الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة 71

كان خطأً ومضرّاً ولا يحقق الأهداف المطلوبة(1).
وعلى كلّ حال فإنّ جميع ما تقدّم ليكفي في أن يلقي ظلالاً ثقيلةً من الشك والريب فيما ينسب إلى الإمامين الهمامين الحسن والحسين(عليهما السلام) من الاشتراك في فتح جرجان أو في فتح أفريقية، مع أنّ عدداً من كتب التاريخ التي عدّدت أسماء كثيرة من الشخصيات المشتركة في فتح أفريقية لم تذكرهما، علماً بأنّهما من الشخصيات التي كان يهم السياسة الزمنية للخلفاء التأكيد على ذكرها في مقامات كهذه .
هـ ـ ويؤيّد ذلك أيضاً: أنّ الإمام عليّاً(عليه السلام) منع ولديه في صفين والجمل من الخوض في المعركة، وقال ـ وقد رأى الحسن يتسرّع إلى الحرب ـ : "أملكوا عنّي هذا الغلام لا يهدّني، فإنّني أنفّس بهذين الغلامين ـ يعني الحسنين(عليهما السلام) ـ على الموت، لئلاّ ينقطع بهما نسل رسول الله(صلَّى الله عليه وآله)"(2) .
وقد كان هذا منه(عليه السلام) في وقت كان له كثير من الأولاد، فكيف يسمح بخروجهما مع أمير أموي أو غير أُموي، ولم يكن قد ولد له غيرهما من الأولاد بعد، أو كان ولكنّهم قليلون ؟!.
إنّ جميع ما تقدم يجعلنا نطمئنّ إلى عدم صحة ما ينسب إلى الحسنين(عليهما السلام) من الاشتراك في الغزوات آنئذ .

3 ـ الإمام الحسن(عليه السلام) وحصار عثمان :

نقل بعض المؤرّخين: أنّه حينما حاصر الثائرون عثمان; بعث الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) بولديه الحسن والحسين(عليهما السلام) للدفاع عنه، بل قالوا : إنّ
__________
(1) والبحث يحتاج إلى تحقيق أعمق وأوسع لا يتناسب مع هذا الكتاب .
(2) نهج البلاغة بشرح محمد عبده : 2 / 212، وتاريخ الطبري: حوادث سنة 37 : 4 / 44 .


الصفحة 72

الإمام الحسن(عليه السلام) قد جرح وخضّب بالدماء على باب عثمان من جرّاء رمي الناس عثمان بالسهام، ثم تسوّر الثائرون الدار على عثمان وقتلوه، وجاء الإمام علي(عليه السلام) كالواله الحزين، فلطم الحسن وضرب صدر الحسين(عليه السلام) وشتم آخرين، منكراً عليهم أن يُقتل عثمان وهم على الباب(1).
وقد استبعد مؤرّخون آخرون ذلك ; إستناداً إلى أنّ سيرة عثمان تبعد كلّ البعد عمّا نسب إلى عليّ وولديه(عليهم السلام)، كما ويبعد منهم أن يتّخذوا موقفاً يخالف موقف البقية الصالحة من الصحابة، وينفصلوا عنهم. ويضيف هؤلاء المؤرّخون بخصوص دفاع الحسن عن عثمان، ولو فرض صحة ذلك، فإنّه لم يكن إلاّ لتبرير موقفه وموقف أبيه من الاشتراك في دمه، وأن لا يتّهمه المغرضون بشيء(2).
ويشكّ السيّد الشريف المرتضى في إرسال أمير المؤمنين(عليه السلام) ولديه للدفاع عن عثمان، إذ يقول : "فإنّما أنفذهما ـ إن كان أنفذهما ـ ليمنعا من انتهاك حريمه وتعمّد قتله، ومنع حرمه ونسائه من الطعام والشراب، ولم ينفذهما ليمنعا من مطالبته بالخلع"(3) .
وأما العلاّمة الحسني(رحمه الله) فيقول : "من المستبعد أن يزجّ بريحانتي رسول الله(صلَّى الله عليه وآله) في تلك المعركة للدفاع عن الظالمين، وهو الذي وهب نفسه وكلّ حياته للحقّ والعدالة وإنصاف المظلومين"(4) .
__________
(1) راجع الصواعق المحرقة: 115 ـ 116، ومروج الذهب : 2 / 344 ـ 345، والإمامة والسياسة : 1 / 44 و 42 و 43، وأنساب الأشراف: 5 / 69 و 70 و 74 و93 و95، والبدء والتاريخ : 5 / 206، وتاريخ مختصر الدول 105.
(2) راجع : حياة الإمام الحسن(عليه السلام) للقرشي : 1 / 115 ـ 116 .
(3) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 3 / 8 .
(4) سيرة الأئمة الإثني عشر : 1 / 428 .


الصفحة 73

في حين يرى باحث آخر : "أنّ الخليفة كان مستحقّاً للقتل بسوء فعله، كما أنّ قتلته أو الراضين بقتله هم جمهرة الصحابة الأخيار، ولا يعقل أن يقف الحسنان في وجه هؤلاء وصدهم"(1).
وهنا نقدّم جملة من الملاحظات :
أ ـ إنّ ما ذكره هؤلاء من أنّ الصحابة الأخيار كانوا هم قتلة عثمان أو أنّهم الراضون بقتله فهذا صحيح، ولكن ممّا لا شك فيه هو أنّه كان من بينهم أيضاً من ثأر على عثمان، من أمثال: عائشة والزبير وطلحة وغيرهم، لا لأجل الانتصار للحقّ وإنّما من أجل المكاسب الدنيوية، كما أثبتت ذلك مواقفهم من حكومة الإمام عليّ (عليه السلام) بعد أن بايعوه عقيب مقتل عثمان .
ب ـ وأمّا ما ذكر من أنّ عليّاً قد ضرب الحسن(عليه السلام) ودفع صدر الحسين فهذا ما لا اتّفاقَ عليه ; لأنّ عليّاً(عليه السلام) قد كرّر وأكّد أنّ قتل عثمان لم يسره ولم يسؤه(2)، كما أنّه لم يكن ليتّهم الحسنين(عليهما السلام) بالتواني في تنفيذ الأوامر التي يصدرها إليهما، وهما من الذين نصّ الله سبحانه وتعالى على تطهيرهم، وأكّد النبيّ(صلَّى الله عليه وآله) على عظيم فضلهم وباسق مجدهم وعلى محبته العظيمة لهم .
ج ـ وأمّا بالنسبة للدفاع عن عثمان فإنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) وإن كان لا يرى خلافة عثمان شرعية من الأساس، وكان على اطّلاع تامّ بالنسبة لجميع المخالفات والانتهاكات التي كانت تصدر عن الهيئة الحاكمة باستمرار إلاّ أنّه(عليه السلام) لم يكن يرى أنّ علاج الأمر بهذا الأسلوب الانفعالي هو الطريقة المثلى والفضلى، وقد نقل عنه(عليه السلام) قوله عن عثمان : "إنّه استأثر فأساء الإثرة،
__________
(1) صلح الإمام الحسن لآل ياسين : 50 ـ 51 .
(2) الغدير : 9 / 69 ـ 77 عن مصادر كثيرة .


الصفحة 74

وجزعوا فأساءوا الجزع"(1).
وما ذلك إلاّ لأنّ هذا الأسلوب بالذات وقتل عثمان في تلك الظروف وعلى النحو الذي كان لم يكن يخدم قضية الإسلام، بل كان من شأنه أن يلحق بها ضرراً فادحاً وجسيماً، إذ أنّه سوف يعطي الفرصة لأُولئك المتربّصين من أصحاب المطامع والأهواء لاستغلال جهل الناس ورفع شعار الأخذ بثارات عثمان.
وإذا كان علي (عليه السلام) لا يرغب في قتل عثمان بالصورة التي حدثت; فإنّه لم يكن يريد أن يكون الدفاع والذبّ عن عثمان موجباً لفهم خاطىء لحقيقة رأيه في عثمان وفي مخالفته، فكان يذكر تلك المخالفات تصريحاً تارةً وتلويحاً أخرى، كما أنّه كان يجيب سائليه عن أمر عثمان بأجوبة صريحة أحياناً ومبهمة أخرى، أو على الأقل بنحو لا تسمح بالتشبّث بها واستغلالها من قبل المغرضين والمستغلين(2).
ولم يكن الإمام علي (عليه السلام) ليسكت عن تلك المخالفات الشنيعة التي كانت تصدر عن عثمان وأعوانه، بل كان(عليه السلام) وباستمرار يجهر بالحقيقة مرّةً بعد أخرى، وقد حاول إسداء النصيحة لعثمان في العديد من المناسبات حتى ضاق عثمان به ذرعاً، فأمره أن يخرج إلى أرض ينبع(3).
كما أنّ عثمان واجه الإمام الحسن(عليه السلام) وبصريح القول بأنّه لا يرغب بنصائح أبيه، وذلك لأنه "كان عليّ كلما اشتكى الناس إليه أمر عثمان; أرسل ابنه الحسن(عليه السلام) إليه، فلمّا أكثر عليه قال : إنّ أباك يرى أنّ أحداً لا يعلم ما
__________
(1) نهج البلاغة : 1 / 72 بشرح عبده، الخطبة رقم 29 .
(2) راجع هذه الأجوبة في كتاب الغدير : 9 / 70 .
(3) نهج البلاغة بشرح عبده : 2 / 261، والغدير : 9 / 60 .


الصفحة 75

يعلم؟ ونحن أعلم بما نفعل، فكفّ عنّا ! فلم يبعث علي (عليه السلام) ابنه في شيء بعد ذلك ..."(1).
وهكذا يتّضح أنّ نصرة الحسنين(عليهما السلام) لعثمان بأمر من أبيهما الإمام علي(عليه السلام) وقد كانت منسجمة كلّ الانسجام مع خطّهم(عليهم السلام) الذي هو خطّ الإسلام الصافي والصحيح، وهو يدخل في عداد تضحياتهما الجسام ـ وما أكثرها ـ في سبيل هذا الدين! كما أنّه دليل واضح على بُعد النظر والدقّة والعمق .

4 ـ هل جرح الإمام الحسن(عليه السلام) أثناء دفاعه عن عثمان؟

ويبقى أن نشير إلى أنّنا نشكّ في صحة ما ذكرته الرواية من أنّ الإمام الحسن(عليه السلام) قد جرح أثناء الدفاع عن عثمان; وذلك لأن الإمام عليّاً(عليه السلام) وإن كان يمكن أن يكون قد أرسل ابنيه ـ أو الإمام الحسن وحده ـ للدفاع عن عثمان، وقد جاءا إليه وعرضا له المهمّة التي أوكلها إليهما أبوهما إلاّ أنّه يبدو أنّ عثمان قد ردّهما ولم يقبل منهما ذلك، وثمّة نصوص عديدة(2) توضّح ذلك نشير إلى أحدها : "ثم دعا عليّ بابنه الحسن، فقال: انطلق يا بنيّ إلى عثمان فقل له : يقول لك أبي : أفتحبّ أن أنصرك؟ فأقبل الحسن إلى عثمان برسالة أبيه، فقال عثمان : لا، ما أريد ذلك، لأنّي قد رأيت رسول الله ـ إلى أن قال ـ : فسكت الحسن، وانصرف إلى أبيه، فأخبره بذلك"(3).
__________
(1) نهج البلاغة بشرح عبده : 2 / 261، والغدير : 9 / 60 .
(2) الحياة السياسية للإمام الحسن : 150 ـ 151 .
(3) الفتوح لابن أعثم : 2 / 228 .


الصفحة 76

نعم، ربّما يكون الإمام الحسن(عليه السلام) قد ساعد على نجاة البعض من دون اشتراك في القتال، بل بما يحظى من احترام خاص في النفوس، ففي محاورة جرت بينه وبين مروان بن الحكم، قال(عليه السلام) لمروان : "أفلا أرقت دم من وثب على عثمان في الدار فذبحه كما يذبح الجمل، وأنت تثغو ثغاء النعجة، وتنادي بالويل والثبور، كالأمة اللكعاء؟ ألا دفعت عنه بيد أو ناضلت عنه بسهم؟ لقد ارتعدت فرائصك، وغشي بصرك، فاستغثت بي كما يستغيث العبد بربّه، فأنجيتك من القتل ووضعتك منه، ثم تحثّ معاوية على قتلي"(1).

5 ـ هل كان الإمام الحسن(عليه السلام) عثمانياً ؟

هنالك جملة من الافتراءات ألحقها بعض كتّاب التاريخ بالحسن(عليه السلام)، ومن هذه الافتراءات: دعوى أنّ الإمام الحسن(عليه السلام) "كان عثمانياً بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة"، قالوا : "وربما غلا في عثمانيّته، حتى قال لأبيه ذات يوم ما لا يحبّ، فقد روى الرواة : أنّ عليّاً مرّ بابنه الحسن وهو يتوضّأ، فقال له : أسبغ الوضوء يا حسن! فأجابه الحسن بهذه الكلمة المرة : "لقد قتلتم بالأمس رجلاً كان يسبغ الوضوء" فلم يزد عليٌ أن قال : لقد أطال الله حزنك على عثمان"، وفي نصٍّ آخر للبلاذري : "لقد قتلت رجلاً كان يسبغ الوضوء"(2) .

وفي قصّة أخرى يزعمون : "أنّ الحسن بن علي قال لعليّ : يا أمير المؤمنين! إنّي لا أستطيع أن أكلّمك، وبكى، فقال عليّ : تكلّم، ولا تحنّ حنين المرأة، فقال : إنّ الناس حصروا عثمان، فأمرتك أن تعتزلهم وتلحق بمكة، حتى تؤوب إلى العرب عوازب أحلامها، فأبيت، ثم قتله الناس، فأمرتك أن
__________
(1) المحاسن والمساوي : 1 / 135 .
(2) الفتنة الكبرى قسم : علي وبنوه 176، وأنساب الأشراف : 3 / 12 بتحقيق المحمودي .


الصفحة 77

تعتزل الناس ـ إلى أن قال ـ : ثم أمرتك اليوم أن لا تقدم العراق فإنّي أخاف عليك أن تقتل بمضيعة ... "(1) .
وثمة روايات أخرى تفيد هذا المعنى(2)، ونرى بأنّ المتتبّع لهذه الروايات بعين الفحص والتمحيص يجد الإرباك بادياً عليها فضلاً عن عدم جمعها لشرائط القبول والحجية فلا يمكن الاعتماد على مثل هذه النصوص، على أن بعض الباحثين قال: المشهور أن هذه المحاورة قد جرت بين أمير المؤمنين (عليه السلام) والحسن البصري حينما مرّ عليه بالبصرة وهو يتوضّأ(3).
ونحتمل قويّاً أنّ لأيدي الوضّاعين دوراً كبيراً في خلق مثل هذه الروايات، ومن الملاحظات عليها:
أوّلاً : كيف يمكن أن نجمع بين ما قيل هنا وبين قولهم الآنف الذكر : إنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) أرسل الإمام الحسن وأخاه(عليهما السلام) للدفاع عن عثمان، وإنّه لمّا علم بمصيره جاء كالواله الحزين، ولطم الحسن المخضّب بالدماء، ودفع في صدر الحسين(عليه السلام) بتخيّل أنّهما قد قصّرا في أداء مهمتهما ... إلخ؟! .
ثانياً : إن المتتبّع لجميع مواقف الإمام الحسن(عليه السلام) يجده باستمرار وبمزيد من الإصرار يشدّ أزر أبيه، ويدافع عن حقّه، ويهتمّ في دفع حجج خصومه، وقد خاض غمرات الحروب في الجمل وفي صفّين، معرّضاً نفسه للأخطار الجسام في سبيل الدفاع عنه(عليه السلام) وعن قضيّته، حتى لقد قال الإمام(عليه السلام) : "أملكوا عني هذا الغلام لا يهدّني" .
وبالنسبة لدفاعه عن قضية أهل البيت(عليهم السلام) وحقّهم في الخلافة فإنّنا
__________
(1) أنساب الأشراف : 2 / 216 ـ 217، وتاريخ الطبري : 3 / 474 .
(2) راجع سيرة الأئمة الاثني عشر : 1 / 542 ـ 544 وغير ذلك .
(3) أنساب الأشراف، بتحقيق المحمودي ترجمة الإمام الحسن : 12 الطبعة الأُولى، دار التعارف ـ بيروت .


الصفحة 78

لا نستطيع استقصاء جميع مواقفه وأقواله في هذا المجال، ونكتفي بذكر نماذج منها لأجل التدليل على دفاعه عن مواقف أبيه (عليه السلام):
أ ـ قد جاء عنه (عليه السلام) أنّه قال : "إنّ أبا بكر وعمر عمدا إلى هذا الأمر، وهو لنا كلّه، فأخذاه دوننا، وجعلا لنا فيه سهماً كسهم الجدّة، أما والله لتهمّنهما أنفسهما يوم يطلب الناس فيه شفاعتنا"(1) .
ب ـ ومن خطبة له (عليه السلام) : "ولولا محمد (صلى الله عليه وآله) وأوصياؤه كنتم حيارى لا تعرفون فرضاً من الفرائض ..." إلخ . قال هذا بعد أن عدّد الفرائض، وكان منها الولاية لأهل البيت(عليه السلام)(2).
ج ـ وقال (عليه السلام) : فإنّ طاعتنا مفروضة، إذ كانت بطاعة الله عَزَّ وجَلَّ ورسوله مقرونة، قال الله عَزَّ وجَلَّ : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ... )(3).
ثالثاً : إنّ تطهير الله سبحانه وتعالى للإمام الحسن(عليه السلام) كما نصت على ذلك آية التطهير ونصوص النبي(صلى الله عليه وآله) في حقّه، ثم ما عرف عنه(عليه السلام) من أخلاق فاضلة وسجايا كريمة ليكذّب كلّ ما ينسب إليه(عليه السلام) من أمور وكلمات تتنافى مع أبسط قواعد الأدب الإسلامي الرفيع والخلق الإنساني الفاضل، ولا سيّما مع أبيه الذي يعرف هو قبل غيره قول النبي(صلى الله عليه وآله) فيه: "إنّه مع الحقّ، والحقّ معه، يدور معه حيث دار"(4)، فكيف إذا كان ذلك الذي ينسب إليه ممّا يأباه حتى الرعاع من الناس، فضلاً عن خامس أصحاب
__________
(1) أمالي المفيد : 49 .
(2) ينابيع المودة: 48 وعن الأمالي للطوسي: 56 .
(3) ينابيع المودة : 21 .
(4) كشف الغمة للإربلي : 1 / 143 ـ 148 .


الصفحة 79

الكساء، وأشبه الناس برسول الله خَلقاً وخُلقاً وهدياً وسلوكاً ومنطقاً ؟! .
رابعاً : هل يعقل أن يكون الإمام الحسن(عليه السلام) ـ الذي عاش في كنف جدّه النبيّ المصطفى (صلى الله عليه وآله) وأبيه عليّ المرتضى (عليه السلام)، والذي كان بحراً من العلم لا ينزف، وقد أجاب منذ طفولته على الأسئلة التي أحالها إليه جدّه، ثم أبوه بعد ذلك ـ أنّه لم يكن يحسن إسباغ الوضوء ؟ .
خامساً : إذا كان عثمانياً بالمعنى الدقيق للكلمة فمعنى ذلك قبوله لجميع تصرّفات عثمان وأعماله التي خالفت كتاب الله وسنّة نبيّه، وذلك ممّا لا يحتمل في حقّه(عليه السلام) وهو الذي يذكر في تعريفه للسياسة : "أنّ من جملة مراعاة حقوق الأحياء أن تخلص لولي الأمر ما أخلص لأُمّته، وأن ترفع عقيرتك في وجهه إذا حاد عن الطريق السويّ"، ومن الواضح أنّ عثمان وعمّاله قد كانوا من أجلى مصاديق كلمته هذه، كما قرّره أولئك الذين زعموا أنّ الإمام الحسن(عليه السلام) كان عثمانياً .
سادساً : وأمّا بخصوص الرواية التي تدّعي بأنّه أشار على أبيه بترك المدينة فلم يكن ذلك بالرأي السديد إطلاقاً، فإنّ طلحة والزبير وغيرهما من الطامعين والمستأثرين كانوا ينتظرون فرصة كهذه، ثم إنّ الناس في تلك الظروف الحرجة لم يسمحوا لعليّ (عليه السلام) بترك المدينة، وهم الذين بقوا يلاحقونه أيّاماً من مكان لمكان حتى بايعوه .


الصفحة 80

الإمام الحسن(عليه السلام) في عهد الدولة العلوية

1 ـ البيعة لأمير المؤمنين (عليه السلام) بالخلافة :

لقد كان عامة المسلمين يتطلّعون بلهفة إلى من سيخلف عثمان عندما تتمخّض الأحداث عن قتله أو اعتزاله، ولقد كان الطامعون فيها أكثر من واحد، ومن بين أُولئك من عمّق مجرى الأحداث ووسّع دائرتها وأمدّ النار المتأجّجة بالوقود كطلحة والزبير وعائشة، وكان من أكثر الناس لهفة عليها طلحة، وبلغ به الحال أن سبق نتائج تلك الأحداث، وأخذ لنفسه المكان الذي قدّر أنّ الأيّام ستضعه فيه، فاستولى على بيت المال، وأقام الصلاة بالناس وعثمان محصور في داره لا يزال على قيد الحياة .
وبلا شك فإنّ الأربعة الباقين من الستّة أصحاب الشورى كانوا أوفر من سائر الناس حظّاً، وكان نصيب علي (عليه السلام) أوفر من نصيب الجميع، واليه تتّجه الجماهير في المدينة وخارجها، وحتى الثوار لم يعدلوا به أحداً، لأنّهم يعلمون بأنّه سيحقّق لهم الأهداف التي ثاروا من أجلها، ويعلمون في الوقت ذاته أنّ طلحة والزبير لم يغضبا للحقّ ولله، وأنّهما لا يختلفان عن عثمان وبطانته، وتأكّد ذلك لهم من موقفهما من عثمان خلال الأيام التي سبقت قتله .
وحدّث البلاذري في أنساب الأشراف: أنّ عليّاً(عليه السلام) لزم منزله بعد أن يئس من إصلاح الأمر بين الفريقين، فلما قتل عثمان وفرغ الناس من أمره وأدركوا أنّه لا بدّ لهم من إمام يجتمعون عليه; جاء الناس كلّهم إلى عليّ يهرعون، وهم يقولون : إنّ أميرنا عليّ بن أبي طالب، حتى دخلوا عليه الدار، وقالوا: امدُد يدك حتى نبايعك، فقال: ليس ذلك إليكم، إنّما ذلك لأهل بدر، فمن

الصفحة 81

رضي به البدريون فهو الخليفة، فلم يبق أحد من أهل بدر إلاّ أتى عليّاً فقالوا: ما نرى أحداً أحقّ بها منك يا أبا الحسن(1) .
وقال الطبري في الجزء الثالث من تأريخه : إنّ أصحاب رسول الله جاءوه بعد مقتل عثمان، فقالوا له : لا بد للناس من إمام، ولا نجد اليوم أحقّ بهذا الأمر منك، فقال: لا تفعلوا فإنّي أكون وزيراً خير من أن أكون أميراً، فقالوا : لا والله ما نحن بفاعلين حتى نبايعك، وما زالوا به حتى قبل بيعتهم، ولكنه أبى إلاّ أن تكون في المسجد ويرضى جميع الناس(2) .
وفي رواية ثالثة : أنّه أصرّ على رفض البيعة بالرغم من الإلحاح الشديد عليه، فتوسّلوا بالأشتر لإقناعه وكان على رأس وفد الكوفة، فقال له: أبسط يدك نبايعك، فرفضها، فألحّ عليه، وخوّفه الفتنة إن هو بقي على موقفه، وما زال به حتى أقنعه، فبايعه الوجوه، ثم انثال عليه الناس من كلّ جانب، وقام الزبير فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال : أيّها الناس! إنّ الله قد رضي لكم حكم الشورى، فأذهب به الهوى، وقد تشاورنا فرضينا علياً فبايعوه(3).
وجاء في الإمامة والسياسة عن أبي ثور أنّه قال : لمّا كانت البيعة بعد مصرع عثمان; خرجت في أثر علي (عليه السلام) والناس حوله يبايعونه، فدخل حائطاً من حيطان بني مازن، فألجئوه إلى نخلة وحالوا بيني وبينه، فنظرت إليهم وقد أخذتْ أيدي الناس ذراعه تختلف أيديهم على يده، ثم أقبلوا به إلى المسجد الشريف، فكان أول من صعد المنبر في المسجد طلحة وبايعه بيده، وكانت أصابعه شلاّء، فتطيّر منها بعض من حضر وقال : لا يتمّ والله هذا الأمر! ثم بايعه
__________
(1) أنساب الأشراف : بيعة الإمام عليّ بن أبي طالب : 205 ـ 219، تحقيق المحمودي .
(2) تأريخ الطبري : 3 / 450، مؤسسة الأعلمي ـ بيروت .
(3) اليعقوبي : 2 / 75 .


الصفحة 82

الزبير وأصحاب النبيّ وجميع من في المدينة من المسلمين(1) .
وقد وصف هو (سلام الله عليه) موقف المسلمين منه وإصرارهم على بيعته في خطبته المعروفة بالشقشقية، حيث قال : فما راعني إلاّ والناس كعرف الضبع ينثالون عليّ من كلّ جانب مجتمعين حولي كربيضة الغنم، حتى لقد وطئ الحسنان وشُقَّ عِطفاي، فلمّا قمت بالأمر نكثت طائفة ومرقت أخرى وقسط آخرون، كأنّهم لم يسمعوا كلام الله حيث يقول : (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوَّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ).
ومضى في خطبته هذه يصف موقفه من الخلافة فقال : أما والذي فلق الحبّة، وبرأ النسمة، لولا حضور الحاضر، وقيام الحجّة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء أن لا يقارّوا على كظّة ظالم ولا سغب مظلوم لألقيت حبلها على غاربها ولسقيت آخرها بكأس أوّلها، ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز.
لقد تمّت البيعة لعلىٍّ(عليه السلام) بعد ما رأى أن لا مفر له منها في ذلك الجوّ المشحون بالفتن والاختلافات; وذلك بعد وفاة عثمان بثلاثة أيّام أو خمسة، وبايعه جميع المهاجرين والأنصار وغيرهم ممن وفدوا على المدينة من الأمصار الثلاثة، ولم يتخلّف عن بيعته من القرشيّين سوى أفراد قلائل، كان من بينهم مروان بن الحكم وسعد بن أبي وقّاص وعبد الله بن عمر(2) .
وليس بغريب على مروان بن الحكم والأُمويين إذا هم تخلّفوا عن بيعة عليّ أو كرهوها، كما يبدو للمتتبّع في تاريخ البيت الأُموي مع الهاشميّين وغيرهم من أصحاب الرسالات .
وأمّا سعد بن أبي وقّاص فلقد كان يتمنّاها لنفسه، ولو وسعه العمل من
__________
(1) الفتوح : 1 ـ 2 / 436، الأمم والملوك : 3 / 456 .
(2) راجع الكامل : 3 / 98 ـ 99، واليعقوبي : 2 / 75، الفتوح : 1 ـ 2 / 436.


الصفحة 83

أجلها لم يقصر، ولعله قد بدأ يفكّر فيها، فقد جعله ابن الخطاب أحد من تدور الخلافة في فلكهم وأعطاه أكثر مما يستحق، ولا أظنّه قبل ذلك كان يفكّر فيها، أو يتصوّر أنّ المسلمين سيجعلونه إلى جانب عليٍّ في يوم من الأيام، ولكنّه بعد أن رأى انصراف الناس حتى عن طلحة والزبير وهما أبرز منه، ولهما مكانتهما بين صحابة الرسول في المصرين الكوفة والبصرة لم يتعرّض لها، واكتفى أن يعتزل ولا يبايع عليّاً(عليه السلام) تضامناً مع الأُمويين الذين تربطه بهم القرابة من قبل أُمّه حمئة، وكان هواه معهم، ولم يقف منهم موقفاً معادياً حتى بعد أن عزله عثمان عن الكوفة وأعطاها لأخيه الوليد(1)، وأمير المؤمنين يعلم منه ذلك كما يعلم بموقف الأُمويين وبما سيؤول إليه أمر طلحة والزبير وأكثر القرشيّين، وقد وصف موقفهم منه بعد البيعة بقوله : "اللهم إنّي أستعديك على قريش، فإنّهم قطعوا رحمي وأكفئوا إنائي، فنظرت فإذا ليس لي رافد ولا ذابّ ولا ساعد إلا أهل بيتي".
وقال مرة أخرى : "ما لي ولقريش ؟ والله قاتلتهم كافرين ولأُقاتلنّهم مفتونين، وإنّي لصاحبهم بالأمس كما أنا صاحبهم اليوم"(2) .
ومهما كان الحال فلمّا دعي سعد بن أبي وقّاص إلى البيعة; تمنّع منها تضامناً مع الأُمويين، فتركه أمير المؤمنين ولم يسمح للثائرين أن يستعملوا معه العنف، ولمّا دعي إليها عبد الله بن عمر بن الخطاب وامتنع منها; طلب منه كفيلاً بأن لا يشترك مع أحد في عمل ضدّه، ولمّا امتنع عن تقديم الكفيل تركه وقال للناس: خلّوه فأنا كفيله، ثم التفت إليه وقال : "اذهب فإنّي ما علمتك إلا سيّئ الخلق صغيراً وكبيراً".
__________
(1) حياة الإمام الحسن : 1 / 384 عن الفتوح : 2 / 258 ـ 259 .
(2) نهج البلاغة : 336، طبعة صبحي الصالح، رقم 217، الخطبة 33 .


الصفحة 84

ولمّا تمّت البيعة; انصرف أمير المؤمنين (عليه السلام) منذ اليوم الأول يجنّد كلّ إمكانياته لإصلاح ما أفسدته بطانة عثمان في جميع شؤون الدولة، تلك البطانة التي تركت جميع الأجهزة تنخر بالفساد والانحلال، وكان يرى أنّ الواجب يدعوه لمعالجة الأهمّ فالأهمّ من المشاكل المستعجلة التي يتضجّر منها الناس، وتأتي في طليعتها مشكلة الولاة التي أثارت تلك الضجّة على الخليفة الراحل وأودت بحياته، حتى إذا فرغ منها اتّجه إلى غيرها من المشاكل التي يراها أكثر إلحاحاً وأعمّ نفعاً، ولم يكن ذلك ليمنعه من أن يبسط للناس السياسة التي سينتهجها في عهده الجديد .
وبعد أيام قلائل من خلافته وقف على المنبر ليعلن على الملأ المحتشد من حوله إلغاء بعض الأنظمة التي اتّبعها أسلافه خلال عشرين عاماً أو تزيد، وكان على ثقة بأنّ عمر بن الخطاب حينما قسّم الفيء حسب أقدار الناس وقدمهم في الإسلام قد استجاب لمصالحه الذاتّية أكثر مما استجاب لمبادئ الإسلام، وأنّ عثمان بن عفان حينما ترك أهله يعبثون به ويفسدون في الأرض قد استجاب للعنصرية الجاهلية وللروح الأُموية الحاقدة على الإسلام الذي لا يعطي أحداً على حساب أحد من الناس(1).

2 ـ استنجاد الإمام علي(عليه السلام) بالكوفة :

بينما كان الإمام علي (عليه السلام) يتهيّأ لمواجهة معاوية لمّا أعلن التمرّد على حكومته ورفض بيعته، وبينما هو جادّ في تدبير الأمر إذ فاجأه الخبر عن هياج بعض أهل مكة للطلب بدم عثمان بتحريض من طلحة والزبير وعائشة وأتباعهم من الأُمويين، فأشفق من انشقاق الكلمة واختلاف شمل المسلمين،
__________
(1) راجع سيرة الأئمة الاثني عشر للسيد هاشم معروف الحسني : 1 / 390 ـ 393 .


الصفحة 85

ورأى أنّ خطرهم أقوى من خطر معاوية، وشرّهم أقوى من شرّه، وإذا لم يبادر لإخماد هذه الفتنة فإنّها يوشك أن تتّسع ويكثر التمرّد والاختلاف، فتجهّز للتحرك نحوهم، وشمّرت لنصرته البقية الصالحة من المهاجرين والأنصار، وخرجوا مسرعين ليلحقوا بهم قبل أن يدخلوا مصراً من الأمصار فيفسدوه، فلمّا بلغوا الربذة علموا بسبقهم إلى البصرة وبالحوادث التي جرت فيها، فأقام الإمام (عليه السلام) بالربذة أيّاماً يحكّم أمره، وأرسل إلى جماهير أهل الكوفة يستنجد بهم ويدعوهم إلى نصرته والقيام معه لإخماد نار الفتنة، وأوفد لِلقياهم محمد بن أبي بكر ومحمد بن جعفر، وزوّدهما برسالة جاء فيها : "أنّي اخترتكم على الأمصار، وفزعت إليكم لما حدث، فكونا لدين الله أعواناً وأنصاراً، وأيّدونا وانهضوا إلينا، فالإصلاح ما نريد لتعود الأُمة إخواناً، ومن أحبّ ذلك وآثره فقد أحبّ الحق، ومن أبغض ذلك فقد أبغض الحقّ وأغمضه"(1) .
وعرض الرسولان رسالة الإمام علي (عليه السلام) على أبي موسى الأشعريّ والي الكوفة، إلاّ أنّهما لم يجدا منه أيّة استجابة، وإنّما وجداه يثبّط العزائم ويمنع الناس من الاستجابة لنداء الخليفة، وبرّر عناده قائلاً : "والله إنّ بيعة عثمان لفي عنقي وعنق صاحبكما، فإن لم يكن بدّ من القتال لا نقاتل أحداً حتى يفرغ من قتلة عثمان ..."(2) .
فأوفد الإمام علي (عليه السلام) لِلقيا الأشعري رسولاً ثالثاً هو هاشم المرقال، وزوّده برسالة جاء فيها : "أنّي وجّهت هاشماً لينهض بمن قبلك من المسلمين إليّ، فأشخص الناس، فإنّي لم أُولّك إلاّ لتكون من أعواني على الحقّ" .
إلاّ أنّ الأشعري أصرّ على تمرّده، فأرسل هاشم إلى الإمام رسالة يخبره فيها بفشله في مهمّته وإخفاقه في سفارته .
__________
(1) الطبري : 3 / 393 و 394 .
(2) الطبري : 3 / 393 و 394 .


الصفحة 86

3 ـ إيفاد الإمام الحسن(عليه السلام) :

بعد أن عرف الإمام عليّ(عليه السلام) إصرار أبي موسى وعدم إفلاح الرسل معه; بعث إليه ولده الحسن ومعه عمار بن ياسر، وأرسل معه رسالة فيها عزل أبي موسى عن منصبه وتعيين قرضة بن كعب مكانه، وهذا نصّ رسالته : "أمّا بعد، فقد كنت أرى أن تعزب عن هذا الأمر الذي لم يجعل الله لك نصيباً منه، يمنعك عن ردّ أمري وقد بعثت الحسن بن عليّ وعمار بن ياسر يستفزّان الناس، وبعثت قرضة بن كعب والياً على المصر، فاعتزل عملنا مذموماً مدحوراً، فإن لم تفعل فإنّي قد أمرته أن ينابذك"(1) .
ووصل الإمام الحسن(عليه السلام) إلى الكوفة فالتأم الناس حوله زمراً، وهم يعربون له عن انقيادهم وطاعتهم، ويظهرون له الولاء والإخلاص، وأعلن الإمام(عليه السلام) عزل الوالي المتمرّد عن منصبه، وتعيين قرضة محلّه، ولكنّ أبا موسى بقي مصرّاً على موقفه، فأقبل على عمار بن ياسر يحدّثه في أمر عثمان علّه أن يجد في حديثه فرجة، فيتّهمه بدم عثمان ليتّخذ من ذلك وسيلة إلى خذلان الناس عن الإمام فقال له : "يا أبا اليقظان! أعدوت فيمن عدا على أمير المؤمنين فأحللت نفسك مع الفجار؟" فأجابه عمّار : "لم أفعل ولم تسؤني" .
وعرف الإمام الحسن(عليه السلام) غايته، فقطع حبل الجدال، وقال له : "يا أبا موسى! لِمَ تثبّط عنّا الناس؟" .
وأقبل الإمام يحدّثه برفق ولين لينزع روح الشرّ والعناد عن نفسه
__________
(1) حياة الإمام الحسن للقرشي : 1 / 434 .


الصفحة 87

قائلاً : "يا أبا موسى! والله ما أردنا إلاّ الإصلاح، وليس مثل أمير المؤمنين يخاف على شيء".
فقال أبو موسى : صدقت بأبي أنت وأمي، ولكنّ المستشار مؤتمن .
فأجابه الإمام(عليه السلام) : "نعم".
فقال أبو موسى : سمعت رسول الله يقول : إنّها ستكون فتنة، القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الراكب، وقد جعلنا الله عَزَّ وجَلَّ إخواناً، وحرّم علينا أموالنا ودماءنا، فقال : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً)(1)، وقال عَزَّ وجَلَّ : (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ)(2) .
فردّ عليه عمّار قائلاً : "أنت سمعت هذا من رسول الله؟".
قال : أبو موسى : "نعم، وهذه يدي بما قلت" .
فالتفت عمّار إلى الناس قائلاً : "إنّما عنى رسول الله بذلك أبا موسى، فهو قاعد خير من قائم"(3).
وخطب الإمام الحسن(عليه السلام) في الناس قائلاً : "أيّها الناس! قد كان في مسير أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ورؤوس العرب، وقد كان من طلحة والزبير بعد بيعتهما وخروجهما بعائشة ما قد بلغكم، وتعلمون أنّ وهن النساء وضعف رأيهنّ إلى التلاشي، ومن أجل ذلك جعل الله الرجال قوّامين على النساء، وأيم الله لو لم ينصره منكم أحد لرجوت أن يكون فيمن أقبل معه من المهاجرين والأنصار
__________
(1) النساء (4) : 29 .
(2) النساء (4) : 93 .
(3) حياة الإمام الحسن للقرشي : 1 / 434 ـ 435 .


الصفحة 88

كفاية، فانصروا الله ينصركم"(1).
وبقي أبو موسى مصرّاً على موقفه يثبّط العزائم، ويدعو الناس إلى القعود وعدم نصرة الإمام، فعنّفه الإمام الحسن(عليه السلام) قائلاً : "اعتزل عملنا أيّها الرجل، وتنحّ عن منبرنا لا أم لك" . وقام الإمام(عليه السلام) خطيباً بالناس فقال لهم : "أيّها الناس! أجيبوا دعوة أميركم، وسيروا إلى إخوانكم، فإنه سيوجد إلى هذا الأمر من ينفر إليه، والله لئن يليه أولو النهى أمثل في العاجل والآجل وخير في العاقبة، فأجيبوا دعوتنا وأعينونا على ما ابتلينا به وابتليتم، وأنّ أمير المؤمنين يقول : قد خرجت مخرجي هذا ظالماً أو مظلوماً، وأنّي أذكر الله رجلاً رعى حقّ الله إلاّ نفر، فإن كنت مظلوماً أعانني، وإن كنت ظالماً أخذ، والله إنّ طلحة والزبير لأول من بايعني، وأوّل من غدرا، فهل استأثرت بمال أو بدّلت حكماً؟ فانفروا وأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر"(2).
فأجابه الناس بالسمع والطاعة، ولكن مالك الأشتر رأى أنّ الأمر لا يتمّ إلاّ بإخراج أبي موسى مهان الجانب محطّم الكيان، فأقبل مع جماعة من قومه فأحاطوا بالقصر ثم أخرجوا الأشعري منه، وبعد أن استتبّ الأمر للإمام الحسن(عليه السلام)! أقبل يتحدّث إلى الناس بالخروج للجهاد قائلاً : "أيّها الناس، إنّي غاد، فمن شاء منكم أن يخرج معي على الظهر (أي على الدوابّ) ومن شاء فليخرج في الماء"(3) .
واستجابت الجماهير لدعوة الإمام، فلمّا رأى ذلك قيس بن سعد غمرته الأفراح، وأنشأ يقول :

جزى الله أهل الكوفة اليوم نصرة = أجابو ولم يأبوا بخذلان من خذل
وقالوا عليّ خير حاف وناعل = رضينا به من ناقضي العهد من بدل

__________
(1) و(2) و(3) حياة الإمام الحسن : 1 / 436. 1 / 437 . 1 / 438 .


الصفحة 89

هما أبرزا زوج النبي تعمداً = يسوق بها الحادي المخب على جمل(1)

وعجّت الكوفة بالنفير ونزحت منها آلاف كثيرة، وقد بدا عليهم الرضا والقبول، وساروا وهم تحت قيادة الإمام الحسن(عليه السلام)، فانتهوا إلى ذي قار(2) وقد التقوا بالإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) حيث كان مقيماً هناك، فسرّ بنجاح ولده، وشكر له جهوده ومساعيه .

4 ـ التقاء الفريقين في البصرة وخطاب الإمام الحسن(عليه السلام) :

وتحرّكت كتائب الإمام من ذي قار حتى انتهت إلى الزاوية(3). وبعث(عليه السلام) إلى عائشة يدعوها إلى حقن الدماء وجمع كلمة المسلمين، كما بعث(عليه السلام) برسالة إلى طلحة والزبير يدعوهما إلى الوئام ونبذ الشقاق(4) إلاّ أنّهم جميعاً لم يستجيبوا لنداء الحقّ، وأصرّوا على مقاومة الإمام ومناجزته .
وكان عبد الله بن الزبير من أشدّ المحرّضين على الفتنة وإراقة الدماء، وقد أفسد جميع الوسائل التي صنعها أمير المؤمنين(عليه السلام) لتحقيق السلم، وقد خطب في جموع البصريين ودعاهم إلى الحرب، وهذا نصّ خطابه: "أيّها الناس! إنّ علي بن أبي طالب قتل الخليفة بالحقّ عثمان، ثمّ جهّز الجيوش إليكم ليستولي عليكم، ويأخذ مدينتكم، فكونوا رجالاً تطلبون بثأر خليفتكم، واحفظوا حريمكم، وقاتلوا عن نسائكم وذراريكم وأحسابكم وأنسابكم، أترضون لأهل الكوفة أن يردوا بلادكم؟ إغضبوا فقد غوضبتم، وقاتلوا فقد قوتلتم، ألا وإنّ عليّاً لا يرى معه في هذا الأمر أحداً سواه، والله لئن ظفر بكم
__________
(1) الغدير : 2 / 76 .
(2) ذي قار : ماء لبكر بن وائل قريب من الكوفة يقع بينها وبين واسط . معجم البلدان : 7 / 8 .
(3) الزاوية: موضع قريب من البصرة . معجم البلدان : 4 / 37 .
(4) حياة الإمام الحسن للقرشي : 1 / 442 ـ 443 .


الصفحة 90

ليهلكنّ دينكم ودنياكم"(1).
وبلغ الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) خطاب ابن الزبير، فأوعز إلى ولده الإمام الحسن(عليه السلام) بالردّ عليه، فقام خطيباً، فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ثم قال : "قد بلغتنا مقالة ابن الزبير في أبي وقوله فيه : إنّه قتل عثمان، وأنتم يا معشر المهاجرين والأنصار وغيرهم من المسلمين، علمتم بقول الزبير في عثمان، وما كان اسمه عنده، وما كان يتجنّى عليه، وأنّ طلحة يومذاك ركز رايته على بيت ماله وهو حيّ، فأنّى لهم أن يرموا أبي بقتله وينطقوا بذمّه؟! ولو شئنا القول فيهم لقلنا.
وأمّا قوله : إنّ علياً ابتزّ الناس أمرهم، فإنّ أعظم حجّة لأبيه زعم أنّه بايعه بيده ولم يبايعه بقلبه، فقد أقرّ بالبيعة وادّعى الوليجة، فليأت على ما ادّعاه ببرهان وأنّى له ذلك؟ وأمّا تعجّبه من تورّد أهل الكوفة على أهل البصرة فما عجبه من أهل حقٍّ تورّدوا على أهل باطل! أمّا أنصار عثمان فليس لنا معهم حرب ولا قتال، ولكنّنا نحارب راكبة الجمل وأتباعها"
.

5 ـ الإمام علي (عليه السلام) في الكوفة بعد حرب الجمل :

بعد أن وضعت حرب الجمل أوزارها توقَّف الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) شهراً في البصرة، ثم غادرها متوجّهاً إلى الكوفة، مخلّفاً عبد الله بن عباس عليها، وقد مكث أمير المؤمنين(عليه السلام) عدّة أشهر في الكوفة قبل أن يتحرك نحو صفّين لقتال القاسطين (أي معاوية وأنصاره)، وقد قام خلال هذه الفترة بتعيين وظائف ولاته وتنظيم الأمور، كما وتبادل الرسائل مع معاوية وغيره من المتمرّدين على خلافته(عليه السلام) .
__________
(1) حياة الإمام الحسن : 1 / 444 .

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة