الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة 31

يضرّني أن إلى أمر أُمة محمد(صلَّى الله عليه وآله) على أن يهراق في ذلك محجمة دم(1) .
و ـ وقال الحافظ ابن كثير الدمشقي عنه : وقد كان الصدّيق يجلّه ويعظّمه ويكرمه ويحبّه ويتفدّاه وكذلك ابن الخطاب، وكان ابن عباس يأخذ الركاب للحسن والحسين إذا ركبا ويرى هذا من النعم عليه، وكانا إذا طافا بالبيت يكاد الناس يحطّمونها مما يزدحمون عليهما للسلام عليهما(2) .
د ـ وقال الحافظ ابن عساكر الشافعي عنه : هو سبط رسول الله وريحانته وأحد سيِّدَيْ شباب أهل الجنة ...(3) .
هـ ـ وقال الحافظ السيوطي : سبط رسول الله وريحانته وآخر الخلفاء بنصّه ... وهو خامس أهل الكساء ...(4).
و ـ وعن محمد بن إسحاق: أنه ما بلغ أحد من الشرف بعد رسول الله ما بلغ الحسن(5)، كان يبسط له على باب داره، فإذا خرج وجلس انقطع الطريق، فما يمرّ أحد من خلق الله إجلالاً له، فإذا علم قام ودخل بيته فمرّ الناس، ولقد رأيته في طريق مكة ماشياً فما من خلق الله أحد رآه إلاّ نزل ومشى، وحتى رأيت سعد بن أبي وقّاص يمشي(6) .
ز ـ وقال محمد بن طلحة الشافعي عنه : كان الله قد رزقه الفطرة الثاقبة في إيضاح مراشد ما يعانيه، ومنحه النظرة الصائبة لإصلاح قواعد الدين ومبانيه،
__________
(1) الاستيعاب : 1 / 385، طبعة مصر 1380 . إنّ الملك والحكم إذا كان لإقامة حكم الله في الأرض فلا يكون تركه زهداً وورعاً، وإنما تنازل الإمام عن الملك لأنّ مسؤولية الإمام الشرعية كانت تتطلب ذلك في تلك الظروف .
(2) البداية والنهاية: 8 / 37 طبعة مصر ـ 135 .
(3) مختصر تاريخ دمشق : 7 / 5 .
(4) تاريخ الخلفاء : 73 .
(5) راجع المناقب لابن شهرآشوب: 2 / 148 .
(6) الحسن المجتبى : 139 نقلاً عن المناقب : 2 / 148 .


الصفحة 32

وخصّه التي درّت لها أخلاق مادتها بصور العلم ومعانيه(1) .
ح ـ وقال سبط ابن الجوزي عنه : كان من كبار الأجواد، وله الخاطر الوقّاد، وكان رسول الله(صلَّى الله عليه وآله) يحبّه حبّاً شديداً(2) .
ط ـ وقال عنه ابن الأثير : وهو سيّد شباب أهل الجنة، وريحانة النبي(صلَّى الله عليه وآله) وشبيهه، سمّاه النبيّ الحسن ... وهو خامس أهل الكساء(3) .
__________
(1) مطالب السؤول : 65 .
(2) تذكرة الخواص : 111 .
(3) أسد الغابة : 2 / 9 .


الصفحة 33

الفصل الثالث:
من فضائل الإمام المجتبى (عليه السلام) ومظاهر شخصيته

عبادته (عليه السلام) :

أ ـ روى المفضّل عن الإمام جعفر بن محمد الصادق(عليه السلام) عن أبيه عن جدّه : "أنّ الحسن بن علي بن أبي طالب كان أعبد الناس في زمانه، وأزهدهم وأفضلهم، وكان إذا حجّ حجّ ماشياً، وربّما مشى حافياً، وكان إذا ذكر الموت بكى، وإذا ذكر القبر بكى، وإذا ذكر البعث والنشور بكى، وإذا ذكر الممرّ على الصراط بكى، وإذا ذكر العرض على الله ـ تعالى ذكره ـ شهق شهقةً يغشى عليه منها .
وكان إذا قام في صلاته ترتعد فرائصه بين يدي ربّه عَزَّ وجَلَّ، وكان إذا ذكر الجنة والنار اضطرب اضطراب السليم(1) وسأل الله الجنّة وتعوّذ به من النار، وكان لا يقرأ من كتاب الله عَزَّ وجَلَّ
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) إلاّ قال : لبيّك اللهمّ لبيّك، ولم يُرَ في شيء من أحواله إلاّ ذاكراً لله سبحانه، وكان أصدق الناس لهجةً وأفصحهم منطقاً ..."(2).
ب ـ وكان (عليه السلام) إذا توضّأ; ارتعدت مفاصله واصفرّ لونه، فقيل له في ذلك فقال : "حقٌ على كلّ من وقف بين يدي ربّ العرش أن يصفرّ لونه وترتعد مفاصله".
ج ـ وكان إذا بلغ باب المسجد رفع رأسه ويقول : "ضيفك ببابك، يا محسن
__________
(1) اضطراب السليم من لسعة العقرب .
(2) راجع الأمالي للصدوق : 150، وبحار الأنوار : 43 / 331 .


الصفحة 34

قد أتاك المسيء، فتجاوز عن قبيح ما عندي بجميل ما عندك يا كريم"(1) .
د ـ وكان إذا فرغ من الفجر لم يتكلّم حتى تطلع الشمس وإن زحزح(2) .
هـ ـ وعن الإمام محمد بن علي الباقر(عليه السلام) : "أنّ الحسن (عليه السلام) قال : إنّي لأستحي من ربّي أن ألقاه ولم أمشِ إلى بيته، فمشى عشرين مرّة من المدينة على رجليه"(3) .
و ـ وعن علي بن جذعان : أنّ الحسن بن علي(عليه السلام) خرج من ماله مرتين، وقاسم الله ماله ثلاث مرّات، حتى أن كان ليعطي نعلاً، ويمسك نعلاً ويعطي خفّاً ويمسك خفّاً(4) .
وللإمام المجتبى(عليه السلام) أدعية شتّى رُويت عنه، وهي تتضمّن مجموعةً من المعارف والآداب، كما تحمل أدب التقديس لله تعالى والخضوع له والتذلّل بين يديه، ونشير إلى نموذج منها :
قال(عليه السلام) : "اللهمّ إنّك الخَلَفُ من جميع خَلقِك، وليس في خلقِكَ خَلَفٌ مثلُكَ، إلهِي من أحسنَ فبرحمتكَ، ومن أساء فبخطيئته، فلا الذي أحسنَ استغنى عن رَدفك ومعونتك، ولا الذي أساء استبدل بك وخرج من قدرتك، الهي بك عرفتك، وبك اهتديتُ إلى أمرك، ولو لا أنتَ لم أدرِ ما أنتَ، فيا من هو هكذا ولا هكذا غيره صلّ على محمد وآل محمد، وارزقني الإخلاص في عملي والسعة في رزقي، اللهمّ اجعل خير عملي آخره، وخير عملي خواتمه، وخير أيّامي يوم ألقاك، إلهي أطعتك ولك المنّة عليَّ في أحبّ الأشياء إليك : الإيمان بك والتصديق برسولك، ولم أعصك في أبغض الأشياء إليك: الشرك بك
__________
(1) المناقب : 3 / 180، والبحار : 43 / 339 .
(2) بحار الأنوار: 43 / 339، وأخبار إصبهان : 1 / 44 .
(3) المناقب : 3 / 180، وبحار الأنوار : 43 / 339 .
(4) المصدر السابق .


الصفحة 35

والتكذيب برسولك، فاغفر لي ما بينهما يا أرحم الراحمين"(1).
وعن ابن كثير : أنّ الحسن كان يقرأ كلّ ليلة سورة الكهف في لوح مكتوب، يدور معه حيث دار من بيوت أزواجه قبل أن ينام وهو في الفراش(2) .
لقد تغذّى الإمام الحسن (عليه السلام) بلباب المعرفة وبجوهر الإيمان وبواقع الدين، وانطبعت مُثُلُه في دخائل نفسه وأعماق ذاته، فكان من أشدّ الناس إيماناً، ومن أكثرهم إخلاصاً وطاعةً لله(3) .

حلمه وعفوه :

لقد عُرف الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) بعظيم حلمه، وأدلّ دليل على ذلك هو تحمّله لتوابع صلحه مع معاوية الذي نازع علياً حقّه وتسلّق من خلال ذلك إلى منصب الحكم بالباطل، وتحمّل (عليه السلام) بعد الصلح أشد أنواع التأنيب من خيرة أصحابه، فكان يواجههم بعفوه وأناته، ويتحمّل منهم أنواع الجفاء في ذات الله صابراً محتسباً .
وروي أنّ مروان بن الحكم خطب يوماً فذكر علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فنال منه والحسن بن علي (عليهما السلام) جالس، فبلغ ذلك الحسين(عليه السلام) فجاء إلى مروان فقال : يا ابن الزرقاء! أنت الواقع في عليّ؟!، ثم دخل على الحسن(عليه السلام) فقال : تسمع هذا يسبّ أباك ولا تقول له شيئاً؟!، فقال : وما عسيتُ أن أقول لرجل مسلّط يقول ما شاء ويفعل ما يشاء .
__________
(1) مهج الدعوات : 144 .
(2) راجع البداية والنهاية : 8 / 42، طبعة دار إحياء التراث العربي 1408 هـ .
(3) حياة الإمام الحسن : 1 / 326 .


الصفحة 36

وذُكر أنّ مروان بن الحكم شتم الحسن بن علي(عليه السلام)، فلمّا فرغ قال الحسن : إنّي والله لا أمحو عنك شيئاً، ولكن مهّدك الله، فلئن كنت صادقاً فجزاك الله بصدقك، ولئن كنت كاذباً فجزاك الله بكذبك، والله أشدّ نقمةً منِّي .
وروي أنّ غلاماً له(عليه السلام) جنى جنايةً توجب العقاب، فأمر به أن يُضرب، فقال : يا مولاي (وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ)، قال : عفوت عنك، قال : يا مولاي (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)، قال : أنت حرٌ لوجه الله ولك ضعف ما كنت أعطيك(1).
وروى المبرّد وابن عائشة: أنّ شاميّاً رآه راكباً فجعل يلعنه والحسن لا يردّ، فلما فرغ أقبل الحسن(عليه السلام) فسلّم عليه وضحك، فقال : "أيها الشيخ! أظنّك غريباً؟ ولعلّك شبّهت، فلو استعتبتنا أعتبناك، ولو سألتنا أعطيناك، ولو استرشدتنا أرشدناك، ولو استحملتنا حملناك، وإن كنت جائعاً أشبعناك، وإن كنت عرياناً كسَوْناك، وإن كنت محتاجاً أغنيناك، وإن كنت طريداً آويناك، وإن كان لك حاجة قضيناها لك، فلو حرّكت رحلك إلينا وكنت ضيفنا إلى وقت ارتحالك كان أعود عليك، لأنّ لنا موضعاً رحباً وجاهاً عريضاً ومالاً كثيراً" .
فلمّا سمع الرجل كلامه بكى، ثم قال : أشهد أنّك خليفة الله في أرضه، والله أعلم حيث يجعل رسالته، وكنت أنت وأبوك أبغض خلق الله إليّ، والآن أنت أحبّ خلق الله إليّ ...(2) .

كرمه وجوده :

إنّ السخاء الحقيقي هو بذل الخير بداعي الخير، وبذل الإحسان بداعي
__________
(1) بحار الأنوار : 43 / 352 .
(2) العوالم (الإمام الحسن) : 121 نقلاً عن المناقب : 3 / 184 .


الصفحة 37

الإحسان، وقد تجلّت هذه الصفة الرفيعة بأجلى مظاهرها وأسمى معانيها في الإمام أبي محمد الحسن المجتبى(عليه السلام) حتى لُقّب بكريم أهل البيت .
فقد كان لا يعرف للمال قيمةً سوى ما يردّ به جوع جائع، أو يكسو به عارياً، أو يغيث به ملهوفاً، أو يفي به دين غارم، وقد كانت له جفان واسعة أعدّها للضيوف، ويقال: إنّه ما قال لسائل "لا" قَطّ.
وقيل له : لأي شيء لا نراك تردّ سائلاً ؟ فأجاب : "إنّي لله سائل وفيه راغب، وأنا أستحي أن أكون سائلاً وأردّ سائلاً، وإنّ الله عوّدني عادةً أن يفيض نعمه عليَّ، وعوّدته أن أفيض نعمه على الناس، فأخشى إن قطعت العادة أن يمنعني العادة"(1) .
واجتاز (عليه السلام) يوماً على غلام أسود بين يديه رغيف يأكل منه لقمة ويدفع لكلب كان عنده لقمة أخرى، فقال له الإمام : ما حملك على ذلك؟ فقال الغلام : إنّي لأستحي أن آكل ولا أطعمه .
وهنا رأى الإمام فيه خصلة حميدة، فأحبّ أن يجازيه على جميل صنعه، فقال له : لا تبرح من مكانك، ثم انطلق فاشتراه من مولاه، واشترى الحائط (البستان) الذي هو فيه، وأعتقه وملّكه إيّاه(2) .
وروي أنّ جارية حيّته بطاقة من ريحان، فقال (عليه السلام) لها : أنت حرّة لوجه الله، فلامه أنس على ذلك، فأجابه(عليه السلام) : "أدّبنا الله فقال تعالى : (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا)(3) وكان أحسن منها إعتاقها"(4).
ومن مكارم أخلاقه أنّه ما اشترى من أحد حائطاً ثمّ افتقر البائع إلاّ ردّه عليه وأردفه بالثمن معه .
__________
(1) حياة الإمام الحسن : 1 / 316 ـ 317 عن أنساب الأشراف: 1 / 319، والطبقات الكبرى: 1 / 23 .
(2) راجع البداية والنهاية : 8 / 38 .
(3) النساء (4) : 86 .
(4) المناقب لابن شهر آشوب : 2 / 23، وحياة الإمام الحسن : 1 / 322 عن الخوارزمي.


الصفحة 38

وجاءه فقير يشكو حاله ولم يكن عنده شيء في ذلك اليوم فعزّ عليه الأمر واستحى من ردّه، فقال (عليه السلام) له : إنّي أدلّك على شيء يحصل لك منه الخير، فقال الفقير: يا ابن رسول الله ما هو؟ قال (عليه السلام) : اذهب إلى الخليفة، فإنّ ابنته قد توفيت وانقطع عليها، وما سمع من أحد تعزيةً بليغة، فعزّه بهذه الكلمات يحصل لك منه الخير، قال: يا ابن رسول الله حفّظني إيّاها، قال (عليه السلام): قل له : "الحمد لله الذي سترها بجلوسك على قبرها، ولم يهتكها بجلوسها على قبرك"، وحفظ الفقير هذه الكلمات وجاء إلى الخليفة فعزّاه بها، فذهب عنه حزنه وأمر له بجائزة، ثم قال له : أكلامك هذا؟ فقال : لا، وإنّما هو كلام الإمام الحسن، قال الخليفة : صدقت فإنّه معدن الكلام الفصيح، وأمر له بجائزة أخرى(1).
لقد كان (عليه السلام) يمنح الفقراء برّه قبل أن يبوحوا بحوائجهم ويذكروا مديحهم، لئلا يظهر عليهم ذلّ السؤال(2).

تواضعه وزهده :

إنّ التواضع دليل على كمال النفس وسموّها وشرفها، والتواضع لا يزيد العبد إلاّ رفعةً وعظمةً، وقد حذا الإمام الحسن (عليه السلام) حذو جدّه وأبيه في أخلاقه الكريمة، وقد أثبت التاريخ بوادر كثيرة تشير إلى سموّ الإمام في هذا الخلق الرفيع، نشير إلى شيء منها :
أ ـ اجتاز الإمام على جماعة من الفقراء قد وضعوا على الأرض كسيرات وهم قعود يلتقطونها ويأكلونها، فقالوا له: هلمّ يابن بنت رسول الله إلى الغذاء، فنزل(عليه السلام) وقال : "إنّ الله لا يحبّ المستكبرين"، وجعل يأكل معهم حتى اكتفوا
__________
(1) نور الأبصار : 135 ـ 136 .
(2) المصدر السابق : 325، وحياة الإمام الحسن: 1 / 325 .


الصفحة 39

والزاد على حاله ببركته، ثم دعاهم إلى ضيافته وأطعمهم وكساهم(1).
ب ـ ومرّ (عليه السلام) على صبيان يتناولون الطعام، فدعوه لمشاركتهم فأجابهم إلى ذلك، ثم حملهم إلى منزله فمنحهم برّه ومعروفه، وقال : "اليد لهم لأنّهم لم يجدوا غير ما أطعموني، ونحن نجد ما أعطيناهم"(2) .
ورفض الإمام جميع ملاذّ الحياة ومباهجها متّجهاً إلى الدار الآخرة التي أعدّها الله للمتّقين من عباده، فمن أهمّ مظاهر زهده : زهده في الملك طلباً لمرضاة الله، ويتجلّى ذلك إذا لاحظنا مدى حرص معاوية على الملك واستعماله لكلّ الأساليب اللاأخلاقية للوصول إلى السلطة، بينما نجد الإمام الحسن (عليه السلام) يتنازل عن الملك حينما لا يراه يحقّق شيئاً سوى إراقة دماء المسلمين.
ومن جملة مظاهر زهده أيضاً: ما حدّث به مدرك بن زياد أنّه قال : كنّا في حيطان ابن عباس، فجاء ابن عبّاس وحسن وحسين فطافوا في تلك البساتين ثم جلسوا على ضفاف بعض السواقي، فقال الحسن : يا مدرك! هل عندك غذاء؟ فقلت له : نعم، ثم انطلقت فجئته بخبز وشيء من الملح مع طاقتين من بقل، فأكل منه، وقال : يا مدرك! ما أطيب هذا؟ ، وجيء بعد ذلك بالطعام وكان في منتهى الحُسن، فالتفت (عليه السلام) إلى مدرك وأمره بأن يجمع الغلمان ويقدّم لهم الطعام، فدعاهم مدرك فأكلوا منه ولم يأكل الإمام منه شيئاً، فقال له مدرك : لماذا لا تأكل منه؟ فقال(عليه السلام) : "إنّ ذاك الطعام أحبّ عندي"(3).
__________
(1) عوالم العلوم (الإمام الحسن) : 123 عن المناقب : 3 / 187 .
(2) حياة الإمام الحسن : 1 / 313 عن الصبان على هامش نور الأبصار : 196 .
(3) مختصر تاريخ دمشق : 7 / 21، طبعة دار الفكر .


الصفحة 40


الصفحة 41

الباب الثاني:

فيه فصول:
الفصل الأول: نشأة الإمام الحسن المجتبى(عليه السلام).
الفصل الثاني: مراحل حياة الإمام المجتبى(عليه السلام).
الفصل الثالث: الإمام المجتبى(عليه السلام) في ظل جده وأبيه(عليهم السلام).


الصفحة 42


الصفحة 43


الفصل الأول:
نشأة الإمام الحسن المجتبى(عليه السلام)

تاريخ ولادته :

أصحّ ما قيل في ولادته أُنه ولد بالمدينة في النصف من شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة، وكان والده (عليه السلام) قد بنى بالزهراء فاطمة (عليها السلام) وتزوّجها في ذي الحجة من السنة الثانية، وكان الحسن المجتبى (عليه السلام) أوّل أولادها(1) .

كيفية ولادته :

عن جابر : لمّا حملت فاطمة(عليها السلام) بالحسن فولدت كان النبي (صلَّى الله عليه وآله) قد أمرهم أن يلفّوه في خرقة بيضاء، فلفّوه في صفراء، وقالت فاطمة(عليها السلام): يا علي سمّه، فقال : ما كنت لأسبق باسمه رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، فجاء النبيّ(صلَّى الله عليه وآله) فأخذه وقبّله، وأدخل لسانه في فمه، فجعل الحسن(عليه السلام) يمصّه، ثم قال لهم رسول الله(صلَّى الله عليه وآله) : ألم أتقدّم إليكم أن لا تلفّوه في خرقة صفراء ؟! فدعا(صلَّى الله عليه وآله) بخرقة بيضاء فلفّه فيها ورمى الصفراء، وأذّن في أذنه اليمنى وأقام في اليسرى، ثم قال لعلي (عليه السلام): ما سمّيته؟ قال : ما كنت لأسبقك باسمه، فقال رسول
__________
(1) راجع كشف الغمة : 1 / 514، والبحار : 44 / 136، والعوالم (الإمام الحسن) : 13 .


الصفحة 44

الله (صلَّى الله عليه وآله) : ما كنت لأسبق ربّي باسمه، قال : فأوحى الله عزّ ذكره إلى جبرئيل(عليه السلام): أنّه قد ولد لمحمد ابن، فاهبط إليه فاقرأه السلام وهنّئه منيّ ومنك، وقل له : إنّ عليّاً منك بمنزلة هارون من موسى فسمّه باسم ابن هارون، فهبط جبرئيل على النبي وهنّأه من الله عَزَّ وجَلَّ ومنه، ثم قال له : إنّ الله عَزَّ وجَلَّ يأمرك أن تسمّيه باسم ابن هارون، قال : وما كان اسمه؟ قال : شبّر، قال : لساني عربي، قال : سمّه الحسن، فسمّاه الحسن(1).
وعن جابر عن النبي: أنّه سمّى الحسن حسناً لأنّ بإحسان الله قامت السماوات والأرضون(2).

سنن الولادة :

وعقّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) بيده عن الحسن بكبش في اليوم السابع من ولادته، وقال : "بسم الله، عقيقة عن الحسن، اللهمّ عظمها بعظمه ولحمها بلحمه ودمها بدمه وشعرها بشعره، اللهمّ اجعلها وقاءً لمحمد وآله"، وأعطى القابلة شيئاً، وقيل: رجل شاة، وأهدوا منها إلى الجيران، وحلق رأسه ووزن شعره فتصدّق بوزنه فضة ورقاً(3).

رضاعه :

وجاء عن أم الفضل زوجة العباس ـ عمّ النبي (صلَّى الله عليه وآله) ـ أنّها قالت : قلت : يا رسول الله! رأيت في المنام كأنَّ عضواً من أعضائك في حجري،
__________
(1) راجع معاني الأخبار : 57 وعلل الشرائع : 138 وبحار الأنوار : 43 / 240 الحديث 8 .
(2) المناقب : 3 / 166 .
(3) العوالم : 20 ـ 22 نقلاً عن الكافي : 6 / 33 وعن عيون أخبار الرضا : 2 / 45 أنّ الزهراء أعطت القابلة رِجل شاة وديناراً .


الصفحة 45

فقال (صلَّى الله عليه وآله): خيراً رأيتِ، تلد فاطمة غلاماً فتكفلينه، فوضعت فاطمة الحسن (عليه السلام) فدفعه إليها النبي(صلَّى الله عليه وآله) فرضعته بلبن قُثَم بن العبّاس(1).

كنيته وألقابه :

أما كنيته فهي : "أبو محمّد" لا غير .
وأما ألقابه فكثيرة، وهي : التقيّ والطيّب والزكيّ والسيّد والسبط والوليّ، كلّ ذلك كان يقال له ويطلق عليه، وأكثر هذه الألقاب شهرة "التقيّ" لكن أعلاها رتبة وأولاها به ما لقّبه به رسول الله(صلَّى الله عليه وآله)، حيث وصفه به وخصّه بأن جعله نعتاً له، فإنّه صحّ النقل عن النبي(صلَّى الله عليه وآله) فيما أورده الأئمة الأثبات والرواة الثقات أنّه قال : "إبني هذا سيّد"، فيكون أُولى ألقابه "السيّد".

نقش خاتمه :

عن أبي عبد الله الصادق(عليه السلام): ثم كان في خاتم الحسن والحسين(عليهما السلام) : "حسبي الله".
وعن الرضا (عليه السلام): كان نقش خاتم الحسن(عليه السلام) "العزّة لله"(2).

حليته وشمائله :

عن جحيفة أنّه قال : رأيت رسول الله(صلَّى الله عليه وآله) وكان الحسن بن علي يشبهه.
وعن أنس أنّه قال : لم يكن أحد أشبه برسول الله(صلَّى الله عليه وآله) من الحسن بن
__________
(1) العوالم : 23 عن البحار : 43 / 242 و 255، والعدد القوية (مخطوط) : 5، وكشف الغمّة : 1 / 523 .
(2) راجع الكافي : 6 / 473 و474، والبحار : 43 / 258، والعوالم : 29 .


الصفحة 46

علي (عليه السلام)(1).
ومن هنا وُصِف الإمام الحسن بن علي بأنه كان أبيض مشرّباً حمرةً، أدعج العينين(2)، سهل الخدّين، دقيق المسرُبَةِ(3)، كثّ اللحية، ذا وفرة(4) كأنّ عنقه إبريق فضّة، عظيم الكراديس(5)، بعيد ما بين المنكبين، ربعة ليس بالطويل ولا القصير، مليحاً، من أحسن الناس وجهاً، وكان يخضب بالسواد، وكان جعد الشعر(6)، حسن البدن(7) .
لقد كان الحسن بن عليّ (عليهما السلام) خير الناس أباً وأُمّاً وجدّاً وجدّة وعمّاً وعمّة وخالاً وخالةً، وتوفّرت له جميع عناصر التربية المثلى، وانطبعت حياته منذ ولادته ببصمات الوحي الإلهي والإعداد الربّاني على يدي خاتم الأنبياء وسيّد الأوصياء وسيدة النساء .
فالحسن ابن رسول الله جسماً ومعنىً، وتلميذه الفذّ، وربيب مدرسة الوحي التي شعّت على الناس هدىً ورحمة .
__________
(1) راجع كشف الغمة : 1 / 522، والمناقب : 3 / 165 نقلاً عن صحيح الترمذي .
(2) شديدتي السواد مع سعتهما .
(3) الشعر وسط الصدر إلى البطن .
(4) الشعر إلى شحمة الأذن .
(5) رؤوس المفاصل .
(6) ضد السبط والاسترسال .
(7) راجع كشف الغمة : 1 / 525 والعوالم : 30 .


الصفحة 47

الفصل الثاني:
مراحل حياة الإمام الحسن المجتبى(عليه السلام)

تولّى الإمام الحسن السبط(عليه السلام) منصب الإمامة والقيادة بعد استشهاد أبيه المرتضى (عليه السلام) في الواحد والعشرين من رمضان سنة 40 هجرية وهو في السابعة والثلاثين من عمره المبارك . وقد عاش خلال هذه المرحلة مع جدّه الرسول الأعظم(صلَّى الله عليه وآله) ما يزيد على سبع سنوات ومع أبيه المرتضى(عليه السلام) فترة إمامته البالغة ثلاثين سنة تقريباً. وعاصر خلالها كلاًّ من الخلفاء الثلاثة وشارك بشكل فاعل في إدارة دولة أمير المؤمنين على بن أبي طالب (عليه السلام) .
واستمر بعد أبيه يحمل مشعل القيادة الربّانية حتى الثامن والعشرين أو السابع من شهر صفر سنة 50 هجرية، وله يومئذ ثمان وأربعون سنة(1).
إذن تنقسم حياة هذا الإمام العظيم إلى شطرين أساسيين:
الشطر الأول: حياته قبل إمامته(عليه السلام) وينقسم هذا الشطر إلى ثلاث مراحل:
المرحلة الأُولى: حياته في عهد جدّه الرسول الأعظم(صلَّى الله عليه وآله).

__________
(1) الإرشاد : 1 / 15.


الصفحة 48

المرحلة الثانية: حياته في عهد أبي بكر وعمر وعثمان.
المرحلة الثالثة: حياته في دولة أبيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام)
الشطر الثاني: حياته بعد استشهاد أبيه(عليه السلام) وهو عصر إمامته(عليه السلام). وينقسم هذا الشطر إلى مرحلتين متميزتين:
المرحلة الأُولى: وتبدأ من البيعة له بالخلافة حتى الصلح.
المرحلة الثانية: وهي مرحلة ما بعد الصلح حتى استشهاده(عليه السلام) .
ونحن نبحث المراحل الثلاث الأُولى في الفصل الثاني من الباب الثاني، ونفرد البحث عن الشطر الثاني بباب مستقل، بعد أن نسلّط الأضواء الكافية على طبيعة عصر الإمام(عليه السلام) ومميزاته وخصائصه; لنخرج برؤي موضوعية ومنطقية عن سلامة مواقف الإمام(عليه السلام) سواء قبل الصلح وبعده، ولنري ما حقّقه هذا الإمام الهمام والشجاع الصابر، ونلاحظ كيف استطاع أن يؤدي دوره الكبير في أخطر مرحلة من مراحل تأريخنا الإسلامي بمواقفه الرسالية ومنطلقاته المبدئية، وكيف استطاع أن يصل إلى الأهداف الرسالية التي جعلها الله تعالى على عاتقه كإمام معصوم يراد منه تحقيق أهداف الرسالة الإسلامية الكبرى .


الصفحة 49

الفصل الثالث:
الإمام المجتبى(عليه السلام) في ظلّ جده وأبيه(عليهم السلام)

الإمام الحسن (عليه السلام) في عهد الرسول الأعظم(صلَّى الله عليه وآله)

ولد الإمام الحسن(عليه السلام) في حياة جدّه الرسول الأكرم(صلَّى الله عليه وآله) وعاش في كنفه سبع سنوات وستّة أشهر من عمره الشريف، وكانت تلك السنوات على قلّتها كافية لأن تجعل منه الصورة المصغّرة عن شخصية الرسول حتى ليصبح جديراً بذلك الوسام العظيم الذي حباه به جدّه، حينما قال له : "أشبهت خلقي وخلقي"(1).
والرسول الأعظم(صلَّى الله عليه وآله) هو الذي تحمّل مسؤولية هداية ورعاية الأُمة، ومسؤولية تبليغ الرسالة وتطبيقها وحماية مستقبلها وذلك بوضع الضمانات التي لا بدّ منها في هذا المجال، وهو المطّلع ـ عن طريق الوحي ـ على ما ينتظر هذا الوليد الجديد من دور قيادي هامّ، والمأمور بالإعداد لهذا الدور، وذلك ببناء شخصية هذا الوليد بناءً فذّاً يتناسب مع المهام الجسام التي تؤهله للاضطلاع بها على صعيد هداية الأُمة وقيادتها .
__________
(1) حياة الإمام الحسن: 1 / 67، وسيرة الأئمة الإثني عشر للحسني: 1 / 513، وصلح الإمام الحسن لفضل الله ـ 15 عن الغزالي في إحياء العلوم . وحول شبهه(عليه السلام) بجدّه راجع : تاريخ اليعقوبي: 2 / 226 ط . صادر، والبحار ج10، وأعيان الشيعة ج4، وذكر ذلك العلاّمة المحقّق الأحمدي عن كشف الغمة : 154، والفصول المهمة للمالكي، والإصابة: 1 / 328، وكفاية الطالب 267، وتهذيب تاريخ ابن عساكر: 4 / 202، وينابيع المودة: 137، وتاريخ الخلفاء: 126 ـ 127، والتنبيه والاشراف: 261 .


الصفحة 50

إن كلمة الرسول(صلَّى الله عليه وآله) للإمام الحسن(عليه السلام) : "أشبهت خَلقي وخُلقي" تعدّ وسام الجدارة والاستحقاق لذلك المنصب الإلهي الذي هو وراثة الرسالة وخلافة النبي(صلَّى الله عليه وآله) بعد خلافة وصيه علي بن أبي طالب (عليه السلام) .
وإنّ إحدى مهامّ الرسول(صلَّى الله عليه وآله) خلق المناخ الملائم لدى الأُمة التي يفترض فيها أن لا تستسلم لمحاولات الابتزاز لحقّها المشروع في الاحتفاظ بقيادتها الإلهية، وأن لا تتأثر بعمليات التمويه والتشويه لطمس الركائز التي تقوم عليها رؤيتها العقائدية والسياسية التي حاول الإسلام تعميقها وترسيخها في ضمير الأُمة .
ومن هنا نعرف الهدف الذي كان يرمي إليه النبي(صلَّى الله عليه وآله) في تأكيداته المتكررة على ذلك الدور الذي كان ينتظر الإمام الحسن وأخاه(عليهما السلام) منها قوله(صلَّى الله عليه وآله) : "إنّهما إمامان قاما أو قعدا"(1) و"أنتما الإمامان، ولاُمّكما الشفاعة"(2).
وقوله (صلَّى الله عليه وآله) للحسين (عليه السلام) : "أنت سيّد، ابن سيّد، أخو سيّد، وأنت إمام، ابن إمام، أخو إمام، وأنت حجة، ابن حجة، أخو حجة، وأنت أبو حجج تسعة، تاسعهم قائمهم"(3) .
وقوله (صلَّى الله عليه وآله) في الإمام الحسن (عليه السلام) : "هو سيّد شباب أهل الجنة، وحجة الله على الأُمة، أمره أمري، وقوله قولي، من تبعه فإنّه منّي، ومن عصاه فإنّه ليس منّي ..."(4).
__________
(1) راجع كتاب أهل البيت تأليف توفيق أبو علم: 307، والإرشاد للمفيد 220، وكشف الغمة للأربلي: 2 / 159، وعلل الشرائع: 1 / 211، والمناقب لابن شهر آشوب: 3 / 367 وعبر عنه بالخبر المشهور.
(2) إثبات الهداة: 5 / 52، والإتحاف بحب الأشراف : 129 .
(3) ينابيع المودة: 168، وإثبات الهداة : 5 / 129 .
(4) فرائد السمطين : 2 / 35، وأمالي الصدوق : 101 . وحول ما يثبت إمامة الإمام الحسن(عليه السلام) راجع : ينابيع المودة : ص441 و442 و443 و487 عن المناقب، وفرائد السمطين : 2 / 140 ـ 134 ـ153 ـ 259 وفي هوامشه عن المصادر التالية : غاية المرام: 39، وكفاية الأثر المطبوع في آخر الخرائج والجرائح: 289، وعيون أخبار الرضا: باب 6 ص32، وبحار الأنوار : 3 / 303 و 36 / 283 و43 / 248.

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة