحة (249)
وإذا طبّقنا هذا
المنطق على
الخلفاء الأربع ، وكذلك على معاوية
، فإنّنا سنجد دوالهم على النحو التالي :
( أبو بكر ) = ن . ج . ق ـ . ع
ـ . س . ك ـ
( عمر ) = ن . ج . ق ـ . ع ـ .
س . ك ـ
( عثمان ) = ن . ج . ق ـ . ع .
س . ك ـ
( عليّ ) (ع) = ن. ج . ق . ع . س . ك
ـ
( معاوية ) = ن . ج . ق ـ . ع .
س ـ . ك ـ
وهنا نجد أنّ الدالة الوحيدة
التي تتقاطع فيها
كلّ المتغيّرات المثبتة
، هي دالة عليّ (ع) ، حيث يتوفّر متغيّر النسب لقريش
في الجميع ولا ينتفي بحقّ أحد ، وكذلك
الأمر بالنسبة لمتغيّر الجوار ، بينما تنتفي
القرابة في غير عليّ
(ع) ؛ ذلك أنّ الثبوت والنفي يتعلّقان بالوزن النسبي للمتغيّر
,
وأمّا الشوكة فتنتفي لدى أبي بكر وعمر وبينما تثبت لدى
عثمان وعليّ (ع) ومعاوية
؛ ذلك أنّ
تيم رهط أبي بكر
، وعدي رهط عمر لا يُقارنان بشوكة بني هاشم رهط عليّ
(ع) ، ولا بني
اُميّة رهط عثمان ومعاوية
.
فإذا ما جئت إلى السابقة
، فإنّها تتحقّق في الجميع عدا
معاوية ، وأمّا الإسهام القتالي
، فإنّه يقتصر بلا مراء على عليّ
(ع) ، ذلك أنّه فارس
المشاهد كلّها ، فهو قاتل الوليد بن عتبة ومشارك حمزة في قتل أبيه عتبة يوم بدر ، وهو فاتح
خيبر يوم عجز الجميع عنها وفيهم أبوبكر وعمر ، وهو قاتل صنديد العرب عمرو بن ودّ يوم
الخندق حين تراجع الجميع عن مبارزته
، وفي ظروف بلغ من شدّتها على النفوس أنّ وصّفها
الله تعالى بقوله : ( إِذْ
جَآءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ
وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنّونَ بِاللّهِ الظّنُونَا
* هُنَالِكَ
ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً
)(1)
. وهو مَن قال فيه
ـــــــــــــــ
(1) سورة
الأحزاب / 10 ـ
11 .
الصفحة (250)
رسول الله (صلّى الله عليه
وآله) يوم اُحد :
(( لا فتى إلاّ عليّ ، ولا سيف إلاّ ذو الفقار
)) . وهو اليوم الذي فرّ فيه
الكثير ومنهم
عثمان ، وهو ما حدث من بعد يوم حنين . ولمْ يُعلم لأيّ من الآخرين إسهام
يُقارن بمثل ما لعليّ
(ع) بحال .
إذاً تثبت
الإمامة في حقّ عليّ
(ع) وحده إنْ بمنطق
المهاجرين ، وإنْ بمنطق الأنصار .
على أنّ هناك رأياً آخر يُورده
باحث معاصر(1) في معرض تعليقه على نظريّة ابن خلدون ، إذ يعتبر أنّ البديل
الحقيقي
للعصبيّة القبليّة
ـ حال النظر إليها على أنّها مانعة من
المزاحمة ، وبالتالي باعثة على
اجتماع الكلمة ـ هو الإرادة
العامّة للاُمّة الممثّلة في الانتخاب
، كما هو معروف
بالمفهوم المعاصر . ونحن إذا سلكنا ذات الطريق وطبّقنا ذات
المفهوم ، نجده كذلك يُؤدّي
بنا إلى ذات النتيجة .
فعليّ بن أبي طالب
(ع) وحده الذي
نُصّب للإمامة بالانتخاب على طول حياة هذه
الاُمّة ، منذ وفاة النبي (صلّى الله عليه
وآله) ، وحتّى انتهاء الخلافة الاسميّة العثمانيّة في العصر الحديث .
فتولية أبي بكر كانت ـ كما
وصّفها عمر ـ فلتة ، بل إنّ عمر ذاته حثّ الناس على قتل مَن يعود
لمثلها ، وتولية عمر
إنّما كانت باستخلاف أبي بكر له ، وتولية
عثمان كانت تعبيراً عن موازين القوى التي
استقرّت في عهد عمر ، وبلورها بنفسه في هيئة الستّة
المنوط بها عمليّة الاستخلاف ،
والنّاس في كلّ الأحوال بعيدون واقعاً عن الاختيار
، إلاّ أنْ يُباركوا ما تمّ حسم اختياره
سلفاً , وأمّا عليّ
(ع) ، فهو الوحيد الذي اُنتخب من
العامّة بإرادتهم بلا وصاية من أحد
، عقب
الثورة بعثمان .
ـــــــــــــــ
(1) ضياء
الريّس , النظريّات السياسيّة
الإسلاميّة ، مرجع سابق / 303 .
|