الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة 151

 

المغازي، ويوما الشعر، ويوما أيام العرب، ولا رأيت عالما قطُّ جلس إليه إلا خضع له، وما رأيت سائلا قَطُّ سأله إلا وجد عنده علما " (1).

وهذا دليل على ما توصلنا إليه، فابن عباس حسب قول عبيدالله لا يفوقه أحد في العلم بحديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا أبوهريرة ولا ابن عمر ولا أنس، وقال ابن عباس عن نفسه: " حفظت السنة كلها " (2) فهل هذه الألف والستمائة حديث كل السنة؟! وتصور بربك إنه كان يجعل يوما للفقه ويوما للتأويل... فهل كان يقضي عشرات السنين بهذه الألف والستمائة والستين حديثا؟!! فكم يا ترى حصيلة ابن عباس من السنن؟ يقول محمد الأعظمي: " ومن الممكن تقدير مكتبته ولو على سبيل الظن والتخمين من قول موسى بن عقبة: " وضع عندنا كريب - مولى ابن عباس توفي 98 هـ‍ - حمل بعير، أو عدل بعير من كتب ابن عباس " (3).

وقال ابن حزم: " وقد جمع أبو بكر محمد بن موسى بن يعقوب بن أمير المؤمنين المأمون فتيا عبد الله بن العباس في عشرين كتابا " (4).

لقد بلغ ما كتبه ابن عباس عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حمل بعير ومع ذلك لم يصل إلينا منه إلا 1660 حديثا، فأين ذهب باقي حمل البعير هذا؟

وكل مسلم يعرف أن الصحاح الستة يمكن أن يحملها بعير (5) وفيها آلاف الأحاديث!!

____________

1 - التفسير والمفسرون: 1/66، وراجع إعلام الموقعين: 1/19.

2 - مجمع الزوائد 7/323.

3 - دراسات في الحديث النبوي: 1/116 نقلا عن ابن سعد: 5/216. تاريخ ابن خيثمة: 3/111.

4 - الإحكام: 5/869.

5 - نحن لا ننكر أن هناك فرقا بين كتب هذا العصر والكتب القديمة ولكن يبقى الإشكال قائما، إنه حمل بعير ياقوم!!


 

 


الصفحة 152

أحاديث زيد بن أرقم:

غزا زيد بن ارقم مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سبع عشرة غزوة (1) توفي سنة 68 هـ‍ (2).

وصل إلينا عن زيد 70 حديثا (3)!! أفنصدق أن زيدا الذي عاش مع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثلاثا وعشرين سنة، وبعده 58 سنة لم يحفظ إلا سبعين حديثا؟

قيل لزيد بن أرقم: حدثنا، فقال: " والله لقد كبرت سني وقدم عهدي ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم... " (4).

إنّ زيدا لا يتحدث بحجة أنه كبر ونسي والحديث صعب. وكلامه هذا يدل على أن عنده سننا ولكنه نسيها...!

فأين هذه السنن التي نسيها والتي يصعب التحدث بها؟!!

ومن يضمن لنا أن لا يكون زيد قد تفرد بأحاديث تشريعية نسيها فيما نسى أو استصعب نطقها؟ لا أحد.

ولكن الله (5) ضمن إيصال سنة نبيه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعباده كاملة، ولا يمكن أن يتركهما عند الصحابة، لأنه يعلم أنّ منهم من سينسى كزيد وأنس أو يستصعب نطقها... وهذا هو المطلوب.

 

أحاديث معاذ بن جبل:

معاذ بن جبل الخزرجي له في كتب السنن 155 حديثا (6). روي أن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شهد له بالعلم، حيث جعله أعلم أمته بالحلال والحرام (7).

____________

1 - الاستيعاب بهامش الإصابة.

2 - الإصابة: 3/21.

3 - أسماء الصحابة الرواة: ص 69.

4 - صحيح مسلم: كتاب فضائل، الصحابة باب من فضائل علي بن أبي طالب.

5 - أسماء الصحابة الرواة: ص 55.

6 - سنن الترمذي: كتاب المناقب، باب مناقب معاذ.


الصفحة 153

ولما خرج النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى حُنين استخلف معاذا على أهل مكة ليعلِّم الناس القرآن ويفقههم في الدين (1). واختاره الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليكون قاضيا على اليمن (2) وروي أنه كان يفتي على عهد رسول الله (3).

وكان عمر يقول: " من أراد الفقه فليأت معاذ بن جبل " (4).

ولما خرج معاذ إلى الشام قال عمر: " لقد أخلّ خروجه بالمدينة وأهلها في الفقه، وفيما كان يفقههم به " (5).

" وقد كان لمعاذ بن جبل رضي‌الله‌عنه نشاط علمي في كثير من أقطار الدولة الإسلامية، ففي أي بلد حلَّ اتخذ له مجلسا في مسجد يفقه الناس ويفتيهم ويعلمهم أمور دينهم " (6).

قال أبو مسلم الخولاني: " أتيت مسجد دمشق، فإذا حلقةٌ فيها كهول من أصحاب محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، وإذا شاب فيهم أكحل العين، براق الثنايا، كلما اختلفوا في شئ ردوه إلى الفتى، قال: قلت لجليس لي: من هذا؟ قال هذا معاذ بن جبل " (7).

بعد هذا، هل نصدق أن ما أخذه معاذ عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم 155 حديثا؟! من قال هذا فهو مزر بمعاذ، ومن قال إن عنده الكثير، قلنا له: أين هذا الكثير؟ وأين علم الحلال والحرام الذي احتمله معاذ؟

أليس من المؤسف أن تجدوا السنن التي أخذها معاذ عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والتي جعلت منه مفتي الصحابة وأعلم الأمة بالحلال والحرام: في صدر معاذ لا غير!

____________

1 - المستدرك: 3/270.

2 - سنن أبو داود: 3/203، سنن الترمذي: 3/616.

3 - سير أعلام النبلاء: 1/452.

4 - المصدر السابق.

5 - المصدر السابق.

6 - ثلة من الأولين، محمد أبو فارس: ص 277.

7 - صفة الصفوة: 1/490.


 

الصفحة 154

 

أحاديث أبي هريرة:

على الرغم من أننا أنكرنا على أبي هريرة تفرده بهذا الرقم من الأحاديث - 5374 - في أبحاث متقدمة إلا أننا سنقتصر في هذا البحث على قوله بأن عنده سننا لم يخرجها.

ورد عن أبي هريرة قوله: " أحفظ عن رسول الله وعاءين: فأما أحدهما فبثثته وأما الآخر لو بثثته لقطع هذا البلعوم ".

وفي المحدث الفاصل: " أنّ أبا هريرة حفظ عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خمسة جرب أحاديث، وقال: إني أخرجت منها جرابين، ولو أخرجت الثالث لرميتموني بالحجارة " (1).

اذا كان أبو هريرة يحفظ من الأحاديث خمسة جرب وأخرج منها جرابين فكانت 5374 حديثا فكيف لو أخرج الجرب الثلاثة الباقية؟!! بل قل: لماذا لم يخرجها؟ هل خاف أن يقطعوا بلعومه؟ ألم يكن هذا الصحابي الكبير قد عاش في خير القرون؟ فلماذا الخوف إذن؟!! وهل يأتمن الله على دينه من يخاف تبليغه؟!

إنَّ جرابين من جرب أبي هريرة، كان فيهما 5374 حديثا، ففي الجرب الثلاثة الباقية خفيت قرابة ثمانية آلاف حديث على أقل تقدير، وكلها بقيت مع أبي هريرة، وهذا العدد من الأحاديث نستطيع أن نعمل منه كتابين بعدد صحيحي البخاري ومسلم!!

____________

1 - المحدث الفاصل بين الراوي والواعي، الرامهرمزي: ص 556، وقال محمد عجاج الخطيب محقق الكتاب في الحاشية: " انظر نحوه في طبقات ابن سعد 4/57 قسم 2 و 2/118 قسم 2، وانظر فتح الباري 1/227، حلية الأولياء 1/381، البداية والنهاية 8/105، وتذكرة الحفاظ ص 1/34 ".


 

الصفحة 155

 

أحاديث أنس بن مالك:

يعدُّ أنس من المكثرين في الصحابة، له 2286 حديثا (1). عاش مع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثلاثا وعشرين سنة، أما كم حصل من الأحاديث في هذه المدة؟ فنتركها للقارئ اللبيب، ولكننا سنأخذ قول أنس التالي ونعلق عليه، قال: إنه ليمنعني أن أحدثكم حديثا كثيرا، أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: " من تعمد عليَّ كذبا فليتبوأ مقعده من النار " (2).

لنعد النظر في قول أنس: إنه ليمنعني أن أحدثكم حديثا كثيرا... فماذا يعني هذا؟

هل ما رواه أنس قليل وعنده الكثير غيره؟!

إنّ قول أنس ينطق بهذا المعنى.

فأين هذا الحديث الكثير الذي امتنع أنس عن التحدّث به؟! الجواب: ستجدونه في صدر أنس!

ولا بد أنه أضعاف ما جاء عنه لأن قول أنس السابق يجعل ما جاء عنه قليلا.

قال إبراهيم الشهاوي: " وكان رضي‌الله‌عنه - أي أنس - أعلم الصحابة بسنة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " (3) وعلى قول الشهاوي هذا فإن أنس أعلم من أبي هريرة، ولكن ماذا يساوي رقم 2286 أمام رقم 5374؟!!

____________

1 - أسماء الصحابة الرواة: ص 39.

2 - رواه مسلم: المقدمة، باب تغليظ الكذب على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، صحيح البخاري: كتاب العلم، باب إثم من كذب على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

3 - مصطلح الحديث.


الصفحة 156
 

أحاديث حسان بن ثابت:

هو الصحابي المعروف وشاعر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم. عاش مع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عشر سنين، فحفظ حديثا واحدا (1)!!

عاش حسان ستين سنة في الجاهلية وستين سنة في الإسلام. نعم، عاش بعد النبي خمسين سنة ولا ندري هل بقي خلال هذه الخمسين سنة يتحدّث بحديث واحد؟!!

أم أنه كان يحفظ الآلاف من الأحاديث كما يقرر العقل السليم؟ ولماذا يروي أحد الصحابة خلال سنتين 5374 حديثا ولا يروي حسان في عشر سنين إلاّ حديثا واحدا؟

فأين ذهبت أحاديثه؟! نحتاج لجواب.

 

أحاديث صهيب الرومي:

عن عمرو بن دينار عن صيفي بن صهيب قال: قلت لأبي صهيب: مالك لاتحدِّث عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كما يحدث أصحابك؟ قال: أي بنيّ قد سمعت كما سمعوا، ولكن يمنعني من الحديث أني سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: " مَن كذب عليَّ متعمدا... " (2).

وعن صُهيب قال: " صحبت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبل أن يُوحىَ إليه " (3).

مع أنّ صهيب صحب النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسمع منه وعاش بعده فترة طويلة. إلا انه لم يردنا عنه سوى ثلاثين حديثا (4)! فلماذا يمتنع صهيب عن رواية الحديث؟ وأليس في عدم تحدّثه بأحاديث سمعها تضييعٌ لهذه السنن؟!

____________

1 - أسماء الصحابة الرواة: ص 465.

2 - مستدرك الحاكم: 3/401. مجمع الزوائد: 4/131.

3 - كنز العمال: 13/439.

4 - أسماء الصحابة: ص 103.


 

الصفحة 157

 

أحاديث أبي أسيد الساعدي:

عن أبي أسيد الساعدي قال: " كنت أصغر أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأكثرهم منه سماعا " (1).

إذا كان أبو أسيد الساعدي أكثر أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سماعا فهو أكثر سماعا من عبد الله بن عمر وأنس وأبي هريرة، ولكن، ما وصل إلينا عنه أقل مما وصل إلينا عن هؤلاء بكثير. نعم، وصل إلينا عنه ثمانية وعشرون حديثا (2)!! فكم فقدنا من حديث هذا الصحابي يا ترى؟

 

من لم يرو شيئا من الصحابة:

1 - عبد الرحمن بن حنبل (3).

2 - ثمامة بن عدي من المهاجرين الأولين شهد بدرا (4) ولم يحفظ عنه حديث.

3 - زياد بن حنظلة التيمي " شهد مع علي المشاهد كلها " (5).

4 - تمام بن العباس: " ولا يحفظ له عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رواية من وجه ثابت " (6).

____________

1 - سنن البيهقي: 4/61.

2 - أسماء الصحابة الرواة: ص 106.

3 - الاستيعاب: 2/828.

4 - الإصابة: 1/202.

5 - الإصابة: 1/557.

6 - الإصابة: 1/186.


الصفحة 158

من روى حديثا واحدا:

1 - مهران مولى رسول الله (1).

2 - سهل بن حنيف: وهو من السابقين شهد المشاهد كلها توفي سنة 38 هـ‍ (2).

3 - ابن أبي عمارة المدني. قال المزني: له حديث واحد في المسح على الخفين (3).

4 - سعد بن عباد: له في مسند بقي بن مخلد حديث واحد (4).

5 - آبى اللحم الغفاري.

6 - أدرع السلمي.

7 - بشير بن جحاش القرشي.

8 - ربيعة بن عامر (5).

 

من روى حديثين:

1 - عبد الله بن حنظلة الغسيل (6).

2 - شرحبيل بن حسنة (7) أسلم قديما ومات سنة 18 هـ‍.

3 - حارثة بن النعمان: شهد بدرا والمشاهد كلها وأدرك خلافة معاوية (8).

إنّ هناك الكثير من الصحابة لم يرووا إلاّ حديثا واحدا أو اثنين.. وهذه عينات نتركها للقارئ اللبيب ليعمل حساباته!

____________

1 - الإصابة: 3/463.

2 - الإصابة: 3/139.

3 - تدريب الراوي: 2/396.

4 - الإصابة: 3/80.

5 - راجع هؤلاء في تدريب الراوي: 2/397، وأسماء الصحابة الرواة.

6 - الإصابة: 4/59، أسماء الصحابة الرواة: 197.

7 - الإصابة: 2/199.

8 - المصدر السابق: 1/312.


الصفحة 159

مائة واثنا عشر ألف صحابي لم يرووا شيئا!!!

قال الحافظ أبو زرعة الرازي: " توفي النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومن رآه وسمع منه زيادة على مائة ألف إنسان من رجل وامرأة وهذا لا تحديد فيه، وكيف يمكن الإطلاع على تحرير ذلك مع تفرق الصحابة في البلدان والبوادي والقرى ".

وقال: " قبض رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن مائة ألف وأربعة عشر ألفا من الصحابة ممن روى وسمع منه " (1).

قال العراقي: " وروى الساجي في المناقب بسند جيد عن أبي زرعة قال: قبض رسول الله والمسلمون ستون ألفا، ثلاثون ألفا بالمدينة وثلاثون ألفا في قبائل العرب وغير ذلك. قال: ومع هذا فجميع من صنف من الصحابة لم يبلغ مجموع ما في تصانيفهم عشرة آلاف مع كونهم يذكرون من توفي في حياته صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومن عاصره وأدركه صغيرا " (2).

وقال ابن حجر: " فجمعت كتابا كبيرا في ذلك - أي في إحصاء عدد الصحابة وتراجمهم - ميزت فيه الصحابة من غيرهم، ومع ذلك لم يحصل لنا من ذلك جميعا الوقوف على العشر من أسامي الصحابة " (3).

إنّ عدد الصحابة مائة وأربعة عشر ألف صحابي، وكلهم رأى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسمع منه كما يقول أبو زرعة، ولكن المعروف من هؤلاء أحد عشر ألف وستة وعشرون صحابيا كما في الإصابة، فهناك مائة وثلاثة آلاف صحابي (4) لا نعرف أسمائهم ولم يردنا عنهم خبر!!! وهذه والله النازلة الكبرى والمصيبة العظمى، فالصحابة المعروفون - وهم

____________

1 - تدريب الراوي: 2/220 و 221.

2 - نفس المصدر.

3 - الإصابة: 1/2.

4 - مع العلم أنّ هناك رأيا يذهب إلى أنّ عدد الصحابة مائة وعشرون ألفا!


 

الصفحة 160

 

الأحد عشر ألفا وستة وعشرون صحابيا - لم يرو إلا عن 1565 منهم (1). فالنتيجة النهائية تدلنا على أنّ هناك أكثر من مائة واثني عشر ألف صحابي لم يرو عنهم شئ!!!

إنّ الأحاديث الصحيحة التي في كتب السنن قد تبلغ أربعين ألف حديث - دون تكرار - وهذا يعني أن 1565 صحابيا رووا أربعين ألف حديثا!! فلو وصلت إلينا روايات هؤلاء المائة والاثني عشر ألف صحابي فكم سيصبح عندنا من الحديث؟!!!

ألا يحقُّ للمسلم أن يقوم ويقعد لهذه الطامة؟ ومهما عاند المعاندون فالحقيقة ستبقى قائمةً على أنّ أكثر السنن ضائعةٌ (2)، ومَن يقول عن الشمس التي في كبد السماء نهارا بأنها غائبةٌ فليراجع عقله!

 

خاتمة المطاف في أحاديث الصحابة

لقد أثبتنا بالأرقام والحروف، بما لا يدع مجالا للشك، أنّ كل صحابي يحفظ الآلاف من الأحاديث، ولكننا فقدنا الكثير منها. ولابد من التأكيد على أنّ كل صحابي عنده من السنن ماليس عند غيره، يقول الدكتور عبدالغني عبد الخالق: " ولقد تكون صحبة الواحد منهم له صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ساعة واحدة ويكون منفردا بها ويصدر في هذه الساعة ما لم يطّلع غيره أصلا، ولذلك وجب القول بأنّ كل فرد من الصحابة يحتمل انه قد حمل شيئا من السنة لم يحمله غيره " (3).

____________

1 - يرى الذهبي أنّ عدد الصحابة الرواة نحو ألف وخمس مئة نفس، وقد قام الدكتور أكرم ضياء العمري بتحقيق هذه المسألة في كتابه (بقي بن مخلد القرطبي) فبلغ عدد الصحابة الرواة 1565 صحابي، ذكر تحقيقه هذا سيد كسروي حسن في تحقيقه لكتاب: أسماء الصحابة الرواة: ص 10 - 11.

2 - لأنه يجب القول أنّ 110 آلاف صحابي عندهم من الحديث أضعاف ما عند الألف والخمسمائة وخمسة وستين صحابيا، الذين هم مجموع الرواة في كتب السنن، فتدبر.

3 - حجية السنة: ص 456.


 

الصفحة 161

 

ولا شك في أن هناك كثيرا مما لم يصل الينا من السنن التي تفرد بها الصحابة الأكثر اتصالا بالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كأبي بكر وعمر وعلي وعثمان (1) وابن مسعود، وسلمان الذي كان له مجلسٌ متميز من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

يقول ابن تيمية: " وقد كان النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يحدِّث، أو يفتي أو يقضي، أو يفعل الشئ، فيسمعه أو يراه من يكون حاضرا ويبلغه أولئك - أو بعضهم - لمن يبلغون فينتهي علم ذلك إلى من شاء الله من العلماء من الصحابة والتابعين ومِن بعدهم، ثم في مجلسٍ آخر قد يحدث أو يفتي، أو يقضي، أو يفعل شيئا، ويشهده بعض من كان غائبا عن ذلك المجلس ويبلغونه لمن أمكنهم فيكون عند هؤلاء من العلم ماليس عند هؤلاء، وعند هؤلاء ما ليس عند هؤلاء " (2).

وقال ابن سعد في طبقاته: " قال محمد بن عمر الأسلمي: إنما قلت الرواية عن الأكابر من أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأنهم ماتوا قبل أن يحتاج إليهم "!! وقال: " ومنهم من لم يحدث عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شيئا ولعله أكثر له صحبةً ومجالسة وسماعا من الذي حدّث عنه!! ولكنا حملنا الأمر في ذلك منهم على التوقي في الحديث... وعلى الاشتغال بالعبادة والأسفار في الجهاد في سبيل الله حتى مضوا فلم يحفظ عنهم عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شئٌ " (3).

تأمل أخي القارئ في هذه الشهادة؟ ألا تعني أنّ هناك صحابةٌ لم يرووا شيئا مع انهم أكثر سَماعاً وصحبةً ممن رووا عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم؟! وأليس هذا اعترافا منه بضياع السنن وإن لم يصرّح بذلك؟!

____________

1 - يقول محمد زهو في الحديث والمحدثون: ص 147 " الاشتغال بالخلافة والحروب عامةً عاقّ كثيرا من الصحابة عن تحمل الحديث وروايته كما في الخلفاء الأربعة وطلحة والزبير " فزهو يعترف أنّ عند هؤلاء سننا لم تصل إلينا!!

2 - رفع الملام.

3 - راجع حجية السنة: ص 150.


 

الصفحة 162

 

أما قوله " حملنا الأمر في ذلك منهم على التوقي في الحديث... وعلى الاشتغال بالعبادة والأسفار... " فهو يعني أنّ الله لم يختر الصحابة لتبليغ دينه لأنه (1) يعلم أنّ السفر والجهاد والاشتغال بالعبادة والتوقّي في الحديث سيمنعهم من الرواية!! وهذا ما لا يقبله المنطق السليم، فالله لا يقبل بهذا لأنَّ إبقاء السنن في صدورهم معناه إضعاف الإسلام وتعطيل مواده!

وهذه الأسباب التي ذكرها، ليست بمانع للرواية عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فالصحابة لم يكونوا منشغلين بالعبادة والأسفار في الجهاد مثل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومع ذلك استطاع الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يوصل الإسلام كاملا.

ويعترف رشيد رضا السلفي بضياع السنن حيث قال: " ونحن نجزم بأننا نسينا وأضعنا من حديث نبينا صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حظا عظيما!!!! لعدم كتابة علماء الصحابة كل ما سمعوه ولكن ليس منه ما هو بيان للقرآن أو من أمور الدين " (2).

لا أدري كيف علم رشيد رضا بأن هذه الأحاديث المنسية الضائعة ليست مما هو بيان للقرآن وأمور الدين وهي مفقودة؟! فإذا كان قد اطلع عليها فهي ليست ضائعة!

فقوله هذا مجرد ظن لا يعول عليه.. ولذلك فنحن نقبل شهادته ولا نقبل تأويله. وقال محمد محي الدين عبد الحميد: " فأما سنة رسول الله فلم تكتب، وليس فيهم - أي الصحابة - من يدعي حفظها جميعها ولا أكثرها، وكل واحد منهم قد فاته من قول الرسول أو فعله الشئ الكثير " (3).

وقول محيي الدين بأن كل صحابي قد فاته من سنة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الشئ الكثير، هو اعتراف ضمني بضياع السنن.

ويعترف أبو شهبة صاحب كتاب - دفاع عن السنة - بضياع السنة والأخبار،

____________

1 - ذكر قوله أبو رية في الأضواء: ص 50.

2 - من تقديمه لكتاب توضيح الأفكار، الصنعاني: ص 15.


 

الصفحة 163

 

فبعد ان ذكر أن أكثر الصحابة من الأعراب قال عنهم بأنهم: " حضروا حجة الوداع ثم رجعوا إلى البادية فلم يعلم عنهم خبرٌ وكثير منهم مات في حروب الردّة، وفي الفتوحات في عهد أبي بكر وعمر (1) وفي الطاعون العام كعمواس وغير ذلك، وكل هذا من أسباب خفاء الأسماء وضياع الأخبار!! " (2).

فتأمل عبارته " وضياع الأخبار "!! إنها تتضمن المعنى نفسه في قولنا: ضياع السنة، ولكن اللفظ مختلف!!

والآن بعد أن أثبتنا ضياع الكثير من السنة نأتي للسؤال التالي: هل حمل الله الصحابة سنة نبيه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لينقلوها لمن بعدهم؟!

أرى أنّ الجواب واضحٌ، فلو جعل الله الصحابة نقلة الدين، لكان عالما بتضييع سنة نبيه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - والعياذ بالله - لأن كثيرا من السنن سواءً كانت تشريعية، أو عقائدية أو أخلاقية قد بقيت في صدور اولئك المائة وعشرة آلاف صحابي، فكيف يمكن التصديق بأنّ الله (3) قد اختارهم لتبليغ دينه، وهو يعلم بذهاب السنن معهم وضياعها؟!! ولابد من القول أنّ الله قد اختار لتبليغ دينه بعد نبيه أُناسا قد حفظوا السنة ووعوها، لكي تنقل هذه السنة المدوّنة من شخص مختص بها إلى غيره، وهذه أضمن طريقةٍ لبقاء الإسلام.

ألا ترى أنّ الإسلام كان موجودا بوجود الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بحيث إذا ذهب تفرقت الأمة؟

أمّا القول: إن الله قد وزع دينه على 114 ألف صحابي ليبلغوه للناس - مع علمه بأنه لن يروى إلاّ عن 1565 منهم - فهو افتراءٌ باطل على الله عزوجل شأنه العظيم!

وينبغي - لقارئنا الكريم - أن يعرف: أنّ هذه السنن التي بقيت في صدور الصحابة، فيها المقيد والمخصص والناسخ والمفصل، وهذا مما يجعلنا أمام مشكلة كبرى، فمن يدري، بأننا ربما نمارس بعض الأحكام المقيدة أو المخصصة أو المنسوخة بالسنن التي

____________

1 - الوسيط في علوم مصطلح الحديث: ص 519.


 

الصفحة 164

 

ضاعت وبقيت في صدور الصحابة؟! مع العلم أنه لا يجوز العمل بالمطلق قبل الفحص عن مقيده ولا العام قبل الفحص عن مخصصه، وكذلك يتوقف العمل بالنص إذا احتمل وجود ناسخ، ولكن كيف يمكننا أن نعرف: أن الأحكام التي وصلتنا غير مقيدة أو مخصصة أو منسوخة، والسنة التي تبين هذه الأمور مفقودة؟!

إنّ في هذا المنهج - منهجُ أهل السنة والجماعة - ضياعا لكثير من الآثار النبويّة والتي لا يستغني عنها المسلم. فلو أن الله جعل هذا المنهج هو المعبِّر عن دينه لما سمح بضياع نصٍّ واحد، ومن هذا نعلم أن الله لم يختره، كما أن الله لم يقبض نبيه محمدا صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلا بعد أن أكمل الدين وبين كل ما يحتاجه الناس. ولو أن الله جعل الصحابة سفراءه في التبليغ لاستلزم ذلك إبقاءهم أحياء حتى يخرجوا كل ما عندهم من سنة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبذلك تُبرأ ذمتهم أمام الله والأجيال ثم يقبضهم الله إليه.

ولو افترضنا - أيضا - أن الله اختار الصحابة لينقلوا دينه للناس، للزم ذلك عدم موت هذا الجم الغفير منهم والذي يقدَّر ب‍ 114 ألف صحابي في عصر من العصور ويلزم ذلك، إذا سئل أحدهم عن أمرٍ مّا أن يجتمعوا من جميع أقطار الأرض ليتداولوا فيه ويطرحوا ما عندهم من سنن بخصوص المسألة المطروحة، ويبحثوا فيما إذا كان هناك مقيد أو مخصص أو ناسخ في تلك السنن وصولا الى الجواب المطلوب. وإلا لو سئل أحدهم وأجاب حالا فلربما يقع في الخطأ وذلك لاحتمال وجود الناسخ أو المقيد أو المخصص مع صحابي آخر.

لكل هذا نقول: يجب على من يخلف النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مهمته أن يكون على علم تامّ بالسنة النبوية وعلومها، وأن يتمَّ تداول هذا العلم بين خلفاء النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتى قيام الساعة. هذا ما يفرضه العقل والشرع.


 

الصفحة 165

 

ضياع السنّة في عهد التابعين

لقد تم فقدان الكثير من السنة في عهد التابعين، إضافة الى مافقد منها في عهد الصحابة. وفي الصفحات التالية نقدم الأدلة التي تؤكد ذلك وبالتفصيل.

 

أبو قلابة عبد الله بن زيد البصري (1):

" كتب أحاديث كثيرة، وجمع ثروة علمية لا تقدر، وكان يقول: الكتاب أحب إلي من النسيان ".

وأوصى أبو قلابة بكتبه فقال: " ادفعوا كتبي إلى أيوب إن كان حيا وإلا فاحرقوها (2)!! فجئ بها عدل راحلة من الشام " (3).

إنّ كتب ابن قلابة تعدل راحلة، فهل وصلت إلينا مضامين كتبه؟! أعتقد أنه لم يصل إلينا منها إلا القليل، وفقدها خير دليل على ذلك!

 

ذكوان أبو صالح السمان:

قال الأعمش " كتبت عن أبي صالح ألف حديث " (4) وكانت لدى سهيل بن أبي صالح صحيفة عن أبيه، وللأسف، لم يخرج البخاري منها شيئا (5)، وإذا كان مسلم قد أخرج منهاماهو مثبت في صحيحه، فإنه لم يستوعبها كلها. فياترى أين نجد الألف حديث التي كتبها الأعمش عن أبي صالح؟ فما وردنا عن الأعمش قليل بالنسبة لألف حديث!

____________

1 - ما سنكتبه هنا قد اعتمدنا فيه على كتاب: دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه للدكتور الأعظمي، بالإضافة إلى ما وجدناه من خلال بحثنا.

2 - انظروا كيف يفعل أمناء الإسلام بسنن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم!

3 - الكفاية: ص 351 - 352. تذكرة الحفاظ 1/94، الرامهرمزي: ص 51. الأعظمي: 1/144.

4 - الأعظمي: 1/147.

5 - المصدر السابق. الموضوعات، ابن الجوزي.


الصفحة 166

الشعبي:

هو من كبار التابعين ورد عنه قوله: " ولقد نسيت من العلم ما لو حفظه أحد لكان به عالما!! " (1).

إن الشعبي قد نسي من الحديث ما لو حفظه أحدٌ لكان عالما، وأقل عالم في ذلك الزمان كان يحفظ عشرة آلاف حديث، فهذا يعني أنّ الشعبي نسي الآلاف من الأحاديث!!

وزد على ذلك أن ما كان يحفظه الشعبي قد اندرس قسمٌ كبير منه. فلقد كانت للشعبي كتب عدة، منها: كتاب الجراحات، كتاب الصدقات، الفرائض، كتاب في الطلاق وله مجموعة فقهية من الأحاديث (2) " ولا ندري عن هذه المجموعة الفقهية شيئا " (3) فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة!!

 

عبيدة بن عمرو السلماني المرادي:

من فقهاء الكوفة كانت عنده كتب كثيرة، فدعا بها عند موته فمحاها، وقال:

أخشى أن يليها أحدٌ بعدي فيضعوها في غير موضعها (4).

هذا تابعيٌّ محا كتبه التي جمع فيها السنة، وهذا محو للسنة!

 

عروة بن الزبير بن العوام:

من كبار التابعين جمع أحاديث عائشة في حياتها " ويبدو أنه جمع كمية كبيرة من الكتب، وأحرق إما بعضها أو كلها، تحت مؤثرات شتى، وكان يتألم بعد ذلك على ما

____________

1 - تذكرة الحفاظ: ص 84. الأعظمي: 1/152.

2 - راجع كتاب الأعظمي: 1/153. الكفاية: ص 264.

3 - الأعظمي: 1/153.

4 - الأعظمي: 1/156 - 157. ابن سعد: 6/630. العلل: 1/43. تاريخ بن أبي خيثمة.


الصفحة 167

 

فعل " (1).

روى معمر عن هشام بن عروة، قال: أحرق أبي يوم الحرة كتب فقه كانت له، قال: فكان يقول بعد ذلك: لأن تكون عندي أحب إلي من أن يكون لي مثل أهلي ومالي " (2). هكذا تذهب أحكام الإسلام التشريعية. ونحن نتألَّم على ضياع كتب الفقه هذه كعروة، لكن الفرق أنه فقدها بإرادته أما نحن فمن ضحايا التاريخ.

 

أبو بكر بن حزم الأنصاري:

تابعي فقيه قال مالك عنه: " لم يكن أحد بالمدينة عنده من علم القضاء ما عند أبي بكر بن حزم... وقد أوصاه عمر أن يكتب له ما عند خالته عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية وما عند القاسم بن محمد بن أبي بكر ولم ينقل إلينا شئ عن الذي انجزه أبو بكر ابن حزم، ولعله ضاع فيما ضاع من ثروتنا عبر القرون " (3)!!

وقد أرسل ابن حزم الأنصاري الى عمر بن عبد العزيز كتبا " ويبدو انه لم يحتفظ بنسخة من كتبه، لأنه عندما سئل ابنه عن مصير تلك الكتب قال: ضاعت " (4).

وهكذا تضيع مواد الإسلام، ولا أدري هل جعل الله سنة نبيه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عرضةً للضياع أم إنه حفظها عند من يقدّر قيمتها؟

____________

1 - الأعظمي: 1/158.

2 - المصدر السابق: ص 158. ابن سعد: 5/133. رجال ابن اسحاق: ص 41.

الرامهرمزي: 35.

3 - لمحات في اصول الحديث، محمد أديب صالح: ص 67 - 68 ويعترف الاستاذ محمد أديب صالح بأن هناك ثروة حديثية ضاعت، فتدبر!

4 - التهذيب: 12/39. الأعظمي: 1/169.


الصفحة 168

الحسن البصري:

من مشاهير التابعين، وكان عند الحسن كتب (1) لكنه للأسف أحرقها. قال سهل بن حصين بن مسلم الباهلي: " بعثت إلى عبد الله بن الحسن بن أبي الحسن ابعث إلي بكتب أبيك، فبعث إلي: انه لما ثقل، قال: اجمعها لي، فجمعتها له، وما ندري ما يصنع بها، فأتيته بها، فقال للخادم: استجري التنور، ثم أمر بها، فأحرقت غير صحيفة واحدة، فبعث بها إلي... " (2).

فليتأمل العقلاء كيف تحرق السنن وتندرس. ومن المؤكد أنّ لدى الحسن سننا كثيرة لم تصل إلينا. قال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس: " اختلفت إلى الحسن عشر سنين، أو شاء الله، فليس من يوم إلا أسمع منه ما لم أسمع من قبل ذلك " (3).

لو سمع الربيع من الحسن كل يوم حديثا واحدا على مدار عشر سنين لبلغ ما عند الحسن 3650 حديثا، ولكن لم يصل إلينا عن الحسن ربع هذا الرقم!!!

 

سفيان بن عيينة:

كتب الحديث وهو ابن خمس عشرة سنة. قال العجلي: " كان حديث ابن عيينة نحوا من سبعة آلاف " (4) قال يونس بن عبد الأعلى: " كتبت عن سفيان كثيرا ".

هذا سفيان بن عيينة عنده سبعة آلاف حديث وما روي عنه لا يساوي شيئا بالنسبة لهذا الرقم!!!

____________

1 - الأعظمي: 1/173.

2 - ابن سعد: 7/1: 127.

3 - مصطلح الحديث، الشهاوي: ص 201.

4 - تاريخ بغداد: 9/179.


 

الصفحة 169

 

يحيى بن أبي كثير اليماني:

أحد الأئمة الأثبات الثقات المكثرين، رأى أنسا ولم يسمع منه (1).

قال الأوزاعي: " جالست يحيى بن أبي كثير، وكتبت عنه أربعة عشر كتابا أو ثلاثة عشر، فاحترق كله "!! أي احترقت السنة!!

 

عبد الملك بن جريج:

حضر في مجلس عطاء سبع عشرة سنة (2) " ولقد كتب كثيرا جدا من الأحاديث النبوية، كما ألف كتبا عديدة حتى إنه لما قدم على أبي جعفر، قال له: جمعت حديث ابن عباس ما لم يجمعه أحد " (3).

" أما عن عدد مؤلفاته ونوعيتها وأسمائها فلا نعلم عنها شيئا بالتفصيل... ويذكر ابن النديم أن له من الكتب (4):

1 - كتاب السنن.

2 - كتاب الحج أو كتاب المناسك.

3 - كتابا في التفسير.

4 - كتاب الجامع.

وقد فقدت هذه الكتب التي تحمل سنة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم! وصرح الأعظمي أنّ ابن جريج كتب أحاديثا كثيرة جدا مع أنّ الذي وصل إلينا عنه قليلٌ قياسا لما ورد من حفظه للحديث وجمعه لحديث ابن عباس بما يعدل حمل بعير!!

____________

1 - الأعظمي: 1/321. هدي الساري، ابن حجر: 2/223.

2 - تاريخ بغداد: 10/401 - 402.

3 - الأعظمي: 1/286. تاريخ بغداد: 10/400.

4 - الفهرست: ص 266.


الصفحة 170

 

كثير بن مرة الحضري:

ذكر الدكتور محمد عجاج الخطيب أنّ عبد العزيز والد عمر بن عبد العزيز كتب إلى كثير بن مرة الحضري عالم حمص وكان قد أدرك بحمص سبعين بدريا من أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كتب له أن يكتب إليه ما سمع من أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم...

قال عجاج: " إلا أن المصادر لم تخبرنا عن امتثال كثير بن مرة للأمير. فنقف أمام هذا الخبر التاريخي متسائلين: ترى هل كتب كثير للأمير ما طلب منه من حديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم؟ وإذا كتب إليه فما مقدار ما كتبه، وعن أي الصحابة كتب إليه؟ ثم إلى مَن آلت تلك الصحف أو الدفاتر المدوَّنة؟ كل هذه أسئلة تعرض أمامنا، وتحتاج إلى بحث وتنقيب، وريثما يكشف لنا التاريخ عن خبايا تراثنا العظيم!! نجيب عن هذه الأسئلة على ضوء ما لدينا من أخبار قليلة.

إن ما نعرفه من عناية هؤلاء بالحديث يرجح عندنا أن يستجيب كثير بن مرة لطلب الأمير ولو ظن الأمير عبد العزيز امتناع عالم حمص عن إجابته ما كتب إليه، مما يرجح عندي أنّ كثيرا تلقى رسالة الأمير وأجابه إلى طلبه، لما عرف عن كثير من نشاط علمي عظيم... " (1).

ولكن ما هو مصير هذا النشاط العلمي العظيم وما كتبه للأمير؟!

 

عبد الرحمن الأوزاعي:

من أئمة المذاهب الفقهية، ألف كتبا عديدة " ولم يبق منها شئ إلا الاقتباسات في الكتب " (2).

وقد كتب الأوزاعي عن المحدث يحيى بن أبي كثير أربعة عشر كتابا أو ثلاثة عشر

____________

1 - السنة قبل التدوين: ص 374.

2 - الأعظمي: 1/278.


الصفحة 171

 

فاحترقت كلها (1)!! و " أجاب الأوزاعي في سبعين ألف مسألة " وفي رواية أنه أفتى في ثمانين ألف مسألة. وقال أبو زرعة أنه " روي عنه ستون ألف مسألة " (2).

" وكان يعتمد في فتاويه على ما لديه من أخبار وآثار " " قال الهقل بن زياد:

وسئل الأوزاعي يوما عن مسألة فقال: ليس عندي فيها خبر، إن التي أفتيتها كلها كان عندي أخبارها " (3)!!

وقد تتبع عبد الله الجبّوري ما روي عن الأوزاعي فوجد له في البخاري 40 حديثا ومسلم 51 وابن ماجة 73 والنسائي 50 وأبي داود 40 والترمذي 40. فيكون مجموع ماجاءنا عن الأوزاعي - بعد غض النظر عن المكرر - 294 حديثا!!

إنّ الأوزاعي لا يفتي إلا بخبر مروي كما مر، وقد أجاب في ثمانين ألف مسألة، وروي له في كتب السنن 294 حديثا فهذا يعني أننا فقدنا عشرات الآلاف من الأخبار التي كانت عند الأوزاعي!! وضع علامات تعجب ولا حرج!!

فماذا سيقول المعاندون عن هذه الرزية؟ وهل تبقى لأحدٍ عين يرفعها في وجه الحقيقة؟ فالرواية ثابتة على أن الأوزاعي أجاب في ثمانين ألف مسألة والأوزاعي نفسه يقول: " التي أفتيتها كان عندي أخبارها "، فهل يبقى جواب إلا التسليم لهذه الحقيقة؟!

وهناك عدة كتب للأوزاعي مفقودةٌ، يقول الجبّوري: " منها: ماوقع للأوزاعي من العوالي... أما كتابه الأول - أي العوالي - فيبدو أنه في الحديث كما يظهر من اسمه " (4) ولكن أين هو؟!!

____________

1 - انظر الإمام الأوزاعي، عبد الله الجبوري عن سير أعلام النبلاء وتهذيب التهذيب.

2 - المصدر السابق: ص 42 - 43، عن تذكرة الحفاظ: 1/179. تهذيب التهذيب: 2/240 و 242.

والبداية والنهاية: 10/116.

3 - المصدر السابق: ص 43 عن ابن عساكر ج 10، وكتب صدقة بن عبد الله السمين عن الأوزاعي ألفا وخمسمائة حديث " الميزان 2/310 - 311.

4 - الإمام الأوزاعي: ص 82 - 83.


 

الصفحة 172

 

خاتمة المطاف في أحاديث التابعين:

أولا لابد من التنويه الى أننا أخذنا قسما من شخصيات التابعين، ولو طاوعنا القلم لأتينا على مجلد كبير. ولكن السؤال هنا: من هو المسؤول عن ضياع هذه الكتب والسنن؟!

أعتقد أنّ الجواب يكون في أحد أمرين: إما أنّ الله هو المسؤول إذ جعل سنته عند هؤلاء بين الحرق والمحو والضياع، وحاشا لله من هذا القول الباطل، وإما أن نقول أنّ الله لم يخترهم وهو الصحيح وإلا لاتهمنا الله بالظلم والتفريط في سنة نبيه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم. إنَّ فعل التابعين من حرق السنن (1) ومحوها هو دليلٌ على أنهم لم يكونوا يرون أنفسهم أوصياء على الدين.

لقد كان الله يعلم أنه لو ترك السنة بيد التابعين فانها ستذهب بين الحرق والمحو والاندراس لذلك نحن نقول: إنَّ الله قد جعل السنة بعد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عند شخصٍ يخلفه وهو يقوم ببيان الدين وإذا مات أعطى السنة المدونة لمن بعده، وهكذا حتى قيام الساعة، وهي أضمن طريقة لحفظ السنة بدلا من أن تترك بين الحرق والمحو...

ضياع السنة بعد التابعين

إنّ السنة التي تعرضت للحرق والمحو والاندراس في عهد الصحابة والتابعين، كذا كان حظها في عهد المحدثين. وفي هذه الصفحات سيقف المرء مذهولا أمام عدد الأحاديث التي فقدت في هذا العهد.

____________

1 - قال الدكتور عجاج الخطيب في اصول الحديث: ص 204: " ومن الجدير بالذكر أنه كان لعبدالله بن لهيعة (174 هـ‍) محدِّث الديار المصرية كتب كثيرة، احترقت!!! سنة " 169 هـ‍ " وكانت كتبه صحيحة " عن تذكرة الحفاظ: 1/220 ومع أنّ ابن لهيعة والأوزاعي ليسا من التابعين لكنني رأيت أنه لا بأس من أن أجعلهما في هذا البحث.


 

الصفحة 173

 

في البدء يحسن بنا أن نعرف عدد الأحاديث الصحيحة الموجودة في كتب السنن، ثم نتابع بحثنا. روى البخاري في صحيحه 4000 حديث دون المكرر. وروى مسلم نفس العدد. واتفق الشيخان على ألفي حديث ومائتين، فيصبح مجموع الصحيحين 5800 حديثا (1). وروى ابن ماجة 4341 حديثا. أخرج أصحاب الصحاح الخمسة من أحاديث ابن ماجة 3002 " ثلاثة آلاف حديث وحديثين " فيبقى ما انفرد به 1339 حديثا، وروى أبو داود 4000 حديث. وروى مالك في موطئه 700 حديث، وفي مسند أحمد 30 ألف حديث. وهناك صحيح ابن خزيمة لكن أكثره عدم! وأضف لهذه الكتب سنن الترمذي والنسائي ومستدرك الحاكم... واحذف غير الصحيح والمكرر فتبلغ الأحاديث الصحيحة قرابة أربعين ألف حديث.

ولكن ماذا يساوي هذا الرقم الذي وصل إلينا من الأحاديث أمام ما كان يحفظه منها المحدثون؟

كان البخاري يحفظ مائة الف حديث صحيح خرج منها في صحيحه 8000 حديث بالمكرر. وردَ عنه قوله: " أحفظُ مائة ألف حديث صحيح "، " وما تركت من الصحاح أكثر " (2).

إذا كان عند البخاري مائة ألف حديث صحيح ولم يخرج منها إلاّ 8000 حديث، فهذا يعني أننا خسرنا 92 ألف حديث صحيح!!! وهو رقم يفوق رقم عدد الأحاديث الصحيحة الموجودة الآن بكثير: ولو قلنا إنَّ البخاري يحفظ أربعين ألف حديث صحيح وهي الموجودة في كتب السنن فيبقى الاشكال قائما ومعناه أننا خسرنا 52 ألف حديث صحيح كان يحفظها البخاري.

أما أبو زرعة الرازي فقال فيه الحافظ أبو بكر محمد بن عمر الرازي: " لم يكن في

____________

1 - الحديث والمحدثون، محمد زهو: ص 453.

2 - كل الكتب التي تحدثت عن البخاري.


 

الصفحة 174

 

هذه الأمة أحفظ من أبي زرعة، وكان يحفظ سبعمائة ألف حديث، وكان يحفظ مائة وأربعين ألفا في التفسير والقراءات " (1).

وقال الحافظ يحيى بن منده: " وبلغني بإسناد هو لي مسموع أنَّ أبا زرعة قال: أنا أحفظ ستمائة ألف حديث صحيح، وأربعة عشر ألف إسنادٍ في التفسير والقراءات... " (2).

إنَّ عدد الأحاديث الصحيحة عند المحدثين سبعمائة ألف حديث وهو الرقم الذي كان يحفظه أبو زرعة ويؤيده ما صح عن أحمد بن حنبل أنه قال: " صح من الحديث سبعمائة ألف وكسر " (3).

فأين ذهبت هذه السبعمائة ألف حديث التي حفظها أبو زرعة وأشار لها أحمد بن حنبل؟!!

إنَّ الموجود الآن كما قلنا أربعون ألف حديث صحيح. وهذا يعني أننا خسرنا قرابة 600 ألف حديث صحيح!!!. حقيقة: يطول وقوف الباحثين حيارى عندها. أين ذهبت هذه الآلاف المؤلفة من الأنوار النبوية؟

إنّ لدى المحدثين 700 ألف حديث صحيح والموجود الآن أربعون ألفا! ألا يعني هذا أنّ أكثر من ثلثي السنة قد اندرس؟! فهل سنقر بهذه الحقيقة التي تنطق بها النصوص؟ (4)

____________

1 - راجع " أبو زرعة الرازي "، الدكتور سعدي الهاشمي: 1/207 عن تهذيب الكمال.

2 - المصدر السابق، وراجع تاريخ ابن كثير: 11/37.

3 - تدريب الراوي: 1/50. تهذيب التهذيب: 7/30.

4 - إنّ كل محدث كان يحفظ الآلاف من الأحاديث، فقد كان عند مسلم صاحب الصحيح ثلاثمائة الف حديث مسموعة. طبقات الحفاظ: 2/151. وكتب أحمد بن الفرات ألف ألف وخمسمائة ألف حديث.

خلاصة التهذيب: ص 9. وكان إسحاق بن راهويه يحفظ أكثر من مئة ألف حديث. الحديث والمحدثون: ص 351. وقال يحيى بن معين: " كتبت بيدي ألف ألف حديث " تدريب الراوي: ص 50.

وغيرهم الكثير.


الصفحة 175

 

وقد يعاند البعض ويقول إنَّ عدد الأحاديث الصحيحة الموجودة الآن أكثر من أربعين ألف.

فلنفترض أنها أكثر، ولتكن خمسين (1) أو ستين ألفا فماذا يغير هذا من القضية، إنّ النتيجة ستبقى كما هي، وهي ضياع القسم الأكبر من السنة.

وقد أقر أبو زرعة الرازي بأنّ حديث النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يُحصى، فقد سئل: أليس يقال إن حديث النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أربعة آلاف حديث؟ فقال: " ومن قال ذا؟! " قلقل الله أنيابه!! " هذا قول الزنادقة، ومن يحصي حديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم؟ " (2).

 

تسعة وثلاثون موطأ مفقود!!!

فيما سبق كنا نتحدث عما وسعته صدور المحدثين، وهم فضلا عما حملوا من الحديث فقد دوَّنوه في كتبهم، فممن دوَّن الحديث في كتب خاصة: الأوزاعي، والثوري، وحماد بن سلمه، ومعمر بن راشد، والربيع بن صبيح، وهشيم بن شبير السلمي الواسطي، وجرير بن عبد الحميد، وعبد الله بن مبارك، ومالك بن أنس، وفضلا عن هؤلاء فقد " تلاهم كثيرون من أهل عصرهم في النَسج على منوالهم، ومن ثَمَّ نجد أنه ما في مصرٍ من الأمصار الإسلامية إلا وقد جُمع الأحاديث فيه إمام أو أئمة... والأثر الباقي من كتب هذا القرن - الثاني الهجري - هو الموطأ " (3).

لقد ذكر أبو شهبة عشرة أسماء ممن دونوا الحديث وقال: تلاهم كثيرون في النسج على منوالهم. وذكر الدكتور نور الدين عتر: إنّ عدد الموطآت في هذا العهد أربعون موطأ (4) ولكن الأثر الباقي كما يقول أبو شهبة هو موطأ مالك!!

____________

1 - ذهب السيوطي إلى أن الأحاديث الصحيحة وغير الصحيحة لاتبلغ - دون تكرار - خمسين ألفا!، تدريب الراوي: 1/100.

2 - الإصابة: 1/3. توضيح الأفكار، الصنعاني: ص 43.

3 - راجع الوسيط في علوم الحديث: ص 67.

4 - راجع كتابه: في علوم الحديث: ص 59.

 
الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة