الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة 111

الباب الثالث:

فيه فصول:
الفصل الأول: عصر الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام).
الفصل الثاني: مواقف الإمام وإنجازاته.

1 ـ من البيعة إلى الصلح.
2 ـ الصلح : أسبابه ونتائجه.
3 ـ ما بعد الصلح حتى الشهادة.
4 ـ شهادة الإمام ومثواه الأخير.

الفصل الثالث: تراث الإمام المجتبى (عليه السلام).


الصفحة 112


الصفحة 113

الفصل الأول:
عصر الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)

إنّ الخوارج حينما خرجوا على أمير المؤمنين (عليه السلام) وتمرّدوا عليه; لم يكن لحركتهم أيّة ميزة على غيرهم من المتمرّدين عليه كطلحة والزبير ومعاوية وغيرهم، ولم يكن لهم هدف خاص كما كان لمعاوية وطلحة والزبير، وما ينسبه لهم المؤرّخون من الجدل حول التحكيم مع أنّهم من أنصاره في بداية الأمر ـ ونتائجه لم يلتزم بها أمير المؤمنين (عليه السلام) إن صحّ ـ يدلّ على أنّهم كانوا في منتهى السذاجة والعفوية، وأنّهم كانوا ضحايا المتآمرين على أمير المؤمنين بقصد إثارة الفتن في جيشه وإلهائه عن معاوية والرجوع لحربه، وكان لمقتلهم آثاره السيئة في نفوس الكثيرين من أصحابه، لأنّ القتلى كان أكثرهم ينتمي إلى عشائر الكوفة والبصرة، فليس بغريب إذا ترك قتلهم في نفوس من ينتمون إليهم ما يجده كلّ قريب لفقد قريبه .

ولمّا انتهى أمير المؤمنين منهم دبّ الوهن والتخاذل والخلاف بين أصحابه، فجعل يستحثّهم على الخروج معه لحرب معاوية ويخطب فيهم المرّة تلو الأخرى فلا يجد منهم إلاّ التخاذل والخلاف عليه، فيقولون : لقد نفدت نبالنا وكلّت أذرعنا ونصلت أسنّة رماحنا وتقطعت سيوفنا، فأمهلنا


الصفحة 114

لنستعد فإنّ ذلك أقوى لنا على عدوّنا، واستمر على ذلك مدّة من الزمن كان يدعوهم بين الحين والآخر للخروج إلى معسكرهم في النخيلة، فلا يخرج إلاّ القليل الذي لا يغني شيئاً(1) .
هذا والأشعث بن قيس وشبث بن ربعي وأمثالهما لا همَّ لهم إلاّ التخريب وبثّ روح التخاذل في النفوس، وراح يضع في أذهان الجيش أنّ عليّاً كان عليه أن يصنع مع أهل النهروان كما صنع عثمان ويتغاضى عنهم وهم قلّة لا يشكّلون خطراً عليه، لقد قال الأشعث ذلك ليحدث تصدّعاً في صفوف الجيش وليشحن نفوس من تربطهم بأولئك القتلى أنساب وقرابات بالكراهية والعداء لعليّ (عليه السلام) .
وسرت مقالة الأشعث بين الناس فزادتهم تخاذلاً وتصدعاً(2)، وأُتيح لمعاوية أن يتّصل بسراتهم ورؤسائهم أكثر من قبل، تحمل كتبه لهم الوعود والأماني، ويقدّم بين يدي الوعود والأماني العطايا والصلات يعجّل لهم ما يرغبون في عاجله وما يغري قليله المعجّل بكثيره الموعود، حتى اشترى ضمائرهم وأفسدهم على إمامهم وجعلهم يعطونه الطاعة بأطراف ألسنتهم ويطوون قلوبهم على المعصية والخذلان .
لقد استطاع المتآمرون من أهل العراق أن يحقّقوا لمعاوية كلّ أطماعه وأن يشلّوا حركة الإمام (عليه السلام) ويخلقوا له من المصاعب والمشاكل ما يشغله عن لقاء أهل الشام مرّة ثانية، فلم تنته معركة النهروان حتى ظهرت فُلولُهم في أكثر من ناحية في العراق، وتركت معركة النهروان في أهاليهم وقبائلهم
__________
(1) راجع أعيان الشيعة: 1 / 524 طبعة دار التعارف سيرة المؤمنين ( مبحث الخوارج ) عن ابن الأثير.
(2) راجع أعيان الشيعة: 1 / 524 طبعة دار التعارف سيرة المؤمنين ( مبحث الخوارج ) عن ابن الأثير.


الصفحة 115

أوتاراً لم يكن من السهل نسيانها، لا سيَّما وأنّ أيدي المتآمرين ممن كانوا على صلة بمعاوية كانت تزوّدهم بالأموال والعتاد فيخرج الرجل ومعه المائة والمئتان، فيضطر أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى أن يرسل إليهم رجلاً من أصحابه ومعه طائفة من الجند فيقاتل المتمرّدين، حتى إذا قتلهم أو شرّدهم; عاد إلى الكوفة، وقبل أن يستقرّ يخرج آخر بجماعة من المتمرّدين .
وهكذا كانت الحالة بعد معركة النهروان حتى خرج الخريت بن راشد، وقد جاءه قبل خروجه، وقال له : والله إنّي لا أطيعك ولا أصلي خلفك لأنّك حكّمت الرجال وضعفت عن الحق، فقال له : إذن تعصي ربّك وتنكث عهدك ولا تضرّ إلاّ نفسك، ودعاه للمناظرة، فقال له : أعود إليك غداً، فقبل منه وأوصاه أن لا يؤذي أحداً من الناس ولا يعتدي على الدماء والأموال والأعراض فخرج ولم يعد، وكان مطاعاً في قومه بني ناجية وخرج معه جماعة في ظلمة الليل والتقى في طريقه برجلين وكان أحدهما يهودياً والآخر مسلماً، فقتلوا المسلم، وعاد اليهودي إلى عامل عليّ على السواد فأخبره بأمرهم فكتب العامل لأمير المؤمنين فأرسل إليهم جماعة من أصحابه وأمره بردّهم إلى الطاعة ومناجزتهم إن رفضوا ذلك، وحدثت بينه وبين الخريت وجماعته مناظرة لم تجد شيئاً، فطلب منهم أصحاب أمير المؤمنين أن يسلموهم قتلة المسلم فأبوا إلاّ الحرب، وكانت بين الطرفين معارك دامية، فأرسل إليهم أمير المؤمنين قوة أخرى، وكتب إلى عبد الله بن العباس وكان أميراً على البصرة يأمره بملاحقتهم، والخريت مرّة يدّعي بأنّه يطلب بدم عثمان، وأخرى ينكر على عليّ (عليه السلام) التحكيم .
وأخيراً قتل الخريت وجماعة من أصحابه وأُسر منهم خمسمئة


الصفحة 116

قادوهم إلى الكوفة، فمرّ بهم الجيش على مصقلة بن هبيرة الشيباني وكان عاملاً لعلي(عليه السلام) على بعض المقاطعات فاستغاث به الأسرى فرقّ لحالهم كما تزعم بعض الروايات، واشتراهم من القائد على أن يسدّد أثمانهم أقساطاً وأعتقهم، وجعل يماطل في أداء ما عليه، ولمّا طالبه عبد الله بن عباس بأداء المبلغ أجابه : لو طلبت هذا المبلغ وأكثر منه من عثمان ما منعني إيّاه، ثم هرب إلى معاوية فاستقبله استقبال الفاتحين وأعطاه ما يريد .
وطمع مصقلة أن يستجلب أخاه نعيم بن هبيرة إلى جانب معاوية، فأرسل إليه رسالة مع رجل من نصارى تغلب كان يتجسّس لصالح معاوية، ولم يكد يبلغ الكوفة حتى ظهر أمره فأخذه أصحاب أمير المؤمنين وقطعوا يده.
إلى كثير من أمثال هذه الحوادث التي تدين المتمرّدين ومن كان يعاونهم بالتآمر وإشاعة الفوضى في جميع أطراف الدولة لاستنزاف قوة الإمام في الداخل وليكون في شغل عن معاوية وتصرفاته .
ومن غير البعيد أن يكون مصقلة الشيباني على صلة بالمتمرّدين وأنّ حرصه على تخليصهم من الأسر لقاء مبلغ من المال يعجز عن دفعه لم يكن بدافع إنساني كما يبدو ذلك لأول نظرة في حادثة من هذا النوع، بل كان بدافع الإحساس بمسؤوليته عن فئة كان يشترك معها في الهدف والغاية ويمنيها بالمساعدة عندما تدعو الحاجة، وقد لقي من معاوية هذا الترحيب لأنّه اشترك في الفساد والفوضى وساعد المخرّبين الذين جرّعوا عليّاً (عليه السلام) الغصص وأرهقوه من أمره عسراً وكانوا إلى ابن هند فرجاً ومخرجاً .
أمّا أمير المؤمنين (عليه السلام) فلم يزد حين بلغه فرار مصقلة إلى الشام على أن


الصفحة 117

قال : "ما له قاتله الله؟ فعل فعل الأحرار وفرّ فرار العبيد" وأمر بداره فهدمت(1) .
وقد أتيح لمعاوية في ذلك الجوّ الذي ساد العراق في الداخل أن يتحرك من ناحيته على القرى والمدن المتاخمة لحدود الشام فيقتل وينهب وينكّل بقوّات المخافر المرابطة على الحدود بدون رادع من أحد ووازع من دين، وأمير المؤمنين (عليه السلام) يدعو أهل العراق لنجدة إخوانهم وملاحقة المعتدين فلا يجد منهم ما يرضيه .
وأغارت قوات معاوية على الحجاز واليمن بقيادة بسر بن أرطاة وأوصاه باستعمال كلّ ما من شأنه إشاعة الفوضى وبثّ الخوف والرعب في تلك البلاد، فمضى ابن أرطاة ينفّذ أمر معاوية فأسرف في الاستخفاف بالدماء والحرمات والأعراض والأموال في طريقه إلى المدينة، ولمّا بلغ المدينة قابل أهلها بكلّ أنواع الإساءة والقسوة فقتل فيها عدداً كبيراً واضطرّهم إلى بيعة معاوية، وكانت أخباره قد انتهت إلى اليمن فانتشر فيها الخوف والرعب، وفرّ منها عامل أمير المؤمنين عبيد الله بن العباس، ولمّا دخلها أسرف في القتل والنهب والتخريب، ووجد طفلين صغيرين لعبيد الله ابن العباس، فذبحهما في حضن أمهما، فأصابها خلل في عقلها وظلّت تندبهما وتبكيهما حتى ماتت غماً وكمداً(2) .
وجهّز جيشاً آخر لغزو مصر ليحقّق لابن العاص أمنيته الغالية، وولاّه قيادة ذلك الجيش، ولمّا بلغ أمير المؤمنين; ذلك دعا أهل الكوفة لنجدة إخوانهم في مصر فلم يستجيبوا لطلبه، وبعد أن ألحّ عليهم أجابه جماعة منهم
__________
(1) راجع أعيان الشيعة : 1 / 525 ـ 526 .
(2) تأريخ اليعقوبي : 2 / 195 ـ 199 .


الصفحة 118

وما لبث أن جاءته الأنباء بأنّ ابن العاص قد تغلّب عليها وقتل وإليها محمد بن أبي بكر ومَثَّلَ به ثم أحرقه، فانتدب مالك بن الحرث الأشتر وولاّه عليها لإنقاذها من أيدي الغزاة، وكان كما يصفه المؤرّخون حازماً قوياً مخلصاً لأمير المؤمنين كما كان أمير المؤمنين لرسول الله على حدّ وصف الإمام وغيره له .
ولمّا بلغ معاوية نبأ اختياره حاكماً في مصر اضطرب واشتدّ خوفه على أنصاره وقواته المرابطة فيها، واستطاع بعد تفكير طويل أن يجد المخرج من تلك الأزمة التي أحاطت به، فأغرى أحد أنصاره ممّن يسكنون الطريق التي لا بدّ للأشتر من المرور عليها بالمال لقاء اغتياله، ولمّا بلغ الأشتر ذلك المكان ونزل فيه جاءه بعسل مسموم كان قد أعدّه له بناءً لتخطيط معاوية، فكانت به نهايته(1)، وكان ناجحاً في التخلّص من خصومه بهذا الأسلوب، فقد قتل ابن خاله محمد بن أبي حذيفة وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد وسعد بن أبي وقاص والإمام أبا محمد الحسن (عليه السلام) بهذا الأسلوب، وأحياناً كان يتباهى به ويقول : إنّ لله جنداً من العسل ينتقم به لأوليائه .
وتوالت الأحداث في داخل العراق والبلاد التي كانت تخضع لسلطة أمير المؤمنين، فلم يكن يفرغ من تمرّد حتى يفاجأ بآخر ولا يسدّ ثغرة إلاّ فتحت له أخرى حتى طمع فيه معاوية إلى حدود الاستخفاف(2)، هذا وأصحابه بالرغم مما يجري حولهم وعلى حدود بلادهم وفي خارجها من احتلال لبعض المقاطعات وقتل ونهب ممعنون في خلافه مفرقون فيما أحبّوا من
__________
(1) تأريخ اليعقوبي : 2 / 193 ـ 194 .
(2) راجع أعيان الشيعة : 1 / 528 ـ 530، وتاريخ اليعقوبي : 2 / 195 ـ 200 .


الصفحة 119

طلب العاقبة، إذا استنفرهم لا ينفرون وإذا دعاهم لا يجيبون، يتعللون بالأعذار الواهية كحر الصيف وبرد الشتاء، ولا يغضبون لحقّ أو دين ولا للمشرّدين والمستضعفين حتى كان يتمنّى فراقهم بالموت أو القتل ويبكي أحياناً على من مضى من أنصاره ويقول : "متى يبعث أشقاها فيخضب هذه من هذا ؟" مشيراً إلى رأسه الكريم ولحيته الشريفة، ويتمنّى لو أنّ معاوية صارفه فيهم صرف الدينار بالدرهم فأخذ منه عشرة وأعطاه واحداً من أهل الشام، ووطّن نفسه أخيراً أن يخرج لحرب معاوية بمن هم على رأيه من أهله وعشيرته وأنصاره، فيقتل بهم حتى يلقى الله في سبيل الحقّ والعدل، وتحدّث إليهم حديثاً لا لبس فيه، وحمّلهم تبعات ما سينجم عن تخاذلهم(1) .
وكان ـ على ما يبدو ـ لهذا الموقف الحازم منه أثره في نفوس القوم بعد أن أيقنوا بأنّه سيخرج بنفسه وأهله وخاصته إلى معاوية، وسيلحقهم بذلك الخزي والعار ويصبحون حديث الأجيال إذا هم تركوه يخرج على هذه الحال، فردّ عليه زعماؤهم ردّاً جميلاً، وجمع كلّ رئيس منهم قومه وتداعوا للجهاد من كلّ جانب وتعاقدوا على الموت معه، حتى أصبحت الحرب حديث الناس، وأرسل إلى عمّاله في مختلف المناطق يدعوهم للاشتراك معه بمن عندهم من الجيوش والمقاتلين .
وخرج الناس إلى معسكراتهم في النخيلة ينتظرون انسلاخ شهر رمضان من سنة أربعين لهجرة النبي (صلى الله عليه وآله)، وأرسل أمير المؤمنين(عليه السلام)
__________
(1) نهج البلاغة الخطبة 177، طبعة محمد عبده .


الصفحة 120

زياد بن حفصة في جماعة من أصحابه طليعة بين يديه، وبقي هو مع الجيش ينتظر انسلاخ الشهر المبارك، وإذا بالقدر ينقضّ عليه وعلى أهل العراق فيكمن له أشقى الأولين والآخرين في فجر اليوم التاسع عشر من ذلك الشهر وهو في بيت الله فيضربه على رأسه الشريف وهو يصلّي لربّه، فيخرّ منها في محرابه وهو يقول: " فزت وربّ الكعبة "(1) .
__________
(1) راجع سيرة الأئمة الاثني عشر : 1 / 446 ـ 451 .

 

الصفحة 121

الفصل الثاني:
مواقف الإمام (عليه السلام) وإنجازاته

البحث الأول : من البيعة إلى الصلح

1 ـ خطبة الإمام الحسن (عليه السلام) يوم شهادة أبيه (عليه السلام) :

تحدّث أغلب المؤرّخين عن أنّ الإمام الحسن (عليه السلام) ألقى في صباح الليلة التي دَفَنَ فيها أباه (عليه السلام) خطبةً في الناس جاء فيها :
" أيّها الناس! في هذه الليلة نزل القرآن، وفي هذه الليلة رُفع عيسى بن مريم، وفي هذه الليلة قُتل يوشع بن نون، وفي هذه الليلة مات أبي أمير المؤمنين (عليه السلام)، والله لا يسبق أبي أحد كان قبله من الأوصياء إلى الجنّة، ولا مَن يكون بعده، وإن كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) لَيبعثه في السرية فيقاتل جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن يساره، وما ترك صفراء ولا بيضاء إلاّ سبعمئة درهم فضلت من عطائه كان يجمعها ليشتري بها خادماً لأهله "(1) .
ونقل الشيخ المفيد في "الإرشاد" الخطبة بهذه الصورة :
" وروى أبو مخنف لوط بن يحيى، قال : حدّثني أشعث بن سوار عن أبي إسحاق السبيعي وغيره، قالوا : خطب الحسن بن عليّ (عليه السلام) في صبيحة الليلة التي قُبض فيها أمير المؤمنين (عليه السلام) فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على
__________
(1) الأمالي : 192 .


الصفحة 122

رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم قال : "لقد قُبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأوّلون بعمل ولا يدركه الآخرون بعمل، لقد كان يجاهد مع رسول الله فيقيه بنفسه، وكان رسول الله(صلى الله عليه وآله) يوجّهه برايته فيكنفه جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن شماله، ولا يرجع حتى يفتح الله على يديه .
ولقد توفّي (عليه السلام) في الليلة التي عُرِج فيها بعيسى بن مريم، وفيها قبض يوشع بن نون وصيّ موسى (عليه السلام) وما خلّف صفراء ولا بيضاء إلاّ سبعمئة درهم، فَضُلت عن عطائه أراد أن يبتاع بها خادماً لأهله "
.
ثم خنقته العَبرة فبكى وبكى الناس معه، ثم قال : " أنا ابن البشير أنا ابن النذير، أنا ابن الداعي إلى الله بإذنه، أنا ابن السراج المنير، أنا من أهل بيت أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، أنا من أهل بيت فرض الله مودّتهم في كتابه فقال تعالى : (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً)(1)، فالحسنة مودّتنا أهل البيت "(2) .

2 ـ بيعة الإمام الحسن (عليه السلام) :

ولمّا أنهى الإمام (عليه السلام) خطابه، انبرى عبيد الله بن العباس فحفّز المسلمين إلى المبادرة لمبايعته قائلاً :
"معاشر الناس، هذا ابن نبيّكم، ووصيّ إمامكم فبايعوه". واستجاب الناس لهذه الدعوة المباركة، فهتفوا بالطاعة، وأعلنوا الرضا والانقياد قائلين :
__________
(1) الشورى (23) : 33 .
(2) علاوة على الإرشاد، نُقلت الرواية في أمالي الطوسي وتفسير فرات، كما أنّ الكثير من كتب أهل السنة نقلت ما يماثل الروايتين، راجع " ملحقات إحقاق الحق ": 11 / 182 ـ 193 .


الصفحة 123

"ما أحبّه إلينا وأوجب حقّه علينا وأحقّه بالخلافة "(1) . وتمّت البيعة له في يوم الجمعة المصادف الحادي والعشرين من شهر رمضان في سنة (40) للهجرة(2) .
وثم نزل الحسن عن المنبر فرتّب العمّال وأمّر الأُمراء ونظر في الأمور، وأنفذ عبد الله بن العباس إلى البصرة(3).
كان أوّل شيء أحدثه الحسن بن عليّ (عليه السلام) أنّه زاد المقاتلة مئة مئة، وقد كان أبوه فعل ذلك يوم الجمل، والحسن (عليه السلام) فعله على حال الاستخلاف فتبعه الخلفاء بعد ذلك(4) .

3 ـ الإمام الحسن (عليه السلام) يقتصّ من قاتل أمير المؤمنين (عليه السلام) :

وفي اليوم الذي بايع الناس الإمام الحسن (عليه السلام) وبعد إتمام البيعة أمر بإحضار عبد الرحمن بن ملجم فلمّا مثل بين يديه قال له ابن ملجم : ما الذي أمرك به أبوك ؟ فأجابه الإمام (عليه السلام) : "أمرني أن لا أقتل غير قاتله، وأن أُشبع بطنك وأُنعم وطأك"(5) . ثم ضرب عنقه، ولم يمثِّل به.

4 ـ جهاد الإمام الحسن (عليه السلام) :

يكشف النصّ التاريخي ـ الذي نقلناه سابقاً عن قيام الإمام (عليه السلام)
__________
(1) مقاتل الطالبيين : 34 .
(2) الإرشاد : 4 / 15 .
(3) أعيان الشيعة : 4 / 14 .
(4) مقاتل الطالبيين : 35 طبعة المكتبة الحيدرية ـ النجف 1385 .
(5) تاريخ اليعقوبي : 2 / 191، وتاريخ الطبري: 6 / 86، ومقاتل الطالبيين: 16، وتاريخ ابن الأثير: 3 / 170 .


الصفحة 124

بمضاعفة الأجور التي كان يتقاضاها المقاتلة ـ عن موقف الإمام (عليه السلام) الجادِّ من الحرب وإصراره الأكيد في مجابهة معاوية كما يتّضح من عمله في إصلاح حال جيشه وبنائه له .
وقد أخذ الإمام (عليه السلام) جانب الحزم في موقفه من معاوية، حيث إنّ معاوية لمّا علم بوفاة أمير المؤمنين (عليه السلام) وبيعة الناس مع الإمام الحسن(عليه السلام) دسّ رجلاً من حمير إلى الكوفة ورجلاً من بني القين إلى البصرة ليكتبا إليه بالأخبار ويفسدا على الإمام (عليه السلام) الأمور، فعرف ذلك الإمام فأمر باستخراج الحميري من عند لحّام بالكوفة، فأُخرج وأمر بضرب عنقه وكتب إلى البصرة باستخراج القيني من بني سليم فأُخرج وضربت عنقه(1) .
ثم كتب الإمام (عليه السلام) إلى معاوية : "أمّا بعد، فإنّك دسست إليّ الرجال كأنّك تحبّ اللقاء، لا أشك في ذلك، فتوقعه إن شاء الله، وبلغني عنك أنّك شمتّ بما لم يشمت به ذوو الحجى وأنّما مثلك في ذلك كما قال الأول :

فقل للذي يبقى خلاف الذي مضى = تجهّز لأخرى مثلها فكأن قدِ "(2)

لقد كانت هذه الحادثة إنذاراً لمعاوية بالحرب وتهديداً له وقطعاً لآماله بالاستيلاء على الكوفة بسلام .
وفي كتاب آخر من الإمام (عليه السلام) لمعاوية جواباً على رسالته التي لمّح فيها للصلح وطلب فيها من الإمام (عليه السلام) أن يبايعه على أن يجعل له ولاية العهد، نلاحظ قوة موقف الإمام وعدم اهتمامه بمثل هذه العروض التي كان يحاول فيها معاوية استمالة جانب الإمام، يقول (عليه السلام) :

__________
(1) مقاتل الطالبيين : 33 .
(2) مقاتل الطالبيين : 33 .


الصفحة 125

"أمّا بعد، فقد وصل إليّ كتابك فتركت جوابك خشية البغي عليك، فاتبع الحقّ تعلم أنّي من أهله، والسلام"(1) .
ولم يتجاوز عدد الرسائل التي كانت بين الإمام (عليه السلام) ومعاوية الخمس حسبما يذكر ذلك أبو الفرج وآخرون. والسبب في ذلك هو ما كان يحمله معاوية من نزعات جعلته من الذين لا يستجيبون للحقّ ولا يذعنون لأهله، بل إنّ تلك النزعات قد اشتدت بعد استشهاد أمير المؤمنين (عليه السلام) حيث قويت مطامعه بالخلافة التي كان يفتقد لأبسط مقوماتها وشروطها من وجهة نظر إسلاميّة.
وبالرغم من ذلك فإنّ الإمام الحسن (عليه السلام) واصل نهج والده(عليه السلام) كما كان يقتضيه التكليف الإلهي بإتمام الحجّة على خصمه فأرسل إليه أكثر من رسالة في هذا الإطار، بالرغم ممّا كان يعرفه عنه من نزعات غير خيّرة، ننقل هنا أكثرها شمولية :
من الحسن بن عليّ أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان، سلام عليك، فإنّي أحمد إليك الله الذي لا إله إلاّ هو، أمّا بعد فإنّ الله جلّ جلاله بعث محمداً رحمةً للعالمين، ومنّةً للمؤمنين، وكافّةً للناس أجمعين، (لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيّاً وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ)، فبلّغ رسالات الله، وقام بأمر الله حتى توفّاه الله غير مقصّر ولا وان، وبعد أن أظهر الله به الحقّ، ومحق به الشرك، وخصّ به قريشاً خاصة فقال له : (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ)، فلمّا توفيّ تنازعت سلطانه العرب، فقالت قريش : نحن قبيلته وأسرته وأولياؤه، ولا يحلّ لكم أن تنازعونا سلطان محمد وحقّه، فرأت العرب أنّ القول ما قالت
__________
(1) مقاتل الطالبيين : 38 .


الصفحة 126

قريش، وأنّ الحجّة في ذلك لهم على من نازعهم أمر محمد، فأنعمت لهم وسلّمت إليهم، ثم حاججنا قريشاً بمثل ما حاججت به العرب، فلم تنصفنا قريش إنصاف العرب لها، إنّهم أخذوا هذا الأمر دون العرب بالانتصاف والاحتجاج، فلمّا صرنا أهل بيت محمد وأولياءه إلى محاجّتهم، وطلب النَّصَف منهم; باعدونا واستولوا بالإجماع على ظُلمِنا ومَراغمتنا والعَنَت منهم لنا، فالموعد الله، وهو الولي النصير .
ولقد كنّا تعجبنا لتوثّب المتوثّبين علينا في حقّنا وسلطان نبيّنا، وإن كانوا ذوي فضيلة وسابقة في الإسلام، وأمسكنا عن منازعتهم مخافة على الدين أن يجد المنافقون والأحزاب في ذلك مغمزاً يثلمون به، أو يكون لهم بذلك سببٌ إلى ما أرادوا من إفساده، فاليوم فليتعجّب المتعجّب من توثّبك يا معاوية على أمر لست من أهله، لا بفضل في الدين معروف، ولا أثر في الإسلام محمود، وأنت ابن حزب من الأحزاب، وابن أعدى قريش لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ولكتابه، والله حسيبك، فستردُّ فتعلم لمن عقبى الدار، وبالله لتلقينَّ عن قليل ربّك، ثمّ ليجزينّك بما قدّمت يداك، وما الله بظلاّم للعبيد .
إنّ عليّاً لمّا مضى لسبيله ـ رحمة الله عليه ـ يوم قبض ويوم منّ الله عليه بالإسلام ويوم يبعث حيّاً ولاّني المسلمون الأمر بعده، فأسأل الله ألاّ يؤتينا في الدنيا الزائلة شيئاً ينقصنا به في الآخرة ممّا عنده من كرامة، وإنّما حملني على الكتاب إليك الإعذار فيما بيني وبين الله عَزَّ وجَلَّ في أمرك، ولك في ذلك إن فعلته الحظّ الجسيم، والصلاح للمسلمين، فدعِ التمادي في الباطل، وادخل فيما دخل فيه الناس مِن بيعتي، فإنّك تعلم أنّي أحقّ بهذا الأمر منك عند الله وعند كلّ أوّاب حفيظ، ومن له قلب منيب، واتّق الله ودعِ البغي واحقن دماء المسلمين، فوالله ما لك خير في أن تلقى الله من دمائهم بأكثر ممّا أنت لاقيه به، وادخل في السلم والطاعة، ولا تنازع الأمر أهله ومَن هو أحقّ به منك ليطفئ الله النائرة بذلك، ويجمع الكلمة ويصلح ذات البين، وإن أنت أبيت إلاّ التمادي في غيّك سِرتُ إليك بالمسلمين


الصفحة 127

فحاكمتك، حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين(1) .
وجاء في جواب معاوية على رسالة الإمام (عليه السلام) هذه :
" .. قد علمتَ أنّي أطول منك ولايةً، وأقدم منك بهذه الأُمة تجربةً، وأكبر منك سنّاً، فأنت أحقّ أن تجيبني إلى هذه المنزلة التي سألتني، فادخل في طاعتي، ولك الأمر من بعدي، ولك ما في بيت مال العراق من مال بالغاً ما بلغ، تحمله إلى حيث أحببت، ولك خراج أيّ كور في العراق شئت معونة لك على نفقتك يجبيها أمينك ويحملها لك في كلّ سنة، ولك أن لا يستولى عليك بالإساءة، ولا تقضى دونك الأمور، ولا تعصى في أمر أردت به طاعة الله ... "
(2) .
تُصوّر هذه الرسالة بوضوح كيف أنّ مقام الخلافة الإلهية المقدّسة ليس عند معاوية إلاّ سلعةً تُشترى ويُدفع ثمنها من بيت مال المسلمين وليس من مال معاوية الخاص، وهي كذلك تؤكّد تعدّيه أمر الرسول (صلى الله عليه وآله) وهو أمر الله تعالى له في استخلاف أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ونصبهم للإمامة من بعده.

5 ـ تحرك معاوية نحو العراق وموقف الإمام (عليه السلام) :

وبدأ معاوية يعبّئ جيشه ويكتب لعمّاله بموافاته لغزو العراق، وفي بعض كتبه لعمّاله يذكر أنّ بعض أشراف الكوفة وقادتهم كتبوا إليه يلتمسون منه الأمان لأنفسهم وعشائرهم، وإن صح هذا فهو أول الخذلان الذي ارتكبه أهل الكوفة بحقّ الإمام الحسن (عليه السلام) .
وجاء في مذكرة رفعها معاوية ذات مضمون واحد إلى جميع عمّاله
__________
(1) مقاتل الطالبيين : 56 ـ 55 .
(2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 4 / 13 .


الصفحة 128

وولاته: " .. أمّا بعد، فالحمد لله الذي كفاكم مؤونة عدوّكم وقتلة خليفتكم، إنّ الله بلطفه أتاح لعلي بن أبي طالب رجلاً من عباده فاغتاله فقتله فترك أصحابه متفرّقين مختلفين، وقد جاءتنا كتب أشرافهم وقادتهم يلتمسون الأمان لأنفسهم وعشائرهم، فأقبلوا إليّ حين يأتيكم كتابي هذا بجهدكم وجندكم وحسن عدتكم، فقد أصبتم بحمد الله الثأر، وبلغتم الأمل، وأهلك الله أهل البغي والعدوان .."(1) .
ولمّا وصلت هذه الرسالة إلى عمّاله وولاته قاموا بتحريض الناس وحثّهم على الخروج والاستعداد لحرب ريحانة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسبطه، وفي أقرب وقت التحقت به قوىً كبيرة لا ينقصها شيء من العدّة والعدد .
ولمّا توفرت لمعاوية تلك القوة من المضلَّلين وأصحاب المطامع; زحف بهم نحو العراق وتولّى بنفسه قيادة الجيش، وأناب عنه في عاصمته الضحاك بن قيس الفهري، وقد كان عدد الجيش الذي نزح معه ستين ألفاً، وقيل أكثر من ذلك، ومهما كان عدده فقد كان مطيعاً لقوله، ممتثلاً لأمره، منفّذاً لرغباته ... وطوى معاوية البيداء بجيشه الجرّار، فلمّا انتهى إلى جسر منبج(2) أقام فيه، وجعل يحكم أمره ..(3).
وبدأ الإمام (عليه السلام) من جانبه يستنهض الكوفة للجهاد والسير لقتال معاوية بعد أن بلغه توجّهه نحو العراق، فبعث حجر بن عدي يأمر العمّال والناس بالتهيّؤ للمسير ونادى المنادي الصلاة جامعة فأقبل الناس يتوثّبون ويجتمعون ، فقال الإمام الحسن (عليه السلام) للمنادي : " إذا رضيتَ جماعة الناس
__________
(1) مقاتل الطالبيين : 38 ـ 39 .
(2) جسر منبج : بلد قديم، المسافة بينه وبين حلب يومان .
(3) حياة الإمام الحسن : 2 / 71 .


الصفحة 129

فأعلمني" وجاء سعيد بن قيس الهمداني فقال : اخرج فخرج الإمام الحسن (عليه السلام) فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال(1) : "... أمّا بعد، فإنّ الله كتب الجهاد على خلقه وسمّاه كرهاً، ثم قال لأهل الجهاد من المؤمنين : (اصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) فلستم ـ أيها الناس ـ نائلين ما تحبّون إلاّ بالصبر على ما تكرهون، إنّه بلغني أنّ معاوية بلغه أنّا كنّا أزمعنا المسير إليه فتحرّك لذلك، فاخرجوا رحمكم الله إلى معسكركم بالنخيلة .." فسكتوا(2) .

6 ـ استنكار الموقف المتخاذل :

وهكذا وقف أهل الكوفة هذا الموقف المتخاذل من قائدهم وإمامهم، إذ سكتوا حيث طلب منهم الإجابة على ندائه بالخروج إلى معسكرهم في النخيلة، فتحوّلت أعينهم وهلعت قلوبهم، فلمّا رأى ذلك عدي بن حاتم الطائي قام فقال : "أنا ابن حاتم، سبحان الله ! ما أقبح هذا المقام! ألا تجيبون إمامكم وابن بنت نبيّكم؟ أين خطباء المصر الذين ألسنتهم كالمخاريق في الدعة، فإذا جَدّ الجدّ فروّاغون كالثعالب؟ أما تخافون مقت الله، ولا عيبها وعارها".
ثم استقبل الإمام الحسن بوجهه، فقال : "أصاب الله بك المراشد وجنّبك المكاره ووفّقك لما تحمد ورده وصدره، قد سمعنا مقالتك وانتهينا إلى أمرك وسمعنا لك وأطعنا فيما قلت ورأيت وهذا وجهي إلى معسكري، فمن أحبّ أن يوافيني فليواف " ثمّ مضى لوجهه، فخرج من المسجد ودابته بالباب فركبها ومضى إلى النخيلة
__________
(1) صلح الإمام الحسن : 65، دار الغدير للطباعة والنشر ـ بيروت ـ ط . 1973.
(2) أعيان الشيعة : 4 / 19 .


الصفحة 130

وأمر غلامه أن يلحقه بما يصلحه، وكان عدي بن حاتم أول الناس عسكراً(1).

وقام قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري ومعقل بن قيس الرياحي وزياد بن صعصعة التيمي فأنّبوا الناس ولاموهم وحرّضوهم وكلّموا الإمام الحسن بمثل كلام عدي بن حاتم في الإجابة والقبول، فقال لهم الإمام الحسن (عليه السلام) : "صدقتم رحمكم الله ما زلت أعرفكم بصدق النيّة والوفاء والقبول والمودّة الصحيحة فجزاكم الله خيراً"(2)، ثم نزل وخرج الناس فعسكروا ونشطوا للخروج، وخرج الإمام الحسن (عليه السلام) إلى المعسكر واستخلف على الكوفة المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب وأمره باستحثاث الناس وإشخاصهم إليه، فجعل يستحثّهم ويخرجهم حتى يلتئم العسكر وسار الإمام (عليه السلام) في عسكر عظيم وعدّة حسنة حتى انتهى إلى النخيلة .
وهكذا بدأت المسيرة، ولكن دون أن يكون دافع الحركة اختيارياً بتثاقل وإكراه تفرضه طبيعة الموقف المتخاذل، ولولا الصفوة الخيّرة والثلّة المؤمنة; لانقلب ميزان الموقف وانتصرت عوامل الضعف عاجلاً، ولكن موقف هؤلاء المتصلّب المنطلق من إيمانهم الجاد بحكمة القائد ولزوم اتباعه وأحقّيته بالخلافة، كان من أقوى الأسباب التي حفظت للجيش تماسكه وانقياده وبعث النشاط والحماس فيه .

7 ـ الاتجاهات المتضادة في جيش الإمام (عليه السلام) :

كان جيش الإمام (عليه السلام) يتكوّن من خليط غريب، فقد تجمّعت فيه عدّة اتجاهات مختلفة وعناصر متضادة، ويمكن بالنظرة الأُولى تصنيفه إلى فئات :
__________
(1) أعيان الشيعة : 4 / 19 ـ 20 .
(2) المصدر السابق .

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة