الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة 91

6 ـ خطاب الإمام الحسن (عليه السلام) :

نقل العلاّمة المجلسي (رضوان الله تعالى عليه) عن كتاب "العدد" روايةً أشارت إلى أنّ بعض أهل الكوفة اتّهموا الإمام الحسن(عليه السلام) بضعف الحجّة والعجز عن الخطابة، ولعلّ هذه الرواية متعلّقة بهذه الفترة(1).
وعندما سمع أمير المؤمنين(عليه السلام) بتلك الاتهامات دعا ولده الإمام الحسن(عليه السلام) ليلقي في أهل الكوفة خطاباً، يفنّد فيه تلك المزاعم، وقد استجاب(عليه السلام) لدعوة أبيه(عليه السلام)، وألقى في حشود من الكوفيين خطاباً بليغاً، جاء فيه : "أيّها الناس! أعقلوا عن ربّكم، إنّ الله عَزَّ وجَلَّ اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين، ذرّيّةً بعضها من بعض والله سميع عليم، فنحن الذرّيّة من آدم والأسرة من نوح، والصفوة من إبراهيم، والسلالة من إسماعيل، وآل من محمد(صلى الله عليه وآله) نحن فيكم كالسماء المرفوعة، والأرض المدحوّة، والشمس الضاحية، وكالشجرة الزيتونة، لا شرقية ولا غربية، التي بورك زيتها، النبيّ أصلها، وعليّ فرعها، ونحن والله ثمرة تلك الشجرة، فمن تعلّق بغصن من أغصانها نجا، ومن تخلّف عنها فإلى النار هوى ..." .
وبعد أن انتهى الحسن (عليه السلام) من خطبته صعد الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) المنبر وقال : "يا بن رسول الله! أثبَتَّ على القوم حجّتَك، وأوجبْتَ عليهم طاعتك، فويلٌ لمن خالفك"(2).
__________
(1) زندگانى إمام حسن مجتبى، للسيد هاشم رسولي : 138 .
(2) بحار الأنوار : 43 / 358 .


الصفحة 92

7 ـ تهيّؤ الإمام علي(عليه السلام) لجهاد معاوية :

لمّا أخفقت جميع الوسائل التي سلكها الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) من أجل السلم بعد إصرار معاوية على محاربة السلطة الشرعية والإطاحة بالخلافة الإسلامية وإعادة المثل الجاهلية وزحفه بجيشه إلى صفين واحتلال الفرات، تهيّأ(عليه السلام) للحرب وقد استدعى المهاجرين والأنصار الذين خفّوا لنجدته، فقال لهم : "إنّكم ميامين الرأي، مراجيح الحلم، مقاويل بالحقّ، مباركو الفعل والأمر، وقد أردنا المسير إلى عدوّنا فأشيروا علينا برأيكم" .
فانطلق عدد من كبار الشخصيات الإسلامية من أمثال: عمّار بن ياسر وسهل بن حنيف ومالك الأشتر وقيس بن سعد وعدي بن حاتم وهاشم بن عتبة، ليعربوا عن دعمهم لقرار الإمام(عليه السلام) في السير إلى العدوّ ومواجهته(1).
وكان قد خطب الإمام الحسن(عليه السلام) خطاباً هامّاً وقتذاك قال فيه : "الحمد لله لا إله غيره، وحده لا شريك له، وأُثني عليه بما هو أهله، إنّ ممّا عظّم الله عليكم من حقّه وأسبغ عليكم من نعمه ما لا يحصى ذكره، ولا يؤدّى شكره، ولا يبلغه صفة ولا قول، ونحن إنّما غضبنا لله ولكم، فإنّه منّ علينا بما هو أهله أن نشكر فيه آلاءه وبلاءه ونعماءه قولاً يصعد إلى الله فيه الرضا، وتنتشر فيه عارفة الصدق، يصدق الله فيه قولنا، ونستوجب فيه المزيد من ربّنا، قولاً يزيد ولا يبيد، فإنّه لم يجتمع قوم قطّ على أمر واحد إلاّ اشتد أمرهم، واستحكمت عقدتهم، فاحتشدوا في قتال عدوّكم معاوية وجنوده، فإنّه قد حضر، ولا تخاذلوا فإنّ الخذلان يقطع نياط القلب، وإنّ الإقدام على الأسنّة نجدة وعصمة لأنّه لم يمتنع(2) قوم قطّ إلاّ رفع الله عنهم العلّة، وكفاهم جوائح(3) الذلّة، وهداهم معالم الملّة.
__________
(1) زندگانى أمير المؤمنين : 2 / 52 ـ 57 فقد نقل كلمات التأييد التي ألقيت آنذاك .
(2) الامتناع : العزّة والقوة .
(3) الجوائح : جمع، مفردها جائحة وهي الدواهي والشدائد .


الصفحة 93

ثم أنشد:
والصلح تأخذ منه ما رضيت به = والحرب يكفيك من أنفساها جرع(1)
لقد حفل خطابه البليغ بالدعوة إلى الوحدة والتعاون لمحاربة الطغاة البغاة، واستجاب الناس لدعوته فاسرعوا لنصرة الحق والدفاع عن الدين الحنيف.

8 ـ في معركة صفّين :

احتشد الجيشان في صفيّن، وبَذَلَ الإمام علي (عليه السلام) العديد من المساعي لتفادي وقوع الحرب مع معاوية، إلاّ أنّها لم تفلح، ممّا اضطرّ الإمام عليّاً(عليه السلام) لخوض غمار حرب استمرت عدة أشهر، وراح خلالها ـ ضحيةً لسلطوية معاوية ـ الآلاف من المسلمين والمؤمنين .
وكان للإمام الحسن(عليه السلام) دور بارز في حرب صفّين، فقد نقل المؤرّخون: أنّ الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) عندما نظّم صفوف جيشه جعل الميمنة بقيادة الإمام الحسن(عليه السلام) وأخيه الإمام الحسين(عليه السلام) وعبد الله بن جعفر ومسلم بن عقيل(2)، وفي هذه الأثناء أراد معاوية أن يجسّ نبض الإمام الحسن(عليه السلام) فبعث إليه عبيد الله بن عمر يمنّيه بالخلافة ويخدعه حتى يترك أباه(عليه السلام) فانطلق عبيد الله، فقال له : لي إليك حاجة .
فقال له (عليه السلام) : نعم، ما تريد؟
فقال له عبيد الله : "إنّ أباك قد وتر قريشاً أولاً وآخراً، وقد شنؤوه فهل
__________
(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 1 / 283 .
(2) مناقب ابن شهرآشوب : 3 / 168 .


الصفحة 94

لك أن تخلفه ونولّيك هذا الأمر؟"(1) .
فأجابه الإمام الحسن(عليه السلام) بكلّ حزم : "كلا والله لا يكون ذلك"(2)، ثم أردف قائلاً : "لكأنّي أنظر إليك مقتولاً في يومك أو غدك، أما إنّ الشيطان قد زيّن لك وخدعك حتى أخرجك مخلقاً بالخلوق(3) وترى نساء أهل الشام موقفك، وسيصرعك الله ويبطحك لوجهك قتيلاً"(4) .
ورجع عبيد الله إلى معاوية وهو خائب حسير قد أخفق في مهمته، وأخبره بحديث الإمام(عليه السلام) فقال معاوية : "إنّه ابن أبيه"(5).
وخرج عبيد الله في ذلك اليوم إلى ساحة الحرب يقاتل مع معاوية، فلقي حتفه سريعاً على يد رجل من قبيلة همدان، واجتاز الإمام الحسن(عليه السلام) في ساحة المعركة، فرأى رجلاً قد توسّد رجلاً قتيلاً وقد ركز رمحه في عينه وربط فرسه في رجله، فقال الإمام(عليه السلام) لمن حوله : اُنظروا من هذا؟ فأخبروه أن الرجل من همدان وأنّ القتيل عبيد الله بن عمر(6) .
ومن الواضح أنّ هذا الحادث من كرامات الإمام الحسن(عليه السلام) حيث أخبر عن مصير عبيد الله قبل وقوعه، وأنبأه بنهايته الذليلة، وقد تحقّق ذلك بهذه السرعة .

9 ـ أملكوا عنّي هذا الغلام :

لم تكن المواجهة في صفّين على وتيرة واحدة، فكانت تارةً على شكل
__________
(1) حياة الإمام الحسن : 1 / 492 .
(2) المصدر السابق : 492 ـ 493 .
(3) الخلوق : الطيب .
(4) و(5) و(6) المصدر السابق : 1 / 492 ـ 493.


الصفحة 95

مناوشات بين الفريقين، وتارة أخرى كانت بصورة التحام كامل بين الجيشين، وأول مواجهة حيث اتّخذت شكل الالتحام العام رأى الإمام علي (عليه السلام) ابنه الإمام الحسن(عليه السلام) يستعدّ ليحمل على صفوف أهل الشام، فقال لمن حوله : "أملكوا عنّي هذا الغلام لا يهدّني(1) فإنّني أنفس(2) بهذين الغلامين ـ يعني الحسن والحسين ـ لئلاّ ينقطع بهما نسل رسول الله"(3) .

10 ـ الإمام الحسن(عليه السلام) والتحكيم :

بعد أن مضت عدّة أشهر على المواجهة بين جيش الإمام علي (عليه السلام) وجيش معاوية، وبعد الخسائر الكبيرة التي لحقت بالجانبين، أوشك جيش الحقّ بقيادة أمير المؤمنين(عليه السلام) على تحقيق النصر ووضع حدٍّ لهذا النزف الذي أوجده معاوية في جسم الأمة الإسلامية، إلاّ أنّ عمرو بن العاص أنقذ جيش معاوية من الهزيمة المؤكدة، عندما دعا هذا الجيش إلى رفع المصاحف على الرماح والمطالبة بتحكيم القرآن بين الجانبين .
واضطرّ الإمام علي (عليه السلام) لقبول التحكيم بعد أن مارس جمع من المقاتلة ضغوطاً كبيرة عليه، فقد انطلت عليهم خدعة ابن العاص بسبب جهلهم، كما وظّف المنافقون والانتهازيون القضية لتدعيم ضغوط الجهلة على الإمام المظلوم(عليه السلام).
وبعد أن انخدع أبو موسى الأشعري ـ ممثّل العراقيّين ـ بحيلة عمرو بن العاص ـ ممثّل الشاميين ـ في قضيّة التحكيم; التفت الذين فرضوا التحكيم
__________
(1) يهدّني : أي يهلكني .
(2) أنفس : أبخل .
(3) حياة الإمام الحسن : 1 / 497 .


الصفحة 96

على الإمام(عليه السلام) إلى الخطأ الجسيم الذي وقعوا فيه، فتوجّهوا إلى الإمام علي(عليه السلام) يطلبون منه أن ينقض تعهداته التي أمضاها استجابة لضغوطهم، وأن يستأنف الحرب مع معاوية، وفوق ذلك كلّه اعتبروا أنّ الإمام(عليه السلام) أخطأ بقبوله التحكيم، فرفعوا شعار "لا حكم إلاّ لله"، الأمر الذي بات ينذر باضطراب آخر وفاجعة جديدة في أوساط جيش الإمام علي (عليه السلام) .
ومن هنا رأى الإمام(عليه السلام) ضرورة الحيلولة دون وقوع الفاجعة، وذلك بأن يدعو شخصاً يتمتّع بثقة الجميع واحترامهم ليلقي فيهم خطاباً يتضمّن إبطالاً لحكم أبي موسى الأشعري بالدليل والبرهان، ويبيّن لهم مشروعية القبول بأصل التحكيم، فاختار الإمام(عليه السلام) ابنه الإمام الحسن(عليه السلام)فقال له : قم يا بنيّ، فَقُل في هذين الرجلين عبد الله بن قيس (يعني: أبو موسى الأشعري) وعمرو بن العاص، فقام الإمام الحسن(عليه السلام) فاعتلى أعواد المنبر، وهو يقول : "أيّها الناس! قد أكثرتم في هذين الرجلين، وإنّما بعثا ليحكما بالكتاب على الهوى، فحكما بالهوى على الكتاب، ومن كان هكذا لم يسمّ حكماً ولكنّه محكوم عليه، وقد أخطأ عبد الله ابن قيس إذ جعلها لعبدالله بن عمر فأخطأ في ثلاث خصال: واحدة أنّه خالف أباه إذ لم يرضه لها ولا جعله من أهل الشورى، وأخرى أنّه لم يستأمره في نفسه(1)، وثالثها أنّه لم يجتمع عليه المهاجرون والأنصار الذين يعقدون الإمارة ويحكمون بها على الناس .
وأمّا الحكومة فقد حكّم النبي(صلى الله عليه وآله) سعد بن معاذ في بني قريضة فحكم بما يرضى الله به، ولا شك لو خالف لم يرضه رسول الله(صلى الله عليه وآله)"
(2) .
لقد عرض الإمام الحسن(عليه السلام) في خطابه الرائع أهم النقاط الحسّاسة التي
__________
(1) وفي رواية ابن قتيبة في الإمامة والسياسة : 1 / 144 "أنه لم يستأمر الرجل في نفسه ولا علم ما عنده من رد أو قبول" .
(2) حياة الإمام الحسن : 1 / 530 ـ 532 .


الصفحة 97

هي محور النزاع ومصدر الفتنة، فأبان(عليه السلام) أنّ المختار للتحكيم إنّما يتبع قوله، ويكون رأيه فيصلاً للخصومة فيما إذا حكم بالحقّ، ولم يخضع للنزعات والأهواء الفاسدة، وأبو موسى لم يكن في تحكيمه خاضعاً للحقّ، وإنّما اتّبع هواه فرشّح عبد الله بن عمر للخلافة، مع أنّ أباه كان لا يراه أهلاً لها، مضافاً إلى أنّ الشرط الأساسي في الانتخاب اجتماع المهاجرين والأنصار على اختياره ولم يحصل ذلك له، كما أعرب(عليه السلام) في خطابه عن مشروعية التحكيم بالأمر الذي أنكرته الخوارج، مستدلاً عليه بتحكيم النبي(صلى الله عليه وآله) لسعد بن معاذ في بني قريضة .

11 ـ وصية الإمام أمير المؤمنين إلى ابنه الحسن :

ووجّه الإمام لدى عودته من صفّين بمنطقة يقال لها: "حاضرين" وصيةً مهمّة إلى ابنه الحسن (عليه السلام) وقد تضمّنت دروساً بليغة :
"من الوالد الفان، المقرّ للزمان(1)، المدبر العمر، المستسلم للدنيا، الساكن مساكن الموتى، والظاعن(2) عنها غداً، إلى المولود المؤمّل ما لا يُدرك، السالك سبيل من قد هلك، غرض الأسقام(3)، ورهينة(4) الأيام، ورميّة(5) المصائب .
أمّا بعد: فإن فيما تبيّنت من إدبار الدنيا عنّي، وجموح الدهر(6) عليّ، وإقبال الآخرة
__________
(1) المقر للزمان : المعترف له بالشدة .
(2) الراحل .
(3) غرض الأسقام : هدف الأمراض ترمي إليه سهامها .
(4) الرهينة : المرهونة .
(5) ما أصاب السهم .
(6) جموح الدهر : استقصاؤه وتغلّبه .


الصفحة 98

إليّ، ما يَزَعُني(1) عن ذكر مَن سواي، والاهتمام بما ورائي(2)، غير أني حيث تفرّد بي دون هموم الناس همّ نفسي، فصدفني(3) رأيي، وصرفني عن هواي، وصرّح لي محض أمري(4)، فأفضى بي إلى جِدّ لا يكون فيه لَعِب، وصِدق لا يشوبه كَذِب . ووجدتُك بعضي، بل وجدتك كلّي، حتى كأنَّ شيئاً لو أصابك أصابني، وكأنَّ الموت لو أتاك أتاني، فعناني من أمرك ما يعنيني من أمر نفسي، فكتبت إليك كتابي مستظهراً به(5) إن أنا بقيتُ لك أو فنيتُ .
فإني أوصيك بتقوى الله ـ أي بُني ـ ولزوم أمره، وعمارة قلبك بذكره، والاعتصام بحبله . وأيُّ سبب أوثق من سبب بينك وبين الله إن أنت أخذت به؟

أحي قلبك بالموعظة، وأمِته بالزهادة، وقوّه باليقين، ونوّره بالحكمة، وذلّله بذكر الموت، وقرّره بالفناء(6) وبصّره فجائع الدنيا وحذّره صولة الدهر وفحش تقلّب الليالي والأيام، وأعرض عليه أخبار الماضين، وذكّره بما أصاب مَن كان قبلك من الأوّلين، وسر في ديارهم وآثارهم، فانظر فيما فعلوا وعمّا انتقلوا، وأين حَلّوا ونزلوا، فإنّك تجدهم قد انتقلوا عن الأحبّة، وحلّوا ديار الغربة، وكأنّك عن قليل قد صرت كأحدهم . فأصِلحْ مثواك، ولا تبع آخرتك بدنياك، ودع القول فيما لا تعرف، والخطاب فيما لم تُكلّف .
وخُضِ الغمرات
(7) للحقّ حيث كان، وتفقّه في الدّين، وعوّد نفسك التصبّر على المكروه، ونِعْمَ الخُلُق التصبر في الحق، وألجئ نفسك في أمورك كلّها إلى إلهك، فإنّك تلجئها إلى كهف(8) حريز(9)، ومانع عزيز .
__________
(1) يزعني: يكفّني ويصدني.
(2) ما ورائي: كناية عن أمر الآخرة.
(3) صدفه: صرفه.
(4)محض الأمر: خالصه.
(5) مستظهراً به: مستعيناً به.
(6) قرره بالفناء: اطلب منه بالإقرار بالفناء.
(7) الغمرات : الشدائد .
(8) الكهف : الملجأ .
(9) حريز : الحافظ .


الصفحة 99

فتفّهم يا بُنيّ وصيّتي، واعلم أنّ مالك الموت هو مالك الحياة، وأنّ الخالق هو المميت، وأنّ المفني هو المعيد، وأنّ المبتلي هو المُعافي، وأنّ الدنيا لم تكن لتستقرّ إلاّ على ما جعلها الله عليه من النعماء والابتلاء والجزاء في المعاد، أو ما شاء ممّا لا تعلم ... فاعتصم بالذي خلقك ورزقك وسوّاك، وليكن له تعبّدك، وإليه رغبتك، ومنه شفقتك(1).
واعلم يا بُني أنّ أحداً لم ينبئ عن الله سبحانه كما أنبأ عنه الرسول (صلى الله عليه وآله)فارضَ به رائداً، والى النجاة قائداً، فإنّي لم آلُك
(2) نصيحة فإنّك لن تبلغ في النظر لنفسك ـ وإن اجتهدت ـ مبلغ نظري لك .
واعلم يا بني أنّه لو كان لربّك شريك لأَتَتْكَ رُسلُه، ولرأيت آثار ملكه وسلطانه، ولعرفت أفعاله وصفاته، ولكنّه إله واحد كما وصف نفسه، لا يضادّه في ملكه أحد، ولا يزول أبداً ولم يزل . أوّلٌ قبل الأشياء بلا أوّليّة، وآخر بعد الأشياء بلا نهاية، عَظُمَ عن أن تثبت ربوبيّته بإحاطة قلب أو بصر، فإذا عرفت ذلك فافعل كما ينبغي لمثلك أن يفعله في صِغَر خَطَره
(3) وقلّة مقدرته وكثرة عجزه، وعظيم حاجته إلى ربّه، في طلب طاعته، والخشية من عقوبته، والشفقة من سخطه، فإنّه لم يأمرك إلاّ بحسن ولم ينهك إلاّ عن قبيح .
... يا بني اجعل نفسك ميزاناً فيما بينك وبين غيرك، فأحبب لغيرك ما تحبّ لنفسك، واكره له ما تكره لها، ولا تَظلم كما لا تُحبّ أن تُظلم، وأحسن كما تحبّ أن يُحسن إليك، واستقبح من نفسك ما تستقبحه من غيرك، وارض من الناس بما ترضاه لهم من نفسك ولا تقل ما لا تعلم وإن قلّ ما تعلم، ولا تقل ما لا تحب أن يقال لك .
واعلم أنّ الإعجاب
(4) ضد الصواب، وآفة الألباب(5)، فاسعَ في
__________
(1) شفقتك : خوفك .
(2) لم آلك النصيحة : أي لم أقصّر في نصيحتك .
(3) خطره : أي قدره .
(4) استحسان ما يصدر عن النفس مطلقاً .
(5) آفة : علّة .


الصفحة 100

كدحك(1) ولا تكن خازناً لغيرك(2)، وإذا أنت هديت لقصدك فكن أخشع ما تكون لربّك .

واعلم أنّ الذي بيده خزائن السماوات والأرض قد أذن لك في الدعاء، وتكفّل لك بالإجابة، وأمرك أن تسأله ليعطيك، وتسترحمه ليرحمك، ولم يجعل بينك وبينه من يحجبك عنه . ثم جعل في يديك مفاتيح خزائنه بما أذن لك فيه من مسألته، فمتى استفتحت بالدعاء أبواب نعمته، واستمطرت شآبيب(3) رحمته، فلا يُقنّطك(4) إبطاء إجابته، فإنّ العطيّة على قدر النيّة، وربّما أُخّرت عنك الإجابة ليكون ذلك أعظم لأجر السائل، وأجزل لعطاء الآمل، وربّما سألت الشيء فلا تؤتاه، وأوتيت خيراً منه عاجلاً أو آجلاً، أو صُرف عنك لما هو خيرٌ لك، فلرُبّ أمر قد طلبته فيه هلاك دينك لو أُوتيته فلتكن مسألتك فيما يبقى لك جماله، ويُنفى عنك وباله، فالمال لا يبقى لك ولا تبقى له .
يا بُني! أكثِر من ذكر الموت، وذكر ما تهجُم عليه، وتُفضي بعد الموت إليه حتى يأتيك وقد أخذت منه حذرك
(5) وشددت له أزرك، ولا يأتيك بغتة فيبهرك(6)، وإيّاك أن تغترّ بما ترى من إخلاد(7) أهل الدنيا إليها، وتكالبهم(8) عليها، فقد نبأك الله عنها، ونَعَتْ (9) هي لك عن نفسها، وتكشّفتْ لك عن مساويها، فإنّما أهلها كلاب عاوية، وسباع ضارية(10)،
__________
(1) الكدح : أشد السعي .
(2) خازناً لغيرك : تجمع المال ليأخذه الوارثون بعدك .
(3) شآبيب : جمع الشؤبوب ـ بالضم ـ وهو الدفعة من المطر، وما أشبه رحمة الله بالمطر ينزل على الأرض الموات فيحييها .
(4) القنوط : اليأس .
(5) الحِذر ـ بالكسر ـ: الاحتراز والاحتراس .
(6) بهر ـ كمنع ـ : غلب، أي يغلبك على أمرك .
(7) إخلاد أهل الدنيا : سكونهم إليها .
(8) التكالب : التواثب .
(9) نعاه : أخبر بموته . والدنيا بحالها عن فنائها .
(10) ضارية : مولعة بالافتراس .

الصفحة 101

يهرّ(1) بعضها على بعض، ويأكل عزيزها ذليلها، ويقهر كبيرها صغيرها .

واعلم يقيناً أنّك لن تبلغ أملك، ولن تعدو أجلك، وأنّك في سبيل من كان قبلك، فخفّض(2) في الطلب، وأجمل(3) في المكتسب، فإنّه رُبَّ طلب قد جرّ إلى حَرَب(4) فليس كل طالب بمرزوق، ولا كل مجمل بمحروم . وأكرم نفسك عن كل دنيّة(5) وإن ساقتك إلى الرغائب(6)، فإنّك لن تعتاض بما تبذل من نفسك عوضاً(7).
ولا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حراً، وما خيرُ خير لا يُنال إلاّ بشرّ ويسر
(8) لا يُنال إلاّ بعسر؟(9).
وإيّاك أن تُوجف(10) بك مطايا(11) الطمع، فتوردك مناهل(12) الهلكة(13)، وإن استطعت ألاّ يكون بينك وبين الله ذو نعمة فافعل، فإنّك مدركٌ قَسْمَكَ، وآخذ سهمك، وإنّ اليسير من الله سبحانه أعظم وأكرم من الكثير من خَلْقِه وإن كان كلّ منه .

ولا يكن أهلك أشقى الخلق بك، ولا ترغبنّ فيمن زهد عنك، ولا يكوننّ أخوك أقوى على قطيعتك منك على صلته، ولا تكوننّ على الإساءة أقوى منك على الإحسان، ولا
__________
(1) يهرّ ـ بكسر الهاء ـ: يعوي وينبح وأصلها هرير الكلب وهو صوته دون حاجة من قلة صبره على البرد فقد شبه الإمام أهل الدنيا بالكلاب العاوية .
(2) خفّض : أمر من خفّض ـ بالتشديد ـ: أي أرفق .
(3) أجمل في كسبه : أي سعى سعياً جميلاً لا يحرص فيمنع الحق ولا يطمع فيتناول ما ليس بحق .

(4) حَرَب ـ بالتحريك ـ: سلب المال .
(5) الدنيّة : الشيء الحقير المبتذل .
(6) الرغائب : جمع رغيبة، وهي ما يرغب في اقتنائه من مال وغيره .
(7) عِوضاً : بدلاً .
(8) اليُسر : السهولة، والمراد سعة العيش .
(9) العُسر : الصعوبة، والمراد ضيق العيش .
(10) توجف: تسرع .
(11) المطايا : جمع مطية، وهي ما يركب ويمتطى من الدواب ونحوها .
(12) المناهل : ما ترده الإبل ونحوها للشرب .
(13) الهلكة : الهلاك والموت .


الصفحة 102

يَكبُرنَّ عليك ظلم من ظلمك، فإنّه يسعى في مضرته ونفعك، وليس جزاء من سرّك أن تسوءه.
واعلم يا بُنيّ! أنّ الرزق رزقان : رزق تطلبه ورزق يطلبك، فإنّ أنت لم تأته أتاك . ما أقبح الخضوع عند الحاجة، والجفاء عند الغنى! إنما لك من دنياك ما أصلحت به مثواك
(1) وإن كنت جازعاً على ما تفلّت(2) من يديك، فاجزع على كلّ ما لم يصل إليك، استدل على ما لم يكن بما قد كان، فإنّ الأمور أشباه، ولا تكوننّ ممن لا تنفعه العِظَة إلاّ إذا بالغت في إيلامه، فإنّ العاقل يتّعظ بالآداب، والبهائم لا تتّعظ الاّ بالضرب .

استَودِعِ الله دينك ودُنياك، واسألهُ خير القضاء لكَ في العاجلة والآجلة والدنيا والآخرة، والسلام) .

12 ـ النهروان ومؤامرة قتل أمير المؤمنين(عليه السلام) :

أدّى نفاق وتمرّد بعض الجهلاء والمتظاهرين بالتديّن إلى أن تتمرّد مجموعة كبيرة من جيش أمير المؤمنين(عليه السلام) فترفض الانصياع لأوامره، بل ذهب هؤلاء المارقون إلى أبعد من ذلك عندما أصدروا حكماً بتكفير الإمام(عليه السلام) .

وبعد الجرائم التي ارتكبها المارقون في العراق; اتّخذوا "النهروان" قاعدة لتمرّدهم، فاضطرّ الإمام(عليه السلام) إلى التوجه نحوهم، وبعد أن تفاوض معهم وأتمّ الحجة عليهم; أعلن الحرب على من أصرّ منهم على انحرافه وعناده وكفره، فقضى عليهم كافة باستثناء أشخاص معدودين، وكان بين الأشخاص المعدودين الذين فرّوا في واقعة النهروان عبد الرحمن بن ملجم المرادي الذي
__________
(1) مثواك : مُقامك، من ثوى يثوي : أقام يقيم، والمراد هنا منزلتك من الكرامة .
(2) تفلّت ـ بتشديد اللام ـ : أي تملّص من اليد فلم تحفظه .


الصفحة 103

كان يختزن في قلبه حقداً أعمى على الإمام المظلوم، فخطّط سرّاً للتآمر على حياة أمير المؤمنين(عليه السلام) وفي نهاية المطاف وبعد أن نسّق عمله مع عدد من الخوارج والمنافقين من أهل الكوفة; استطاع في ليلة التاسع عشر من شهر رمضان المبارك في عام (40) للهجرة أن يغتال الإمام عليّاً(عليه السلام) وهو في محراب العبادة وفي بيت الله ـ مسجد الكوفة ـ لينطلق في الآفاق نداؤه الخالد : "فزت وربِّ الكعبة".

13 ـ في ليلة استشهاد الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) :

لما عزم الإمام علي (عليه السلام) على الخروج من بيته ـ قبل أن تشرق أنوار الفجر ـ إلى مناجاة الله وعبادته في مسجد الكوفة صاحت في وجهه إوز كانت قد أُهدِيَتْ إلى الحسن، فتنبّأ(عليه السلام) من صياحهنّ وقوع الحادث العظيم والرزء القاصم، قائلاً : "لا حول ولا قوّة إلا بالله، صوائح تتبعها نوائح" .
وأقبل الإمام على فتح الباب فعسر عليه فتحها وكانت من جذوع النخل فاقتلعها فانحلّ إزاره فشدّه وهو يقول :

أُشدد حيازيمك للموت = فإن الموت لاقيكا

ولا تجزع من الموت = إذا حلّ بواديكا

واضطرب الإمام الحسن(عليه السلام) من خروج أبيه في هذا الوقت الباكر فقال له: "ما أخرجك في هذا الوقت؟".
فأجابه(عليه السلام) : "رؤيا رأيتها في هذه الليلة أهالتني" .
فقال له الإمام الحسن(عليه السلام) : "خيراً رأيت، وخيراً يكون، قصّها عليّ". فأجابه الإمام علي(عليه السلام) : "رأيت جبرئيل قد نزل من السماء على جبل أبي قبيس، فتناول منه حجرين، ومضى بهما إلى الكعبة، فضرب أحدهما بالآخر فصارا كالرميم، فما بقي بمكة


الصفحة 104

ولا بالمدينة بيت إلا ودخله من ذلك الرماد شيء".
فسأله(عليه السلام) : "ما تأويل هذه الرؤيا؟".
فقال(عليه السلام) : "إن صدقت رؤياي، فإن أباك مقتول، ولا يبقى بمكة ولا بالمدينة إلاّ دخله الهمّ والحزن من أجلي".
فالتاع الحسن وذهل وانبرى قائلاً بصوت خافت حزين النبرات : "متى يكون ذلك؟" .
قال الإمام(عليه السلام) : "إن الله تعالى يقول: (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ)(1) ولكن عهدهُ إليّ حبيبي رسول الله(صلى الله عليه وآله) أنه يكون في العشر الأواخر من شهر رمضان، يقتلني عبد الرحمن بن ملجم" .
فقال الإمام الحسن(عليه السلام) : "إذا علمت ذلك فاقتله" .
فقال الإمام علي(عليه السلام) : "لا يجوز القصاص قبل الجناية والجناية لم تحصل منه".
وأقسم الإمام على ولده الحسن أن يرجع إلى فراشه، فلم يجد الحسن بدّاً من الامتثال(2) .

14 ـ الإمام الحسن (عليه السلام) بجوار والده(عليه السلام) الجريح :

وصل أمير المؤمنين(عليه السلام) مسجد الكوفة ووقعت تلك الفاجعة العظمى على يد أشقى الأشقياء، وسمع أهل الكوفة بالفاجعة، فهرعوا إلى المسجد وخفّ أبناء الإمام(عليه السلام) مسرعين، وكان الإمام الحسن(عليه السلام) في مقدمة الذين وصلوا المسجد فوجد أباه(عليه السلام) صريعاً في محرابه وقد تخضّب وجهه ولحيته بدمه، وجماعة حافّين به يعالجونه للصلاة، ولمّا وقع نظره على ولده
__________
(1) لقمان (31) : 34 .
(2) حياة الإمام الحسن : 1 / 557 ـ 558 .


الصفحة 105

الحسن(عليه السلام); أمره أن يصلّي بالناس، وصلّى الإمام وهو جالس والدم ينزف منه.
ولمّا فرغ الحسن(عليه السلام) من صلاته; أخذ رأس أبيه فوضعه في حجره، وسأله : من فعل بك هذا؟ فأجابه قائلاً : عبد الرحمن بن ملجم، فقال الإمام الحسن(عليه السلام) : من أيِّ طريق مضى؟ فقال الإمام عليّ (عليه السلام) : لا يمض أحد في طلبه إنّه سيطلع عليكم من هذا الباب، وأشار إلى باب كندة، وما هي إلاّ فترة قصيرة وإذا بالناس يدخلون ابن ملجم من الباب نفسها، وقد جيء به مكتوفاً مكشوف الرأس، فأوقف بين يدي الإمام الحسن(عليه السلام) فقال له : يا ملعون! قتلت أمير المؤمنين وإمام المسلمين؟ هذا جزاؤه حين آواك وقرّبك حتى تجازيه بهذا الجزاء؟
وفتح أمير المؤمنين(عليه السلام) عينيه وقال له بصوت خافت : "لقد جئت شيئاً إدّاً وأمراً عظيماً، ألم أشفق عليك وأقدمك على غيرك في العطاء؟ فلماذا تجازيني بهذا الجزاء؟".
وقال لولده الحسن(عليه السلام) يوصيه ببرّه والإحسان إليه : "يا بني! أرفق بأسيرك وارحمه وأشفق عليه" .
فقال الإمام الحسن(عليه السلام) : "يا أبتاه، قتلك هذا اللعين وفجعنا بك، وأنت تأمرنا بالرفق به" .
فأجابه أمير المؤمنين : "يا بني نحن أهل بيت الرحمة والمغفرة، أطعمه مما تأكل، واسقه مما تشرب، فإن أنا متّ فاقتص منه بأن تقتله، ولا تمثّل بالرجل فإنّي سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول : إيّاكم والمثلة ولو بالكلب العقور، وإن أنا عشت فأنا أعلم ما أفعل


الصفحة 106

به، وأنا أولى بالعفو، فنحن أهل البيت لا نزداد على المذنب إلينا إلاّ عفواً وكرماً"(1).
ونظر الحسن إلى أبيه وقد حرق الهمّ والجزع قلبه فقال له : " يا أبه ، من لنا بعدك ؟ إنّ مصابنا بك مثل مصابنا برسول الله " فضمّه الإمام وقال: مهدّئاً روعه : "يا بني! أسكن الله قلبك بالصبر، وعظّم أجرك، وأجر إخوتك بقدر مصابكم بي" .
وجمع الحسن لجنة من الأطباء لمعالجته وكان أبصرهم بالطبّ أثير بن عمرو السكوني(2) فاستدعى برئة شاة حارة فتتبع عِرقاً منها فاستخرجه فأدخله في جرح الإمام ثم نفخ العِرق فاستخرجه فإذا هو مكلّل ببياض الدماغ، لأنّ الضربة قد وصلت إلى دماغه الشريف فارتبك أثير والتفت إلى الإمام ـ واليأس في صوته ـ قائلاً : " يا أمير المؤمنين! اعهد عهدك، فإنّك ميت "(3) . فالتفت الحسن إلى أبيه ودموعه تتبلور على وجهه، وشظايا قلبه يلفظها بنبرات صوته قائلاً : " أبه! كسرت ظهري، كيف أستطيع أن أراك بهذه الحالة ؟ " وبصر الإمام فرأى الأسى قد استوعب نفسه، فقال له برفق : " يا بني! لا غمّ على أبيك بعد هذا اليوم ولا جزع، اليوم ألقى جدّك محمد المصطفى، وجدّتك خديجة الكبرى، وأُمك الزهراء، وإنّ الحور العين ينتظرن أباك، ويترقّبن قدومه ساعةً بعد ساعة، فلا بأس عليك، يا بني لا تبك " .
__________
(1) جميع النصوص التي وردت تحت عنوان "بجوار والده(عليه السلام) الجريح" نقلت عن: زندگانى امام حسن مجتبى(عليه السلام) 153 ـ 154 .
(2) أثير بن عمرو السكوني، كان أحد الأطباء الماهرين يعالج الجراحات الصعبة، وكان صاحب كرسي، وله تنسب صحراء أثير .
(3) الاستيعاب : 2 / 62 .


الصفحة 107

وتسمّم دم الإمام، ومال وجهه الشريف إلى الصفرة، وكان في تلك الحالة هادئ النفس قرير العين لا يفتر عن ذكر الله وتسبيحه وهو ينظر إلى آفاق السماء، ويبتهل إلى الله بالدعاء قائلاً : "إلهي، أسألك مرافقة الأنبياء والأوصياء وأعلى درجات الجنة " .
وغشي عليه فذاب قلب الحسن وجعل يبكي مهما ساعدته الجفون، فسقطت قطرات من دموعه على وجه الإمام (عليه السلام) فأفاق، فلما رآه قال له : مهدّئاً روعه: " يا بني! ما هذا البكاء ؟ لا خوف ولا جزع على أبيك بعد اليوم، يا بني! لا تبك، فأنت تقتل بالسم، ويقتل أخوك الحسين بالسيف ".

15 ـ آخر وصايا أمير المؤمنين (عليه السلام) :

وأخذ الإمام يوصي أولاده بمكارم الأخلاق، ويضع بين أيديهم المثل الرفيعة، ويلقي عليهم الدروس القيّمة، وقد وجه (عليه السلام) نصائحه الرفيعة أولاً لولديه الحسن والحسين، وثانياً لبقية أولاده وعموم المسلمين قائلاً :
"أوصيكما بتقوى الله، وأن لا تبغيا الدنيا وإن بغتكما(1) ولا تأسفا على شيء منها زوي عنكما، وقولا للحقّ واعملا للأجر، وكونا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً، أوصيكما، وجميع ولدي وأهلي ومن بلغه كتابي بتقوى الله ونظم أمركم وصلاح ذات بينكم، فإنّي سمعت جدكم (صلى الله عليه وآله) يقول : صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام، الله الله في الأيتام فلا تغبوا أفواههم(2) ولا يضيعوا بحضرتكم، والله الله في جيرانكم فإنّهم وصيّة نبيّكم، ما زال يوصي بهم حتى ظننّا أنّه سيورثهم، والله الله في القرآن لا يسبقكم بالعمل به
__________
(1) المعنى : لا تطلبا الدنيا، وإن طلبتكما .
(2) لا تغبوا أفواههم : أي لا تقطعوا صلتكم عنهم وصلوا أفواههم بالطعام دوماً .


الصفحة 108

غيركم، والله الله في الصلاة فإنّها عمود دينكم، والله الله في بيت ربّكم، لا تخلوه ما بقيتم، فإنّه إن ترك لم تناظروا(1)، والله الله في الجهاد بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم في سبيل الله، وعليكم بالتواصل والتباذل(2) وإيّاكم والتدابر والتقاطع، لا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيتولَّ عليكم شراركم ثم تدعون فلا يستجاب لكم" .

ثم قال (عليه السلام) مخاطباً لآله وذويه : "يا بني عبد المطلب! لا ألفينكم(3) تخوضون دماء المسلمين خوضاً تقولون: قتل أمير المؤمنين قتل أمير المؤمنين، ألا لا تقتلن بي إلاّ قاتلي، انظروا إذا أنا متّ من ضربته هذه فاضربوه ضربة بضربة، ولا يمثّل بالرجل، فإنّي سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول : إيّاكم والمثلة ولو بالكلب العقور"(4).
وأخذ (عليه السلام) يوصي ولده الحسن خاصة بمعالم الدين وإقامة شعائره قائلاً: " أوصيك، أي بني، بتقوى الله، وأقام الصلاة لوقتها، وإيتاء الزكاة عند محلّها، وحسن الوضوء، فإنّه لا صلاة إلاّ بطهور، وأوصيك بغفر الذنب، وكظم الغيظ، وصلة الرحم، والحلم عن الجاهل، والتفقّه في الدين، والتثبّت في الأمر، والتعاهد للقرآن، وحسن الجوار، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، واجتناب الفواحش "(5) .
وفي اليوم العشرين من شهر رمضان ازدحمت الجماهير من الناس على بيت الإمام طالبين الأذن لعيادته، فأذن لهم إذناً عاماً، فلمّا استقر بهم المجلس
__________
(1) لم تناظروا، مبني للمجهول : أي يتعجّل الانتقام منكم . شرح نهج البلاغة ابن أبى الحديد : 17 / 11.
(2) التباذل : العطاء .
(3) لا ألفينكم : أي لأجدنكم تخوضون دماء المسلمين بالسفك انتقاماً منهم بقتلي .
(4) شرح نهج البلاغة محمد عبده : 3 / 85 .
(5) تاريخ ابن الأثير : 3 / 170 .


الصفحة 109

التفت لهم قائلاً : " سلوني قبل أن تفقدوني، وخففوا سؤالكم لمصيبة إمامكم " . فأشفق الناس أن يسألوه، نظراً لما ألمّ به من شدّة الألم والجرح(1) .

16 ـ الإمام علي (عليه السلام) ينصّ على خلافة ابنه الحسن (عليه السلام) :

ولمّا علم أمير المؤمنين أنّه مفارق لهذه الدنيا وأنّ لقاءه بربّه لقريب; عهد بالخلافة والإمامة لولده الحسن، فأقامه من بعده لترجع إليه الأُمة في شؤونها كافة، ولم تختلف كلمة الشيعة في ذلك، فقد ذكر ثقة الإسلام الكليني أنّ أمير المؤمنين أوصى إلى الحسن، وأشهد على وصيته الحسين ومحمداً وجميع ولده ورؤساء شيعته وأهل بيته، ثم دفع إليه الكتب والسلاح، وقال له: "يا بني! أمرني رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن أوصي إليك وأن أدفع إليك كتبي وسلاحي، كما أوصى إلي رسول الله ودفع إليّ كتبه وسلاحه، وأمرني أن آمرك إذا حضرك الموت أن تدفعها إلى أخيك الحسين" .
وروى أيضاً أنّه قال له : "يا بني! أنت وليّ الدم فإن عفوت فلك وإن قتلت فضربة مكان ضربة "(2) .

17 ـ إلى الرفيق الأعلى :

ولمّا فرغ الإمام أمير المؤمنين من وصاياه أخذ يعاني آلام الموت وشدّته، وهو يتلو آي الذكر الحكيم ويكثر من الدعاء والاستغفار، ولمّا دنا منه الأجل المحتوم كان آخر ما نطق به قوله تعالى : (لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ
__________
(1) حياة الإمام الحسن : 1 / 563 ـ 566 .
(2) أصول الكافي : 1 / 297 ـ 298 .


الصفحة 110

الْعَامِلُونَ) ثم فاضت روحه الزكية إلى جنّة المأوى وسمت إلى الرفيق الأعلى، وارتفع ذلك اللطف الإلهي إلى مصدره، فهو النور الذي خلقه الله ليبدّد به غياهب الظلمات .
لقد مادت أركان العدل وانطمست معالم الدين، ومات عون الضعفاء وكهف الغرباء وأبو الأيتام .

18 ـ تجهيزه ودفنه :

وأخذ الحسن (عليه السلام) في تجهيز أبيه، فغسَّل الجسد الطاهر وطيَّبه بالحنوط، وأدرجه في أكفانه، ولمّا حل الهزيع الأخير من الليل خرج ومعه حفنة من آله وأصحابه يحملون الجثمان المقدّس إلى مقرّه الأخير فدفنه في النجف الأشرف حيث مقره الآن كعبة للوافدين ومقراً للمؤمنين والمتقين ومدرسة للمتعلمين، ورجع الإمام الحسن بعد أن وارى أباه إلى بيته وقد استولى عليه الأسى والذهول وأحاط به الحزن(1) .
__________
(1) حياة الإمام الحسن : 1 / 568 ـ 569 .

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة