الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة 176

أين ذهبت كتب الحديث هذه؟ وكم تحوي من الحديث يا ترى؟! هذا بشير بن هشيم الواسطي وهو ممن كتب في هذا القرن كان يحفظ عشرين ألف حديث (1).

ولا نريد أن نقيس حفظ الآخرين على حفظه، ولكن لنأخذ موطأ مالك الأثر شالباقي من الأربعين! هذا الأثر يحوي 700 حديث. ولو افترضنا أنّ كل موطأ من هذه الموطآت يحوي 700 حديث لبلغ عدد الأحاديث الضائعة ثمانية وعشرين ألف حديث!!

مع أن هناك موطآت أكبر من موطأ مالك كموطأ ابن أبي ذئب (2).

 

عشرات المسانيد مفقودة!!!

المسند: هو عبارة عن كتاب حديث، يرتب صاحبه الأحاديث فيه حسب رواتها وإن اختلفت موضوعاتها، وإذا أردنا أن نكون دقيقين في التعريف فإن المسند هو " الجزء الذي تجمع فيه أحاديث رجل معين، كمسند أبي بكر الصديق، ومسند عمر بن عبد العزيز " (3).

لقد درج العلماء على كتابة الحديث بهذه الطريقة، ولكن أكثر مسانيدهم قد فقدت، أو لم تتم... والمذكور منها:

1 - مسند ابن صبيح.

قال عز الدين التنوخي: " ومن المؤسف أنا لا ندري شيئا عن مصير مسند ابن صبيح " (4).

____________

1 - تدريب الراوي: ص 52.

2 - تدريب الراوي: 40 - 41.

3 - الرسالة المستطرفة: ص 46.

4 - من كتاب الجزء الأول من شرح الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع الفراهيدي، تأليف الشيخ عبد الله بن حميد السالمي.


 

الصفحة 177

 

2 - مسند ابن أبي عمر: محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني " ت/243 هـ‍ " (1).

3 - مسند أحمد بن حازم بن محمد بن أبي غرزة: أبي عمرو الغفاري " ت/276 ه‍ "، قال الذهبي في السير 13/239: له مسند كبير وقع لنا منه جزء!!

4 - مسند أحمد بن سنان: أبو جعفر الواسطي القطان " ت/256 هـ‍ "، انظر السير 12/244.

5 - مسند أحمد بن منيع بن عبد الرحمن: أبي جعفر البغوي " ت/244 هـ‍ ".

6 - مسند بقي بن مخلد " ت/279 هـ‍ ": انظر السير 12/291، ومعجم الأدباء 7/67.

7 - مسند شعبة: آدم بن اياس " ت/220 هـ‍ ".

8 - مسند الصحابة للبغوي: أبو القاسم عبد الله بن محمد " ت/317 هـ‍ ".

9 - مسند الصحابة الذين نزلوا مصر: محمد الربيع الجيزي.

10 - مسند عبد الله بن دينار: أبو نعيم الأصبهاني " ت/430 هـ‍ ".

11 - مسند علي بن عبد العزيز البغوي " ت/286 هـ‍ ": انظر السير 13/348.

12 - مسند علي: مطين أبو جعفر محمد بن عبد الله " ت 297 هـ‍ "، انظر السير 14/42.

13 - مسند عمر للإسماعيلي: أبو بكر أحمد بن إبراهيم الجرجاني " ت/371 هـ‍ "، في مجلدين، انظر السير 16/293.

14 - مسند عمر النجار.

15 - مسند الفريابي: أبو بكر جعفر بن محمد بن الحسن " ت/301 هـ‍ ".

16 - مسند قيس بن الربيع.

17 - مسند مالك لابن عدي: أبو أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني " ت/365 هـ‍ ".

____________

1 - الرسالة المستطرفة: ص 47.


 

الصفحة 178

 

18 - مسند مالك للنسائي " ت/303 هـ‍ ": انظر السير 8/85.

19 - مسند محمد بن سنجر الجرجاني " ت/258 هـ‍ ". انظر السير 12/486.

20 - مسند المروزي: محمد بن نصر " ت/294 هـ‍ ".

21 - مسند مسدد بن مسرهد الأسدي " ت/228 هـ‍ ".

22 - مسند النسائي " ت/303 هـ‍ ".

23 - مسند يحيى بن عبد الحميد الحماني " ت/228 هـ‍ ": انظر السير 10/527.

24 - مسند يعقوب بن سفيان.

25 - مسند يعقوب بن شيبة " ت/262 هـ‍ " فقد معظمه ولم يبق إلا الجزء العاشر منه!!

26 - مسند الأوزاعي.

27 - مسند أبي زرعة الرازي " ت/264 هـ‍ ".

28 - مسند أبي علي الحسن بن محمد بن أحمد بن محمد بن الحسن بن عيسى بن ماسر جس الماسرجسي " وقد قيل إنه لم يصنف في الإسلام مسند أكبر منه " (1).

29 - مسند أبي العباس محمد ابن اسحاق السراج " ولم يوجد منه إلا الطهارة " (2).

30 - مسند أبي نعيم بن حماد الخزاعي " ت/228 هـ‍ ".

31 - مسند عبيدالله بن موسى العبسي " ت/213 هـ‍ ".

32 - مسند أبي يعقوب اسحاق بن بهلول التنوخي " ت/252 هـ‍ " " وهو مسند كبير " (3).

____________

1 - الرسالة المستطرفة: ص 55.

2 - الرسالة المستطرفة: ص 56.

3 - المصدر السابق: ص 47.


 

الصفحة 179

 

33 - مسند الحافظ أبي بكر الإسماعيلي، وهو مسند كبير جدا في نحو مائة مجلد (1).

34 - مسند أبي بكر بن أبي عاصم، وهو مسند كبير يحتوي على مايقارب الخمسين ألف حديث.

35 - مسند أبي يوسف يعقوب بن شيبة بن الصلت السدوسي " ت/262 هـ‍ " قال الذهبي: وهو صاحب المسند الكبير الذي ما صنف أحسن منه ولكنه ما اتمه!!

36 - مسند أبي اسحاق ابراهيم بن معقل بن الحجاج النسفي " ت/295 هـ‍ " وهو مسند كبير.

37 - مسند أبي العباس الوليد بن توبة الأصبهاني " ت/310 هـ‍ " وهو مسند كبير.

38 - ثلاثة مسانيد لأبي العباس الحسن بن سفيان بن عامر بن عبد العزيز البالوزي " ت/303 هـ‍ ":!!

39 - مسند أبي يحيى عبد الرحمن بن محمد الرازي " ت/301 هـ‍ ".

40 - مسند أبي إسحاق إبراهيم بن يوسف الرازي " ت/301 هـ‍ ".

41 - مسند أبي محمد عبد الله بن محمد بن ناجية البربري " ت/301 هـ‍ ".

42 - مسند دعلج بن أحمد بن محمد السجزي " ت/351 هـ‍ ".

43 - مسند أبي محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم التميمي الحفظي " ت/337 هـ‍ ".

44 - مسند أبي الحسن علي بن حمشاه النيسابوري " ت/338 هـ‍ ".

45 - مسند أبي الحسين أحمد بن عبيد بن إسماعيل البصري الصفار.

46 - مسند محب الدين أبي عبد الله النجار البغدادي.

47 - مسند أبي حفص عمر بن أحمد البغدادي المعروف بابن شاهين.

48 - مسند أبي الحسن علي بن الحسين الذهلي.

____________

1 - المصدر السابق.


 

الصفحة 180

 

49 - مسند أبي إسحاق إبراهيم بن سعيد الجوهري ت/249 هـ‍.

50 - مسند أبي عبد الله محمد بن يوسف الصبي الفرياني.

هذه خمسون مسندا مفقودة وهناك غيرها الكثير. وذكر الكتاني في الرسالة المستطرفة، اثنين وثمانين مسندا، وقال: " والمسانيد كثيرة سوى ما ذكرناه " (1)!!

وقال الدكتور محمود الطحّان: " المسانيد التي صنفها الأئمة المحدثون كثيرةٌ ربما تبلغ مائة مسند أو تزيد " (2).

هل هناك ماهو أعظم من هذه الخسارة؟! لقد فقدنا أكثر من ثمانين مسندا وهذه حقيقة لا يستطيع إنكارها أحدٌ.

إنَّ لأحمد بن حنبل مسنداً كهذه المسانيد، وفيه ثلاثون ألف حديث؟!!

وليس من المنطق السليم أن يقال إنَّ هذه المسانيد والموطآت قد وجدت مضامينها في كتب الصحاح الستة، إذ لا دليل على ذلك، فإذا نظرنا إلى كتب السنن سنجد أنَّ كل كتاب منها يحوي من الأحاديث ما لا يحويه غيره وبأعداد كبيرة.

ويعترف شيخ الإسلام السيوطي أنَّ هناك كتب حديث اخرى لم تصل إلينا.

فحين تعرَّض لحديث: (اختلاف أمتي رحمة) قال: " ولعله خرج في بعض كتب الحفاظ التي لم تصل إلينا " (3).

فكلام السيوطي هنا يدل على أنَّ هناك كتب سنن للحفاظ لم تصل إلينا.

ولرشيد رضا شهادةٌ في ضياع بعض كتب الحديث، فقد قال في تقديمه لكتاب الاعتصام للشاطبي: " وقد تركت تصحيح بعض الأحاديث والآثار التي أحفظها من

____________

1 - ص 55، وراجع هذه المسانيد المذكورة وغيرها في الرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السنة المشرفة، محمد بن جعفر الكتاني: ص 47 - 55، وراجع مقدمة فواز أحمد زمرلي على مسند فاطمة الزهراء عليها‌السلام للسيوطي.

2 - اصول التخريج ودراسة الأسانيد: ص 40.

3 - انظر ضعيف الجامع الصغير وزياداته، الألباني 1/111.


الصفحة 181

 

 

كتب الصحاح والسنن على غير ماوردت عليه في الكتاب لئلا يكون بعض المحدثين الذين لم نطلع على كتبهم! رواها بسياق... " (1) وقال الكتاني عن أبي داود الطيالسي: " وله من الأحاديث التي لم تدخل هذا المسند - مسند أبي داود – قدره! أو أكثر!! وقد قيل: إنه كان يحفظ أربعين ألف حديث " (2).

إنَّ عند الطيالسي من الأحاديث قدر مسنده، وقد بقيت في صدره وذهبت معه.

فإن كُنتَ لا تدري فتلك مصيبةٌ
 

 

وإن كنت تَدري فالمصيبةُ أعظم
 

ومما يزيد يقينك بصحة ما توصلنا إليه، هو فقد خطب الجُمًعِ التي كان يلقيها النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كل جمعةٍ، فقد بقي النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يخطب الجمعة لمدة عشر سنوات (3) ولو أحصينا عدد هذه الخطب في هذه المدة لبلغت 480 خطبة. فهل يوجد بين أيدينا نموذجٌ واحد من هذه الخطب؟!

لقد سألت أكثر من واحد من أساتذتي في الحديث والدعوة عن امكانية العثور على نموذج لخطبة من خطب الجُمَعِ التي كان يلقيها النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، فكان جوابهم دائما: هناك خطبة حجّةُ الوداع! (4).

قيل: إنَّ رجلاً كان يعرج في مشيته فسأله شخصٌ:لماذاتعرج؟ فقال:ضرسي يؤلمني!!

نعم، إنَّ هذه الخطب تحوي جميع معارف الإسلام من تشريع وعقائد وأخلاق، ولا بد أنها كانت تركز على دراسة الجانب السياسي في حياة المسلمين. أفلا يعتبر فقدها ضياع ثروة عظيمة من علوم الإسلام؟! ولو وجدت هذه الخطب لعكست لنا عقلية النبي العظيمة في كيفية تعامله مع أحداث عصره، وتحليلاته السياسية. ولكن الذي يبدو لي أنَّ السياسة فيما بعد هي التي حرمتنا من هذه الخطب، لأمر يدركه كل لبيب.

____________

1 - الإعتصام: 7.

2 - الرسالة المستطرفة: ص 46.

3 - ذكر الطبري في تاريخه: 2/114، إن أول جمعة جمعها النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الإسلام كانت في السنة الاولى من الهجرة.

4 - وأثناء تتبعي وجدت خطبةً واحدة في تاريخ الطبري: 2/115.


الصفحة 182

 

مؤيّدات وشهادات في ضياع السنّة

1 - قال ابن تيمية " فلا يجوز أن يدعى انحصار حديث رسول الله في دواوين معينة " (1) ويعترف ابن تيمية أنَّ صدور المحدثين تحوي أضعاف ما في كتب السنن فقد قال:

" الذين كانوا قبل جمع هذه الدواوين كانوا أعلم بالسنة من المتأخرين بكثير، لأن كثيرا مما بلغهم وصح عندهم قد لا يبلغنا إلا عن مجهول أو إسناد منقطع، أو لا يبلغنا بالكلية!! فكانت دواوينهم صدورهم التي تحوي أضعاف ما في الدواوين، وهذا الأمر لا يشك فيه من علم القضية " (2).

إنَّ المحدثين - كما يقول ابن تيمية - قد صح عندهم من الأحاديث ما لا يصح عندنا، وهذا اعتراف بحرماننا من هذه الأحاديث التي صحت عندهم، ويقول: إنَّ دواوينهم هي صدورهم التي تحوي أضعاف ما في الدواوين.

فهل هناك أوضح من هذا البيان؟! والعجب أنَّ ابن تيمية يؤكد هذا الأمر بقوله " وهذا الأمر لا يشك فيه مَن علم القضية " فالمحدثون عندهم أضعاف ما هو في كتب السنن الموجودة.

فلو سألنا ابن تيمية وأتباعه أين ذهبت هذه الأضعاف؟ لما وجدنا جوابا إلا السكوت، أو السباب وعند الله الحساب!

2 - قال النووي: " إنَّ البخاري ومسلما (3) لم يلتزما استيعاب الصحيح، بل صح عنهما تصريحهما بأنهما لم يستوعباه وإنما قصدا جمع جملٍ من الصحيح، كما يقصد المصنف في الفقه جمع جملةٍ من مسائله، لا أنه يحصر جميع مسائله، لكنهما إذا كان الحديث تركاه

____________

1 - رفع الملام: ص 18.

2 - رفع الملام: ص 18 - 19.


الصفحة 183

 

 

أو تركه أحدهما، مع صحة إسناده في الظاهر أصلا في بابه ولم يخرجا له نظيرا ولا ما يقوم مقامه، فالظاهر من حالهما أنهما اطلعا فيه على علة إن كان رأيا، ويحتمل أنهما تركاه نسيانا، أو إيثارا لترك الإطالة، أو رأيا أنَّ غيره مما ذكراه يسد مسده أو لغير ذلك، والله أعلم " (1).

هنا يصرح النووي بأنَّ البخاري ومسلما قد صحت عندهما أحاديث ولم يخرجاها، وهذا اعترافٌ من النووي بضياع السنن التي لم يخرجها الشيخان وهي تعدُّ بالآلاف، فالبخاري كان يحفظ مائة ألف حديث صحيح وكذا مسلم، ولم يخرجا في صحيحهما عشر ما حفظاه!!

فهل نصدق بأنَّ الله ترك سنته حتى يجمعها البخاري ومسلم؟ لو اعتقدنا هذا للزمنا القول: إن الله حرم عباده من آلاف السنن التي كان يحفظها الشيخان! وقد علل النووي ترك الشيخين لإخراج ما حفظاه بالنسيان أو أنهما آثرا ترك الإطالة... فكيف يقبل الله بترك سنة نبيه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تضيعُ بسبب نسيان الشيخين أو خوفهما من الإطالة؟! أما كان الله قادرا على جمع سنة نبيه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، عند أناس لا ينسون ولا يُملّون الإطالة؟! بلى، إنَّ الله قد جمع سنة نبيه في حياته صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وجعلها عند أولى الناس بها، وهذا هو المفروض شرعا وعقلا، أما أن يترك الله سنة نبيه تدون بعد مائتي سنة ويتركها تضيع خوف الإطالة فهذا ما لا يصدقه عقلٌ.

3 - جعل محمد جمال الدين القاسمي في كتابه " قواعد التحديث "، عنوانا: " بيان أنَّ الصحيح لم يستوعب في مصنف " قال: قال العلامة الأمير في شرح " غرامي صحيح ": " لم يستوعب الصحيح مصنَّفٌ أصلا، يقول البخاري: " أحفظ مائة ألف حديث من الصحيح، ومائتي ألف من غيره "، ولم يوجد في الصحيحين بل ولا في بقية الكتب الستة، هذا القدر من الصحيح " (2)!!

____________

1 - ذكره عنه القاسمي في قواعد التحديث: ص 83، تحقيق محمد البيطار.

2 - قواعد التحديث: ص 83.


الصفحة 184

 

4 - تحدث محمد محيي الدين عبد الحميد - مفتش العلوم الدينية والعربية بالجامع الأزهر والمعاهد الدينية - عن أبي بكر بن حزم، حين أمره عمر بن عبد العزيز بكتابة السنة قال: " وإذن فكتاب ابن حزم هذا - على افتراض تصنيفه - أول كتاب صنف في الحديث... ولسنا نعرف عن هذا الكتاب شيئا (1)، ولا عثرنا على قولٍ لأحد من علماء هذه الأمة يشتمل على وصف هذا الكتاب وبيان ما اشتمل عليه من حديث النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بيانا يركن إليه، وقد فقد المسلمون هذا الكتاب مع ما فقدوه من تراث أسلافهم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم " (2). نعم، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!!

5 - قال أحمد بن عبد الرحمن الصويان - من الرياض - عن السنة التي كانت عند الحفاظ: " ولكن ورث هذه الثروة الضخمة والأمانة العظيمة من بعدهم أجيال نسوا كثيرا مما ذكروا به، فلم يقدروا هذا العلم حق قدره، ولم ينزلوه منزلته، فضاعوا وضيعوا...!!

فتفرقت هذه التركة الجليلة في بطون المكتبات شرقا وغربا، وفقد كثير من هذه الكنوز!! بسبب تفريط المسلمين وتهاونهم، وجهلهم وتقصيرهم (3)...

وإلا فأين تراث دار الحكمة ببغداد؟ وأين تراث مكتبة العزيز بالله في القاهرة؟!

التي قيل: إنها تحتوي على مائتي ألف كتاب، ومنهم من قال: إنها تحتوي على مليون وستمائة ألف كتاب.

وأين كنوز مكتبة الزهراء بقرطبة؟! التي قيل: إنها تحتوي على أربعمائة ألف مجلد، ومنهم من قال: إنها تحتوي على ستمائة ألف مجلد...

____________

1 - أضفه - أيها المسلم الغيور - للكتب المفقودة!!

2 - من مقدمته على كتاب توضيح الأفكار، الصنعاني: ص 30.

3 - وما كان الله ليترك سنة نبيه تضيع لجهل المسلمين وتفريطهم بها بل حفظ سنة نبيه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الضياع ولكن... سيأتي بيان ذلك!


 

الصفحة 185

 

وأين وأين وأين؟!! (1).

ألا إنها جريمة لا تغتفر (2)، وتفريط لا يبرر... (3).

6 - قال محمد محمود الحلبي: " ومرت الأيام والليالي وتقلبت على المكتبة الإسلامية دهور ودهور، سلم فيها ما سلم، وضاع فيها من جواهر التراث المحمدي المجيد ما ضاع " (4)!!!

7 - قال أحمد راتب عرموش: " وكتب الصحاح المطبوعة لا تشمل جميع الحديث الصحيح! وقد تحوي أحاديث ضعيفة أو منسوخة... " (5).

8 - قال الدكتور أكرم ضياء العمري في كتابه بقي بن مخلد القرطبي ص 19:

" لا شك أنَّ العدد الأكبر من الصحابة لم تصل إلينا بواسطتهم أحاديث مروية عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " (6).

وبالإضافة لهذه الشهادات فقد اعترف بضياع السنن ابن القيم والسيوطي، وأبو شهبة الأزهري، والأستاذ محمد أديب صالح، وقد ذكرنا كلامهم فلا حاجة لإعادته.

 

إشكالٌ ودَفعُهُ

قد يقول البعض بعد أن أخذت الحجّة بعنقه: إنَّ لفظ الحديث يطلق على السند كما يطلق على المتن، وعلى هذا تكون آلاف الأحاديث التي يحفظها المحدِّثون أسانيد، فإن للمتن طرقا كثيرة عندهم لهذا نتج هذا الرقم الهائل.

____________

1 - هذه الأين يجب أن توجه إلى الصويان وأهل السنة!

2 - حقا إنها جريمة لا تغتفر!

3 - " راجع كتاب جزء فيه حديث سفيان بن عيينة رواية زكريا المروزي " تحقيق الصويان: ص 4.

4 - كلمته على عمدة القاري شرح صحيح البخاري: 1/3.

5 - مسند عبد الله بن عمر تخريج أبي امية الطرسوي، تحقيق أحمد راتب عرموش.

6 - راجع أسماء الصحابة الرواة: ص 10.


 

الصفحة 186

 

نحن لا نسلِّم بهذا، فالحديث في اصطلاح المحدثين هو: أقوال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأفعاله، وتقريراته، وصفاته الخُلقية والخَلقية... " (1).

ولو افترضنا صحة ما يقولون، فهذا لا يحل من المشكلة شيئا، فقد سئل أحمد ابن حنبل في ستين ألف مسألة، فأجاب عنها بقوله: " أخبرنا وحدثنا " (2) ومن المعلوم أنه لا يصح الإجابة بالسند!

وسئل أحمد بن حنبل: " يكفي الرجل مائة ألف حديث حتى يفتي؟ قال: لا، حتى قيل: خمسمائة ألف حديث؟ قال: أرجو، كذا في: (غاية المنتهى) " (3).

فالمقصود بالخمسمائة ألف حديث هذه، خمسمائة ألف متنا وليس سندا، إذ لا يصح الإفتاء بالسند! وليس هو من فعل العقلاء، وقول أحمد هذا يدل على أنَّ هناك أكثر من خمسمائة ألف متن فقهي، فأين هذه المتون؟!

وأجاب الأوزاعي في ثمانين ألف مسألة بما عنده من أحاديث وأخبار، فهل كان يجيب بالسند؟! وإذا قالوا: لا، قلنا: فأين هذه الثمانين ألف متن؟!!

وقد ورد في خلاصة التهذيب أنَّ أحمد بن الفرات كتب ألف ألف وخمسمائة ألف حديث، وانتخب منها ثلاثمائة ألف في التفسير والأحكام والفوائد.

فالمفهوم من هذا الكلام: أنَّ ابن الفرات انتخب ثلاثمائة ألف متن، إذ لا يصح تفسير آية أو الإجابة على مسألة بسند، فأين هذه الثلاثمائة ألف متن؟!!

وأجاب أبو بكر الباغندي عن ثلثمائة ألف مسألة في حديث رسول الله (4)، فهل كانت اجاباته تتم بالأسانيد؟!!

____________

1 - راجع الوسيط، أبي شهبة: ص 16.

2 - طبقات الحنابلة: 1/6.

3 - حجة الله البالغة: 1/150 والنص منه، إعلام الموقعين: 1/45.

4 - طبقات الحفاظ، الذهبي: ص 736. طبقات الحفاظ، السيوطي: ص 315. والميزان.


 

الصفحة 187

 

وهذا الحافظ ابن عقدة كان يجيب في ثلاثمائة ألف حديث من حديث أهل البيت، فهل كان يجيب بالأسانيد؟!

وقال ابن عقدة: " أحفظ مائة الف حديث بأسانيدها " (1)، ألا يكفي هذا القول حجّةً تسكت المعاندين!

وهذا أبو بكر الجعابي، يحفظ أربعمائة ألف حديث بأسانيدها ومتونها، كما في تاريخ ابن كثير (2). فعند الجعابي أربعمائة ألف متن بأسانيدها، فهل من الممكن أن يحضرها أحد المعاندين، لكي يؤدي بذلك خدمةً للعالم الإسلامي؟

وهذا الذي يعتبر مئات الآلاف من الأحاديث مجرد أسانيد لمتون، هلا قال لنا:

أين ذهبت هذه الأسانيد؟! قال ابن المبارك: " الإسناد من الدين، لولا الإسناد لقال مَن شاء، ما يشاء " أخرجه مسلم.

وقال الثوري: " الإسناد سلاح المؤمن " وقال الأوزاعي: " ماذهاب العلم إلا ذهاب الإسناد " (3) حقّا لو وجدت هذه الأحاديث - إن كانت أسانيد - لغيرت الكثير وأفادت العلماء كثيرا. فبها يعرف محل كل حديث من الغرابة والاستفاضة، ولاستفدنا منها كمتابعات وشواهد. وإذا كان للمتن - كما يقال - أكثر من خمسين طريقا فهذا يعني أنَّ الأحاديث التي هي ضعيفة الآن صحيحة عند المحدثين لأنَّ الحديث إذا كثرت طرقه فإنه يقوى، فكيف إذا كان له خمسون طريقا أومائة؟!!

ويترتب على هذا إهمالٌ لكثير من الأحكام الشرعية الواردة في الأحاديث الضعيفة عندنا، الصحيحة عند المحدثين!!

____________

1 - راجع حاشية المحدث الفاصل، تحقيق محمد عجاج الخطيب: ص 621.

2 - 11/261.

3 - راجع قواعد التحديث، القاسمي: ص 201 - 202، وكتاب علوم الإسناد من السنن الكبرى لأستاذنا نجم خلف: ص 7. شرف أصحاب الحديث، الخطيب البغدادي: 41 - 42


 

الصفحة 188

 

ولو صح ما يقال في أنَّ لكل متن أكثر من خمسين طريقا لحلَّت مشكلة الأحاديث المتواترة والآحاد، والتي شغلت بال أهل الحديث وأصحاب المذاهب، ولجاءت كل الأحاديث متواترة.

وإن قيل: إنَّ مئات الآلاف من هذه الأحاديث هي من سنن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وآثار الصحابة.

قلنا: وهذا لا يقدِّم ولا يؤخر. قال أبو داود: " كتبت عن رسول الله خمسمائة ألف حديث... " (1). ولم يقل: عن الصحابة. وهذا الباغندي أجاب في ثلاثمائة ألف مسألة في حديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم!!

ونضيف الى ذلك أنَّ فقد تسعة وثلاثين موطأ وأكثر من ثمانين مسندا كاف للرد على هذه الشبهة. مع العلم أن المسانيد لا تدخل فيها أقوال الصحابة!

ولو افترضنا أن هذه الأحاديث التي يحفظها المحدثون تشمل سنن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وآثار الصحابة فهذا يعني أن سنن النبي أربعون ألفا، وآثار الصحابة 66 ألف أثر!! أين المعقول من هذا اللامعقول.

ولو صح كلامهم فأين آثار الصحابة هذه؟ حقا إنها لو وجدت لكانت ثروةً عظيمة لهذه الأمة، كيف لا وفيها آلاف الأحاديث عن آل البيت عليهم‌السلام (2) بالإضافة الى أنَّ قول الصحابي عند أهل الحديث حجّةٌ في التفسير والعقائد.

فكل الطرق مغلقة والأبواب موصدة، فالاعتراف بضياع القسم الأكبر من السنة لا مفرَّ منه!

____________

1 - معالم السنن، الخطابي: 1/6 - 8. تذكرة الحفاظ: 2/599.

2 - أجاب الحافظ ابن عقدة في ثلاثمائة ألف حديث من حديث أهل البيت عليهم‌السلام وبني هاشم، حدث بها عنه الدارقطني، راجع تذكرة الحفاظ: 3/56.


 

الصفحة 189

 

بيت القصيد

إنَّ هذه السنن الضائعه، والتي هي أضعاف ما في كتب السنن، كما يری ابن تيميه! قد بقيت في صدور المحدثين و كتبهم المفقودة، وهذه الآلاف من السنن الضائعه فیها المقيّد والمخصّص والناسخ و المفسّر والمفصّل، وفقد هذه الكمية من السنن يجعلنا امام مشكلة كبيرةٍ جدّاً، فمن يدري فلعلنا نمارس بعض الاحكام المنسوخه أو المقيّدة أو المخصّصة بالسنن التي بقيت في صدور المحدثين، مع العلم أنه لا يجوز العمل بالعام قبل الفحص عن مخصِّصه، ولا المطلق قبل الفحص عن مقيِّده، وهكذا. 

إنَّ الإسلام المتمثِّل بالكتاب والسنة، كيانٌ واحد وبناء متكامل، فإذا فقد شئ منه أثَّر على الباقي، ولا يفهم الإسلام عقيدةً وشريعة إلاّ بجمع كل موادِّه من القرآن والسنة ومزجها مع بعض، ومن خلال استقراء النصوص ينتج الحكم الإسلامي الصحيح. فمنهج السلفية - كما اتضح - فيه مطب، إذا وقعنا به لا نقوم منه أبدا إلا بتركه.

فالله لايريد منا أن نتبع هذا الطريق، ولا يرضى بما جرى للسنة، فهذا الإمام مالك بن أنس يقول: " سمعت من ابن شهاب أحاديث كثيرة ما حدثت بها قط ولا احدِّث بها " (1)!!

فهل يرضى الله بهذا الفعل؟ لا.. حيث لا يليق بالمولى عز وجل أن يرضى بهذا المنهج وهو يعلم أنَّ كثيرا من مواد الإسلام تنقصه.

وكيف يرضى بضياع السنة ثم يقول لعباده: ( لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّـهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) (2)، ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) (3)؟! وكيف يطلب الله منا إحراز الإسلام كما أنزله، وأكثر من ثلثي السنة ضائعٌ؟!

قال شعبة: وقال منصور: " وددت أني كتبت، وأنَّ علي كذا أو كذا، وقد ذهب عني مثل علمي!! " (4) وفي المحدث الفاصل: " ما كتبت ولوددت أني كتبت وما حفظت نصف ما سمعت ". نعم، لو طلب المعلم من تلاميذه أن يكتبوا، وأخذ منهم الأقلام، وقال لهم: إذا لم تكتبوا فسأعاقبكم، ماذا سيكون موقف الطلاب من المعلم؟ وهكذا،

____________

1 - تذكرة الحفاظ: 1/209.

2 - الأحزاب: 21.

3 - الحشر: 7.

4 - تقييد العلم: ص 60.


 

الصفحة 190

 

فكيف يطلب الله منا إحراز دينه كما أنزله، مع رضاه بضياع السنة؟!

فيا أيها المسلمون: أحضروا لنا هذه الأضعاف من السنن الضائعة ثم ننظر بها ونعيد أعمالنا وفقها، فإن لم تفعلوا، ولن تفعلوا، فابحثوا معي عن البديل!


الصفحة 191

 

الصفحة 192

 

 

الفصل الثالث

إشكالات على مرجعية الصحابة


 

الصفحة 193

 


الصفحة 194
 

 

بين يدي البحث

إنَّ أهل السنة سواء الأشاعرة منهم أو السلفية: جعلوا الصحابة هم الواسطة التي تربطهم بالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والإسلام. فالصحابة كل الصحابة هم نقلةُ الدين لمن بعدهم. ولكن من يقف متأملا في ذلك يجد عدَّةُ إشكالات في مرجعية الصحابة بعد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، وهذه هي الأدلة...

الصحابة يُقلِّون السؤال

وهو أوّل إشكال يظهر لنا علی مرجعیّة الصحابه. روى مسلم عن أنس، قال: " نُهينا أن نسأل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن شئ فكان يعجبنا أن يجئ الرجل العاقل من أهل البادية فيسأله - أي النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - ونحن نسمع... " (1).

وروى أحمد في مسنده عن أبي أمامة قال: " لما نزلت: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ) كنا قد اتقينا أن نسأله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأتينا أعرابيا فرشوناه بُردا وقلنا: سل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم... ".

ولأبي يعلى عن البراء: إن كنت لتأتي عليَّ السنة أريد أن أسأل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن الشئ، فأتهيب. وإن كنا لنتمنى الأعراب، أي قدومهم، ليسألوا، فنسمع أجوبة سؤالات الأعراب فنستفيدها ".

____________

1 - صحيح مسلم: كتاب الإيمان، باب السؤال عن أركان الإسلام.


 

الصفحة 195

 

وعن ابن عباس قال: " ما رأيت قوما كانوا خيرا من أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض، كلهن في القرآن... " (1).

" وهكذا نلاحظ اتجاها لدى الصحابة إلى العزوف عن السؤال إلا في حدود المشاكل المحدّدة الواقعة، وهذا الاتجاه هو الذي أدّى إلى ضآلة النصوص التشريعية (2) التي نقلوها عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو الذي أدى بعد ذلك إلى الاحتياج إلى مصادر أخرى غير الكتاب والسنة كالاستحسان والقياس... وهذا الاتجاه أبعد ما يكون عن عملية الإعداد الرسالي الخاص التي كانت تتطلب تثقيفا واسعا لذلك الجيل وتوعيةً له على حدود الشريعة للمشاكل التي سوف يواجهها عبر قادته " (3).

إنَّ تهيّب الصحابة من السؤال واعتمادهم على الأعراب لا يتلاءم مع طبيعة المهمّة الملقاة على عاتقهم. فالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لايمكن أن يعيش إلا لفترة محددة، فكان على الصحابة أن يبدأوا النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالسؤال أو يبتدئهم النبي بالسؤال إذا فكر أن يجعلهم القيمين بعده على دعوته، ولكن لم يحدث هذا بالمستوى المطلوب.

فلقد بقي النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يتلقى الإسلام من جبريل عليه‌السلام ثلاثا وعشرين سنة دون انقطاع، وهناك أكثر من مائة ألف صحابي رأوا النبي لفترة قصيرة، فكيف يصح أن يقال: إنِّ هؤلاء الصحابة قيمون على الدعوة، بينما الغالب منهم قد عاش مع النبي لفترة قصيرة؟ فهل استوعبوا الإسلام الذي استمر نزوله ثلاثا وعشرين سنة في أيام؟!

لذلك كله نحن نؤكد على: أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يهتم بأحد صحابته منذ بداية الدعوة، وأنه قد عبّأهُ تعبئةً فكرية وروحية كاملة، وهذا هو المفترض من نبي الرحمة صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

____________

1 - سنن الدارمي: 1/51. مجمع الزوائد: 1/158. الطبراني في الكبير. الإتقان، السيوطي.

2 - بلغت أحاديث الأحكام عند أهل السنة قرابة 5274 حديثا، راجع تاريخ التشريع الإسلامي: الفضلي، ص 28.

3 - بحث حول الولاية: ص 43 - 44.


الصفحة 196

 

 

" إن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لو كان قد قرر أن يجعل من الجيل الإسلامي الرائد الذي ضم المهاجرين والأنصار من صحابته قيما على الدعوة ومسؤولا عن مواصلة عملية التغيير.

فهذا يحتم على الرسول القائد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يعبئ هذا الجيل تعبئة رسالية وفكرية واسعة يستطيع أن يمسك بالنظرية بعمق ويمارس التطبيق على ضوئها بوعي، ويضع للمشاكل التي تواجهها الدعوة باستمرار الحلول النابعة من الرسالة، خصوصا إذا لاحظنا أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان الذي بشَّر بسقوط كسرى وقيصر، يعلم بأنَّ الدعوة مقبلة على فتوح عظيمة، وأن الأمة الإسلامية سوف تنضم إليها في غد قريب شعوب جديدة، ومساحة كبيرة، وتواجه مسؤولية توعية تلك الشعوب على الإسلام، وتحصين الأمة من أخطار هذا الانفتاح، وتطبيق أحكام الشريعة على الأرض المفتوحة وأهل الأرض، وبالرغم من أنَّ الجيل الرائد من المسلمين كان أنظف الأجيال التي توارثت الدعوة وأكثرها استعدادا للتضحية، لا نجد فيه ملامح ذلك الإعداد الخاص للقيمومة على الدعوة، والتثقيف الواسع العميق على مفاهيمها، والأرقام التي تبرز هذا النفي كثيرة... " (1).

 

قلّة الرواية ومنع كتابة السنّة

وكان الصحابة يتشددون في الرواية عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، ويقلونها وينهون عنها، حتى قاموا بحرق الأحاديث ومحوها من الصحف، الأمر الذي أدّى إلى منع الاستفادة من هذه السنن، سواء من الصحابة أنفسهم أم من الأجيال التي بعدهم. كما أنَّ الصحابة كانوا ينهون عن سؤال مالم يقع، وبذلك جعلوا دائرة الفقه مقتصرةً على أحداث عصرهم.

عن ابن أبي مليكة: " إنَّ الصديق جمع الناس بعد وفاة نبيِّهم، فقال: إنكم تحدِّثون عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أحاديث تختلفون فيها، والناس بعدكم أشد اختلافا، فلا تحدِّثوا عن رسول الله شيئا، فمن سألكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلوا حلاله وحرموا

____________

1 - بحث حول الولاية: ص 40 - 41.


الصفحة 197

 

حرامه " (1).

وعن عائشة: " جمع أبي الحديث عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، وكانت خمسمائة حديث، فبات ليلته يتقلب كثيرا، قالت: فغمني فقلت: أتتقلب لشكوى أو لشئ بلغك؟ فلما أصبح قال: أي بنية هلمِّي الأحاديث التي عندك، فجئته بها فدعى بنارٍ فحرقها، فقلت:

لما أحرقتها؟ قال: خشيت أن أموت وهي عندي، فيكون فيها أحاديث عن رجل ائتمنته ووثقت، ولم يكن كما حدثني، فأكون قد نقلت ذاك " (2).

وعن يحيى بن جعدة أن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنة، ثم بدا له أن لا يكتبها، ثم كتب في الأمصار من كان عنده شئ فليمحه (3).

وعن قرظة بن كعب قال: " خرجنا نريد العراق فمشى معنا عمر بن الخطاب إلى صرار - موضع قرب المدينة - فتوضأ ثم قال: إنكم أتدرون لِمَ مشيت معكم؟ قالوا: نعم نحن أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مشيت معنا، قال: إنكم تأتون أهل قرية لها دوي بالقرآن كدوي النحل فلا تبدونهم بالأحاديث فيشغلونكم، جددوا القرآن وأقلوا الرواية عن رسول الله وامضوا وأنا شريككم، فلمّا قدم قرظة قالوا: حدِّثنا، قال: نهانا ابن الخطاب " (4).

وروى ابن سعد عن عبد الله بن العلاء قال: " سألت القاسم يملي عليَّ أحاديث، فقال: إنَّ الأحاديث كثرت على عهد عمر بن الخطاب فأنشد الناس أن يأتوه بها فلما أتوه بها أمر بتحريقها ثم قال: مثناة كمثناة أهل الكتاب، قال: فمنعني القاسم يؤمئذ أن أكتب

____________

1 - تذكرة الحفاظ: 1/2 و 3 ترجمة أبي بكر.

2 - تذكرة الحفاظ: ص 5.

3 - جامع بيان العلم: 1/64 و 65.

4 - مستدرك الحاكم: 1/102 وصححه. سنن الدارمي: 1/85. تذكرة الحفاظ: 1/524، وانظر سنن ابن ماجة: 1/12. جامع بيان العلم: 2/120، المحدث الفاصل بين الراوي والواعي، الرامهرمزي:

ص 553.


الصفحة 198

 

حديثا " (1).

وعن عبد الرحمن بن عوف، قال: " ما مات عمر بن الخطاب حتى بعث إلى أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فجمعهم من الآفاق: عبد الله بن حذيفة، وأبا الدرداء، وأبا ذر، وعقبة بن عامر، فقال ما هذه الأحاديث التي أفشيتم عن رسول الله في الآفاق؟ قالوا:

تنهانا؟ قال: لا، اقيموا عندي، لا والله لا تفارقوني ما عشت، فنحن أعلم، نأخذ عنكم، ونرد عليكم، فما فارقوه حتى مات " (2).

وعن أبي سلمة عن أبي هريرة، قلت له: أكنت تحدث في زمان عمر هكذا؟ فقال:

لو كنت أحدث في زمان عمر مثل ما أحدثكم لضربني بمخفقته.

وروى الذهبي في تذكرة الحفاظ أن عمر حبس ابن مسعود وأبا الدراء وأبا مسعود الأنصاري فقال: قد أكثرتم الحديث عن رسول الله... (3).

يقول ابن قتيبة: " وكان عمر شديدا على من أكثر الرواية... " (4).

____________

1 - الطبقات: 5/188. تقييد العلم، الخطيب البغدادي: ص 52، يقول السيد الروحاني في كتابه (بحوث مع أهل السنة والسلفية: ص 97) تحت عنوان (كتابة الحديث): " إنَّ من أعظم الآثام اليهودية في المسلمين هو عدم جواز كتابة أحاديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ففي التلمود - وهو عند اليهود مثل الأحاديث التي في صحاح بعض المسلمين -: (إن من الأمور التي تروى مشافهة ليس لك الحق في إثباتها بالكتابة).

ويلاحظ انَّ الحديث الذي أورد في الصحاح، (لا تكتبوا عني غير القرآن، ومن كتب فليمحه) هو بمثابة ترجمة لطيفة لما في التلمود، وموافق لما كتبه الخليفة عمر بن الخطاب إلى الأمصار: (من كان عنده شئ منها - أي أحاديث رسول الله فليمحه - ولا يبعد أن يكون هذا من إيحاءات اليهودي كعب الأحبار، وإن جعل بعد ذلك بصورة الحديث. إذ بعد إحراق الخليفة الثاني للأحاديث التي جمعها من أيدي الصحابة على مدى شهر قال: مشناة كمشناة أهل الكتاب أو مثناه كمثانة أهل الكتاب، وهذا يدل على اطلاع كامل منه على مصطلح أهل الكتاب واليهود "!!

2 - كنز العمال 5/239 حديث رقم 4865. منتخب الكنز 4/61.

3 - 1/7.

4 - تأويل مختلف الحديث: 39.


الصفحة 199

 

وروى ابن سعد وابن عساكر عن محمود بن لبيد - واللفظ لابن سعد - قال:

" سمعت عثمان بن عفان على المنبر يقول: لا يحل لأحد يروي حديثا لم يسمع به في عهد أبي بكر ولا في عهد عمر "... (1).

وفي المحدث الفاصل بسنده إلى السائب بن يزيد قال: " أرسلني عثمان إلى أبي هريرة، فقال: قل له: يقول لك أمير المؤمنين: ما هذا الحديث عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم؟ لقد أكثرت لتنتهين أو لألحقنك بجبال دوس، وأتِ كعباً، فقل له: يقول لك أمير المؤمنين عثمان: ماهذا الحديث؟ قد ملأت الدنيا حديثا، لتنتهينَّ أو لألقينك بجبال القردة " (2).

وعن عمرو بن ميمون قال: " اختلفت إلى عبد الله بن مسعود سنة، فما سمعته فيها يحدث عن رسول الله، ولا يقول قال رسول الله، إلا أنه حدث ذات يوم بحديث فجرى على لسانه: قال رسول الله، فعلاه الكرب حتى رأيت العرق ينحدر عن جبينه، ثم قال:

إن شاء الله إما فوق ذاك أو قريب من ذاك، وإما دون ذاك " (3).

وعن السائب بن يزيد قال: " صحبت سعد بن أبي وقاص سنة، فما سمعته يحدث عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلا حديثا واحدا " (4).

وقال معاوية: " اتقوا الروايات عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلا ما كان يذكر فيها في زمن عمر، فإن عمر كان يخوف الناس في الله تعالى ".

وقال الشعبي: " جالست ابن عمر سنة، فما سمعته يحدث عن رسول الله " (5).

____________

1 - منتخب الكنز بهامش المسند: 4/64. وراجع معالم المدرستين: 2/46.

2 - ص 554.

3 - راجع أضواء على السنة المحمدية: 29. المحدث الفاصل: 549. مسند أحمد: 6/46. الكفاية: 255.

4 - المحدث الفاصل: ص 557، وقال عجاج: انظر سنن ابن ماجة: 1/12 وطبقات ابن سعد: 3/102 قسم 1.

5 - المحدث الفاصل: ص 551، قال عجاج: أخرجه ابن ماجة، انظر سنن ابن ماجة: ص 1/11 حديث 126. وسنن الدارمي: 1/84، والسنن الكبرى: ص 1/11.


الصفحة 200

 

وروي عن أبي بردة أنه كان يكتب حديث أبيه فرآه أبو موسى فمحاه.

وعنه قال: كتبت عن أبي كتبا كثيرة، فقال: ائتني بكتبك فأتيته بها فغسلها (1).

وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: " أدركت مائة وعشرين من أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يسأل أحدهم عن المسألة فيردها هذا إلى هذا وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول ".

وقال ابن أبي ليلى: " لقد أدركت في هذا المسجد عشرين ومائة من الأنصار وما منهم من أحد يحدِّث بحديث إلا وَدَّ أنَّ أخاه كفاه الحديث ولا يسأل عن فتيا إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا " (2).

قال ابن قتيبة: " وكان كثير من الصحابة وأهل الخاصة برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كأبي بكر والزبير وأبي عبيدة والعباس بن عبد المطلب يقلون الرواية عنه، بل كان بعضهم لا يكاد يروي شيئا كسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل... " (3).

وقال ابن القيم: " إن الصحابة كانوا يهابون الرواية عن رسول الله ويعظمونها ويقللونها - خوف الزيادة والنقص - ويحدثون بالشئ الذي سمعوه من النبي مرارا ولا يصرحون بالسماع ولا يقولون: قال رسول الله " (4).

وقال الحافظ ابن حجر: " قال ابن بطال وغيره: كان كثير من الصحابة لا يحدثون عن رسول الله خشية المزيد والنقصان " (5).

____________

1 - جامع بيان العلم: ص 81. تقييد العلم: ص 39.

2 - سنن الدرامي: 1/53. جامع بيان العلم: 2/163. تلبيس إبليس: 117. إعلام الموقعين: 1/34.

3 - راجع أضواء على السنة: ص 29.

4 - إعلام الموقعين: 4/128.

5 - فتح الباري: 6/28.

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة