الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة (201)

ويقول سيّد قطب(1) : لا جرم إذاً يكون الترف سبب الهلاك على مدى التاريخ .

ثمّ إنّ الترف في جانب يعني بالضرورة عوزاً وحاجة في جانب آخر ، فتكون النتيجة المحتومة في كلّ الأحوال حقداً في جانب العوز ، واستعلاء واستكباراً في جانب الترف ، بما يُؤدّي في النهاية إلى الطبقات المتصارعة والمجتمعات القلقة المضطربة ، وما يصاحبها من أمراض اجتماعية ، ينشأ بعضها عن اضطرار الجانب المحتاج كيما يسدّ ضروراته إلى الإذغان لشهوات ، وأهواء الجانب المترف بما تضيع معه الأخلاق وتشيع به الفاحشة ، وينشأ بعضها الآخر عن اضطرار المحتاجين إلى التزلّف ، وتملّق المترفين فيسود النفاق ، وفي كلّ الأحوال يسلب الإنسان إرادته الحرّة .

وهاهُنا نستعيد حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عن عليّ بن أبي طالب(2) : (( إنّ الله فرض على أغنياء المسلمين في أموالهم بقدر الذي يسع فقراءهم ، ولن يجهد الفقراء إذا جاعوا أو عروا إلاّ بما يصنع أغنياؤهم ، ألاَ وإنّ الله يُحاسبهم حساباً شديداًَ ، ويُعذّبهم عذاباً أليماً )) .

ويلّح علينا هنا بشدّة ذكر أبي ذر ، لما رأى من ترف بني اُميّة وحاشية عثمان وتراكم ثرواتهم ، أو كما قال سيّد قطب(3) : قام أبو ذر ينكر على المترفين ترفهم الذي لا يعرفه الإسلام ، وينكر على معاوية واُميّة خاصّة سياستهم التي تقرّ هذا الترف ، وينكر على عثمان نفسه أنْ يهب من بيت المال المئات والألوف ، فيزيد في ثراء المثرين وترف المترفين .

ـــــــــــــــ

(1) العدالة الاجتماعيّة ، مرجع سابق / 147 .

(2) ذكره ابن حزم في المحلّى ، مرجع سابق 6 / 158 .

(3) العدالة الاجتماعيّة ، مرجع سابق / 236 .


الصفحة (202)

قام أبو ذر ليقول : اتّخذتم ستور الحرير ونضائد الديباج ، وتألّمتم الاضطجاع على الصوف الأذري ، وكان رسول الله (ص) ينام على الحصير ، واختلف عليكم بألوان الطعام ، وكان رسول الله (ص) لا يشبع من خبز الشعير .

وكما أنّ معظّم النار من مستصغر الشرر ، فكذلك كانت الفتنة التي تعرّض لها المسلمون ، وهم بعد في مستهلّ عهد الإسلام . ولو أنّ صيحة أبي ذر ، أصاخ القوم لها منذ البداية ، لما أدّت إلى ما آلَ إليه حال المسلمين من بعد .

لقد كمنت بذرة الفتنة الأولى في عهد عمر ، لمّا لمْ يقسم العطاء بالسويّة بالمخالفة لسيرة أبي بكر , فلمّا استشرى الأمر ، تنبّه إليه عمر آخر عهده حتّى قال : لو استقبلت من أمري ما استدبرت ، لأخذت فضول أموال الأغنياء فرددتها على الفقراء .

ثمّ زاد الأمر خطورةً بإيثار عثمان للبعض ـ وعلى الأخصّ بني اُميّة ـ بالصلات والعطايا , ثمّ استفحل الأمر بإباحة عثمان استبدال الأرض المفتوحة بأرض الجزيرة ، ممّا نشأت معه الملكيّة الكبيرة وما استتبعها من طبقات ، وما لازمها من آثار اجتماعيّة وخيمة .

فلما جاء عليّ (ع) ، أراد العودة إلى التسويّة ، فأبى المستنفعون ، وكانت الطامّة .

يقول عليّ (ع) مبيّناً مبدأه في تسوية العطاء : (( ألاَ وأيّما رجلٍ من المهاجرين والأنصار من أصحاب رسول الله (ص) يرى أنّ الفضل له على سواه بصحبته ، فإنّ الفضل غداً عند الله ، وثوابه وأجره على الله . ألاَ وأيّما رجلٍ استجاب لله ولرسوله ، فصدّق ملّتنا ، ودخل ديننا ، واستقبل قبلتنا ، فقد استوجب حقوق الإسلام وحدوده . فأنتم عباد الله ، والمال مال الله ، يُقسّم بينكم بالسويّة , ولا فضل فيه لأحد على أحد , وللمتّقين عند الله أحسن الجزاء )) .


الصفحة (203)

إلاّ أنّ الطبقة المترفة الثريّة التي نشأت في عهد عمر ، ثمّ تمكّنت في عهد عثمان ، لم يكن مُمكناً لعليّ (ع) تصفيّة امتيازاتها بعد أنْ أدركت حدّ التمكن القادر على مناوأة الإمام (ع) .

يقول عليّ (ع) في خطبة البيعة : (( ألاَ إنّ كلّ قطيعة أقطعها عثمان ، وكلّ مال أعطاه من مال الله ، فهو مردود في بيت المال .

فإنّ الحقّ لا يبطله شيء ، ولو وجدته قد تزوج به النساء وملك الإماء ، وفُرّق في البلدان لرددته , فإنّ في العدل سعة ، ومن ضاق عليه الحقّ فالجور عليه أضيق )) .

وإلى هذه الطبقة المترفة ترجع أسباب انهيار دولة الإسلام ، ولمّا تتمكّن بعد من تثبيت قوائمها في الواقع .

ويعقد طه حسين مقارنة بين النظامين الروماني والإسلامي ، فيذهب إلى اشتراكهما في سبب انهيارهما الذي يرجع إلى تلك الطبقة المترفة القليلة العدد الكثيرة الموارد ، فيقول(1) : ويحدث في أوّل صدر الإسلام ما حدث في آخر الجمهوريّة الرومانيّة من هذه ( للاتيفونديا ) التي أضاعت الجمهوريّة . فاللاتيفونديا التي أضاعت الجمهوريّة الرومانيّة هي بعينها التي أضاعت الخلافة الإسلاميّة .

نحن في الواقع بإزاء نتائج على درجة بالغة الخطورة ـ وهي تؤكّد صحّة فرضنا الأوّل ـ رصدها كلّ من سيّد قطب وطه حسين على اختلاف موقعيهما ، ولا غرو فالحقيقة واحدة عند النصف ، وإنْ بدا أنّ توصيف الأحداث لدى سيّد قطب أكثر تحديداً ودقّة منه لدى طه حسين .

ـــــــــــــــ

(1) الخلفاء الراشدون ، مرجع سابق / 304 .


الصفحة (204)

فقد حدث انهيار الدولة الإسلاميّة بتعبير سيّد قطب , وضاعت الخلافة الإسلاميّة بتعبير طه حسين .

وحدث ذلك تحديداً ـ عند سيّد قطب بسبب الطبقة المترفة صاحبة الامتيازات ـ عندما : لم يكن ممكنناً لعليّ (ع) تصفية امتيازاتها ، بعد أنْ أدركت حدّ التمكن القادر على مناوأة الإمام (ع) ، وحدث ذلك عند طه حسين : في أوّل صدر الإسلام .

وإذا تذكّرنا أنّ عليّاً (ع) قُتل عام ( 40 هـ ) ، فذلك إذاً هو كلّ عمر الدولة الإسلاميّة في التاريخ ، فيما حفل ذلك العمر القصير بعوامل الهبوط عقيب وفاة الرسول (ص) ، إلى أنْ كان الانهيار بمقتل عليّ (ع) . وتلك الفترة المتناهيّة الصغر ـ بمقياس عمّار الاُمم ـ لم تترّسخ معها تقاليد عمليّة تعكس الرسالة في كمالها النظري .

وبذلك فإنّ الدولة الإسلاميّة القصيرة العمر ـ وهذا لا ينفي تزايد المسلمين كأفراد على المستوى العقيدي والشعائري ـ قد أحاط بها جاهليتان : جاهلية قبليّة حلّ محلّها الإسلام , وجاهليّة بعديّة أحلّت نفسها محلّ الدولة الإسلاميّة ، وهي جاهليّة ممتدّة لمْ تزل تولي معاوية . ومن هنا كان من أظلم الظلم للإسلام ، وصفّ العهود اللاّحقة منذ بني اُميّة بـ ( الإسلاميّة ) .

انهارت إذاً دولة الإسلام ، ولكن يشوب هذا الانهيار غموض غريب ، فقد جاء سريعاً قريباً بما لمْ يعهد في الثورات الكبرى على مدى التاريخ ، فقد حدث ذلك ـ كما ألمح طه حسين ـ في صدر الإسلام ، بينما لمْ يحدث مثيله إلاّ في آخر الجمهوريّة الرومانيّة . ونجد مثل ذلك في العصور القريبة ، ففي الثورة الفرنسيّة ـ مثلاً ـ كان ترف طبقة النبلاء ـ في تواكبه مع فساد علية الأكليروس ـ الأثر البالغ في القضاء على الملكيّة الإقطاعيّة ، ولكنّها كانت


الصفحة (205)

قد سادت قروناً ، فيما يرصده أحد باحثي هذه الثورة بقوله(1) : تحوي طبقة نبلاء البلاط النبلاء المقيمين في البلاط وهم حوالي ( 4000 ) , يعيشون في فرساي حول الملك ، ويحيون حياة بذخ وترف . وكانت طبقة النبلاء العليا مصابة بالخراب في قسم كبير منها ، يساعدها صافي مداخليها على المحافظة على مرتبتها , فالعديد من الخدم الذين يُحيطون أنفسهم بهم ، وترف اللباس واللعب والاستقبالات ، والأعياد والحفلات والصيد ، كلّ ذلك يتطلّب مزيداً من المال .

نحن في حاجة إلى فهم أعمق ، أو إعادة ترتيب الأحداث وبحث علاقتها ودلالاتها بما يفسّر قصر العمر غير المعهود للدولة الإسلاميّة ، وهو ما حاولناه من قبل ونزيده معالجة لاحقاً إنْ شاء الله . وحتّى ذلك الحين تعالَوا نلقِ مزيداً من الضوء على ممارسات تلك الطبقة ، التي أودت بحياة دولة الإسلام في مهدها .

يقول طه حسين(2) : وما هي إلاّ أنت تنشأ في الحجاز ، في مكّة والمدينة والطائف طبقة من هذه الأرستقراطيّة الفارغة التي لا تعمل شيئاً ، وإنّما يعمل لها ما جلبت من الرقيق ، والتي تنفق وقتها في فنون اللهو والعبث والمجون . فكان الترف والتبطل ، وكان الفنون التي تنشأ عن الترف والتبطل ، فكان الغناء والإيقاع والرقص والشعر الذي لا يصوّر جداً ولا نشاطاً ، وإنّما يصوّر بطالة وفراغاً وتهالكاً من أجل ذلك على اللذة ، أو عكوفاً من أجل ذلك على النفس وتعمقاً لمَا ينتابها من همّ .

ـــــــــــــــ

(1) ألبير سوبول ، تاريخ الثورة الفرنسيّة / 21 ، ترجمة جورج كوس ـ بيروت , دار منشورات عويدات / عام 1982 .

(2) الخلفاء الراشدون ، مرجع سابق / 300 .


الصفحة (206)

وربما كانت بداية سفور آثار الترف من لهو وتبطل بالمدينة ، حاضرة الخلافة وفي عهد عثمان , فقد أخرج ابن عساكر فيما أورده السيوطي(1) :  أوّل منكر ظهر بالمدينة حين فاضت الدنيا وانتهى سمن الناس : طيران الحمام ، والرمي على الجاهقات .

وفي عهد عثمان كذلك ظهر التغنّي بالميوعة والتخنّث على يد طويس , فيذكر الأصفهاني(2) : أوّل مَن غنّى بالعربي بالمدينة طويس ، وهو أوّل مَن ألقى الخنث بها . فكان طويس هذا رائد هذه المدرسة ، ومعه سائب خاثر وتلامذته : معبد وجميلة وعزة الميلاء .

فلمّا انتهت الخلافة إلى بني اُميّة شاع اللهو والعبث ؛ وذلك لسببين : فأمّا أوّلهما فكان انغماس الطبقة الحاكمة في الملذّات والرغبة في الاستزادة من المتع ، فكان أنْ انتقل ذلك بالمحاكاة إلى العامّة , وأمّا ثانيهما فكان سياسيّاً وهو إشغال القوم باللّهو عن الحكم وممارساته .

وهكذا شاع التشبيب بالنساء ، وعاد وصف الخمر شعراً وذكر محاسنه وحالات السكارى . وتوافق مع كلّ ذلك نوع آخر من اللّهو يتواجد بتواجد الفراغ والثراء والترف ، وهو : اتّخاذ المترفين مضحكين ، مثل : أشعب مضحك المدينة(3) .

ويصف جورجي زيدان هذا العصر بقوله(4) : فلمّا أفضت الدولة إلى بني

ـــــــــــــــ

(1) تاريخ الخلفاء ، مرجع سابق / 165 . انتهى سمن الناس : أثروا . الجلاهقات : البندق يُرمى به الطير .

(2) الأغاني ، مرجع سابق 3 / 28 .

(3) د . شوقي ضيف ، الشعر والغناء في المدينة ومكّة لعصر بني اُميّة ، مرجع سابق / 36 .

(4) تاريخ آداب اللغة العربيّة ، مرجع سابق 1 / 234 .


الصفحة (207)

اُميّة , وقد انتقلت عاصمتها من المدينة إلى دمشق ، وكثر الاختلاط بالأعاجم ، وأخذ العرب بأسباب الحضارة ، وذهبت هيبة العفّة من نفوسهم ، وانقضت شدّة الخلفاء الراشدين في المحافظة عليها ، هان عليهم التشبيب ، فأكثروا منه ولا سيّما في المدينة ؛ لأنّ أهلها أغرقهم معاوية بالعطايا والرواتب ، ليشغلهم باللّهو عن طلب الملك .

ولتقف على مدى ما بلغه الحال على عهد معاوية ، اقرأ أخبار الطبقة الأولى من بني اُميّة وحلفائهم ، تجدهم غارقين في اللّهو والخمر حتّى الثمّالة . تُحدّثنا الأخبار أنّ مجالس الخمر كانت لا تنقطع بين عبد الرحمن بن سيحان بن أرطأة ـ أحد المقرّبين إلى معاوية المخلصين ، والوالغ في دماء المسلمين بغير حدّ لتثبيت ملك معاوية ـ والوليد بن عتبة بن أبي سفيان ، والوليد بن عثمان بن عفّان ويزيد بن معاوية .

ولمْ يكن معاوية يشغل نفسه ـ وهو يعلم بما يفعل أولئك النفر ـ بإقامة حدود الله ، وإنّما كان شغله المحافظة على المظهر العام لبني اُميّة وحلفائهم , حتّى إنّه أقدم على إبطال حدّ الخمر على حليفه ابن أرطأة .

يروي الأصفهاني(1) : كان عبد الرحمن بن سيحان بن أرطاه غاظ مروان بن الحكم ، أيّام كان معاوية يُعاقب بينه وبين سعيد بن العاص في ولاية الحرمينِ ، وأنكر عليه أشياء بلغته فغاظته من مدحه سعيداً وانقطاعه إليه وسروره بولايته ، فرصده حتّى وجده خارجاً من دار الوليد بن عثمان وهو سكران ، فضربه الحدّ ثمانين سوطاً . وقدم البريد من المدينة على معاوية ، فسأله عن أخبار الناس فجعل يُخبره بها ، حتّى انتهى به الحديث

ـــــــــــــــ

(1) الأغاني ، مرجع سابق 2 / 241 .


الصفحة (208)

إلى ابن سيحان فاخبره : أنّ مروان ضربه الحدّ ثمانين ، فغضب معاوية ، وقال : والله ، لو كان حليف أبي العاص لما ضربه ، ولكنّه ضربه لأنّه حليف حرب ، أليس هو القائل :

وإني امرؤ حلف إلى أفضل الورى      عديداً إذا ارفضت عصا المتحلف

كذب والله مروان ، لا يضربه في نبيذ أهل المدينة وشكّهم وحمقهم . ثمّ قال لكاتبه : اُكتب إلى مروان : فليبطلْ الحدّ عن ابن سيحان ، وليخطب بذلك على المنبر ، وليقلْ : إنّه ضربه على شبهة ، ثمّ بان له أنّه لمْ يشرب مُسكراً ، وليعطه ألفي درهم .

فلمّا ورد الكتاب على مروان عظم ذلك عليه ، ودعا بابنه عبد الملك فقرأه عليه وشاوره فيه , فقال له عبد الملك : راجعه ولا تكذب نفسك ، ولا تبطل حكمك . فقال مروان : أنا أعلم بمعاوية إذا عزم على شيء أراده ، لا والله ، لا أراجعه . فلمّا كان يوم الجمعة وفرغ من الخطبة ، قال : وابن سيحان فإنّا كشفنا أمره ، فإذا هو لمْ يشرب مُسكراً ، وإذا نحن قد عجلنا عليه ، وقد أبطلت الحدّ . ثمّ نزل فأرسل إليه بألفي درهم .

وهكذا تجتمع الموبقات معاً ، ففسوق وعصيان ، وإبطال للحدود وائتمار بالباطل ، وإنفاق لمال المسلمين بغير حقّ .

أرأيت معاوية يكتمل مجلسه(1) ، فيسري عن نفسه بطلب إنشاده ثلاثة أبيات لرجل من العرب ، كلّ بيت قائم بمعناه ، فيشترط أحدهم إعطاءه ثلاثمئة ألف ، فلمّا أنشده أعطاه ما طلب .

ـــــــــــــــ

(1) السيوطي ، تاريخ الخلفاء ، مرجع سابق : 202 .


الصفحة (209)

ومعاوية(1) هذا الذي يُعطي مئات الألوف للتلهّي ، هو ذاته الذي يطلب ـ كما أسلفنا بيانه ـ من عامله على خراج مصر ، أنْ يزيد الجباية من قبط مصر خلافاً لعهدهم .

ومن قبل رأينا عثمان بن عفّان في خلافته يُعطي من بيت المال زوج ابنته ، الحارث بن الحكم يوم عرسه مئتي ألف درهمٍ ، فلمّا راجعه زيد بن أرقم خازن المال ، قال له عثمان : ألقِ بالمفاتيح يابن أرقم ، فإنّا سنجد غيرك .

وفي هذا يقول سيّد قطب : غير أنّه منذ اُميّة انساحت حدود بيت مال المسلمين ، فصار نهباً مباحاً للملوك والحاشية والمتملّقين ، وتخلخلت قواعد العدل الإسلامي الصارم ، فأصبح للطبقة الحاكمة امتيازات ، ولأذيالها منافع ولحاشيّتها رسوم ، وانقلبت الخلافة ملكاً ، وملكاً عضوضاً(2) .

وهنا يثب إلى ذاكرتنا ـ بالرغم منّا ـ قول عقيل لأخيه عليّ (ع) الخليفة : إنّي محتاج وإنّي فقير فأعطني . فيردّ الإمام (ع) : (( اصبر حتّى يخرج عطائي مع المسلمين ، فأعطيك معهم )) .

على أنّ معاوية وعُصبته لمْ يعدموا على مدى التاريخ المعذّرين لهم والمبرّرين لأفعالهم ، إلاّ أنّنا لا نجد تفنيداً لمزاعمهم من ردّ أيسر من قول واحد من بني اُميّة أنفسهم ، ولكنّه ثاب إلى الحقّ ولاذ بالعدل ، وهو عمر بن عبد العزيز الذي قال(3) : أمّا بعد ، فإنّ هؤلاء القوم قد كانوا أعطونا عطايا ما كان ينبغي لنا أنْ نأخذها ، وما كان ينبغي لهم أنْ يعطوناها ، وإنّ

ـــــــــــــــ

(1) أورد السيوطي في المرجع السابق : أنّ معاوية أوّل مَن اتّخذ الخصيان لخاصّ خدمته .

(2) العدالة الاجتماعيّة ، مرجع سابق / 221 .

(3) المرجع السابق / 223 .


الصفحة (210)

ذلك قد صار إليّ ، وليس عليّ فيه دون الله مُحاسب ، ألاَ وإنّي قد رددتها ، وبدأت بنفسي وأهل بيتي .

فهل ما فعله عمر كان اجتهاداً خاصّاً منه يتزهّد به ـ مثلما يحلو لفقهاء السلاطين تسويفه ـ غير ملزم لغيره ؟ أمْ أنّه عرفه واجباً يلزم معه الخروج من كلّ باطل دخل فيه ؟

أسئلة مشكلة :

تحدّثنا الأخبار أنّ عثمان بن عفّان أرسل ابن عمّه الحارث بن الحكم مصدّقاً على قضاعة ، فلمّا جاء بصدقاتهم وهبها له . ويعلّق طه حسين على ذلك بقوله(1) : وإذا أطلق الإمام يده في الأموال العامّة وأطلق العمّال أيديهم فيها على هذا النحو ، لمْ يكن غريباً أنْ تمتدّ هذه الأيدي إلى أموال الصدقة ، لا للإنفاق على الحرب ، بل للعطاء وصلة الرحم .

والسؤال هنا : هبْ أنّ قضاعة بعدما سمعت بذلك ، امتنعت عن أداء صدقاتها للخليفة ، متعلّلين بأنّهم لا يُؤدّونها ليهبها الخليفة لابن عمّه ، وإنّما يُؤدّونها لتُصرف في مصارفه الشرعيّة ، فماذا كان الخليفة فاعلاً ؟

والجواب معروف : ستُقاتل قضاعة لامتناعها عن أداء الزكاة محكوماً عليهم بالردّة ، ولهم في حرب الردّة منهم مثل . هذا الموقف كان يُمكن أنْ يحدث أيضاً مع ملوك بني اُميّة ، في اغترافهم من أموال المسلمين وإسرافهم في غير حقّ .

وهنا يتولّد سؤال آخر : هل يجوز دفع الزكاة إلى السلطان الجائر ؟

ـــــــــــــــ

(1) الخلفاء الراشدون ، مرجع سابق / 389 .


الصفحة (211)

يذهب الفقهاء(1) إلى أنّ ابن السبيل المسافر في معصيّة لا يُعطى من أموال الزكاة حتّى يتوب ، وكذلك الغارم في معصيّة ، فكيف إذاً تُعطى الزكاة أساساً لحاكم لا ينفقها في مصرفها أصلاً ؟

على أنّه يبدو هاهنا للباحث المُنصف ألاّ مناص من طرح مزيد من الأسئلة ، لمّا كشف التاريخ عن وقائع مماثلة وقعت في البدايات الأولى للخلافة ، ونخصّ بالذكر هنا حادثين بعينيهما ، فقد رُوي : أنّ أبا سفيان كان قد بعثه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مصدّقاً , فلمّا جاء عقيب وفاة الرسول إلى المدينة ، قال : إنّي لأرى عجاجة لا يطفئها إلاّ الدم .

 فكلّم عمر أبا بكر ، فقال : إنّ أبا سفيان قد قدم ، وإنّا لا نأمن شرّه ، فدع له ما في يده فتركه فرضي(2) .

وخبر ثانٍ يرويه الطبري(3) فيما يروي عن حرب الردّة ، إذ خرج الزبرقان والأقرع إلى أبي بكر ، وقالا : اجعل لنا خراج البحرين ، ونضمن لك ألاّ يرجع من قومنا أحد . ففعل وكتب الكتاب .

وللسائل هنا أنْ يسأل : ففيمَ إذاً كانت حروب الردّة ، وعنوانها الامتناع عن أداء الزكاة ؟

فهل يُحارب على الزكاة لتُبذل أو ليُبذل بعضها للرؤوس ذوات الخطر على السلطان ؟ ومن أيّ باب يُمكن تخريج هذا الفعل شرعيّاً ؟ فإنْ لمْ يكن ، فهل هو العمل بالسياسة ؟ إذاً فلتُسمَّ الأشياء بأسمائها .

ـــــــــــــــ

(1) القرضاوي ، فقه الزكاة ، مرجع سابق 2 /840 .

(2) نهج البلاغة ، شرح ابن أبي الحديد 2 / 44 ، ط 2 ـ القاهرة ـ  دار إحياء الكتب العربيّة / 1965 م .

(3) مرجع سابق 3 / 275 .


الصفحة (212)

ومعلوم أنّ كُتب التاريخ لمْ تحدّد أبداً قبيلةً امتنعت عن أداء الزكاة إنكاراً للفريضة(1) ، ولكن مَن امتنع عن أدائها لأبي بكر ، ومنهم مَن أدّى به اجتهاده إلى إنفاقها في محلّها ، أي : في مُحيط القبيلة ، وهو الأصل قبل أنْ ينقل فائضها ، إنْ بقيَ فائض .

ومعلوم كذلك أنّ المرتدّين لمْ يستحدثوا على عهد أبي بكر ، فقد كانوا مثل : مسيلمة والأسود على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .

ولكنّه معلوم أيضاً أنّ البعض ـ مع اختلاف مبرّراتهم ـ لمْ يرتضِ ابتداءً بخلافة أبي بكر ، فأبو سفيان كان يقول : ففيمَ تيم وعدي من هذا الأمر ؟ وبعض الصحابة ، كالزبير وغيره امتنع عن مبايعته رفضاً لأسلوب استخلافه ، وسعد بن عبادة ومعه رهطه من الأنصار ، رأى أنّه الحقّ بها من المهاجرين وعليّ (ع) فيه النصّ . وعلى أيّة حال فذلك مجال حديث لاحق إنْ شاء الله .

* * *

5 ـ التلبيس والتشبيه :

قد علم من أمر معاوية وبني اُميّة ، أنّ تلك كانت خُطّتهم في التسيد والسلطان بما دلّلنا عليه من قبل من إلباسهم الحقّ بالباطل ، وتحريفهم للكلم عن مواضعه ، وخلطهم لكلّ مسألة بحيث تجعل المُوقن مرتاباً ، والمطمئنّ مُضطرباً ، والراشد حيراناً ، وهم في كلّ ذلك يرفعون رايةً ظاهرها حقّ تبطن باطلاً . فإذا ما أعيتهم الحيل ، ولمْ تسعفهم التآويل لجأوا إلى السفور والجهر بغير خشية أو تحرّج .

ـــــــــــــــ

(1) راجع : محمّد رضا المظفر ، السقيفة ـ بيروت ـ دار الصفوة / 1992 م ، وكذلك د . أحمد صبحي منصور ، حدّ الردّة ـ القاهرة ـ  طيبة للدراسات والنشر /  1993 م .


الصفحة (213)

ألمْ يرفع معاوية قميص عثمان ، يهيج به الناس بالشام ، وهو مَن خذله وأبطأ به ولمْ ينصره ؟! ألمْ يتأوّل معاوية بهواه حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في عمّار بن ياسر : (( ويحك تقتلك الفئة الباغية ! )) . فيقول معاوية ـ إذهالاً للناس ـ : إنّما قتله مَن جاؤوا به .

وفي ذلك يروي ابن كثير(1) : فخرج الناس من عند فساطيطهم وأخبيّتهم ، وهم يقولون : إنّما قَتل عمّاراً مَن جاء به .

ألم يقتل معاوية الصحابي حجر بن عدي الملقب بـ ( حجر الخير ) وصحبه ، وقد أتى بشهادة ضلالة على كفره ؟

ألمْ تتّفتق أذهانهم في حرب صفّين عن خدعة التحكيم ، فبعث معاوية إلى عليّ (ع) بكتابه الذي جاء فيه قول الله تعالى : ( أَلَمْ تَرَ إَلَى الذينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى‏ كِتَابِ اللّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثمّ يَتَوَلّى‏ فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُم مُعْرِضُونَ)(2) .

وبينما يرفعان راية الكتاب يضمر معاوية وعمرو بن العاص أمراً آخر يظهر من قول عمرو(3) : إنّي قد رأيت أمراً لا يزيدنا هذه الساعة إلاّ اجتماعاً ، ولا يزيدهم إلاّ فرقة .

ولمْ يتحرّج معاوية وصحبه من إذاعة كلام كذب بين جنده الشاميين ، تحريضاً لهم على قتال عليّ (ع) بإيهامهم أنّهم إنّما يُقاتلون على الدين . وليس أدلّ على ذلك من قصّة الشاب الشامي الذي خرج أثناء القتال بصفّين قائلاً :

أنا ابن أرباب الملوك غسان      والـدائن اليوم بدين iiعثمان
نـبأنا قـراؤنا بـما iiكـان      أن  عـلياً قـتل ابن iiعفّان

ـــــــــــــــ

(1) البداية والنهاية ، مرجع سابق 7 / 281 .

(2) سورة آل عمران / 23 .

(3) المرجع السابق / 283 .


الصفحة (214)

فلمّا راجعه أصحاب عليّ (ع) وذكّروه بالله ، قال : فإنّي أقاتلكم ؛ لأنّ صاحبكم لا يُصلّي وأنتم لا تُصلّون ، وأنّ صاحبكم قتل خليفتنا ، وأنتم ساعدتموه على قتله . فأجابوه بقولهم : إنّ صاحبنا أوّل مَن صلّى ، وهل يقتل عثمان أصحاب رسول الله (ص) ، وما زالوا به مراجعين حتّى رجع وتاب(1) .

إنّ هذه القصّة ـ فضلاً عمّا تدلّنا عليه من قوّة ونفاذ وتضليل الجهاز الإعلامي الاُموي ـ تدلّنا على مدى جهل الشاميّين بحقيقة عليّ (ع) ، وجهلهم بحقيقة القضيّة التي يساقون من أجلها للحرب .

وربّما يفسّر ذلك بأنّ عرب سوريا لمْ يكونوا في جملتهم من النازحين ، وإنّما كانوا من المستقرّين بها منذ أمد بعيد , وكان أمراؤهم من آل جفنة خاضعين للحكم الروماني(2) ، فألفوا الخضوع المُطلق لنظام الدولة .

ثمّ إنّ معاوية مكّن لنفسه في الشام ـ على نهج أباطرة الروم ـ طيلة عشرين عاماً قضاها أميراً عليها قبل ادّعائه الخلافة , وهو قد تزوّج ميسون الكلبيّة ـ اُمّ ولده يزيد ـ من أقوى القبائل اليمانيّة بسوريا ليضمن ولاءهم .

وهكذا اجتمع في الشاميّين طول العهد بالخضوع للنظام الحاكم ، وهي حالة متكرّرة على مدار التاريخ الإنساني لدى كثير من الاُمم المحكومة بنظام استبدادي يسلب الشعب إرادته ويستنيمه ، ويُوهمه بالوصاية الأبويّة عليه ، مع عزلهم عن المعلومات الصحيحة وإيصاد أبواب مصادرها ، وتزييف المقالات لهم , أرأيت ذا الكلاع يسمع دهشاً بحديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لعمّار : (( تقتلك الفئة الباغية )) . ثمّ يُقتل ، فيقول فيه عمرو بن العاص لمعاوية(3) : ما أدري بقتل

ـــــــــــــــ

(1) ابن الأثير ، الكامل ، مرجع سابق 3 / 190 .

(2) بروكلمان ، تاريخ الشعوب الإسلاميّة ، مرجع سابق / 123 .

(3) ابن الأثير ، مرجع سابق 3 / 188 .


الصفحة (215)

أيّهما أنا أشدّ فرحاً ، بقتل عمّار أو بقتل ذي الكلاع ؟ والله ، لو بقيَ ذو الكلاع بعد قتل عمّار لمال بعامّة أهل الشام إلى عليّ (ع) .

وزاد على الشاميّين من خصالهم قتالهم حميّة ، حميّة الجاهليّة ، فترى هاشم بن عتبة الزهري ، أحد قادة عليّ (ع) في صفّين ـ يقول لأصحابه(1) : لا يُهولنّكم ما ترون من صبرهم ، فوالله ، ما ترون فيهم إلاّ حميّة العرب ، وصبراً تحت راياتها وعند مراكزها ، وإنّهم لعلى الضلال وإنّكم لعلى الحقّ .

اجتمع كلّ ذلك في عامّة أهل الشام ، وليس في قيادتهم ، فإنّما لهذه القيادة شأن آخر بيّناه من قبل بخروجهم من حكم البغي إلى حكم الحرابة , وبذلك يُمكن فهم وصف هذه الفئة بجملتها بالباغية من باب : إطلاق الصفة الغالبة في أكثريّتهم على جميعهم .

على أنّه إذا كانت هناك فئة على الحقّ ، وفئة اُخرى باغية ، فما بال بعض الصحابة يمتنعون عن هذه وتلك ؟

لقد رأينا عليّاً (ع) في يقينه ثابتاً لا يتزعزع ، لا يريبه مَن عاداه في الحقّ كائناً مَن كان ، ولا يفتّ في عضده مَن خذله ، ولا يرهقه طول أمد الباطل ، ولا يحبطه علوّ المبطلين , استمع إليه وهو يقول لابنه صاحب رايته والقلوب واجفة في مستهل المعركة : (( تَزُولُ الْجِبَالُ وَ لَا تَزُلْ ))(2) .

وبلغ من يقين عمّار بن ياسر في تصديه لمعاوية أنّ قال(3) : اللهمّ ، إنّك تعلم أنّي لو أعلم أنّ رضاك في أنْ أقذفَ بنفسي في هذا البحر لفعلته ، اللهمّ ، إنّك تعلم أنّي لو أعلم أنّ رضاك في أنْ أضع ظبّة سيفي في صدري ، ثمّ أنحني عليها حتّى

ـــــــــــــــ

(1) الطبري ، مرجع سابق 5 / 43 .

(2) نهج البلاغة ، مرجع سابق / 98 .

(3) الطبري ، مرجع سابق 5 / 38 .


الصفحة (216)

تخرج من ظهري لفعلت . وإنّي لا أعلم اليوم عملاً هو أرضى لك من جهاد هؤلاء الفاسقين ، ولو أعلم أنْ عملاً من الأعمال هو أرضى لك منه لفعلته .

ويقول كذلك : والله ، إنّي لأرى قوماً ليضربنّكم ضرباً يرتاب منه المبطلون ، أيمْ الله ، لو ضربونا حتّى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمنا أنا على الحقّ ، وأنّهم على الباطل .

فهذا يقين عمّار بن ياسر ومعه في جيش عليّ (ع) ـ كما روى ابن كثير(1) ـ ثمانون بدريّاً ، ومئة وخمسون ممّن بايع تحت الشجرة .

في هذا الوقت الفصل ، وتلك السويعات الحاسمة التي يتحدّد فيها مصير الحقّ لا ينتظر فيها الدعوة للنصرة ، خاصّة ممّن يفترض فيهم الإحاطة والمعرفة ، ولكن يتوقّع أنْ يندب كلّ نفسه وإلاّ وقع في إثم السكوت عن الظلم , ومع هذا نجد قعود بعض هؤلاء ، مثل : سعد بن أبي وقّاص ومحمّد بن مسلمة ، وأسامة بن زيد وأبي موسى الأشعري .

يقول أبو موسى ـ مبرّراً القعود ـ : سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، يقول : (( إنّها ستكون فتنة ، القاعد فيها خير من القائم ، والقائم خير من الماشي ، والماشي خير من الراكب )) .

وما أدري حجّة تنهض للقاعدين في تأوّلهم لهذا الحديث ! أيُعدّ الافتئات على حقّ الإمام والخروج عليه بغير حقّ فتنة تُوجب القعود ؟!

وما أظنّ أحداً يُمكن أنْ تطمئنّ نفسه لتفسير مقنع ، لقول سعد بن أبي وقّاص لابنه عمر ـ وهو قائد السريّة التي قتلت الحُسين (ع) من بعد ـ عندما حثّه ليكون له موقف بين النّاس ، فقال له(2) :

ـــــــــــــــ

(1) البداية والنهاية ، مرجع سابق 7 / 265 .

(2) البداية والنهاية ، مرجع سابق 7 / 293 .


الصفحة (217)

لا والله ، حتّى أعطي سيفاً إنْ ضربت به مؤمناً نبا عنه ، وإنْ ضربت عنه كافراً قتلته .

ثمّ هبْ أنّ القاعدين لمْ يتبيّنوا في البداية جانب الحقّ ، أفما كان حقيقاً بهم نصرة عليّ (ع) بعدما تبيّنت الفئة الباغية بمقتل عمّار بن ياسر ؛ امتثالاً لأمر الله تعالى : ( فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى‏ فَقَاتِلُوا الّتِي تَبْغِي حَتّى‏ تَفِي‏ءَ إِلَى‏ أَمْرِ اللّه )(1) .

وربما وجد القاعدون مَن يعتذر عنهم ، كما فعل أبو بكر الجصاص ، إذ يقول(2) : ولمْ يختلف أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في وجوب قتال الفئة الباغية بالسيف إذا لمْ يردعها غيره . ألاَ ترى أنّهم كلّهم رأوا قتال الخوارج ، ولو لمْ يروا قتال الخوارج وقعدوا عنها لقتلوهم وسبوا ذراريهم واصطلموهم ! فإن قِيل : قد جلس عن عليّ (ع) جماعة من أصحاب النبي (صلّى الله عليه وآله) ، منهم : سعد ومحمّد بن مسلمة ، وأسامة بن زيد وابن عمر ، قِيل له : لمْ يقعدوا عنه ؛ لأنّهم لمْ يروا قتال الفئة الباغية ، وجائز أنْ يكون قعودهم عنه ؛ لأنّهم رأوا الإمام مكتفياً بمَن معه مستغنياً عنهم بأصحابه ، فاستجازوا القعود عنه لذلك .

ألاَ ترى أنّهم قد قعدوا عن قتال الخوارج ، لا على أنّهم لمْ يروا قتالهم واجباً ، لكنّه لمَا وجدوا من كفاهم قتل الخوارج ، استغنوا عن مباشرة قتالهم .

فإنْ احتجّوا بما رُوي عن النبي (صلّى الله عليه وآله) ، قال : (( ستكون فتنة ، القائم فيها خير من الماشي ، والقاعد فيها خير من القائم )) . قِِيل له : إنّما أراد به الفتنة التي

ـــــــــــــــ

(1) سورة الحجرات / 9 .

(2) أحكام القرآن 5 / 281 .


الصفحة (218)

يُقتتل الناس فيها على طلب الدنيا ، وعلى جهة العصبيّة والحميّة من غير قتال مع إمام تجب طاعته .

فأمّا إذا ثبت أنّ إحدى الطائفتين باغية والاُخرى عادلة مع الإمام ، فإنّ قتال الباغية واجب مع الإمام ومع من قاتلهم محتسباً في قتالهم .

وواضح من كلام الجصاص مدى ما فيه من تكلّف ، وإنْ لمْ يقرّ بهذا التبرير مُطلقاً وإنّما قال بجوازه . إلاّ أنّه يدعونا لمراجعته أمران :

أوّلهما : أنّه اعتذر عنهم بما لمْ يقله أحد منهم .
 وثانيهما : موقف أحدهم بالذات ، وهو عبد الله بن عمرو بن العاص الذي يُعدّ في نظر أهل السنّة من القرّاء ، وفيه يقول أبو هريرة(1) : ما كان أحد أحفظ لحديث رسول الله
(صلّى الله عليه وآله) منّي إلاّ عبد الله بن عمرو بن العاص ، فإنّه كان يكتب ولا أكتب .

فقد حدّث عبد الله بن عمرو ، بعد مقتل عمّار بن ياسر في معمعة صفّين ، بحديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( تقتلك الفئة الباغية )) . حتّى انزعج معاوية ، فقال لأبيه عمرو بن العاص(2) : ألاَ تنهى عنّا مجنونك هذا . ثمّ أقبل معاوية على عبد الله ، فقال له : فلمَ تقاتل معنا ؟ فقال له : إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أمرني بطاعة والدي ما كان حيّاً ، وأنا معكم ولست أقاتل .

فهل رأيت خلطاً للأمور أشدّ من هذا ؟! فعبد الله لمْ يعتزل ولمْ يقعد ، ولكن شارك معاوية وأباه في حربهما لعليّ (ع) ، وقِيل : إنّه كان صاحب الرّاية في صفّين(3) ، ثمّ تبيّنت الفئة الباغية بقتل عمّار ، وهو ذاته الذي روى الحديث ، ثمّ نراه مع ذلك مُقيماً على لزوم معسكر معاوية .

ـــــــــــــــ

(1) أسد الغابة : مرجع سابق 3 / 349 .

(2) البداية والنهاية ، مرجع سابق 7 / 280 .

(3) أُسد الغابة ، مرجع سابق / 351 .


الصفحة (219)

ألمْ يكن فرضاً عليه ـ والحال هكذا ـ الامتثال لأمر الله تعالى بقتال الفئة الباغية ، خاصّة وهو شاهد حاضر في قلب المعركة ، ولمْ يكن بعيداً كبقيّة المعتزلين ؟ غير أنّك تراه يسوق مبرّراً للامتناع عن الامتثال لأمر الله بالامتثال لطاعة أبيه .

أفتراه قد غفل عن حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وهو أحفظ الناس للحديث : (( لا طاعة لمخلوق في معصيّة الخالق )) ؟!

أمْ تراه كان في حاجة لمَن يذكّره بآيات الله : ( يَاأَيّهَا الذينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ للّهِ‏ِ وَلَوْ عَلَى‏ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيرَاً فَاللّهُ أَوْلَى‏ بِهِمَا فَلاَ تَتّبِعُوا الْهَوَى‏ أَن تَعْدِلُوا وَإِن تَلْوُو أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً)(1) .

وتتمّ قصّة عبد الله فصولاً بتوريث معاوية إيّاه ولاية مصر بعد موت أبيه عمرو ، وقد كانت له طعمة ما بقي حيّاً حسب الشرط الذي شرطه على معاوية كيما يشاركه في حرب عليّ (ع) .

وأظنّ أنّه قد بات واضحاً مدى تهافت انتحال الأعذار للقاعدين . ولو أنصف عبد الله من نفسه ، ولو أنصف القاعدون من أنفسهم لانضمّوا من فورهم لعليّ (ع) بعدما تبيّن لهم الحقّ ، فعلّ ذي الشهادتين خزيمة بن ثابت الذي شهد صفّين مع عليّ (ع) دون قتال ، فلمّا قُتل عمّار جرّد سيفه وقاتل جيش معاوية حتّى قُتل(2) .

* * *

ـــــــــــــــ

(1) سورة النساء / 135 .

(2) الكامل ، مرجع سابق 3 / 200 .


الصفحة (220)

6 ـ الابتداع :

تخلّل سعي معاوية وحزبه للسلطة إتيانهم لمَا لمْ تعرفه العرب في جاهليّتها من منكرات وفظائع ، ولو أنّك ذكرتها مجردةً لامرئ لحسبها من فعل برابرة لمْ يتّصلوا بحضارة قط ، ولمْ يزعهم دين ، ولمْ تقيّدهم شريعة .

انظروا إلى كيد معاوية وأوامره إلى سراياه عقب الحكومة ، تُدركوا أيّ صنف من البشر كان , وأيّ نظام أراد أنْ يُرسي .

كان معاوية يأمرهم(1) أنْ يأتوا البلاد فيقطعوها ثمّ يغيروا عليها ، ثمّ يوقعوا بأهلها ، ويأخذوا أموال الناس ، ويقتلوا مَن يلقوا من الأعراب ، ويستولوا على متاعهم .

حدث ذلك في توجيه معاوية لقوّاده : سفيان بن عوف إلى هيت والأنبار والمدائن ، وعبد الله بن مسعدة الفزاري إلى تيماء ، والضحّاك بن قيس إلى واقصة .

اقرأ الطبري يَروي إحدى شنائع التاريخ ، لمّا بعث معاوية بسر بن أبي أرطأة إلى اليمن ، فقتل جماعة كثيرة ممّن يقولون عليّاً (ع) ، ثمّ أتى على طفلين صغيرين لعبيد الله بن عبّاس ، ابن عمّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فذبحهما .

يروي الطبري(2) : إنّه وجد ابني عبيد الله بن عبّاس عند رجل من بني كنانة من أهل البادية ، فلمّا أراد قتلهما قال الكناني : علامَ تقتل هذين ولا ذنب لهما ؟! فإنْ كنت قاتلهما فاقتلني . قال : أفعل . فبدأ بالكناني فقتله ثمّ قتلهما . وقالت امرأة من بني كنانة لبسر ـ بعد أنْ قتل الطفلين(3) ـ : يا هذا ، قتلت الرجال ، فعلامَ تقتل هذين ؟

ـــــــــــــــ

(1) مرجع سابق 5 / 134 .

(2) المرجع السابق / 140 .

(3) الكامل ، مرجع سابق 3 / 251 .


الصفحة (221)

والله ، ما كانوا يقتلون في الجاهليّة والإسلام . والله ، يابن أبي أرطأة إنّ سلطاناً لا يقوم إلاّ بقتل الصبي الصغير والشيخ الكبير ، ونزع الرحمة وعقوق الأرحام لسلطان سوء(1) .

قارن هذا بسيرة عليّ (ع) في أسلوبه في الحرب ، والتي يرويها الطبري أيضاً بقوله(2) : كان من سيرة عليّ (ع) ألاّ يقتل مدبراً ، ولا يذفّف على جريح ، ولا يكشف ستراً ، ولا يأخذ مالاً  .

وحدث عقيب وقعة الجمل أنْ سبّت امرأة عليّاً (ع) مواجهة ، وأخبر عليّ (ع) أنّها تخفي في بيتها اُناساً ممّن كانوا يُحاربونه ، فتغافل عنهم وأمر مَن معه : (( لا تهتكن ستراً ، ولا تدخلن داراً ، ولا تهيجن امرأة بأذىً ، وإنْ شتمن أعراضكم ، وسفهن أمراءكم وصلحاءكم )) .

وعندما أقبل جيش معاوية قُبيل حرب صفّين ، منعوا جيش عليّ (ع) من الماء ، فلمّا قاتلهم عليّ (ع) وأصبح بيده الماء , أفسح لجيش معاوية كي يأخذوا حاجتهم من الماء .

هنا النبل والشرف والمروءة ، والعدل والرحمة والترفع والإباء والفطنة ، هنا الدين وهناك ما قد علمت من معاوية وعمرو ، بما يدفع الباحث دفعاً لاتّخاذ موقف ولو وصف بالانحياز ، وليس في ذلك أيّ قدر من تجاوز أصول البحث ، فإنْ سبيل الأمانة ألاّ تتجاوز نفسك لتطابق مفهوماً مغلوطاً للموضوعيّة ، ثمّ إنّ

ـــــــــــــــ

(1) قارن معلّق بين أفعال معاوية والتتار ، فوجد أنّ وصايا معاوية لقوّاده لا تختلف في شيء عن وصيّة منكوخان أخي هولاكو ، عندما بعثه لغزو البلاد الإسلاميّة . نهج البلاغة بشرح محمّد عبده .

(2) المرجع السابق / 541 .


الصفحة (222)

الموقف لا يأتي من مقولات قبليّة ، وإنّما هو نتاج مرحلة وصفيّة وهي التي ينبغي حيادها . وفي النهاية يظلّ تقدم البحث الاجتماعي والعلم بشكل عامّ مرهوناً بطرح مواقف ، شريطة الوعي بقابليّتها للنقد والاختبار .

في هذا الوقت الذي تغلب فيه على تبنّي الموقف ، أو كما عبّر المستشرق جولد : موقفك تثبيتاً ، عندما تطّلع على شنيعة اُخرى من صنع جيش معاوية ، إذ عدا عمرو بن العاص على مصر ، وكان عليها محمّد بن أبي بكر من قبل عليّ (ع) ، فقاتل عمرو محمّداً حتّى قتله ، فجاء معاوية بن خديج أحد قوّاد عمرو فوضع جثّة محمّد في جيفة حمار ثمّ أحرقها .

فلمْ يرقب هؤلاء في مؤمن إلاّ ولا ذمّة ، ولمْ يحفظوا لميّت حرمةً ، ولمْ ينتهوا عمّا نهى عنه الإسلام من المُثلة . وبلغ أمر محمّد أخته السيّدة عائشة ، فكانت تدعو على معاوية وعمرو وحرّمت على نفسها كلّ الشواء حتّى ماتت(1) . فهل راجعت نفسها حينئذ ، وقارنت بين تكريم عليّ (ع) لها ومن معها من نسوة ورجال ، وصلاته على قتلاهم ، رغم مبادءتهم له بالحرب وانتصاره عليهم في موقعة الجمل ، وبين تمثيل معاوية بجثّة أخيها ؟

وهل أدركت حينئذ كيف كانت حربها لعليّ (ع) في واقع الأمر تمكيناً لمعاوية ومعسكره من رقاب المسلمين ؟

لقد أتوا في الإسلام بما لمْ تعرفه الجاهليّة ، فضلاً عن أنْ يقبل به دين أو يقرّه عرف ، فتراهم محمومين في لهاثهم فقط نحو السلطة والمال بغير حدّ ينتهون عنده .

ـــــــــــــــ

(1) الكامل ، مرجع سابق / 230 .


الصفحة (223)

ثمّ إنّهم قد بلغ بهم المدى في محاولتهم تقنين ظلمهم ، وإضفاء الشرعيّة على ما تقترف أيديهم من آثمّ ، فتراهم يستحدثون مذاهب ، ويبتدعون أفكاراً ، ولا يعدمون في ذلك التدعيم من فقهاء السلاطين على ما مرّ بنا .

التقط بنو اُميّة فكرة عدم تبين وجه الحقّ والتوقف عن اتّخاذ موقف ، وهي تلك التي أتى بها القاعدون عن نصرة عليّ (ع) ، فطوّروها وضخّموها وأشاعوها بين الناس ، وخلاصتها : أنْ لا يضرّ مع الإيمان معصيّة كما لا ينفع مع الكفر طاعة ، وتلك هي بدعة الإرجاء .

وهنا تلحظ إثم مَن قعد عن نصرة عليّ (ع) مرّتين , فأمّا أوّلاهما : فعدم الامتثال لأمر الله تعالى بقتال الفئة الباغية , وأمّا ثانيهما : فإنّ عملهم كان بمثابة السابقة والمرجعيّة لبدعة تاليّة ، وهي الإرجاء .

إذاً جاء الإرجاء سياسة تلبس مسوح الدين ؛ فطالما لا يضرّ مع الإيمان معصيّة كبيرة كانت أو صغيرة ، فكلّ أفعال الاُمويّين مهما حادت عن جادة الإسلام ، فهي مرجأة إلى يوم القيامة ، ولا مجال بالتالي لمنتقد أو شاك في حكمهم .

يقول أحمد أمين(1) : وينتج من هذا ، أنّ موقفهم ـ المرجئة ـ إزاء حكم الاُمويّين موقف تأييد .

ويرى جولد تسيهر : أنّ الاُمويّين كانوا في حاجة لفكرة الإرجاء لمخالفتهم صريح الدين ، فيقول(2) : وممّا لا ريب فيه أنّ بني اُميّة لمْ يكونوا متديّنين ولا متظاهرين بالتقوى . وكانت حياتهم في بلاطهم وبين حاشيتهم ، لا تحقّق من كلّ الوجوه ما كان ينتظره الأتقياء ، من رؤساء الدولة الإسلاميّة من كبت النفس والهوى والابتعاد عن متع الحياة وزينتها .

ـــــــــــــــ

(1) أحمد أمين ، فجر الإسلام  / 280 ـ القاهرة ،  مكتبة النهضة المصريّة / 1978 م .

(2) العقيدة والشريعة ، مرجع سابق / 71 .


الصفحة (224)

وقد حاول معاوية استغلال هذه الفكرة لتمرير بيعة ابنه يزيد ، فيردّ عليه عبد الرحمن بن أبي بكر بقوله(1) : إنّك والله ، لوددت أنّا نكلك إلى الله فيما جسرت عليه من أمر يزيد .

ثمّ كان من أمر هذا المذهب بعد نشوئه السياسي ، أنّ تحوّل إلى مذهب اعتقادي يغرق في الضلال ، ويمعن في الفساد ، ويغلو في الباطل , حتّى قال قائلهم(2) : الإيمان عقد بالقلب ، وإنْ أعلم الكفر بلسانه بلا تقيّة ، وعبد الأوثان ، أو لزم اليهوديّة أو النصرانيّة في دار الإسلام ، وعبد الصليب وأعلن التثليث في دار الإسلام ، ومات على ذلك , فهو مؤمن كامل الإيمان عند الله .

ويعلّق أبو زهرة على ذلك بقوله(3) : وجد مَن المتعقّبين لهذا المذهب مَن يستهين بحقائق الإيمان وأعمال الطاعات ، ومَن يستهين بالفضائل واتّخذه مذهباً له كلّ مفسد مستهتر ، حتّى لقد ذكر فيه المفسدون ، واتّخذوه ذريعة لمآثمهم ، ومنهلاً لمفاسدهم ، ومسايراً لنيّاتهم الخبيثة ، وصادف هوى أكثر المفسدين .

ولعلّ ما يزيد فكرتنا عن المرجئة وضوحاً ذكر قول مرجئي وراد عليه , فهذا ثابت قطنة أحد شعراء بني اُميّة وأحد عمّالهم بخراسان ، يقول(4) :

نـرجي الأمـور إذا كـانت iiمشبّهة      ونـصدق الـقول فيمن جار أو عندا
ولا أرى أن ذنـبـاً بـالـغ iiأحـداً      من الناس شركاً إذا ما وحّدوا الصمدا

ـــــــــــــــ

(1) ابن قتيبة ، الإمامة والسياسة 1 / 210 ـ بيروت ـ  دار الأضواء / 1990 م .

(2) هو قول : أبي محرز جهم بن صفوان .

(3) تاريخ المذاهب الإسلاميّة ، مرجع سابق / 122 .

(4) الأصفهاني ، الأغاني ، مرجع سابق / 262 .


الصفحة (225)

وهذا عون بن عبد الله ، وهو مرجئي سابق ثمّ تاب ، يقول :

فأول ما أفارق غير iiشك       أفارق ما يقول iiالمرجئونا
وقالوا مؤمن من آل iiجور      وليس  المؤمنون بجائرينا
وقـالوا مؤمن دمه iiحلال      وقد حرّمت دماء المؤمنينا

وممّا يسترعي الانتباه بشدّة في تناولنا لبدعة الإرجاء كما أرادها الاُمويّون وفقهاؤهم ، أنّها تُطبق لصالحهم فقط ، وليس لمعارضيهم في إرجاء ذنوبهم من نصيب . فأهل السلطان وحدهم هم المعنيّون بإرجاء كبائرهم إلى يوم القيامة , وأمّا مَن ينتقدهم وإنْ من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فيكفّر ويُحل دمه عاجلاً .

ألمْ يحدث ذلك مع حجر بن عدي أنْ قتله معاوية لمجرّد إنكاره سبّ عليّ (ع) على المنابر ؟ وما أسرع ما أعدّ له فقهاء معاوية شهادة حكموا فيها بكفر حجر كفرة صلعاء !

ثمّ ألمْ يقتل الناس بالظنّة على يد عامل معاوية زياد ؟ ثمّ إنّ بني اُميّة لمْ يكونوا ليدخروا وسعاً ، أو يدعوا فرصةً دون أنْ يهتبلوها لإحكام سلطانهم وشدّ وثاق اُمرتهم على الناس ، مهما يكن الباب الذي يلجون منه ، والطريق الذي يسلكون .

فكما أنّهم لجأوا إلى الإرجاء ليفوتوا على الناس الحكم عليهم ، بزعمهم أنّ الإيمان ما وقر في القلب دون أنْ يصدقه العمل ، فكذلك وجدوا في القول بالجبر رداءاً لهم يقيهم شرّ النقد لأفعالهم .

وقوام هذا المذاهب نفي الفعل حقيقةً عن العبد وإضافته إلى الله ، فلا خيرة إذاً للعبد في أفعاله ، بل هو مجبور على إتيانها ، وبالتالي فأفعال بني اُميّة مقدّرة أصلاً ، ومَن يحاول الاعتراض عليها يكن كافراً بقضاء الله .

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة