الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة 51

ونلاحظ حرصه على ربط قضاياهما بنفسه، إذ يقول : "أنا سِلمٌ لِمَن سالمتم، وحرب لِمَن حاربتم"(1) .
وجاء عن أنس بن مالك أنّه قال : دخل الحسن على النبي(صلَّى الله عليه وآله) فأردت أن أميطه عنه، فقال : "ويحك يا أنس! دع ابني وثمرة فؤادي، فإنّ من آذى هذا آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله"(2) .
وكان الرسول(صلَّى الله عليه وآله) يُقَبّل الإمام الحسن(عليه السلام) في فمه ويُقَبّل الإمام الحسين(عليه السلام) في نحره، وكأنّه يريد إثارة قضية مهمة ترتبط بسبب استشهادهما(عليهما السلام) وإعلاماً منه عن تعاطفه معهما، وتأييده لهما في مواقفهما وقضاياهما .
لقد كان الإمام الحسن(عليه السلام) أحبّ الناس إلى النبي(صلَّى الله عليه وآله)(3)، بل لقد بلغ من حبّه له ولأخيه أنّه كان يقطع خطبته في المسجد وينزل عن المنبر ليحتضنهما .
والكلّ يعلم أنّ الرسول(صلَّى الله عليه وآله) لم ينطلق في مواقفه من منطلق الأهواء الشخصية، والنزعات والعواطف الذاتية، وإنّما كان ينبّه الأُمة إلى عظمة هذين الإمامين ومقامهما الرفيع.
وإنّ ما ذكر هو الذي يفسّر لنا السرّ في كثرة النصوص التي وردت عنه(صلَّى الله عليه وآله) حول الحسنين(عليهما السلام) مثل قوله (صلَّى الله عليه وآله) بالنسبة للإمام الحسن (عليه السلام) : "اللّهمّ إنّ هذا ابني وأنا أُحبّه فأحبّه وأحبّ من يحبّه"(4)، وقوله(صلَّى الله عليه وآله) : "أحبّ أهل بيتي إليّ الحسن والحسين ..."(5) .
__________
(1) راجع سنن الترمذي : 5 / 699، وسنن ابن ماجة : 1 / 52، وينابيع المودة: 165 و230 و261 و370 عن جامع الأصول وغيره.
(2) أهل البيت تأليف توفيق أبو علم : 274، وراجع سنن ابن ماجة : 1 / 51 .
(3) نسب قريش لمصعب الزبيري: ص23 ـ 25 .
(4) تهذيب تاريخ ابن عساكر : 4 / 205 و206 و207، والغدير : 7 / 124 .
(5) راجع الكثير من هذه النصوص في المصدرين السابقين، وسيرتنا وسنتنا: 11 ـ 15، وفضائل الخمسة من الصحاح الستة، وفرائد السمطين، وترجمة الحسن وترجمة الحسين من تاريخ ابن عساكر بتحقيق المحمودي، والفصول المهمة للمالكي، وترجمة الإمام الحسن من أنساب الأشراف، ونور الأبصار.


الصفحة 52

يوم المباهلة ومداليله :

وفد بعض أساقفة نصارى نجران على النبي(صلَّى الله عليه وآله) وناظروه في عيسى، فأقام عليهم الحجة فلم يقبلوا، ثم اتفقوا على المباهلة(1) أمام الله على أن يجعلوا لعنة الله الخالدة وعذابه المعجّل على الكاذبين .
ولقد سجّل القرآن الكريم هذا الحادث العظيم في تاريخ الرسالة الإسلامية بقوله تعالى :
(إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ * فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ)(2) .
فلمّا رجعوا إلى منازلهم قال رؤساؤهم "السيّد والعاقب والأهتم" : إن باهلنا بقومه باهلناه، فإنه ليس نبيّاً، وإن باهَلنا بأهل بيته خاصة لم نباهله، فإنه لا يُقدِم إلى أهل بيته إلاّ وهو صادق، فخرج إليهم (صلَّى الله عليه وآله) ومعه عليّ وفاطمة والحسنان(عليهم السلام) فسألوا عنهم، فقيل لهم : هذا ابن عمّه ووصيّه وختنه علي بن أبي طالب، وهذه ابنته فاطمة، وهذان ابناه الحسن والحسين، ففرقوا فقالوا لرسول الله (صلَّى الله عليه وآله) : نعطيك الرضا فاعفنا من المباهلة، فصالحهم رسول الله(صلَّى الله عليه وآله) على الجزية وانصرفوا(3).
ولقد أجمع المفسّرون على أنّ المراد بأبنائنا : الحسن والحسين(4).
__________
(1) من البهلة : وهي اللعنة، ثم كثر استعمال الابتهال في المسألة والدعاء إذا كان بإلحاح .
(2) آل عمران (3) : 59 ـ 61 .
(3) راجع تفسير القمي: 1 / 104، والقرشي : 1 / 88 ـ 91 . وقد روى قضية المباهلة بأهل الكساء ـ بالاختصار تارة وبالتفصيل أخرى ـ جم غفير من الحفاظ والمفسّرين، راجع الحياة السياسية للإمام الحسن: ص18 ـ 19، وراجع الميزان في تفسير القرآن : 3 / 368 طبعة الأعلمي .
(4) مجمع البيان : 2 / 452، وراجع التبيان : 2 / 485، وتفسير الرازي : 8 / 80، وحقائق التأويل 114 وفيه : أجمع العلماء ... الخ .


الصفحة 53

وقال الزمخشري : وفيه دليل ـ لا شيء أقوى منه ـ على فضل أصحاب الكساء(1).
ويمكننا استخلاص جملة من الأمور من يوم المباهلة أهمها :

أوّلاً : الأنموذج الحي :

إنّ إخراج الحسنين (عليهما السلام) في قضية المباهلة لم يكن أمراً عادياً، وإنّما كان مرتبطاً بمعاني ومداليل خطيرة، أهمها: أنّ النبي(صلَّى الله عليه وآله) حينما يكون على استعداد للتضحية بنفسه وبهؤلاء الذين يعتبرهم القمّة في النضج الرسالي، بالإضافة إلى أنّهم أقرب الناس إليه فإنّه لا يمكن أن يكون كاذباً ـ والعياذ بالله ـ في دعواه، كما لاحظه وأقرّه رؤساء النصارى الذين جاءوا ليباهلوه، وكذلك يدل على تفانيه في رسالته الإلهيّة وعلى ثقته بما يدعو إليه .

ثانياً : في خدمة الرسالة :

إنّ اعتبار الإمام الحسن وأخيه الحسين (عليهما السلام) في صباهما المثل الأعلى والأنموذج المجسّد للإسلام وعي عقائدي سليم فرضته الأدلة والبراهين التي تؤكّد بشكل قاطع على أن الأئمة الأطهار(عليهم السلام) كانوا في حال طفولتهم في المستوى الرفيع الذي يؤهّلهم لتحمّل الأمانة الإلهية وقيادة الأُمة قيادة حكيمة وواعية، كما سَجَّل التاريخ ذلك بالنسبة لكل من الإمامين الجواد(عليه السلام) والمهدي "عجّل الله تعالى فرجه الشريف" حيث شاءت الإرادة الإلهية أن يتحمّلا مسؤولياتهما القيادية في السنين الأُولى من حياتهما، وهذا ليس بالغريب على من أرادهم الله حملة لدينه ورعاة لبريته، فهذا عيسى بن مريم يتحدّث عنه القرآن الكريم بقوله : (فَأَشَارَتْ إليه قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيَّاً *
__________
(1) الكشاف : 1 / 370، وراجع الصواعق المحرقة : ص153 عنه، وراجع الإرشاد للمفيد : ص99، وتفسير الميزان : 3 / 238 .


الصفحة 54

قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيَّاً ...)(1) .
وكذلك كان يحيى (عليه السلام) الذي قال الله سبحانه عنه : "يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيَّاً"(2) .
لقد كان الحسنان(عليهما السلام) في أيّام طفولتهما الأُولى أيضاً في مستوىً من النضج والكمال الإنساني بحيث كانا يملكان كافة المؤهّلات التي تجعلهما محلاً للعناية الإلهية، وأهلاً للأوسمة الكثيرة التي منحها إيّاهما الإسلام على لسان نبيّه العظيم(صلَّى الله عليه وآله) ممّا جعلهما قادرين على تحمّل المسؤوليات الجسام، وحيث إنّ الحاضرين للمباهلة شركاء في الدعوى، إذن فعليّ وفاطمة والحسنان(عليهم السلام) شركاء في الدعوى، وفي الدعوة إلى المباهلة لإثباتها .
وهذا من أفضل المناقب التي خصّ الله بها أهل بيت نبيّه(3).
وقد استنتج علماء المسلمين الفضل للحسن والحسين(عليهما السلام) من المباهلة، ومنهم ابن أبي علان ـ وهو أحد أئمة المعتزلة ـ حيث يقول : هذا يدل على أنّ الحسن والحسين كانا مكلّفين في تلك الحال; لأنّ المباهلة لا تجوز إلاّ مع البالغين(4).
ويؤيّد ذلك أيضاً اشراكهما(عليهما السلام) في بيعة الرضوان، ثم شهادتهما للزهراء(عليها السلام) في قضية نزاعها مع أبي بكر حول فدك، إلى غير ذلك من أقوال ومواقف للنبيّ(صلَّى الله عليه وآله) فيهما في المناسبات المختلفة .
وهذا كلّه يصبّ في المنهج الذي أراده النبي(صلَّى الله عليه وآله) في إعداد الناس
__________
(1) مريم (19) : 29 ـ 30 .
(2) مريم (19) : 12 .
(3) راجع تفسير الميزان : 3 / 224، ودلائل الصدق : 3 / قسم1 ص84 .
(4) نقله عنه أبو حيّان في "البحر المحيط" في تفسير آية المباهلة .


الصفحة 55

نفسيّاً، وإفهامهم بأنّ أئمة أهل البيت(عليهم السلام) يمكنهم أن يتحمّلوا مهمة رسالية في قطعة زمنية من أعمارهم .

ثالثاً : سياسات لابدّ من مواجهتها :

هنالك مجموعة من الغايات التربوية والسياسية التي كانت تكمن وراء إشراك النبي(صلَّى الله عليه وآله) أهل بيته في المباهلة، منها :
أ ـ إنّ إخراج العنصر النسوي ممثّلاً بفاطمة الزهراء ـ صلوات الله وسلامه عليها ـ والتي تعتبر الأنموذج الأسمى للمرأة المسلمة في أمر ديني ومصيري كهذا كان من أجل محو ذلك المفهوم الجاهلي البغيض، الذي كان لا يرى للمرأة أيّةَ قيمة أو شأن يذكر، بل كانوا يرون فيها مصدر شقاء وبلاء ومجلبة للعار ومظنّة للخيانة(1)، فلم يكن يتصوّر أحد منهم أن يرى المرأة تشارك في مسألة حساسة وفاصلة، بل ومقدّسة كهذه المسألة، فضلاً عن أن تعتبر شريكة في الدعوى، وفي الدعوة لإثباتها .
ب ـ إنّ إخراج الحسنين (عليهما السلام) إلى المباهلة بعنوان أنهما أبناء الرسول الأكرم محمد(صلَّى الله عليه وآله) مع أنّهما ابنا ابنته الصدّيقة الطاهرة فاطمة الزهراء(عليها السلام) له دلالة هامة ومغزىً عميق، حيث إنّه "في الآية دلالة على أنّ الحسن والحسين ـ وهما ابنا البنت ـ يصح أن يقال : إنّهما ابنا رسول الله(صلَّى الله عليه وآله) لأنّه وعد أن يدعو أبناءه، ثم جاء بهما"(2)، وبالإضافة إلى ما أشير إليه آنفاً كان يهدف إلى إزالة المفهوم الجاهلي القائل بأنّ أبناء الأبناء هم الأبناء في الحقيقة دون أبناء
__________
(1) راجع : الصحيح من سيرة النبيّ الأعظم(صلَّى الله عليه وآله) : 1 / 45 ـ 47 .
(2) تفسير الرازي : 8 / 81، وفتح القدير : 1 / 347، وتفسير النيسابوري بهامش تفسير الطبري : 3 / 214، والتبيان : 2 / 485 عن أبي بكر الرازي (وهو غير الفخر الرازي)، ومجمع البيان : 2 / 452، والغدير : 7 / 122 عنه وعن تفسير القرطبي : 4 / 104 .


الصفحة 56

البنات.
ومع كلّ ما قام به النبي(صلَّى الله عليه وآله) في يوم المباهلة لتصحيح هذا المفهوم الجاهلي تجد البعض يبقى متمسّكاً به، وقد ظهر هذا التمسّك في بعض الآراء الفقهية حول تفسير قوله تعالى : (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) حيث اعتبر الإرث مختصّاً بعقب الأبناء دون من عقبته البنات(1).
وبالرغم من كون المنهج المناوئ لأهل البيت قد حظي بكثير من الدعم من قبل الحكام مجنِّدين كلّ الطاقات من أجل تأكيده وتثبيته، إلاّ أنّه كانت ثمة عقبة كَؤُود تواجههم وتعترض سبيل نجاحهم في تشويه الحقيقة وتزوير التأريخ، وهي وجود أهل البيت(عليهم السلام) الذين يملكون أقوى الحجج وأعظم الدلائل والشواهد من القرآن ومن الحديث المتواتر ومن المواقف النبويّة المتضافرة التي عرفها ورآها وسمعها عدد هائل من صحابة الرسول الأعظم(صلَّى الله عليه وآله) ثم انتقلت منهم إلى الأُمة الإسلامية .
ولا بأس أن نذكر شيئاً من محاولات نفي بنوّة الحسنين(عليهما السلام) له(صلَّى الله عليه وآله) :
1 ـ قال ذكوان مولى معاوية : قال معاوية : لا أعلمنّ أحداً سمّى هذين الغلامين ابني رسول الله(صلَّى الله عليه وآله)، ولكن قولوا : ابني علي(عليه السلام)، قال ذكوان : فلمّا كان بعد ذلك أمرني أن أكتب بنيه في الشرف، قال : فكتبت بنيه وبني بنيه وتركت بني بناته، ثم أتيته بالكتاب فنظر فيه، فقال: ويحك، لقد أغفلت كُبْر بنيّ! فقلت : من؟ فقال : أما بنو فلانة ـ لابنته ـ بَنيَّ؟ قال : قلت : الله!! أيكون بنو بناتك بنيك، ولا يكون بنو فاطمة بني رسول الله(صلَّى الله عليه وآله)؟! قال : ما لك؟ قاتلك الله! لا يسمعنّ هذا أحد منك(2) .
__________
(1) راجع : الحياة السياسية للإمام الحسن : 27 ـ 28 .
(2) كشف الغمة للإربلي : 2 / 173، ط دار الأضواء .


الصفحة 57

2 ـ قال الإمام الحسن(عليه السلام) محتجّاً على معاوية : "... فأخرج رسول الله(صلَّى الله عليه وآله) من الأنفس معه أبي، ومن البنين أنا وأخي، ومن النساء فاطمة أمي من الناس جميعاً، فنحن أهله ولحمه ودمه ونفسه، ونحن منه وهو منّا"(1).
3 ـ وقال الرازي في تفسير قوله تعالى : (وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ ... ) إلى قوله : (... وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى) بعد أن ذكر دلالة الآية على بنوّة الحسنين للنبيّ(صلَّى الله عليه وآله) قال : "ويقال : إنّ أبا جعفر الباقر استدلّ بهذه الآية عند الحجّاج بن يوسف"(2) .
4 ـ وأرسل عمرو بن العاص إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) يعيبه بأشياء منها : أنّه يسمّي حسناً وحسيناً وَلَدَي رسول الله(صلَّى الله عليه وآله) فقال لرسوله : "قل للشانئ ابن الشانئ : لو لم يكونا ولديه لكان أبتر، كما زعم أبوك"(3) .
لقد صدع الإمام الحسن(عليه السلام) في أكثر من مناسبة وأكثر من موقف، ولم يكن يكتفي بإظهار وإثبات بنوّته لرسول الله(صلَّى الله عليه وآله) فقط، وإنّما كان يؤكّد من خلالها أنّ حقّ الإمامة والخلافة له وحده، ولا يمكن أن يصل إلى معاوية وأضرابه; لأنّ معاوية يفتقد المواصفات المؤهّلة للخلافة، بل يتّصف بما ينافيها.
ومن كلامه في جملة من المواقف وفي هذا الشأن بالخصوص :
1 ـ أنّه (عليه السلام) خطب فور وفاة أبيه(عليه السلام) فقال : "أيّها الناس، من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن علي، وأنا ابن النبيّ، وأنا ابن الوصي"(4).
2 ـ إنّ معاوية طلب منه(عليه السلام) أن يصعد المنبر ويخطب، فصعد المنبر
__________
(1) ينابيع المودة: 479 عن الزرندي المدني وص482 و52، وتفسير البرهان : 1 / 286 .
(2) تفسير الرازي : 13 / 66، وفضائل الخمسة من الصحاح الستة : 1 / 247 عنه .
(3) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 20 / 334 .
(4) مستدرك الحاكم : 3 / 172، وذخائر العقبى 138 عن الدولابي .


الصفحة 58

وخطب وصار يقول : أنا ابن، أنا ابن ... إلى أن قال : "لو طلبتم ابناً لنبيّكم ما بين لابتيها لم تجدوا غيري وغير أخي"(1) .

شهادة الحسنين (عليهما السلام) على كتاب لثقيف :

لقد أشهد النبي(صلَّى الله عليه وآله) الحسنين (عليهما السلام) حينما كتب كتاباً لثقيف، وأثبت فيه شهادة عليّ والحسنين صلوات الله وسلامه عليهم .
قال أبو عبيد : وفي هذا الحديث من الفقه إثباته شهادة الحسن والحسين، وقد كان يروي مثل هذا عن بعض التابعين : أنّ شهادة الصبيان تكتب ويستنسبون، فيستحسن ذلك، فهو الآن في سنّة النبي(2) .
نقول : ألم يجد النبيّ أحداً من الصحابة يستشهده على ذلك الكتاب الخطير الذي كان يرتبط بمصير جماعة كبيرة سوى هذين الصبيّين؟! وهل كان وحيداً(صلَّى الله عليه وآله) حينما جاءه وفد ثقيف، وكتب لهم ذلك الكتاب حتى احتاج إلى استشهاده ولَدَين صغيرين لم يبلغا الخمس سنوات ؟ .
إنّ أدنى مراجعة للنصوص التاريخية لتبعد هذا الاحتمال كلّ البعد، حيث إنّها صريحة في أنّ رسول الله(صلَّى الله عليه وآله) قد ضرب لهم قبة في المسجد ليسمعوا القرآن، ويروا الناس إذا صلّوا، وكان خالد بن سعيد بن العاص حاضراً، وكان خالد بن الوليد هو الكاتب، ومع ذلك لم يشهدا على الكتاب(3).
إنّنا نعي من ذلك ما أراد أن يشير إليه النبي(صلَّى الله عليه وآله) من فضل الحسنين، وأنّهما مؤهّلان لأن يتحمّلا المسؤوليات الجسام حتى في المعاهدات السياسية
__________
(1) المناقب لابن شهر آشوب : 4 / 12 عن العقد الفريد والمدائني .
(2) الأموال : ص279 ـ 280، وراجع التراتيب الإدارية : 1 / 274 .
(3) الحياة السياسية للإمام الحسن، للعاملي: 44 .


الصفحة 59

الخطيرة كهذه المعاهدة بالذات، والتي كانت مع ثقيف المعروفة بعدائها الشديد للإسلام والمسلمين .

حضور الحسنين (عليهما السلام) بيعة الرضوان :

لقد حضر الحسنان (عليهما السلام) بيعة الرضوان، واشتركا في البيعة مع رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، وعرف ذلك عند المؤرّخين .
قال الشيخ المفيد (رحمه الله) : "وكان من برهان كمالهما(عليهما السلام) وحجة اختصاص الله تعالى لهما بيعة رسول الله لهما، ولم يبايع صبياً في ظاهر الحال غيرهما"(1) .
ومن المعلوم أنّ البيعة تتضمّن إعطاء التزام وتعهّد للطرف الآخر بتحمّل مسؤوليات معينة ترتبط بمستقبل الدعوة والمجتمع الإسلامي، وحمايتهما من كثير من الأخطار التي ربّما يتعرّضان لها، ومعنى ذلك أنّ النبي(صلَّى الله عليه وآله) قد رأى في الحسنين(عليهما السلام) ـ على صغر سنهما ـ أهلية وقابلية لتحمّل تلك المسؤوليات الجسام، والوفاء بالالتزامات التي أخذا على عاتقهما الوفاء بها.

الحسن والحسين إمامان :

روي عن النبي(صلَّى الله عليه وآله) أنّه قال : "الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا"(2). رغم أنّه لم يكن عمرهما حينئذ قد تجاوز الخمس سنوات، وبذا يكون للحديث أهميته وعمق دلالته في معناه، ونجد الإمام الحسن(عليه السلام) يستدلّ بهذا القول على من يعترض عليه في صلحه مع معاوية(3) .
__________
(1) الإرشاد : 219، وفدك للقزويني هامش : 16 عنه .
(2) راجع علل الشرائع : 1 / 211 .
(3) راجع علل الشرائع : 1 / 211 .


الصفحة 60

الإمام الحسن (عليه السلام) في عهد الخلفاء

في عهد أبي بكر وعمر :

بوفاة الرسول الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) ينتهي عهد الرسالة ويبدأ عهد الإمامة، بدءً بإمامة علي بن أبي طالب (عليه السلام) والذي عيّنه الرسول الأمين ليتحمّل أعباء الثورة الإلهية المباركة والقيادة الربّانيّة للأُمة الإسلامية، التي حباها الله بوافر لطفه، وأنقذها من براثن الجاهلية، لتنعم في ظلِّ الهداية الرشيدة إلى حيث الكمال والجلال .
لقد اجتاز الحسنان (عليهما السلام) مرحلة الصبا في حياة رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وقد عرفنا كيف أنّ الرسول (صلَّى الله عليه وآله) لم يعاملهما معاملة الصبيان، بل كان يتعامل معهما كشخصيّتين إسلاميتين تنتظرهما مسؤوليات رياديّة كبرى، كما أفصحت عن ذلك نصوص نبويّة وفيرة .
وبدأت مرحلة فتوّتهما في ظلّ إمامة أبيهما، وفي ظروف غير مستقرّة، لا للدولة الإسلامية ولا لأهل بيت النبوّة، حيث أُبعد عليّ (عليه السلام) عن القيادة السياسية، وتولّى الأمر رجال لم يجعل لهم نصيب في القيادة استئثاراً وحسداً، واستصغاراً لشأن عليّ (عليه السلام) وموقعه الرياديّ الإلهيّ .
ثم تعرّضت دار الزهراء (عليها السلام) للهجوم المباغت واقتيد عليّ (عليه السلام) ليبايع أبا بكر; كي تستقر الدولة المهدّدة بالأخطار .
وفي كلّ هذه الأحوال كان الحسنان يراقبان تطوّرات الأحداث، وكيف أصبحا بعد ذلك العزّ في عهد جدّهما رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يُستذلاّن وتستذلّ العترة النبوية الطاهرة، وقد كانت للزهراء ولابنيها مواقف شتى في هذه الفترة، وهي


الصفحة 61

لا تخرج عن المخطّط الرسالي الذي خطّه لهم رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) فيما يرتبط بالرسالة بعد وفاته. وسوف نشير باختصار إلى المواقف التي ترتبط بالإمام الحسن (عليه السلام) خاصّةً، أو به وبأخيه الحسين (عليه السلام) .

1 ـ الحسنان(عليهما السلام) وفدك :

لقد توفّي الرسول الأعظم محمد(صلَّى الله عليه وآله) وحدث بعده ما حدث من استئثار القوم بالأمر، وتنصيب أبي بكر خليفةً على المسلمين، وإقصاء علي ابن أبي طالب(عليه السلام) عن محلّه الطبيعي الذي أهّله الله سبحانه وتعالى له، وتعرض فاطمة الزهراء(عليها السلام) بنت النبي الأعظم(صلَّى الله عليه وآله) لاغتصاب إرثها من أبيها، ومصادرة ما كان النبي قد ملّكها في حال حياته، وما دار بينها وبين أبي بكر من مساجلات واحتجاجات حول هذا الموضوع، حتى طلب منها أن تأتي بالشهود لإثبات ما تدّعيه، فجاءت بأمير المؤمنين(عليه السلام) وبالحسنين(عليهما السلام) وباُم أيمن ( رضي الله عنها)، ولكنّ أبا بكر ردّ الشهود، ورفض إرجاع حقّها إليها .
إنّ استشهاد الزهراء البتول ـ صلوات الله وسلامه عليها ـ بالحسنين(عليهما السلام) ـ وهي المرأة المعصومة بحكم آية التطهير ـ لم تكن لِتُصدِر ولا لِتورِدَ إلا وفق أحكام الشرع الإسلامي الحنيف، وذلك بمرأىً وبمسمع من المسلمين، وبتأييد ورضىً من سيّد الوصيّين وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام)، كلّ ذلك كان له دلالة تامة على أهليتهما لأداء الشهادة في مناسبة كهذه، مع أنّهما كانا آنذاك لا يتجاوز عمرهما السبع السنوات .
إنّ إعطاءهما دوراً بارزاً في قضية كبيرة كهذه، لم يكن أمراً عفوياً، ولا منفصلاً عن الضوابط التي تنتظم مواقف أهل البيت(عليهم السلام)، وإنما كان امتداداً


الصفحة 62

لمواقف النبي(صلَّى الله عليه وآله) منهما، في مجال إعدادهما، ووضعهما في مكانهما الطبيعي وعلى المستوى القيادي للأُمة .

2 ـ اعتراضه على أبي بكر :

وللحسن بن عليّ (عليهما السلام) موقف مع أبي بكر، حيث جاء إليه يوماً وهو يخطب على المنبر، فقال له : انزل عن منبر أبي، فأجابه أبو بكر : صدقت والله، إنّه لمنبر أبيك لا منبر أبي(1).

3 ـ الإمام الحسن (عليه السلام) وأسئلة الأعرابي :

تقوم الإمامة على ركنين رئيسين : أحدهما : الكفاءة التي تشمل العلم والعصمة وغيرهما، والآخر: النص، من هنا نجد الأئمة (عليهم السلام) كانوا يهتمّون بذكر هذه النصوص والتذكير بها والتركيز عليها باستمرار، وقد كان الإمام الحسن (عليه السلام) قد أولى اهتماماً خاصّاً ـ وفي كثير من أقواله ومواقفه ـ لذكر هذه النصوص، ومن ذلك قوله: إنّهم هم الذين افترض الله طاعتهم، وإنّهم أحد الثقلين(2).
وكذلك الحال بالنسبة إلى العلم، فإنّهم (عليهم السلام) ما فتئوا يؤكدون على أنّهم هم ورثة علم رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، وعندهم الجفر والجامعة وغير ذلك(3).
وقد كان الإمام عليّ (عليه السلام) يهتم في إثبات صفة علم الإمامة للإمام الحسن (عليه السلام) منذ طفولته، لكي يطّلع المسلمون على مدى علمه، فيكون دليلاً
__________
(1) تاريخ الخلفاء للسيوطي : 80، الصواعق المحرقة : 175 .
(2) الغدير : 1 / 198 .
(3) راجع مكاتيب الرسول (صلَّى الله عليه وآله) : 1 / 59 ـ 89 .


الصفحة 63

قاطعاً على إمامته (عليه السلام)، وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) يهتم في إظهار ذلك لأُولئك الذين استأثروا بالأمر وأقصوا أصحاب الحقّ الحقيقيين عن حقّهم، وقد اتّبع (عليه السلام) في لفت الأنظار إلى الحسن (عليه السلام) أُسلوباً من شأنه أن يتناقله الناس ويتندروا به في مجالسهم، إذ أنّ إجابة طفل لم يبلغ عمره العشر سنوات على أسئلة عويصة وغامضة لأمر يثير عجبهم ويستأثر باهتمامهم.
وذكر القاضي النعمان في شرح الأخبار بإسناده عن عبادة بن الصامت: أنّ أعرابياً سأل أبا بكر، فقال: إنّي أصبت بيض نعام فشويته، وأكلته وأنا محرم، فما يجب عليّ؟ فقال له: يا أعرابي، أشكلت عليّ في قضيّتك، فدلّه على عمر، ودلّه عمر على عبد الرحمن بن عوف، فلمّا عجزوا قالوا: عليك بالأصلع، فقال أمير المؤمنين : "سل أيّ الغلامين شئت"، فقال الحسن : "يا أعرابي، ألك إبل؟" قال: نعم، قال: "فاعمد إلى ما أكلت من البيض نوقاً، فاضربهن بالفحول، فما فصل منها فأهده إلى بيت الله العتيق الذي حججت إليه"، فقال أمير المؤمنين: "إنّ من النوق السلوب، ومنها ما يزلق"(1)، فقال : إن يكن من النوق السلوب وما يزلق، فإنّ من البيض ما يمرق(2)، قال: فسمع صوت "أيّها الناس، إنّ الذي فهّم هذا الغلام هو الذي فهّمهما سليمان بن داود"(3).

4 ـ الإمام الحسن(عليه السلام) في الشورى :

بعد أن طعن عمر بن الخطاب، ورتّب قضية الشورى على النحو المعروف قال للمرشحين : "وأحضروا معكم من شيوخ الأنصار وليس لهم
__________
(1) الناقة السلوب : التي مات ولدها، أو ألقته لغير تمام.
(2) مرقت البيضة : فسدت .
(3) المناقب لابن شهر آشوب : 4 / 10 .


الصفحة 64

من أمركم شيء، وأحضروا معكم الحسن بن علي وعبد الله بن عباس، فإنّ لهما قرابة، وأرجو لكم البركة في حضورهما، وليس لهما من أمركم شيء . ويحضر عبد الله مستشاراً، وليس له من الأمر شيء" فحضر هؤلاء(1).
وقد قبل الإمام الحسن حضور جلسات الشورى، وكان حضوره يعني انتزاع الاعتراف من عمر بأنّه ممّن يحقّ له المشاركة السياسية، حتى في أعظم وأخطر قضية تواجهها الأُمة، وكذلك كي يفهم الناس هذا الأمر ولكي يتمكّن في المستقبل من إظهار رأيه في القضايا المصيرية، ولو لم يُقبل منه .
__________
(1) الإمامة والسياسة : 1 / 28 .


الصفحة 65

في عهد عثمان :

1 ـ الإمام الحسن (عليه السلام) في وداع أبي ذر :

"يا عمّاه! لو لا أنّه لا ينبغي للمودّع أن يسكت وللمشيّع أن ينصرف; لقصر الكلام وإن طال الأسف، وقد أتى من القوم إليك ما ترى، فضع عنك الدنيا بتذكّر فراغها، وشدّة ما اشتد منها برجاء ما بعدها، واصبر حتى تلقى نبيّك(صلَّى الله عليه وآله) وهو عنك راض"(1) .
تلك هي كلمات الإمام الحسن المجتبى(عليه السلام) وهو يودّع ـ مع أبيه وأخيه وعمّه عقيل وابن عمّه عبد الله بن جعفر وابن عبّاس ـ أبا ذرّ الصحابي الجليل الذي جاهد وناضل في سبيل الدين والحقّ وما لاقى من اضطهاد وإهانة وبلاء حتى قضى غريباً وحيداً في "الربذة" منفاه .
وهي كلمات ناطقة معبّرة عن موقف عميق تجاه تصرّفات وأعمال الخط الحاكم، وهو بكلماته هذه يساهم في تحقيق ما كان يرمي إليه أبو ذرّ من أهداف، حيث كان لا بدّ من إطلاق الصرخة لإيقاظ الأُمة من سباتها وتوعيتها على حقيقة ما يجري وما يحدث، وإفهامها أنّ الحاكم لا يمكن أن يكون أبداً في منأىً عن المؤاخذة، ولا هو فوق القانون، وإنّما هو ذلك الحامي له والمدافع عنه، فإذا ما سوّلت له نفسه أن يرتكب أيّة مخالفة أو أن يستغلّ مركزه في خدمة أهوائه ومصالحه الشخصيّة; فبإمكان كلّ شخص من المسلمين بل من واجبه أن يعلن كلمة الحقّ، ويعمل على رفع الظلم والانحراف .
ومن جهة أخرى فإنّه إذا كانت الظروف لا تسمح لأمير المؤمنين وسبطيه(عليهم السلام) وآخرين ممن ساروا على خطّهم لأن يقفوا موقف أبي ذرّ; فإنّ
__________
(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 8 / 253، والغدير : 8 / 301، وروضة الكافي : 8 / 207 .


الصفحة 66

عليهم ـ على الأقل ـ أن يعلنوا رأيهم الذي هو رأي الإسلام فيه وفي مواقفه، فإنّ ذلك من شأنه أن يعطي موقفه العظيم ذلك بُعداً إعلاميّاً وعمقاً فكريّاً وسياسيّاً يحمي تلك المعطيات والنتائج التي ستنشأ عنه .
وإذا تأمّلنا في كلمات الإمام الحسن(عليه السلام) لأبي ذرّ في ذلك الموقف; فإنّنا نجدها تتضمّن عميق أسفه لما فعله القوم بأبي ذرّ، ثم تشجيعه وشدّ أزره في موقفه، ويعتبر أنّ فيه رضى النبي(صلَّى الله عليه وآله) ومن ثم رضى الله سبحانه وتعالى .
كما أنّه يحاول التخفيف عن أبي ذرّ، بعد إعطائه الرؤية الصحيحة التي من شأنها أن تخفّف من وَقْعِ المحنة عليه، وتسهّل عليه مواجهة البلايا التي تنتظره، وذلك حينما يأمره(عليه السلام) بأن يضع عنه الدنيا بتذكّر فراغها، وشدّة ما اشتدّ منها برجاء ما بعدها .

2 ـ هل اشترك الإمام الحسن(عليه السلام) في الفتوح ؟

قال بعض المؤرّخين : وفي سنة ثلاثين غزا سعيد بن العاص "طبرستان"، وكان أهلها في خلافة عمر قد صالحوا سويد بن مقرن على مال بذلوه، ثم نقضوا فغزاهم سعيد بن العاص ومعه الحسن والحسين وابن عبّاس!.
ولمّا أراد المسلمون فتح أفريقية فإنّ عثمان جهّز العساكر من المدينة، وفيهم جماعة من الصحابة، منهم ابن عبّاس وابن عمر وابن عمرو بن العاص وابن جعفر والحسن والحسين وابن الزبير، وساروا مع عبد الله ابن أبي سرح سنة ستٍّ وعشرين(1).
وقد نوقش هذا الزعم ـ وهو اشتراك الحسنين (عليهما السلام) في الفتوحات ـ بما يلي :
__________
(1) العبر (تاريخ ابن خلدون) : 1 / 128 .


الصفحة 67

أ ـ إنّ تلك الفتوحات لم تكن عموماً من أجل مصالح الإسلام العليا، حيث إنّ الحكام كانوا يستفيدون من تلك الفتوحات في مجال إرضاء طموحاتهم وإشباع غرورهم، فقد أسالت الفتوحات لعابهم بما فيها من غنائم وبسط نفوذ، فصاروا يهتمّون بتقوية أمرهم وتثبيت سلطانهم، وهناك من الحكّام من كان الدين والإسلام بنظرهم مجرد شعار يخدم ملكهم ويقوّيه .
ونستطيع أن نورد كثيراً من الشواهد والأدلة على مدى اهتمام الحكام وأعوانهم وكلّ من ينتسب إليهم بجمع الأموال والحصول على الغنائم بحقّ أو بغير حقّ، ويكفي أن نذكر : أنّ زياداً بعث الحكم بن عمر الغفاري على خراسان، فأصابوا غنائم كثيرة فكتب إليه زياد : أما بعد، فإنّ أمير المؤمنين كتب أن يصطفي له البيضاء والصفراء، ولا يقسّم بين المسلمين ذهباً ولا فضّةً، فرفض الحكم ذلك، وقسّمه بين المسلمين، فوجّه إليه معاوية من قيّده وحبسه فمات في قيوده، ودفن فيها، وقال : إنّي مخاصم(1).
وقد بدأ التعذيب بالجزية في زمن الخليفة الثاني عمر بن الخطّاب(2)، بل لقد رأيناهم يوجبون الجزية حتى على من أسلم من أهل الذمة، وذلك بحجة أنّ الجزية بمنزلة الضريبة على العبد فلا يسقط إسلام العبد ضريبته، لكن عمر بن عبد العزيز شذّ عن هذه السياسة وأسقطها عنهم، كما يذكرون(3).
كما أنّ عمر بن الخطاب حاول أخذ الجزية من رجل أسلم على اعتبار أنّه : إنّما أسلم متعوّذاً، فقال له ذلك الشخص : إنّ في الإسلام لمعاذاً، فقال عمر :
__________
(1) مستدرك الحاكم : 3 / 442 ـ 443 .
(2) المصنف لعبد الرزاق : 11 / 245 فما بعدها .
(3) تاريخ الدولة العربية : 235، وتاريخ التمدن الإسلامي : 1 / 273 ـ 274 .


الصفحة 68

صدقت، إنّ في الإسلام لمعاذاً(1).
وأمّا مضاعفته الجزية على نصارى تغلب فهي معروفة ومشهورة(2).
وقال خالد بن الوليد يخاطب جنوده ويرغِّبهم بأرض السواد : ألا ترون إلى الطعام كرفغ(3) التراب؟ وبالله لو لم يلزمنا الجهاد في الله، والدعاء إلى الله عَزَّ وجَلَّ، ولم يكن إلاّ المعاش; لكان الرأي أن نقارع على هذا الريف، حتى نكون أولى به، ونولي الجوع والإقلال من تولّى، ممن اثّاقل عمّا أنتم عليه(4).
وفي فتح "شاهرتا" يعطي بعض عبيد المسلمين أماناً لأهل المدينة، فلا يرضى المسلمون، وينتهي بهم الأمر إلى أن يرفعوا ذلك إلى عمر بن الخطّاب، فكتب : "إنّ العبد المسلم من المسلمين أمانه أمانهم، قال : ففاتنا ما كنّا أشرفنا عليه من غنائمهم ..."(5) .
ولكن ما ذكره خالد بن الوليد آنفاً ليس هو كلّ الحقيقة، وذلك لأنّ ما كان يصل الطبقة المستضعفة من الجند لم يكن إلاّ أقلّ القليل، ممّا لا يكفي لسدّ خلّتهم ورفع خصاصتهم، بل كان محدوداً جداً، لا يلبث أن ينتهي ويتلاشى، مع أنّهم كانوا هم وقود تلك الحروب .
إذن فالحرب من أجل الغنائم والأموال كانت هي الصفة المميّزة لأكثر تلك الفتوحات .
ب ـ إنّ الحكام كانوا يستفيدون من تلك الفتوحات في مجال إرضاء طموحات الشباب وإشباع غرورهم، إذ كانوا بصدد تأهيلهم لمناصب عالية
__________
(1) المصنف : 6 / 94 .
(2) سنن البيهقي : 9 / 216 .
(3) الرفغ : الأرض الكثيرة التراب .
(4) العراق في العصر الأُموي 11 عن الطبري: 4 / 9 .
(5) المصنف : 5 / 222 و 223 .


الصفحة 69

وإظهار شخصياتهم، فقد كان معاوية يجبر ولده يزيد على قيادة جيش غازياً لبعض المناطق(1).
ج ـ كان الحكام يستفيدون من الفتوحات في إبعاد المعترضين على سياساتهم، والناقمين على أعمالهم وتصرفاتهم، وكشاهد على ذلك نذكر : أنّه لمّا تفاقت النقمة على عثمان; استدعى بعض عماله ومستشاريه، وهم : معاوية وعمرو بن العاص وعبد الله بن عامر(2).
واستشارهم فيما ينبغي له عمله لمواجهة نقمة الناس على سياساته ومطالبتهم له بعزل عمّاله(3)، واستبدالهم بمن هم خير منهم، فأشار عليه عبد الله بن عامر بقوله : "رأيي لك يا أمير المؤمنين أن تأمرهم بجهاد يشغلهم عنك، وأن تجمرهم في المغازي، حتى يذلّوا لك، فلا يكون همة أحدهم إلاّ نفسه، وما هو فيه منه دَبَرة دابته، وقَمَل فروه".
وأضاف في نصٍّ آخر قوله : "فردّ عثمان عمّاله على أعمالهم، وأمرهم بالتضييق على من قبلهم، وأمرهم بتجمير(4) الناس في البعوث، وعزم على تحريم أُعطياتهم، ليطيعوه ويحتاجوا إليه ..."(5) .
د ـ إنّ الجهاد الابتدائي يحتاج إلى إذن الإمام العادل(6)، وإنّ أئمة الحقّ كانوا لا يرون في الاشتراك في هذه الحروب مصلحة، بل لا يرون تلك الحروب خيراً، فقد روي : أنّ أبا عبد الله الصادق(عليه السلام) قال لعبد الملك بن
__________
(1) المحاسن والمساوي : 2 / 222 .
(2) يلاحظ أنّ هؤلاء قد كانوا عمّاله باستثناء عمرو بن العاص، فإنّه كان معزولاً آنئذ .
(3) من الطريف أن يستشير عثمان نفس أولئك الذين يطالب الناس بعزلهم في أمر الغزو .
(4) التجمير : حبس الجيش في أرض العدو .
(5) تاريخ الطبري : 3 / 373 ـ 374 .
(6) الوسائل 11 : 32 فصاعداً، والكافي : 5 / 20 .


الصفحة 70

عمرو : يا عبد الملك! ما لي لا أراك تخرج إلى هذه المواضع التي يخرج إليها أهل بلادك؟ قال : قلت : وأين؟ قال : جُدَّة، وعبادان، والمصيصة، وقزوين، فقلت : انتظاراً لأمركم، والاقتداء بكم ؟ فقال : إي والله، لو كان خيراً ما سبقونا إليه(1).
وثمّة عدّة روايات تدلّ على أنّهم(عليهم السلام) كانوا لا يشجعون شيعتهم، بل ويمنعونهم من الاشتراك في تلك الحروب، ولا يوافقون حتى على المرابطة في الثغور أيضاً، ولا يقبلون منهم حتى ببذل المال في هذا السبيل حتى ولو نذروا ذلك(2).
أمّا لو دهم العدو أرض الإسلام فإنّ عليهم أن يقاتلوا دفاعاً عن بيضة الإسلام، لا عن أولئك الحكّام(3).
بل نجد روايةً عن علي (عليه السلام) تقول : "لا يخرج المسلم في الجهاد مع من لا يؤمن على الحكم، ولا ينفذ في الفيء أمر الله عَزَّ وجَلَّ"(4) .
ويؤيّد ذلك : أنّ عثمان جمع يوماً أكابر الصحابة ـ وكان بينهم الإمام علي(عليه السلام) ـ في مسجد رسول الله(صلَّى الله عليه وآله) واستشارهم في غزوة أفريقية، فرأوا في الأكثر أنّ المصلحة في أن لا تقع بأيدي أصحاب الأغراض والأهواء والمنحرفين(5).
فالأئمة(عليهم السلام) وإن كانوا ـ ولا شك ـ يرغبون في توسعة رقعة الإسلام ونشره ليشمل الدنيا بأسرها ولكنّ الطريقة والأسلوب الذي كان يتم به الفتح
__________
(1) التهذيب : 6 / 127، والكافي : 5 / 19، والوسائل : 11 / 32 .
(2) الوسائل : 11 / 21 ـ 22 عن قرب الإسناد ص150، والتهذيب : 6 / 134، والكافي : 5 / 21 .
(3) الوسائل : 11 / 22، والكافي : 5 / 21، والتهذيب : 6 / 125 .
(4) الوسائل : 11 / 34 .
(5) الفتوح لابن أعثم، الترجمة الفارسية : 126 .

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة