الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة 131

أ ـ الخوارج : وهم الذين خرجوا عن طاعة الإمام عليّ (عليه السلام) وحاربوه وناوؤه ونصبوا له العداوة، فكانوا قد وجدوا من الإمام الحسن (عليه السلام) حلاًّ وسطاً، فانضموا إليه لمحاربة معاوية، وهؤلاء أناس تستثيرهم أدنى شبهة عارضة فيتعجّلون الحكم عليها، وسنرى أنّهم كيف وثبوا على الإمام الحسن (عليه السلام) فيما بعد.

ب ـ الفئة الممالئة للحكم الأموي، وهي على قسمين :
1 ـ وهم الذين لم يجدوا في حكومة الكوفة ما يشبع نهمهم ويروي من ظمئهم فيما يحلمون به من مطامع يطمحون إليها، فأضمروا ولاءهم للشام مترقّبين سنوح الفرصة للوثوب على الحكم وتسليم الأمر لمعاوية.
2 ـ وهم الذين حقدوا على حكومة الكوفة لضغائن في نفوسهم أورثتها العهود السالفة أو حسابات شخصية.
وسنرى فيما بعد خيانة هؤلاء وكتابتهم لمعاوية تزلّفاً وطمعاً في الحظوة عنده.

ج ـ الفئة المتأرجحة، التي ليس لها مسلك معيّن أو جهة خاصة مستقلّة، وإنّما هدفها ضمان السلامة وبعض المطامع عند الجهة التي ينعقد لها النصر، فهي تترقّب عن كثب إلى أيّ جهة تنقلب الأمور ليميلوا معها.
د ـ الفئة التي تثيرها بعض العصبيات القبلية أو الإقليمية.
هـ ـ الغوغاء، وهي الفئة التي لا تستند في موقفها إلى أساس متين.
و ـ الفئة المؤمنة المخلصة، وهي القلّة الخيّرة التي يذوب صوتها في زحام الأصوات الأخرى المعاكسة لها والمتناحرة فيما بينها .
فجيش الإمام (عليه السلام) خليط لا يربط بين فئاته هدف واحد، وهو معرض للانقسام والتفكّك لدى أيّ بادرة للانقسام من شأنها أن تفسد أيّ خطة مهما


الصفحة 132

كانت حنكة القائد الذي وضع تلك الخطة، وقد شعر الإمام (عليه السلام) بخطورة هذا الموقف بين هذا الخليط الذي يحمل عوامل الانقسام على نفسه .
وذكر السيد ابن طاووس (رضوان الله تعالى عليه) في "الملاحم والفتن" كلاماً يؤثر عنه (عليه السلام) يعبّر عن ضعف ثقته بجيشه، وكان من أبلغ ما أفضى به في هذا الصدد، وذلك في خطابه الذي خاطب به جيشه في المدائن قائلاً : ".. وكنتم في مسيركم إلى صفّين، ودينكم أمام دنياكم، وأصبحتم اليوم ودنياكم أمام دينكم، وأنتم بين قتيلين: قتيل بصفّين تبكون عليه، وقتيل بالنهروان تطلبون منّا بثأره، وأمّا الباقي فخاذل، وأمّا الباكي فثائر "(1) .
وكان معاوية قد عرف نقاط الضعف التي ابتلي بها جيش الإمام (عليه السلام)، فرسم للموقف خطة حاسمة ابتكرتها له الظروف الموضوعية من شأنها أن تحسم الأمر بينه وبين الإمام، وذلك بدعوته للصلح والتظاهر بإعطائه الشروط التي يريد، فإن يقبل بذلك فإنّ أَحبولته التي حاكها حول قادة الإمام ورؤساء جيشه كافية لأن تمنع الالتحام بين المعسكرين، وتدفع بالإمام الحسن (عليه السلام) إلى الرضا بالأمر الواقع.

8 ـ طلائع جيش الإمام الحسن (عليه السلام) :

انتهى الإمام الحسن (عليه السلام) بجيشه إلى النخيلة، فأقام فيها ونظّم الجيش، ثمّ ارتحل عنها وسار حتى انتهى إلى " دير عبد الرحمن " فأقام به ثلاثة أيام ليلتحق به المتخلّفون من جنده، وأرسل مقدمة جيشه للاستطلاع على حال
__________
(1) صلح الإمام الحسن : 70 .


الصفحة 133

العدو وإيقافه في محلّه، واختار إلى مقدّمته خلّص أصحابه وخيرة عناصر جيشه، وكان عددهم اثني عشر ألفاً، وأعطى القيادة العامة إلى ابن عمّه عبيد الله بن العباس، وقد زوّده قبل تحرّكه بهذه الوصية القيّمة وهي :
"يابن العمّ! إنّي باعث معك اثني عشر ألفاً من فرسان العرب وقرّاء المصر، الرجل منهم يزيد الكتيبة، فسر بهم، وألِن لَهُم جانبك، وابسط لهم وجهك، وافرش لهم جناحك، وأدنهم من مجلسك، فإنّهم بقية ثقات أمير المؤمنين، وسر بهم على شطّ الفرات، ثمّ امضِ حتى تستقبل بهم معاوية، فإن أنت لقيته فاحتبسه حتى آتيك، فإنّي على أثرك وشيكاً، وليكن خبرك عندي كلّ يوم، وشاور هذين ـ قيس بن سعد وسعيد بن قيس ـ إذا لقيت معاوية فلا تقاتله حتى يقاتلك فإن فعل فقاتله، وإن أصبت فقيس بن سعد على الناس، فإن أُصيب فسعيد بن قيس على الناس "(1) .

9 ـ خيانة قائد الجيش :

وصل عبيد الله بن العباس إلى " مسكن "(2) فعسكر فيها، وقابل العدوّ وجهاً لوجه، وعندها بدأت تظهر بوادر الفتنة بوضوح، وانطلقت دسائس معاوية تشقّ طريقها إلى المعسكر حيث تجد المجال الخصب بوجود المنافقين ومن يؤثرون العافية، وكانت الشائعة الكاذبة " أنّ الحسن يكاتب معاوية على الصلح فلِمَ تقتلون أنفسكم ؟ "(3) .
وارتبك الموقف أمام قائد الجيش وسرت همهمة في الجيش عن
__________
(1) حياة الإمام الحسن : 2 / 76 .
(2) موضع قريب من " أوانا " على نهر الدجيل، وبها كانت الواقعة بين عبد الملك بن مروان ومصعب بن الزبير سنة / 72 هـ .
(3) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 16 / 42 .


الصفحة 134

صدق الشائعة أو كذبها، فبين مصدّق لها وبين مكذّب، وبين من يحاول إثباتها على أيّ حال، ولم يحاول القائد عبيد الله أن يتأكّد من كذب هذه الشائعة وبُعدها عن الواقع، لأنّ الإمام الحسن (عليه السلام) كان مشغولاً في تلك الأثناء ببعث الرسل إلى الأطراف وتهيئة الكتائب اللاحقة بالطلائع ومكاتبة معاوية بالحرب وبعث الحماس بخطبه اللاهبة المحرضة على القتال، ولم يكتب في صلح ولم يكن من رأيه آنذاك أبداً .
فَسَرَتْ الحيرة في نفس قائد الجيش ممّا دفعه للانطواء، فأخذ يفكّر في مصيره، وكان قد بلغه تخاذل الكوفيين عن التحرّك نحو المعركة وتباطؤهم عن تلبية نداء الجهاد، فبدت في نفسه بعض التصورات من أنّه في موقف لا يغبط عليه، وأنّ هذه الطلائع من جيش الكوفة والتي تقف في مواجهة جيش الشام المكتظ لا يمكن أن تقاوم تلك الجموع الحاشدة أو تلتحم معها في معركة مع فقدان توازن القوى بينها .
وبينا هو يعيش هذه الحيرة وتلك الأوهام وصلته رسائل معاوية وهي تحمل في طيّاتها عوامل الإغراء التي تمسّ الوتر الحسّاس في نفس ابن عباس من حبّه للتعاظم وتطلّعه للسبق، وكان معاوية قد خبر نقاط الضعف التي يحملها عبيد الله هذا .
وكانت رسالة معاوية تحمل : "أنّ الحسن قد راسلني في الصلح، وهو مسلِّم الأمر إليّ، فإن دخلت في طاعتي كنت متبوعاً، وإلاّ دخلت وأنت تابع" وجعل له فيها ألف ألف درهم(1) .
وكان أسلوب معاوية في حربه مع أعدائه هو استغلال نقاط الضعف في
__________
(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 16 / 42 .


الصفحة 135

خصومه، واستغلال كلّ ما من شأنه أن يوهن العزيمة ويشلّ القوى فيهم .
وهكذا انكفأ عبيد الله بن عباس على نفسه واستجاب لداعي الخيانة، ملتمساً لعدوّه الذي وتره بابنيه، مخلّفاً وراءه لعنة التاريخ، وقد شاء لنفسه أن ينحدر إلى هذا المستوى الساقط فيدخل حمى معاوية ليلاً دخول المهزوم المخذول، الذي يأباه كلّ حرٍّ ينبض عنده الضمير .
وينبلج الصبح عن افتقاد المعسكر قائده، فترقص قلوب المنافقين والمسالمين، وتدمى عيون المخلصين، هذا والحسن (عليه السلام) لا يزال في موقفه الصلب بضرورة مقاتلة معاوية .
ويكاد الأمر ينتقض على الإمام (عليه السلام) في مسكن، ولكنّ القائد الشرعي ـ وهو الرجل المؤمن الصامد قيس بن سعد بن عبادة الذي جعله الإمام (عليه السلام) خلفاً لعبيد الله بن العباس إذا غاب عن القيادة ـ حاول جاداً في أن يحافظ على البقية الباقية من معنويات الجيش المنهارة بانهزام القائد وإقرار التماسك بين فرقِهِ وأفراده، فقام فيهم خطيباً وقال :
"أيّها الناس! لا يهولنّكم ولا يعظمنّ عليكم ما صنع هذا الرجل المولَّه، إنّ هذا وأباه وأخاه لم يأتوا بيوم خير قطّ، إنّ أباه عمّ رسول الله خرج يقاتله ببدر، فأسره أبو اليسر كعب بن عمرو الأنصاري، فأتى به رسول الله فأخذ فداءه فقسّمه بين المسلمين، وإنّ أخاه ولاّه على البصرة فسرق ماله ومال المسلمين، فاشترى به الجواري وزعم أنّ ذلك له حلال، وإنّ هذا ولاّه على اليمن فهرب من بسر بن أرطاة، وترك ولده حتى قتلوا، وصنع الآن هذا الذي صنع"(1) .
__________
(1) مقاتل الطالبيين : 35 .


الصفحة 136

وهكذا اندفع قيس الصامد في موقفه، المؤمن بهدفه، يودّع سلفه بهذه الكلمات الساخرة اللاذعة التي تكشف عن الماضي الهزيل له، وعن نفسيته الساقطة التي دفعته للتردّي في هذا المنحدر السحيق.
وقد فعل قيس في نفوس سامعيه ما أراد، فانطلقت الحناجر بحماس وتوثّب تنادي : "الحمد لله الذي أخرجه من بيننا"(1) فصنع قيس حالة من الشدّ والعزيمة في ذلك الموقف الذي كان للانهيار المؤلم الوشيك عرضة، وعاد النظام يسيطر على عناصر الجيش، واطمأنّ الناس لقائدهم الجديد .

10 ـ توالي الخيانات في جيش الإمام (عليه السلام) :

وصلت أنباء استسلام عبيد الله لعدوّه إلى المدائن، وشاع جوّ من المحنة في النفوس، وشعر الإمام (عليه السلام) بالطعنة في الصميم تأتيه من أقرب الناس إليه وأخصّهم به، وتسرّبت إليه أنباء عن مكاتبة بعض رؤساء الأجناد والقوّاد لمعاوية وطلبهم الأمان لأنفسهم وعشائرهم، ومكاتبة معاوية لبعضهم بالأمان والمواعيد(2) .
وممّا يذكر : "أنّ معاوية دسّ إلى عمرو بن حريث والأشعث بن قيس وحجار بن أبجر وشبث بن ربعي دسيساً أفرد كلّ واحد منهم بعين من عيونه : أنّك إذا قتلت الحسن فلك مئة ألف درهم، وجندٌ من أجناد الشام، وبنتٌ من بناتي" .
فبلغ الحسن (عليه السلام) ذلك فاستلأم ولبس درعاً وسترها، وكان يحترز ولا يتقدّم للصلاة إلاّ كذلك، فرماه أحدهم في الصلاة بسهم فلم يثبت
__________
(1) مقاتل الطالبيين : 35 .
(2) أعيان الشيعة : 4 / 22 .


الصفحة 137

فيه لما عليه من اللامة(1) .
وهكذا توالت الخيانات في جيش الإمام، ومن ذلك : "أنّ الحسن بعث إلى معاوية قائداً من كندة في أربعة آلاف، فلمّا نزل الأنبار بعث إليه معاوية بخمسمئة ألف درهم، ووعده بولاية بعض كور الشام والجزيرة، فصار إليه في مئتين من خاصّته، ثم بعث رجلاً من مراد ففعل كالأول بعدما حلف الأيمان التي لا تقوم لها الجبال أنّه لا يفعل، وأخبرهم الحسن أنّه سيفعل كصاحبه"(2).
ويقف الإمام الحسن (عليه السلام) أمام هذه النكبات والمحن المتتالية، متطامناً على نفسه ناظراً في أمره، وإلى أين ستنتهي به هذه المسيرة .
والذي يظهر لنا من بعض النصوص أنّ ابن عباس لم يفرَّ وحده، بل خرج معه عدد وفير من الزعماء والقوّاد والجند، وهو أمر يمكن أن يساعد عليه الجوّ المشحون بالتشاؤم واليأس من توقّع انتصار الإمام (عليه السلام) على عدوّه.
وهكذا أخذت الأنباء تتوارد على الإمام في المدائن بفرار الخاصة من القواد والزعماء، وقدتبع انهزام هؤلاء فرار كثير من الجند، حيث كان انهزامهم سبباً لحدوث تمرّد وفوضى شاملة في الجيش .
وقد ارتفعت أرقام الفارّين إلى معاوية بعد فرار عبيد الله وخاصّته إلى ثمانية آلاف، كما يذكر اليعقوبي في تاريخه فيقول : "إنّه ـ يعني معاوية ـ أرسل إلى عبيد الله بن عباس، وجعل له ألف ألف درهم، فصار إليه في ثمانية آلاف من أصحابه، وأقام قيس بن سعد على محاربته"(3) .
__________
(1) أعيان الشيعة : 4 / 22 .
(2) المصدر السابق .
(3) صلح الإمام الحسن(عليه السلام) : 80 .


الصفحة 138

واذا أخذنا في اعتبارنا أنّ الجيش الذي كان في "مسكن" إثنا عشر ألفاً فستكون نسبة الفارّين منه إلى معاوية وهي ثلثا الجيش نسبة كبيرة، في حين كان الجيش الذي يقوده معاوية لمواجهة الحسن (عليه السلام) ستين ألفاً تضاف إليه آلاف الفارّين من جيش الحسن (عليه السلام) .
وحقّاً أنّها لصدمة رهيبة ومحنة حادّة تتداعى أمامها القوى، وتنفرج بها أنياب الكارثة عن مأساة مرعبة يتحمّل جزءً كبيراً من مسؤوليّتها عبيد الله بن العباس أمام الله والتاريخ .
والشيء الذي يمكن فهمه من هذا الفرار الجماعي هو وجود تآمر على الخيانة في أوساط جملة من الزعماء والوجوه، وإلاّ فبأيّ قاعدة منطقية يمكن تفسير فرار ثمانية آلاف مقاتل من جيش يستعد للقتال في فترة قصيرة، وهل يكون ذلك إلاّ عن سابق تفكير وإحكام لخطة خائنة؟!
ويقف الإمام (عليه السلام) باحثاً عن المخرج من هذا المأزق الذي تداعت به معنويات جيشه في "مسكن" وتزلزلت منه قوى جيشه في المدائن، خاصة إذا نظر بعين الموازنة بين جيشه وجيش عدوه من حيث العدد .
فكان جيشه يتألف من عشرين ألفاً فقط كما أجمعت عليه المصادر التاريخية(1) بينما يتألف جيش عدّوه من ستين ألفاً، وبعد لحاظ الآلاف الثمانية التي التحقت بمعاوية في "مسكن " بعد خيانة عبيد الله يصبح جيش الحسن (عليه السلام) خمس جيش عدوه، وهذا انهيار كبير حسب الموازين والحسابات العسكرية، هذا فضلاً عمّا تقوله بعض المصادر بخصوص فرار بعض أفراد الجيش في المدائن ممّن استهوتهم المطامع بالاستيلاء على
__________
(1) صلح الإمام الحسن(عليه السلام) : 81 .


الصفحة 139

المغانم وجاءوا رغبة فيها إذا قدِّر الانتصار لجيش الإمام الحسن (عليه السلام)، فواكبوا مسيرة الجيش، ثم فرّوا بعد أن أحسّوا تفوّق الطرف الآخر عسكرياً في العدَّة والعدد .
وممّا زاد في انهيار الموقف حرب الإشاعات الكاذبة التي شنّها معاوية للقضاء على البقية الباقية من معنويات الجيش في مسكن والمدائن، ونذكر هنا بعض هذه الشائعات ومدى تأثيرها على المعنويات العامة في جيش الإمام الحسن (عليه السلام) بكلا شقّيه في المدائن ومسكن .
وقد عمل معاوية بكلّ ما أمكنه من خبث ومكر من أجل الوقيعة بالجيش الكوفي وتفتيت قواه، وكان اختياره للأكاذيب ينمّ عن خبرة دقيقة في حبكها وانتقائها، فأرسل من يدسّ في معسكر المدائن : "... بأنّ قيس بن سعد وهو قائد مسكن بعد فرار ابن عباس قد صالح معاوية وصار معه ..."(1).
" ويوجّه إلى عسكر قيس في مسكن من يتحدّث أنّ الحسن قد صالح معاوية وأجابه ..."(2) .
ثم ينشر في المدائن إشاعةً هي : ".. ألا إنّ قيس بن سعد قد قتل فانفروا، فنفروا بسرادق الحسن فنهبوا متاعه فنازعوه بساطاً تحته، فازداد لهم بغضاً ومنهم ذعراً، ودخل المقصورة البيضاء في المدائن ..."(3).
وهكذا طوّقت موجة الشائعات المتدفّقة بمكر معاوية وخبثة جناحي الجيش في المدائن ومسكن، وفَصَمَتْ ما تبقّى فيه من تماسك، وكانت سبباً في زلزلة فئات كثيرة من غوغاء الناس المتأرجحين بين الطاعة والعصيان
__________
(1) تأريخ اليعقوبي : 2 / 191 .
(2) تأريخ اليعقوبي : 2 / 191 .
(3) تأريخ ابن الأثير : 3 / 203 .


الصفحة 140

ومحبّي الفتن والاضطرابات .
وما الذي ينتظر أن تفعله الشائعات في جيش كجيش المدائن الذي سبق وأنّه علم بخيانة قائد "مسكن " الذي لم يكن قيس بمنزلته في نظره، فلِمَ لا يصدق خيانة قائدها الثاني أو خبر قتله ؟ وليس جيش مسكن بأقلّ حظّاً من تأثّره بهذه الشائعات، وقد سبق وأنّه أصيب بخيانة قائده من قبل .
وفي غمرة هذه الأحداث جاء وفد يمثّل أهل الشام مؤلّف من المغيرة بن شعبة وعبد الله بن كريز وعبد الرحمن بن الحكم وهو يحمل كتب أهل العراق ليُطلع الإمام الحسن (عليه السلام) عليها وما تكنّه ضمائر بعض أصحابه من السوء، وأنّهم تطوّعوا في صفوف جيشه لإذكاء نار الفتنة عندما يحين موعدها المرتقب، وتُنشر الكتب بين يدي الإمام (عليه السلام) ولم تكن لتزيده يقيناً على ما يعرف من أصحابها من دخيلة السوء وحبّ الفتنة، وكانت خطوطهم وتواقيعهم واضحة لديه وصريحة .
وعُرض الصلح على الإمام بالشروط التي يراها مناسبة، ولكنّ الإمام لم يشأ أن يعطيهم من نفسه ما يرضي به طموح معاوية، وكان دقيقاً في جوابه، بحيث لم يشعرهم فيه بقبول الصلح أو ما يشير إلى ذلك، بل اندفع يعظهم ويدعوهم إلى الله عَزَّ وجَلَّ وما فيه نصح لهم وللأُمة ويذكّرهم بما هم مسئولون به أمام الله ورسوله في حقّه .
وحين رأى المغيرة ورفاقه أنّ الدور الأول من الرواية التي حاولها مكر معاوية قد فشلت في إقناع الإمام (عليه السلام) بالصلح بل بقي موقفه صامداً أمام هذه المؤثرات القوية انتقلوا لتنفيذ حلقة ثانية من سلسلة المحاولات المعدّة من قبل معاوية وإن آتت أُكلها لاحقاً، فلا أقل من أنّها ستترك أثراً سيّئاً يزيد موقف الإمام حراجةً وإن لم يتحقّق منها إقناع الإمام بالصُلح .

الصفحة 141

وغادر الوفد مقصورة الإمام مستعرضاً مضارب الجيش الذي كان يترقّب نتائج المفاوضات، فرفع أحد أفراد الوفد صوته ليسمعه الناس : "إنّ الله قد حقن بابن رسول الله الدماء وسكّن الفتنة وأجاب إلى الصلح ..."(1) .
وهكذا مثّلوا دورهم أروع تمثيل، وخلقوا جوّاً لاهباً من المأساة تدهور على أثرها الموقف، وتفجّرت كوامن الفتنة واضطرب تماسك الجيش ولاحت في الأفق بوادر المحنة، فأيّ غائلة هذه التي ألهب نارها المغيرة ورفاقه ؟.

11 ـ محاولات اغتيال الإمام (عليه السلام) :

ولم تقف محنة الإمام (عليه السلام) في جيشه إلى هذا الحدّ، فقد أقدم المرتشون والخوارج على قتله، وجرت ثلاث محاولات لاغتياله (عليه السلام) وسلم منها، وهي كما يلي :

1 ـ إنّه (عليه السلام) كان يصلّي فرماه شخص بسهم فلم يؤثّر شيئاً فيه(2) .

2 ـ طعنه الجرّاح بن سنان في فخذه، وقال الشيخ المفيد : " إنّ الحسن أراد أن يمتحن أصحابه ليرى طاعتهم له وليكون على بصيرة من أمره، فأمر أن ينادى بالصلاة جامعة، فلمّا اجتمع الناس قام خطيباً فقال :
"... أمّا بعد، فإنّي والله لأرجو أن أكون قد أصبحت بحمد الله ومنّه وأنا أنصح خلق الله لخلقه، وما أصبحت محتملاً على مسلم ضغينة، ولا مريداً له بسوء ولا غائلة، وأنّ ما تكرهون في الجماعة خير لكم ممّا تحبّون في الفرقة، وأنّي ناظر لكم خير من نظركم
__________
(1) تأريخ اليعقوبي : 2 / 191 .
(2) حياة الإمام الحسن : 2 / 106 .


الصفحة 142

لأنفسكم فلا تخالفوا أمري، ولا تردّوا عليّ رأيي، غفر الله لي ولكم، وأرشدني وإيّاكم لما فيه المحبّة والرضا" .
ونظر الناس بعضهم إلى بعض وهم يقولون ما ترونه يريد ؟ واندفع بعضهم يقول : والله يريد أن يصالح معاوية ويسلم الأمر إليه، فقالوا : كفر والله الرجل .
ثم شدّوا على فسطاطه وانتهبوه حتى أخذوا مصلاّه من تحته، ثم شدَّ عليه عبد الرحمن بن عبد الله بن جعال الأزدي فنزع مطرفه عن عاتقه فبقي جالساً متقلّداً السيف بغير رداء، ثم دعا بفرسه فركبه وأحدق به طوائف من خاصّته وشيعته ومنعوا منه من أراده، فقال : ادعوا إليّ ربيعة وهمدان، فدعوا فأطافوا به ودفعوا الناس عنه (عليه السلام) وسار ومعه شعوب من غيرهم، فلمّا مرّ في مظالم ساباط بَدَرَ إليه رجل من بني أسد يقال له " الجراح بن سنان " فأخذ بلجام بغلته وبيده مغول وقال : الله أكبر أشركت يا حسن كما أشرك أبوك من قبل، ثم طعنه في فخذه فشقّه حتّى بلغ العظم، ثم اعتنقه الحسن (عليه السلام) وخرّا جميعاً إلى الأرض، فوثب إليه رجل من شيعة الحسن (عليه السلام) يقال له " عبد الله ابن خطل الطائي " فانتزع المغول من يده وخضخض به جوفه فأكبّ عليه آخر يقال له " ظبيان بن عمارة " فقطع أنفه فهلك من ذلك، وأُخذ آخر كان معه فقتل وحمل الحسن (عليه السلام) على سرير إلى المدائن ... "(1) .

3 ـ طعنه بخنجر في أثناء الصلاة(2) .
__________
(1) الإرشاد : 190 .
(2) ينابيع المودة : 292 .


الصفحة 143

12 ـ موقف الإمام الحسن (عليه السلام) :

قال الشيخ المفيد : " .. ونظر ( الإمام الحسن (عليه السلام) ) في أمورهم ( أي في أمور الناس ) فازدادت بصيرة الحسن (عليه السلام) بخذلان القوم له وفساد نيّات المحكِّمة فيه بما أظهروه له من السبّ والتكفير له واستحلال دمه ونهب أمواله، ولم يبق معه من يأمن غوايله إلاّ خاصّته من شيعة أبيه وشيعته وهم جماعة لا تقوم لأجناد الشام، فكتب إليه معاوية في الهدنة والصلح، وأنفذ إليه بكتب أصحابه الذين ضمنوا له فيها الفتك به وتسليمه إليه، فاشترط له على نفسه في إجابته إلى صلحه شروطاً كثيرة، وعقد له عقوداً كان في الوفاء بها مصالح شاملة، فلم يثق به الحسن (عليه السلام) وعلم باحتياله بذلك واغتياله، غير أنّه لم يجد بدّاً من إجابته إلى ما التمس من ترك الحرب وإنفاذ الهدنة لما كان عليه أصحابه ممّا وصفناه من ضعف البصائر في حقّه والفساد عليه والخلف منهم له وما انطوى عليه كثير منهم في استحلال دمه وتسليمه إلى خصمه وما كان من خذلان ابن عمّه له ومصيره إلى عدوّه وميل الجمهور منهم إلى العاجلة وزهدهم في الآجلة ..."(1) .
__________
(1) الإرشاد : 190 ـ 191 .


الصفحة 144

البحث الثاني : في الصلح وأسبابه ونتائجه

تعتبر المرحلة التي صالح فيها الإمام الحسن (عليه السلام) معاوية بن أبي سفيان من أصعب مراحل حياته (عليه السلام) وأكثرها تعقيداً وحسّاسية وأشدها إيلاماً، بل إنّها كذلك وعلى مدى حياة أهل بيت رسول الله (عليه السلام)، وقد أصبح صلح الإمام (عليه السلام) من أهم الأحداث في التاريخ الإسلامي بما تستبطنه من موقف بطولي للإمام المعصوم (عليه السلام)، وبما أدّى إليه من تطورات واعتراضات وتفسيرات مختلفة طوال القرون السالفة وحتى عصرنا الحاضر، وألّف الباحثون المسلمون في توضيح وتحليل الصلح كتباً عديدة، وأصدر الأعداء والأصدقاء أحكامهم بشأنه.
وقد انبرى باحثون معاصرون من الطراز الممتاز مثل المرحوم الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء والشيخ راضي آل ياسين والشيخ باقر شريف القرشي للكتابة عن الإمام (عليه السلام) وصلحه الذي قام به من أجل الإسلام.
وسنبدأ بالحديث عمّا ورد عن هذا الصلح تأريخياً، ثم ننقل كلمات الإمام (عليه السلام) في الأسباب الكامنة وراء قبوله بالصلح، وبعد ذلك نقوم بالتحليل.

إتمام الحجّة :

ذكر المؤرّخون : أنّ الإمام الحسن (عليه السلام) بعد أن رأى خيانات جيشه والمحيطين به ونفاقهم، مع أنّه لم يبق له ثمّة أمل في ثباتهم وصمودهم في


الصفحة 145

مواجهة العدو، ومع انكشاف ما تنطوي عليه تلك الضمائر من رغبات، لكنّه (عليه السلام) ولكي يتمّ الحجة ألقى فيهم الخطاب الآتي :

" ويلكم ! والله إنّ معاوية لا يفي لأحد منكم بما ضمنه في قتلي، وإنّي أظنّ إن وضعتُ يدي في يده فأسلمه لم يتركني أدين بدين جَدّي، وإنّي اَقدِرُ أن أعبدَ الله عَزَّ وجَلَّ وحدي، ولكن كأنّي أنظر إلى أبنائكم واقفين على أبواب أبنائهم يستسقونهم ويطعمونهم بما جعل الله لهم فلا يسقون ولا يطعمون، فبُعداً وسحقاً لما كسبته أيديهم، وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون "(1).
ومرّةً أخرى، وقبل أن يقبل باقتراح معاوية للصلح قام الإمام (عليه السلام) بإتمام الحجّة، من خلال خطاب يتضمّن استطلاعاً لآراء أصحابه، واستخباراً لنيّاتهم، فقد قال (عليه السلام) بعد أن حمد الله تعالى وأثنى عليه :
" أما والله ما ثنانا عن قتال أهل الشام ذلّة ولا قلّة، ولكن كنّا نقاتلهم بالسلامة والصبر، فَشيب السلام بالعداوة، والصبر بالجزع، وكنتم تتوجَّهون معنا ودينُكم أمام دنياكم، وقد أصبحتم الآن ودنياكم أمام دينكم، وكنّا لكم وكنتم لنا، وقد صرتم اليوم علينا، ثمّ أصبحتم تصدّون قتيلَين : قتيلاً بصفّين تبكون عليهم، وقتيلاً بالنهروان تطلبون بثأرهم، فأمّا الباكي فخاذل، وأمّا الطالب فثائر "(2) .
وبعد ذلك عرض عليهم اقتراح معاوية الصلح، فقال (عليه السلام) : "وإنّ معاوية قد دعا إلى أمر ليس فيه عزٌّ ولا نَصَفَةٌ، فإن أردتم الحياة قبلناه منه، وأغضضنا على القذى، وإن أردتم الموت بذلناه في ذات الله، وحاكمناه إلى الله ؟"(3) .
وأضاف الراوي : " فنادى القوم بأجمعهم : بل البقيةُ والحياة "(4) .
__________
(1) تاريخ الطبري : 4 / 122، وتذكرة الخواص لابن الجوزي : 112 .
(2) بحار الأنوار : 44 / 21 .
(3) بحار الأنوار : 44 / 21 .
(4) بحار الأنوار : 44 / 21 .


الصفحة 146

القبول بالصلح :

لم يبق أمام الإمام الحسن (عليه السلام) سبيلٌ غير القبول بالصلح، وترك أمر الحكم لمعاوية فترةً من الزمن، ويتبيّن من خلال التمعّن في بنود معاهدة الصلح أنّ الإمام (عليه السلام) لم يقدّم أيّ امتياز لمعاوية، وأنّه (عليه السلام) لم يعترف به رسمياً باعتباره خليفةً وحاكماً للمسلمين، بل إنّما اعتبر الحكم القيادة حقّه الشرعي، مثبتاً بطلان ادعاءات معاوية بهذا الصدد .

بنود معاهدة الصلح :

لم تذكر المصادر التأريخية نصّاً صريحاً لكتاب الصلح، الذي يعتبر الوثيقة التأريخية لنهاية مرحلة من أهم مراحل التأريخ الإسلامي، وبخاصة في عصوره الأول، ولا نعرف سبباً وجيهاً لهذا الإهمال .
وقد اشتملت المصادر المختلفة على ذكر بعض النصوص مع إهمال البعض الآخر، ويمكن أن تؤلف من مجموعها صورة الشروط التي أخذها الإمام (عليه السلام) على معاوية في الصلح، وقد نسّقها بعض الباحثين وأوردها على صورة مواد خمس، ونحن نوردها هنا كما جاءت، ونهمل ذكر المصادر التي ذكرها في الهامش اعتماداً عليه(1) .
وهي كما يلي :
1 ـ تسليم الأمر إلى معاوية على أن يعمل بكتاب الله وبسنّة رسوله (صلى الله عليه وآله) وبسيرة الخلفاء الصالحين .
__________
(1) يراجع صلح الحسن، لآل ياسين : ص259، وقد اعتمد في نقله على اُمهات الكتب والمصادر التاريخية كالطبري وابن الأثير وابن قتيبة والمقاتل وغيرها .


الصفحة 147

2 ـ أن يكون الأمر للحسن من بعده، فإن حدث به حدث فلأخيه الحسين، وليس لمعاوية أن يعهد إلى أحد .
3 ـ أن يترك سبّ أمير المؤمنين والقنوت عليه بالصلاة، وأن لا يذكر عليّاً إلاّ بخير .
4 ـ استثناء ما في بيت مال الكوفة وهو خمسة آلاف ألف، فلا يشمله تسليم الأمر، وعلى معاوية أن يحمل إلى الحسن ألفي ألف درهم، وأن يُفضّل بني هاشم في العطاء والصِلات على بني عبد شمس، وأن يفرِّق في أولاد من قتل مع أمير المؤمنين يوم الجمل، وأولاد من قتل معه بصفّين ألف ألف درهم، وأن يجعل ذلك من خراج دار أبجر .
5 ـ على أنّ الناس آمنون حيث كانوا من أرض الله في شامهم وعراقهم وحجازهم ويمنهم، وأن يؤمن الأسود والأحمر، وأن يحتمل معاوية ما يكون من هفواتهم، وأن لا يتبع أحداً بما مضى، ولا يأخذ أهل العراق بإحنة .
وعلى أمان أصحاب عليّ حيث كانوا، وأن لا ينال أحداً من شيعة عليّ بمكروه، وأنّ أصحاب عليّ وشيعته آمنون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم، وأن لا يتعقّب عليهم شيئاً ولا يتعرّض لأحد منهم بسوء، ويوصل إلى كلّ ذي حقّ حقّه، وعلى ما أصاب أصحاب عليّ حيث كانوا .
وعلى أن لا يبغي للحسن بن عليّ ولا لأخيه الحسين ولا لأحد من أهل بيت رسول الله غائلة، سرّاً ولا جهراً، ولا يخيف أحداً منهم في أفق من الآفاق.
وقد اعتبر بعض الباحثين المادة الرابعة من موضوعات الأُمويين أو العباسيين لتشويه صورة أهل البيت (عليهم السلام) وبخاصة الإمام الحسن (عليه السلام)،


الصفحة 148

باعتبار أنّ هذه المادة لا تتناسب وشأن الإمام الحسن (عليه السلام) ومقامه(1) . والله أعلم .
هذه إذن هي المواد الخمس التي أوصلها لنا التاريخ كأسس للصلح بين الحسن ومعاوية، أو على الأقلّ أنّها تمثل طبيعة الشروط التي أملاها الإمام (عليه السلام) على معاوية .

أسباب الصلح كما تُصَورّها النصوص عن الإمام الحسن (عليه السلام) :

1 ـ روى الشيخ الصدوق في " علل الشرايع " بسنده عن أبي سعيد عقيصا الذي سأل الإمام الحسن (عليه السلام) عن السبب الذي دفعه إلى الصلح مع معاوية من أنّه (عليه السلام) يعلم أنّه على الحقّ وأنّ معاوية ضالّ وظالم، فأجابه الإمام (عليه السلام) : " يا أبا سعيد، ألستُ حجّة الله تعالى ذكره على خلقه، وإماماً عليهم بعد أبي (عليه السلام) ؟ قلتُ : بلى، قال : ألستُ الذي قال رسولُ الله (صلى الله عليه وآله) لي ولأخي : الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا ؟ قلتُ : بلى، قال : فأنا إذن إمام لو قمتُ، وأنا إمام إذا قعدتُ، يا أبا سعيد عِلّةُ مصالحتي لمعاوية علّة مصالحة رسول الله (صلى الله عليه وآله) لبني ضُمْرة وبني أشجع، ولأهل مكة حين انصرف من الحديبية، أُولئك كفّار بالتنزيل ومعاوية وأصحابه كفّار بالتأويل، يا أبا سعيد إذا كنتُ إماماً من قبل الله تعالى ذكره لم يجب أن يُسَفَّه رأيي فيما أتيته من مهادنة أو محاربة، وإن كان وجه الحكمة فيما أتيته مُلتبساً، ألا ترى الخضر (عليه السلام) لمَّا خرق السفينة وقتل الغلام وأقام الجدار سخط موسى (عليه السلام) فعله؟ لاشتباه وجه الحكمة عليه حتى أخبره فرضي. هكذا أنا، سخطتم عليّ بجهلكم بوجه الحكمة فيه، ولو لا ما أتيت لما ترك من شيعتنا على وجه الأرض أحدٌ إلاّ قُتِل "(2).
__________
(1) زندگانى امام حسن : 223 .
(2) علل الشرايع : 200 .


الصفحة 149

ونقل الطبرسي في " الاحتجاج "(1) شبيه هذا السبب عن الإمام الحسن (عليه السلام) .
2 ـ ذكر زيد بن وهب الجهني أنّه بعد أن جُرح الإمام (عليه السلام) في المدائن، سألته عن موقفه الذي سيتّخذه في هذه الظروف، فأجاب (عليه السلام) : " أرى والله معاوية خيراً لي من هؤلاء، يزعمون أنّهم لي شيعة، ابتغوا قتلي وانتهبوا ثقلي، وأخذوا مالي، والله لأن آخذ من معاوية عهداً أحقن به دمي وآمَن به في أهلي خيرٌ من أن يقتلوني فيضيع أهل بيتي وأهلي، والله لو قاتلتُ معاوية لأخذوا بعنقي حتى يدفعوني إليه سِلْماً، فو الله لإن أسالمه وأنا عزيز خيرٌ من أن يقتلني وأنا أسيره أو يَمُنّ عليّ فتكون سُبّةً على بني هاشم إلى آخر الدّهر، ومعاوية لا يزال يَمُنُّ بها وعقبه على الحيّ منّا والميت ... "(2) .
3 ـ وذكر سليم بن قيس الهلالي أنه عندما جاء معاوية إلى الكوفة; صعد الإمام الحسن (عليه السلام) المنبر بحضوره، وبعد أن حمد الله تعالى وأثنى عليه، قال : " أيّها الناس إنّ معاوية زعم أنّي رأيته للخلافة أهلاً، ولم أر نفسي لها أهلاً، وكذب معاوية، أنا أولى الناس بالناس في كتاب الله وعلى لسان نبيّ الله، فاُقسم بالله لو أنّ الناس بايعوني وأطاعوني ونصروني لأعطتهم السماء قَطْرَها، والأرضُ بركتها، ولما طمعتَ فيها يا معاوية، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : ما ولّت أُمة أمرها رجلاً قطّ وفيهم من هو أعلم منه إلاّ لم يزل أمرُهم يذهب سِفالاً، حتى يرجعوا إلى ملّة عبدةِ العجل ... "(3) .
4 ـ وعن سبب الصلح روى العلاّمة القندوزي في " ينابيع المودة " أنّ الإمام الحسن (عليه السلام) ألقى في الناس خطاباً جاء فيه : " أيّها الناس قد علمتم أنّ الله
__________
(1) بحار الأنوار : 44 / 19 .
(2) الاحتجاج للطبرسي : 148 .
(3) بحار الأنوار : 44 / 22 .


الصفحة 150

(جلّ ذكره وعزّ اسمه) هداكم بجدَّي وأنقذكم من الضلالة، وخلّصكم من الجهالة، وأعزّكم به بعد الذلّة، وكثّركم به بعد القلّة، وأنّ معاوية نازعني حقّاً هو لي دونه، فنظرت لصلاح الأُمة وقطع الفتنة، وقد كنتم بايعتموني على أن تُسالموا من سالمني وتحاربوا مَن حاربني، فرأيتُ أن أسالم معاوية وأضعَ الحرب بيني وبينه، وقد صالحته ورأيتُ أنّ حقن الدماء خيرٌ من سفكها، ولم أرد بذلك إلاّ صلاحكم وبقاءكم (وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ)"(1) .
5 ـ في رواية نقلها السيد المرتضى (رحمة الله عليه) أنّ حجر بن عدي اعترض على الإمام (عليه السلام) بعد موافقته على الصلح وقال له : "سوّدت وجوه المؤمنين" فأجابه الإمام (عليه السلام) : "ما كلُّ أحد يحبُّ ما تحبّ ولا رأيه كرأيك، وإنّما فعلتُ ما فعلتُ إبقاءً عليكم" .
وبعد ذلك أشار إلى أنّ شيعة الإمام (عليه السلام) اعترضوا على الصلح وأعربوا عن تأسّفهم لقرار الإمام (عليه السلام)، ومن بينهم سليمان بن صرد الخزاعي الذي قال للإمام : "ما ينقضي تعجّبنا من بيعتك معاوية، ومعك أربعون ألف مقاتل من أهل الكوفة، كلّهم يأخذ العطاء، وهم على أبواب منازلهم، ومعهم مثلهم من أبنائهم وأتباعهم، سوى شيعتك من أهل البصرة والحجاز، ثم لم تأخذ لنفسك ثقة في العقد، ولا حظّاً من العطيّة، فلو كنت إذ فعلتَ ما فعلتَ أشهدت على معاوية وجوه أهل المشرق والمغرب، وكتبت عليه كتاباً بأنّ الأمر لك بعده، كان الأمر علينا أيسر، ولكنّه أعطاك شيئاً بينك وبينه لم يفِ به، ثم لم يلبث أن قال على رؤوس الأشهاد : " إنّي كنتُ شرطتُ شروطاً ووعدتُ عداة إرادة لإطفاء نار الحرب، ومداراةً لقطع الفتنة، فلمّا أن جمع
__________
(1) ينابيع المودة : 293 .

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة