الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة 76

السياسة أوجدت المذاهب

بالقراءة المتأنيّة للتاريخ نجد أنّ السياسة هي التي أوجدت المذاهب الأربعة وحاربت كل من تمذهب بغيرها. ولو عملت السياسة بالمذاهب الأخرى مثلما عملت بالمذاهب الأربعة لكانت موجودة الآن يتعبّد بها الناس ولا يرضون بغيرها بدلا.

فمعتنقوها خلقوا فوجدوا هذه المذاهب في مجتمعاتهم وتبنوها، هذا كل ما في الأمر، وليس في هذا دليل على وجوب اتباعها.

يقول المقريزي: " استمرت ولاية القضاة الأربعة من سنة 566 هـ‍ حتى لم يبق في مجموع أمصار الإسلام مذهب يعرف من مذاهب الإسلام غير هذه الأربعة، وعودي من تمذهب بغيرها، وأفتى فقهاؤهم في هذه الأمصار بوجوب اتباع هذه المذاهب وتحريم ما عداها، والعمل على هذا إلى اليوم، وأعلن الظاهر بيبرس سد باب الاجتهاد، ومازال أمر بيبرس نافذا بالرغم من زوال ملكه " (1).

قال عبد المتعال الصعيدي: " وإني أستطيع أن أحكم هنا بأنّ منع الاجتهاد قد حصل بطرق ظالمة، وبوسائل القهر والإغراء بالمال، ولا شك أنّ هذه الوسائل لو قدرت لغير المذاهب الأربعة التي نقلدها الآن لبقي لها جمهورٌ يقلدها أيضا، ولكانت الآن مقبولةً عند من ينكرها " (2).

 

قيل في الأئمة الأربعة

وهؤلاء الأئمة تكلموا في بعضهم البعض، وانتقدهم العلماء في مختلف العصور، من ذلك: ما أخرجه الخطيب بالإسناد إلى وكيع، قال: اجتمع سفيان الثوري وشريك

____________

1 - الخطط المقريزية: 2/333. وقد ذهب السيد سابق الى أن للحكام دورا كبيرا في ايجاد هذه المذاهب، راجع: فقه السنة: 1/14.

2 - ميدان الاجتهاد: ص 14.


 

الصفحة 77

 

والحسن بن صالح وابن أبي ليلى، فبعثوا إلى أبي حنيفة، قال: فأتاهم، فقالوا له: ما تقول في رجل قتل أباه، ونكح أمه، وشرب الخمر في رأس أبيه؟ فقال: مؤمن، فقال له ابن أبي ليلى: لا قبلت لك شهادة ابدا، وقال له سفيان الثوري: لا كلمتك ابدا، وقال له شريك:

لو كان لي من الأمر شئ لضربت عنقك وقال له الحسن بن صالح: وجهي من وجهك حرام أن أنظر إلى وجهك ابدا... وعندما سمع بوفاته سفيان الثوري قال: الحمد لله الذي أراح المسلمين منه " (1).

وعن الوليد بن مسلم قال: قال لي مالك بن أنس: أيذكر أبو حنيفة ببلدكم؟ قلت:

نعم، قال: ماينبغي لبلدكم أن يسكن! (2) وقد رد على أبي حنيفة مايقرب من خمسة وثلاثين إماما، منهم: أيوب السجستاني، جرير بن حازم، حماد بن سلمة، أبو عوانة، مالك بن أنس، جعفر بن محمد، والأوزاعي، وعبد الله بن مبارك، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وابن أبي ليلى... " (3).

" وكان الأوزاعي يقول: إنا لاننقم على أبي حنيفة أنه رأى، كلنا يرى، ولكننا ننقم عليه أنه يجيئه الحديث عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيخالفه إلى غيره " (4).

وأخرج الخطيب البغدادي عن أبي صالح القراء، قال: سمعت يوسف بن أسباط يقول: رد أبو حنيفة على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أربعمائة حديث أو أكثر.

قال: وقال أبو حنيفة لو أدركني النبي وأدركته لأخذ بكثير من قولي، وهل الدين إلا الرأي الحسن " (5).

____________

1 - تاريخ بغداد: 13/374.

2 - العلل ومعرفة الرجال: أحمد بن حنبل 2/547، تحقيق وتخريج وصى الله عباس، وصحح اسناده.

3 - تاريخ بغداد: 13/369 - 370.

4 - تأويل مختلف الحديث، ابن قتيبة: ص 52.

5 - راجع هذه الأخبار وغيرها الكثير في تاريخ بغداد: 13/369 - 424.

* * *


الصفحة 78

   وعن سفيان قال: " استتاب أصحاب أبي حنيفة أبا حنيفة مرتين أو ثلاثا " وكان سفيان شديد القول في الإرجاء والرد عليهم (1).

يقول ابن عبد البر: " وممن طعن عليه وجرحه محمد بن إسماعيل البخاري، فقال في كتابه الضعفاء والمتروكين: أبو حنيفة النعماني بن ثابت الكوفي، قال نعيم بن حماد:

حدثنا يحيى بن سعيد ومعاذ بن معاذ سمعنا سفيان الثوري يقول: استتيب أبو حنيفة من الكفر مرتين، وقال نعيم الفزاري: كنت عند سفيان بن عيينة، فجاء نعي أبي حنيفة، فقال: كان يهدم الإسلام عروة عروة، وما ولد في الإسلام مولودٌ شر منه. هذا ما ذكره البخاري " (2).

وقال الألباني: " إنّ الإمام رحمه‌الله - يقصد أبا حنيفة - قد ضعّفه من جهة حفظه:

البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن عدي، وغيرهم من أئمة الحديث " ثم ذكر أقوالهم (3).

ولم يُسلَم أبو حنيفة من التكفير في هذا العصر، فقد كفّره زعيم السلفية في مصر حامد الفقهي (4).

أما الإمام مالك بن أنس، فقال فيه ابن عبد البر: " وقد تكلم ابن أبي ذوءيب في مالك بن أنس بكلام فيه جفاء وخشونة كرهت ذكره وهو مشهور عنه، قال إنكارا منه لقول مالك في حديث البيّعين بالخيار، وكان إبراهيم بن سعد يتكلم وكان ابراهيم بن يحيى يدعو عليه، وتكلم في مالك أيضا - فيما ذكره الساجي في كتاب العلل - عبد العزيز ابن أبي سلمة وعبد الرحمن بن زيد بن اسلم وابن اسحاق وابن أبي يحيى وابن أبي الزناد، وعابوا أشياء من مذهبه، وتكلم فيه غيرهم لتركه الرواية عن سعد بن إبراهيم، وروايته

____________

1 - العلل ومعرفة الرجال، وصححه وصي الله عباس: 3/239.

2 - الانتقاء: ص 150.

3 - سلسلة الأحاديث الضعيفة: 1/465 عند حديث رقم: 458.

4 - راجع سر تأخر العرب والمسلمين، محمد الغزالي: ص 53 - 54.


 

الصفحة 79

 

عن داود بن الحصين وثور بن زيد.

وتحامل عليه الشافعي وبعض أصحاب أبي حنيفة في شئ من رأيه حسدا لموضع إمامته، وعابه قوم في إنكاره المسح على الخفين في الحضر والسفر، وفي كلامه في علي وعثمان، وفي فتياه بإتيان النساء في الأعجاز... " (1).

وفي تاريخ بغداد: " أنّ جماعةٌ من أهل العلم عابوا مالكاً بإطلاق لسانه في قوم معروفين بالصلاح والديانة والصدق والأمانة " (2).

أما الشافعي فقد تكلم فيه يحيى بن معين - إمام الجرح والتعديل - فقال عنه:

" ليس بثقة " (3).

قال ابن عبد البر: " وقد صح عن ابن معين من طرق أنه كان يتكلم في الشافعي " (4).

 

الأئمة الأربعة والسنة الشريفة

كما أنه بتتبع آراء الأئمة نجد أنهم خالفوا السنة، كطلاق الثلاث بلفظ واحد، فقد عدّه الأئمة الأربعة ثلاث طلقات خلافاً لسنة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، (5) وجمع المحقق ابن دقيق العيد المسائل التي خالف مذهب كل واحد من الأئمة الأربعة الحديث الصحيح فيها انفرادا واجتماعا، في مجلد ضخم (6).

وقد ذكر الألباني خمسا وخمسين مسألة خالف بها الأئمة والفقهاء السنة

____________

1 - جامع بيان العلم: 2/1115.

2 - ترجمة ابن إسحاق من تاريخ بغداد.

3 - جامع بيان العلم: 2/1114.

4 - المصدر السابق: ص 394.

5 - صحيح مسلم: كتاب الطلاق، باب طلاق الثلاث.

6 - راجع صفة صلاة النبي، الألباني: ص 37.


 

الصفحة 80

 

الصحيحة. وقال ابن حزم عن الأحاديث التي خالفها الأئمة والفقهاء: " لو تتبعها المتتبع لربما بلغت الألوف " (2).

وقال الليث بن سعد: " أحصيت على مالك بن أنس سبعين مسألة كلها مخالفة لسنة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مما قال فيها برأيه " (2).

وقد يقال: إنّ الأئمة خالفوا السنة لأنها لم تصلهم. نعم وهذا احتمال واردٌ، ولكن ما ذنبنا نحن؟! هل نقلدهم ونخالف السنة لأن السنة لم تصلهم؟! فالذي يظهر لي أننا أمام خيارين: أن نقلدهم ونخالف السنة، أو أن نترك تقليدهم لنتبع السنة، والثاني هو الصحيح، لأن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أولى بالإتّباع من الأئمة الأربعة، ومن قال غير ذلك فنسأل الله له السلامة!

 

الخلاصة

بعد ما مضى، نخلص إلى القول بأنَّ هذا المنهج ليس هو المنظومة الإلهية التي يريد الله لنا أن نتبعها، لكثرة الثغرات والجوانب السلبية فيها (3)، فلا دليل على هذا المنهج ورموز هذا المنهج أموات، ولا نستطيع ترجيح مذهب على آخر. كما أنّ هؤلاء الأئمة كثيرا ما يختلفون ويتعثرون في آرائهم ويخالفون السنة ولو بدون قصد، فضلا عن هذا كله فقد نهوا الناس عن تقليدهم، كل هذا يجعلنا ننتقل نقلةً لا رجعة فيها لنرى الأطروحة الثانية فربما نجد بغيتنا.

يقول الزمخشري المفسر المعروف:

____________

1 - الحديث حجة بنفسه في العقائد والأحكام، الألباني: ص 58.

2 - جامع بيان العلم: 2/1080.

3 - ومع أننا انتهينا من مدرسة الأشاعرة وإشكالاتها إلا أنّ هناك إشكالات اخرى ترد عليها سنعرض لها - في الباب الثاني. ولا داعي لتشخيصها بل يدركها قارئنا اللبيب بنفسه.


 

الصفحة 81

 

إذا سألوا عن مذهبي لم أبح به
 

 

وأكتمه كتمانه لي أسلم
 

فإن حنفياً قلت قالوا بأنَّني
 

 

أبيح الطلا وهو الشراب المحرم
 

وإن مالكياً قلت قالوا بأنَّني
 

 

أبيح لهم أكل الكلاب وهم هم
 

وإن شافعياً قلت قالوا بأنَّني
 

 

أبيح نكاح البنت والبنت تحرم
 

وإن حنبلياً قلت قالوا بأنَّني
 

 

ثقيل حلولي بغيض مجسِّم (1)
 

____________

1 - ترجمة الزمخشري المطبوعة بالجزء الرابع من الكشاف: 310.


 

الصفحة 82

 

الباب الثاني

مدرسة السلفية

 

الفصل الأول

اشكالات في الطريق


الصفحة 83

 

 


الصفحة 84

سؤال وجواب

نبدأ بسؤال هذا الفريق: ما الدليل على وجوب اتباع منهج السلف - الصحابة والتابعين - في فهم الكتاب والسنة؟ وهل أمرنا الله ورسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم باتباع منهجهم؟

سيقولون: إنّ سلفنا الصالح الذين شهد الله ورسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لهم بالأفضلية على غيرهم أفضل مَنْ فَهِمَ الإسلام. قال الله تعالى محذرا من مخالفة سبيل السلف ( وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ) (1).

وسبيل المؤمنين في هذه الآية سبيل الصحابة. وقال الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: " ستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة في الجنة، قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي ". وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: " تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما فلن تضلوا أبدا: كتاب الله وسنتي ".

لكل هذا نحن نقتفي أثر السلف ونأخذ من الكتاب والسنة مباشرةً ولا نخرج عن ظواهرهما كما كانوا يفعلون.

بعد ذكر أدلة هذا الفريق، فلننظر في هذه الأطروحة بموضوعية حتى نجد ضالتنا المنشودة والله الموفق.

الكتاب والسنّة

الكتاب والسنة مرجعا المسلمين بلا خلاف، ولكننا نلاحظ أنّ هناك كثيرا من الأمور المستجدة لا نجد لها حكما صريحا فيهما يحدّد الموقف العملي الذي أراده الشرع.

____________

1 - النساء: 115.


 

الصفحة 85

 

ونحن كما اتّفقنا نريد مبيٍّنا أمينا للشرع بياناً كاملا يساير الأحداث المستجدة ويقوم بيانه على الجزم واليقين. فأين هذا المبين؟ أهم السلف من الصحابة والتابعين ومن يتلونهم في كل جيل؟

إذن فحتى يتضح الجواب فلنر هل كان السلف قادرين على الجواب عن كل المسائل التي كانت تعرض عليهم؟

نبدأ بابن عمر الذي يعتبر من علماء الصحابة. قال عتبة بن مسلم: " صحبت ابن عمر أربعة وثلاثين شهرا فكان كثيرا ما يسأل فيقول: لا أدري " وسئل الشعبي عن مسألة فقال: لا أدري (1). وسئل مسروق عن مسألة فقال: لا أدري.

وروى عبد الرحمن بن مهدي شيخ علماء البصرة في زمانه - وكان يحضر مجلس مالك - إنّ رجلا سأل مالكا عن مسألة وذكر أنه قادم من مسيرة أربعة أشهر من المغرب لكي يسمع إجابته، فقال له الإمام: أخبر الذي أرسلك أن لا علم لي بها. فقال: ومن يعلمها؟ قال: من علمه الله، وسأله رجل من أهل المغرب عن مسألة كلفه بها أهل بلده فأجابه الإمام: ما أدري، ما ابتلينا بهذه المسألة في بلدنا. وما سمعنا أحدا من أشياخنا تكلم فيها... " (2).

قال ابن وهب: لو شئت أن أملأ ألواحي من قول مالك: " لاأدري " لفعلت (3).

ونقل الخطيب البغدادي: " أن رجلا سأل أحمد بن حنبل عن مسألة في الحلال والحرام. فقال له أحمد: سل عافاك الله غيرنا. قال: إنما نريد جوابك يا أبا عبد الله. قال:

سل عافاك الله غيرنا، سل الفقهاء، سل أبا ثور " (4).

وقال رجل لأحمد بن حنبل: " إني حلفت ولا أدري كيف حلفت، قال: ليتك إذ

____________

1 - إعلام الموقعين: 4/218 و 257. وراجع سنن الدارمي: 1/52.

2 - الإمام مالك بن أنس، مصطفى الشكعة: ص 96 عن ترتيب المدارك: ص 159.

3 - سير أعلام النبلاء: 8/108.

4 - تاريخ بغداد: 2/66.


الصفحة 86
 

دريت كيف حلفت دريت أنا كيف أفتيك " (1) وقال أبو داود: " سمعت أحمد وسئل عن مسألة، فقال: دعنا من هذه المسائل المحدثة!! وما أحصي ما سمعت أحمد سئل عن كثير مما فيه الاختلاف من العلم، فيقول: لا أدري ".

" وجاءه رجل يسأل عن شئ، فقال: لا اجيبك في شئ ".

" وقال عبد الله: كنت أسمع أبي - أي ابن حنبل - كثيرا يسأل عن المسائل فيقول:

لا أدري (2).. ويقف إذا كانت مسألة فيها اختلاف، وكثيرا ما كان يقول: سل غيري " (3).

وبهذا نرى أنّ السلف أنفسهم واجهوا هذا الإشكال، فهذا الإمام أحمد وهو إمام هذا المنهج لم يسعفه الكتاب والسنة وحدهما في الإجابة على سؤال الرجل.

فكيف يستطيع أتباع هذا المنهج مَن هم أقل علما من أحمد بن حنبل أن يجيبوا على المستجدات؟!!

وهذا الإشكال الذي نحن بصدده قد تمثل واقعيا عند أتباع هذا المنهج فضلا عن إمامهم، فقد توقفوا في حكم التلغراف لأنه لا يوجد له حكم في الكتاب والسنة! وبهذا لو نظر أعداء الإسلام للإسلام من خلال هذا المنهج، لا تّهموا الإسلام بالقصور والنقص وعدم مسايرة الأحداث المستجدة، إنّ الله يقول: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ) (4).

فإذا كان هذا هو المنهج الصحيح الذي يمثل الإسلام فلم التوقف في الإجابة عن كثير من الأحكام بعد أن أكمل الله الدين وأتم النعمة؟!! فهذه ثغرة كبيرةٌ في هذا المنهج ولا

____________

1 - تلبيس إبليس، ابن الجوزي: ص 118.

2 - إذا كان كبار أئمة السلف مثل ابن عمر والشعبي ومالك وأحمد لا يدرون، فهلا قال لنا السلفية من الذي يدري؟!

3 - إعلام الموقعين: 4/206 و 1/33.

4 - المائدة: 3.


الصفحة 87
 

يمكن أن تكون في منهج سماوي أراد الله له البقاء.

ولا يعقل أن يجعل الله حملة دينه قاصرين عن جواب أسئلة الناس، كأحمد بن حنبل الذي لم يجب ذلك الرجل، ولو فعل الله ذلك لكان قاصدا تحيير الناس وتعجيزهم وكتمان دينه عنهم، والعياذ بالله.

قلت لصديق لي: أتقول إنّ الله قد أكمل الدين وأتمّ النعمة؟

قال: نعم. قلت: فهل كان يعلم أن هناك حوادث مستجدة لاحكم لها في الكتاب والسنة؟ قال: نعم.

قلت: فجعل للناس دليلا يرجعون إليه لمعرفة تلك الأحكام، أم لم يفعل؟

قال: نعم، يوجد، فهناك الإجماع والقياس وغيرهما، والعلماء في كل عصر.

فقلت: ومن أين أتت هذه المصادر، وهل شرعها الإسلام؟

قال: استطاع العلماء أن يستنبطوها من الكتاب والسنة وقد أشار إليها الكتاب والسنة بإشارات.

فقلت: هل أنزل الله دينا ناقصا واستعان بهؤلاء على إتمامه؟ أم هم شركاء للرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في رسالته، أم قصر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في التبليغ فكمل هؤلاء قصوره؟! وإذا كانت هذه المصادر هي الدليل للمستجدات فلماذا لم يوضحها الله للناس على لسان رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيقول لهم: هذه مجموعة مصادر التشريع للحوادث المستجدة، وبذلك يرتفع الخلاف بين المسلمين في جواز اعتماد هذه المصادر أو عدمه.

فأهل الظاهر ينكرون القياس والمصالح المرسلة وكذا الشافعية والمالكية، وهذا الشافعي ينكر الاستحسان واشتهر عنه قوله: " من استحسن فقد شرع " (1) وهكذا بقية الأدلة فهي محل خلاف بين أهل السنة أنفسهم فكيف يرتضي الله أدلة ستكون محل خلاف بين أبناء المذهب الواحد؟!! فضلا عن هذا كله: هل خفيت هذه الأدلة على الله وعلى

____________

1 - راجع كتب الاصول، مبحث الاستحسان.


الصفحة 88

 

رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأتى العلماء واكتشفوها؟!! أم تراهم كانوا مقصرين في بيانها ليدب الخلاف بين العلماء وتختلف أحكام الشريعة؟!

 

القرآن حمّال أوجه

إنّ القرآن الكريم حمال أوجه، وفيه المحكم والمتشابه، والمطلق والمقيد، والناسخ والمنسوخ، والكتاب والسنة صامتان لا يقومان بنفسهما ولابد لهما من مبيٍّن يعرف جميع علومهما حتى تكون أقواله هي مراد الله في أيّ مسألة. ولا يقال إنّ السلف والعلماء قد فهموا القرآن حق فهمه، فلو كان هذا صحيحا لما اختلف المفسرون في تفاسيرهم ولا الفقهاء في فقههم (1). وبالرجوع إلى سيرة السلف نرى أنه أشكلت عليهم بعض آيات الأحكام ففي قوله تعالى: ( يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّـهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ ) (2).

قال الشعبي: " سئل أبو بكر عن الكلالة؟ فقال: إني سأقول فيها برأيي، فإن كان صوابا فمن الله وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان، أراه ما خلا الولد والوالد،... " (3).

وعن معدان بن أبي طلحة قال: " إنّ عمر بن الخطاب خطب يوم جمعة فذكر نبي الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وذكر أبا بكر ثم قال: إني لا أدع بعدي شيئا أهم عندي من الكلالة ما راجعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في شئ ما راجعته في الكلالة وما أغلظ لي في شئ ما أغلظ لي فيه.

حتى طعن بإصبعه في صدري، وقال: " يا عمر ألا يكفيك آية الصيف التي في آخر سورة

____________

1 - فمثلا: اختلف الفقهاء في المقصود من كلمة القرء في قوله تعالى: * ( وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ) * البقرة: 228، فذهب بعضهم إلى أنه الحيض وذهب آخرون إلى أنه الطهر.

2 - النساء: 176.

3 - سنن الدارمي: 2/365.


 

الصفحة 89

 

النساء " (1) - آية الكلالة - (2).

وعن عمر أنه قال: " لإن أكون أعلم الكلالة أحبّ إليَّ من أن يكون لي مثل قصور الشام " (3).

لقد بين الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم معنى الكلالة وبينها الله في القرآن حيث قال في آخر الآية:

( يُبَيِّنُ اللَّـهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا ) (4).

نعم، مع هذا البيان إلا أنها بقيت مبهمةً عند الشيخين.

والسلفية يقولون: إنّ أبا بكر وعمر كانا أعلم السلف بعد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، ولكن إذا كانا كذلك ولم يعرفا معنى الكلالة - المبينة - فكيف يقال: إنّ السلف - الذين هم أقل علما من الشيخين - مبينو القرآن؟!

 

اختلاف السلف في الفقه

والقول بأن السلف اتبعوا هذا الطريق فيه نظر، فالسلف من الصحابة والتابعين اختلفوا وعارض بعضهم بعضا، فأبو بكر كان لا يرى التفرقة في العطاء، بينما كان عمر يرى التفرقة.

- وكان عمر وعثمان وابن الزبير وغيرهم يرون حرمة نكاح المتعة، أما أبو بكر وعلي وابن عباس وجابر الأنصاري فلم يروا ذلك (5).

- وأبو بكر كان لا يرى توريث الأنبياء عليهم‌السلام، أما فاطمة وعلي والحسن والحسين عليهم‌السلام فكانوا يرون توريثهم.

____________

1 - سمّيت آية الصيف لأنها نزلت في الصيف.

2 - صحيح مسلم - كتاب الفرائض، باب ميراث الكلالة.

3 - تفسير الطبري: 6/30.

4 - النساء: 176.

5 - هذا أمر ثابت عنهم وذكر هذا الاختلاف ابن حزم في محلاه وسنثبت ذلك قريبا.


الصفحة 90

- وابن عمر كان يرى انه لا يجوز الخروج على الحاكم وإن كان جائرا، بينما كان الحسين عليه‌السلام يرى الخروج عليه، ومعاوية كان يرى الخروج على الحاكم العادل.

- واختلف الصحابة في عدّة الحامل المتوفى عنها زوجها، فقال عمر وابن مسعود:

تعتد بوضع الحمل. وقال علي وابن عباس (1): تعتد بأبعد الأجلين (2).

وخالف ابن مسعود عمر في مئة مسألة (3).

هذا غيض من فيض اختلافات الصحابة في فهم الإسلام. فإذا كان جميع الصحابة حملة الدين إلينا ويجب علينا أن نفهم الإسلام كما فهموه، فعن أي صحابي نأخذ وقد اختلفوا في امور حدثت أمامهم.

فبرأي من نأخذ في نكاح المتعة مثلا؟ برأي ابن الزبير، أم برأي ابن عباس؟!

وبقول من نأخذ في توريث الأنبياء عليهم‌السلام، بقول علي وفاطمة عليهما‌السلام، أم بقول أبي بكر؟!

وهكذا الكثير من الاختلافات، حتى أصبح لكل صحابي مذهبٌ يخالف غيره من الصحابة كمذهب ابن عباس ومذهب ابن مسعود... الخ.

فإذا كان الله يريد لنا أن نفهم الإسلام كما فهمه الصحابة فارادته أمرٌ باتباع الشئ ونقيضه في آنٍ واحد. كأن نقتدي بابن الزبير وعمر ونحرم نكاح المتعة، وفي نفس الوقت نقتدي بابن عباس ونحلل المتعة!! فهل رأيت أعجب من هذا؟! فأمر الله لنا باتباع الصحابة هو أمرٌ بالمتناقضين وإننا لنُنزِّه رب العزة عن هذا التناقض، سبحانك اللهم استغفرك وأتوب إليك.

يقول ابن حزم: " فمن المحال أن يأمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم باتباع كل قائل من الصحابة (4) وفيهم من يحلل الشئ وغيره منهم يحرمه، ولو كان ذلك لكان بيع الخمر حلالا اقتداء بسمرة بن جندب! ولكان أكل البرد للصائم حلالا اقتداء بأبي طلحة،

____________

1 - إعلام الموقعين: 4/219.

2 - القول المفيد: ص 23. وهناك اختلافات كثيرة بين السلف فمن أرادها فعليه بمراجعة فقه السلف، وقد جمع فقههم محمد رواس قلعة جي في عدة موسوعات.


الصفحة 91

 

وحراما اقتداء بغيره منهم!... ولكان بيع الثمر قبل ظهور الطيب فيها حلالا اقتداء بعمر، حراما اقتداء بغيره منهم، وكل هذا مروي عندنا بالأسانيد الصحيحة... فكيف يجوز تقليد قوم يخطئون ويصيبون "؟!!...

وإذا كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يخبر أنّ أصحابه يخطئون في فتياهم، فكيف يسوغ لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقول: أنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يأمر باتباعهم فيما قد خطأهم فيه؟

وكيف يأمر بالاقتداء بهم في أقوال قد نهاهم عن القول بها؟ وكيف يوجب إتّباع من يخطئ!! ولا ينسب مثل هذا إلى النبي إلاّ فاسق أو جاهل، لا بد من إلحاق إحدى الصفتين به، وفي هذا هدم الديانة، وإيجاب اتباع الباطل وتحريم الشئ وتحليله في وقت واحد، وهذا خارج عن المعقول، وكذب على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، ومن كذب عليه ولج في النار، نعوذ بالله من ذلك " (1).

ولكي نعطي هذه الإشكالية حقّها من البحث نأخذ مثالين من اختلافات الصحابة لنرى هل يمكنهم نقل دين الله للأجيال بصورة سليمة كما يريد الله؟

صيغ التشهدات:

التشهد عمل كان يمارسه النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كل يوم خمس مرات وقد علَّمه النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للصحابة وسمعوه منه مراراً وتكرارا.

قال محمود أبو ريّة عن اختلاف صيغ التشهدات بين الصحابة:

" تشهد ابن مسعود: في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال: علمني رسول الله التشهد وكفي بكفه كما يعلمني السورة من القرآن: التحيات لله والصلوات الطيبات.

السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.

أشهد أن لا إله إلا الله، واشهد أن محمدا عبده ورسوله.

تشهد ابن عباس: روى مسلم وأصحاب السنن عن ابن عباس، كذلك روى

____________

1 - الإحكام في اصول الأحكام: 6/244 - 250، باختصار.


 

الصفحة 92

 

الشافعي في الأم، قال: كان رسول الله يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن، فيقول قولوا: التحيات الصلوات الطيبات لله... الخ تشهد عمر بن الخطاب: روى مالك في الموطأ عن ابن شهاب عن عروة ابن الزبير عن عبد الرحمن بن عبدالقاري أنّه سمع عمر بن الخطاب وهو على المنبر يقول: التحيات الزاكيات لله، الطيبات الصلوات لله.

ورواية السرخسي في المبسوط: التحيات الناميات الزاكيات المباركات الطيبات لله.

تشهد أبي موسى الأشعري: روى مسلم وأبو داود أنّ التشهد عند أبي موسى:

التحيات الطيبات والصلوات والملك لله.

وقد ذكر أبو رية تسع صيغ للتشهدات (1) وقال بعد ذلك: " هذه تشهدات تسع، وردت عن الصحابة وقد اختلفت الفاظها، ولو أنها من الأحاديث القولية التي رويت بمعنى لقلنا، عسى! ولكنها من الأعمال المتواترة التي كان يؤديها الصحابة مرات كثيرة كل يوم، وهم يعدون بعشرات الألوف. ومما يلفت النظر أنّ كل صحابي تشهد: إنّ الرسول كان يعلمهم التشهد كما يعلمهم القرآن. وأنّ تشهد عمر بن الخطاب قد ألقاه من فوق منبر رسول الله والصحابة جميعا يسمعون، فلم ينكر عليه أحد منهم ما قال. كما ذكر مالك في الموطأ " (2).

نحن نعلم أنّ التشهد الذي أنزل من عند الله بصيغة واحدة، ونعلم أنّ الصلاة عمود الدين، إذا صلحت صلح سائر عمل الإنسان وإذا فسدت فسد سائر عمله، وهي أول ما يحاسب عليها المرء يوم القيامة. فهل هذه التشهدات التي ذكرت أتى التشريع الإسلامي بها جميعا؟!!

الجواب: لا، بل الإسلام جاء بصيغة تشهد موحدة، وهكذا سائر التشريعات.

____________

1 - أضواء على السنة المحمدية، ونحن اكتفينا بأربع كمثال، وقد وجدنا فيما اخترناه كفاية.

2 - المصدر السابق.


 

الصفحة 93

 

بعد هذا نقول: إنّ التشهد كان يمارسه الصحابة كل يوم خمس مرات والرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم علمهم إياه كما يعلمهم القرآن، فإذا لم يحسنوا أن ينقلوا إلينا شيئا كان يمارسه النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كل يوم خمس مرات، فما بالك بالأمور التي تحدث بالسنة مرة أو أكثر كالحج والصوم والتي ترك التفصيل فيها للسنة؟!!

" إنّ الجيل المعاصر للرسول لم يكن يملك تصورات واضحة محددة حتى في مجال القضايا الدينية التي كان يمارسها النبي مئات المرات " (1) ونرى الصحابة ينقلون التشهد بمعناه، والمحققون متفقون أنّ الرواية بالمعنى لا تصح فيما يتعبد فيه وصيغ التشهدات مما يتعبد فيها كما هو معلوم، والصلاة توقيفيّه لا يجوز استبدال كلماتها أو تغيير معناها لأنّ ذلك من مبطلاتها.

يقول ابن الصلاح عن طريقة الصحابة في الرواية: " كثيرا ما كانوا ينقلون معنى واحدا في أمر واحد بألفاظ مختلفة وما ذلك إلا لأن معولهم كان المعنى دون اللفظ " (2).

يروي الصحابة بالمعنى حسب ما فهموا، ويأتي التابعون ويروون عن الصحابة حسبما فهموا، وهكذا تابعي التابعين، ففي كل طبقة تتغير ألفاظ الحديث وهذا النوع من الرواية قد يفقد الحديث المقصود الشرعي منه، فالضمة والفتحة والكسرة تغير معنى الكلمة فكيف بتغيير كلمة كاملة؟!! نعم، إنّ فيه ضررا كبيرا.

يقول الجزائري: " بعد البحث والتتبع يتبين أنّ كثيرا ممن روى بالمعنى قد قصّر في الأداء، ولذلك قال بعضهم: ينبغي سد باب الرواية قديماً وحديثاً لئلا يتسلط مَن لا يُحسن من يظن أنه يحسن، كما وقع لكثير من الرواة قديما، وقد نشأ عن الرواية بالمعنى ضررٌ عظيم حتى عُدَّ من جملة أسباب اختلاف الأمة " (3).

____________

1 - بحث حول الولاية، الشهيد محمد باقر الصدر: ص 47.

2 - مقدمة ابن الصلاح: ص 90.

3 - توجيه النظر: ص 237.


الصفحة 94

 

نعم، إن الصحابي قد يفهم من الحديث شيئا غير المقصود الشرعي منه وينقله حسب فهمه له ويستقر في الأذهان ويؤخذ على أنه حكم شرعي يتعبد به وهو عبارةٌ عن فهم الصحابي للحديث.

عن عدي بن حاتم رضي‌الله‌عنه، قال: " لما نزلت: ( حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ) عمدت إلى عقال أسود وإلى عقال أبيض فجعلتهما تحت وسادتي، فجعلت أنظر في الليل فلا يستبين لي، فغدوت على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فذكرت له ذلك فقال: " إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار " (1).

فهذا مثال واحدٌ يدل على أنّ الصحابة لم يكونوا يفهمون المقصود الشرعي للآيات كما ينبغي، وفي هذا من الخطر على مقاصد الإسلام ما لا تُحمَد عقباه. فهذا الصحابي لو لم يُراجع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في معنى الآية لعلم الناس ما فهمه منها وينتشر بين الناس، وربما يصل لنا فهم عدي بن حاتم للآية!

فالسلف الصالح قد لا يصيبون المقصود الشرعي من النص فكيف تريدون لنا أن نفهم الإسلام كفهمهم؟!! وكيف يختارهم الله جميعا ليوصلوا الإسلام للناس وهو يعلم أنهم ربما ينقلون حديثا في العقائد والتشريع بمعناه الذي فهموه وهو ليس المقصود الشرعي منه؟! أليست هذه مشكلة المشاكل أمامنا؟ فالواقع يفرض أن يكون الذي يخلف النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حمل الدعوة للناس على علم تام بجميع مقاصد الشريعة من كتاب وسنة بحيث يؤديها كما سمع.

يقول الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: " نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها ثم بلغها عني فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه " (2). يقول ابن كثير: " ومنع الرواية طائفة آخرون من المحدثين والفقهاء والأصوليين، وشددوا في ذلك أكثر التشديد

____________

1 - صحيح البخاري كتاب الصيام، باب قول الله تعالى: * ( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ) *. سنن الدارمي: 2/5 - 6. [البقرة: 187]

2 - سنن ابن ماجة: 1/باب 18، سنن أبي داود: كتاب العلم، باب فضل نشر العلم.


 

الصفحة 95

 

وكان ينبغي أن يكون هذا هو الواقع لكن لم يتفق ذلك " (1). نعم، ما كان الله ليترك دينه لفهم الصحابة له، وإلا لتغيرت مضامين الإسلام، فلابد من القول أن الله اختار ثُلَّةٌ من السلف الصالح عندهم القدرةُ على فهم الإسلام وقد عبؤا تعبئةٌ فكرية وروحية تؤهلهم لبيان الدين كما أنزله الله.

فكون السلف اتبعوا هذا المنهج ويلزمنا إتّباعه أمرٌ تجب إعادة النظر فيه، فالمفروض أن يؤخذ الإسلام عن فئة معينة من السلف الصالح لها نهج واحد لا تناقض في أقوالها وعندها المقدرة على فهم المقصود الشرعي من النص، أما أن نأخذ الإسلام عن آلاف الصحابة فهذا أمر مرفوض ببديهة العقل، ولو ألزمنا أنفسنا بذلك لوجب علينا فهم الإسلام بأكثر من سبعين مفهوما، وهو عدد مذاهب الصحابة.

ونضع بين يديك أخي المسلم مثالا آخر من اختلافات الصحابة ولك الحكم.

تكبيرة الجنازة:

لقد صلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صلاة الجنازة عشرات المرات وشاهده الصحابة وسمعوه وهو يصلّيها ومع ذلك لا يحسنون نقلها بالصورة الصحيحة كما صلاها النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

أخرج الطحّاوي عن إبراهيم قال: " قبض رسول الله والناس مختلفون في التكبير على الجنازة لا تشاء أن تسمع رجلا يقول: سمعت رسول الله يكبر خمسا، وآخرٌ يقول:

سمعت رسول الله يكبر أربعا، فما اختلفوا في ذلك حتى قبض أبو بكر، فلما ولى عمر رأى اختلاف الناس في ذلك فشقَّ عليه جدا. فأرسل إلى رجال من أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: إنكم معاشر أصحاب رسول الله متى تختلفون على الناس يختلفون من بعدكم، ومتى تجتمعون على أمر يجتمع الناس عليه، فانظروا ما تجتمعون عليه. فكأنما أيقظهم، فقالوا: نعم ما رأيت يا أمير المؤمنين " (2).

____________

1 - الباعث الحثيث: ص 165 - 166.

2 - عمدة القاري: 4/129. كنز العمال: 15/712.


 

الصفحة 96

 

يقول الشوكاني: " والحق أنه - أي قول الصحابي - ليس بحجة، فإن الله تعالى لم يبعث إلى هذه الأمة إلا نبيا واحدا محمدا صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، وليس لنا إلا رسول واحد، وكتاب واحد، وجميع الأمة مأمور باتباع كتابه وسنة نبيه ولا فرق بين الصحابة ومن بعدهم في ذلك. فكلهم مكلفون التكاليف الشرعية واتباع الكتاب والسنة، فمن قال أنه تقوم الحجة في دين الله (1) بغير كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وما يرجع إليهما فقد قال في دين الله بما لا يثبت، وأثبت في هذه الشريعة الإسلامية شرعا لم يأمر الله به وهذا أمر عظيم وتَقَوّلٌ بالغ، إعرف هذا واحرص عليه، فإن الله لم يجعل إليك وإلى سائر هذه الأمة رسولا إلاّ محمدا صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولم يأمر باتباع غيره ولا شرعَ لك على لسان سواه من امته حرفا واحدا ولا جعل شيئا من الحجة عليك في قول غيره كائنا من كان " (2).

 

اختلاف السلف في العقيدة

ومن اختلافات السلفية: قول ابن تيمية بفناء النار، ويقول: " إن في المسألة نزاعا بين التابعين " ووافقه ابن القيّم وخالفهما عددٌ من العلماء ومنهم الألباني.

وأثبت ابن تيمية الجهة لله، قال: " فثبت أنه في الجهة على التقديرين " (3)، وخالف الطحاوي ابن تيمية، إذ يقول عن الله " لا تحويه الجهات " (4).

وأثبت ابن تيمية الحد لله، وكفّر منكره (5)، وخالفه من قبل أحمد بن حنبل، فقد ورد قوله: " والله لم يلحقه تغيير ولا تبديل ولا تلحقه الحدود " (6) وخالف الذهبي والألباني ابن تيمية في هذه المسألة.

____________

1 - إرشاد الفحول في تحقيق الحق في علم الاصول: ص 214.

2 - منهاج السنة: 1/264.

3 - العقيدة الطحاوية.

4 - التأسيس: 1/445.

5 - طبقات الحنابلة 2/297.


 

الصفحة 97

 

وأثبت ابن تيمية الجسمية لله تعالى، قال: " ولم يذم من السلف بأ نه مجسم، ولا ذم المجسمة (1)... وليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله ولا قول أحد من سلف الأمة وأئمتها إنه ليس مجسم " (2) ونفى الجسمية أحمد بن حنبل من قبل.

هذا مع أنّ العلماء كفّروا المجسمة ومنهم: النووي في شرح المهذب (3) والحصني في كفاية الأخيار (4).

وكان البخاري ومسلم وأبو ثور مخالفين لأحمد بن حنبل في مسألة من مسائل العقيدة هي: مسألة اللفظ في القرآن هل هو مخلوق أم لا؟

فأحمد بن حنبل يرى أن من قال " لفظي بالقرآن مخلوق، فهو مبتدع " (5).

والبخاري ومن وافقه يرون أن اللفظ مخلوق (6) وهذا الخلاف بين أهل الحديث أنفسهم.

يقول ابن تيمية: " وكان أهل الحديث قد افترقوا في ذلك... حصل بذلك نوعٌ من الفرقة والاختلاف " (7).

ولذلك فكون السلف اتبعوا هذا المنهج ويلزمنا اتباعه أمر لايؤخذ به، فالاسلام يجب أن يؤخذ عن فئة من السلف الصالح لها نهج واحد في العقيدة والشريعة، أمّا أن نأخذه عن آلاف الصحابة فهذا مدعاةٌ للاختلاف وهو السبب في انقسام الأمّة واختلافها في مذاهب ومتاهات.

____________

1 - التأسيس في رد أساس التقديس: 1/100.

2 - التأسيس في رد أساس التقديس: ص 101.

3 - 4/254.

4 - 2/125، وراجع التنبيه والرد على معتقد قدم العالم والحد، السقاف الشافعي: ص 16.

5 - الانتقاء، ابن عبد البر: ص 106 ترجمة الكرابيسي.

6 - سير أعلام النُبلاء: 2/572، وراجع كتاب البشارة والإتحاف فيما بين ابن تيمية والألباني من الاختلاف للسقاف، ومقدمته على كتاب دفع شبهة التشبيه لابن الجوزي.

7 - شرح اصول اعتقاد أهل السنة، اللالكائي 1/349، تحقيق أحمد سعد حمدان.


 

الصفحة 98

 

أئمة السلف والتأويل

ولا يقال: إنّ السلف اختلفوا في الأحكام العملية وهذا لا يؤثر بعد اتفاقهم في مسائل العقيدة.

فهذه مغالطةٌ، لأن إنكار حديث في الأحكام العملية هو كإنكار حديث في العقيدة ولا فرق، فكلا الحديثين من عند الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبالتالي هو إنكار لكلام الرسول مهما كان مضمون الحديث. فالأحكام العملية لا تقل أهميةً عن العقيدة، وتشغل حيّزا كبيرا في الإسلام.

ومع هذا وجد الاختلاف بين أقطاب المدرسة السلفية في العقيدة ونشير لبعضها في الأسطر التالية. وقبل البدء أنوه إلى أن السلفية متفقون على عدم جواز تأويل آيات الصفات الإلهية، ولكن رأينا أن هناك من أئمة السلف من جنح إلى التأويل، فمن ذلك:

أوّل ابن عباس قوله تعالى: ( يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ ) (1) يكشف عن شدّةٍ وأمر عظيم (2) فأول الساق بالشدة.

قال الطبري: " قال جماعة من الصحابة والتابعين من أهل التأويل يبدو عن أمر شديد " (3).

وأول ابن عباس النسيان في قوله تعالى: ( فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَـٰذَا ) (4) بالترك (5)، وتبع الطبري ابن عباس في هذا التأويل فقال: " أي: ففي هذا اليوم، وذلك يوم القيامة ننساهم، يقول: نتركهم في العذاب المبين ". وهذا التأويل

____________

1 - القلم: 42.

2 - تفسير الطبري: 29/24.

3 - تفسير الطبري: 29/24.

4 - الأعراف: 51.

5 - تفسير الطبري: 8/144.


الصفحة 99

 

منقول عن مجاهد (1).

ومن تأويل السلف ما صح من تأويل الإمام أحمد لكلمة " جاء " في قوله تعالى ( وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ) (2) بمعنى: وجاء أمر ربك (3).

قال ابن كثير: عن أحمد بن حنبل: أنه أجاب الجهمية حين احتجوا عليه بقوله تعالى: ( مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ) (4) قال:

" يحتمل أن يكون تنزيله إلينا هو المحدث، لا الذكر نفسه هو المحدث، وعن حنبل عن أحمد أنه قال: يحتمل أنه ذكر آخر غير القرآن " (5).

وقال النظر بن شميل الحافظ السلفي في الحديث: " حتى يضع الجبار - الله (6) - فيها قدمه " أي: من سبق في علمه أنه من أهل النار " (7) وذهب هذا المذهب الإمام أبو منصور الأزهري.

وعن الحسن أنه قال: " القدم: هم الذين قدمهم الله تعالى من شرارخلقه وأثبتهم لها ".

وقال ابن حبان في تأويل الحديث: " حين يضع الرب قدمه فيها - اي جهنم -:

وهذا الخبر من الأخبار التي اطلقت لتمثيل المجاورة... لأن العرب تطلق في لغتها اسم القدم على الموضع. قال الله جل وعلا: ( لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ ) (8) يريد: موضع صدق، لا أن الله جل وعلا يضع قدمه في النار، جل ربنا وتعالى عن مثل هذا وأشباهه " (9).

____________

1 - تفسير الطبري: 8/144.

2 - الفجر: 22.

3 - الأسماء والصفات، البيهقي: ص 292.

4 - الأنبياء: 2.

5 - البداية والنهاية: 10/327.

6 - الأسماء والصفات: ص 352.

7 - يونس: 2.

8 - صحيح ابن حبان: 1/502.


الصفحة 100

وأول الإمام مالك النزول في الحديث بنزول أمره سبحانه، حيث قال: " يتنزل ربنا تبارك وتعالى أمره، فأما هو فدائم لا يزول " (1).

وأول الترمذي لفظة " فيعرفهم نفسه " الواردة في حديث الرؤية قال: " يعني يتجلى لهم " (2).

ومن تأويل السلف، تأويل البخاري لكلمة الضحك في الحديث التالي بالرحمة (3). أخرج البخاري ومسلم أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: " لقد ضحك الله الليلة من فعالكما " وهو حديث طويل يحكي قصة الأنصاري الذي أكرم مثوى ضيف رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبات هو وزوجته طاويين (4). فالبخاري لم يقف عند مقولة: أخبرنا أنه يضحك ولم يخبرنا كيف يضحك؟!

وأيضا أول حماد بن زيد نزول الله تعالى إلى السماء الدنيا، المروي في أحاديث النزول بإقباله جل جلاله على عباده (5).

وأول الضحاك كلمة الوجه في قوله تعالى: ( كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ) (6) بذات الله والجنة والنار والعرش، وخالفه ابن تيمية، فقد رجح أن يؤول " الوجه " بمعنى الجهة، فيكون المعنى: كل شئ هالك إلا ما أريد به جهة الله تعالى، وقال ابن تيمية:

هكذا قال جمهور السلف (7).

____________

1 - سير أعلام النبلاء 8/105. التمهيد، ابن عبد البر 7/143.

2 - سنن الترمذي 4/692، وراجع مقدمة كتاب: دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه، ابن الجوزي، تحقيق السقاف الشافعي.

3 - الأسماء والصفات، البيهقي: 470.

4 - فتح الباري: 7/95. الأسماء والصفات، البيهقي: ص 470.

5 - الأسماء والصفات، البيهقي: ص 456.

6 - القصص: 88.

7 - مجموع فتاوى ابن تيمية: 2/428.

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة