الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة 626

 

وقد قام علماء أهل السنة المنصفون بالرد على أولئك الكتاب المشعوذين من أمثال ظهير والخطيب ومال الله.

يقول الشيخ محمد أبو زهرة: " القرآن بإجماع المسلمين هو حجة الإسلام الأولى وهو مصدر المصادر له، وهو سجل شريعته، وهو الذي يشتمل على كلها وقد حفظه الله تعالى إلى يوم الدين كما وعد سبحانه إذ قال: ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (1).

وإنَّ إخواننا الإمامية على اختلاف منازعهم يرونه كما يراه كل المؤمنين " (2).

وقال: " إنَّ الشريف المرتضى وأهل النظر الصادق من إخواننا الاثني عشرية قد اعتبروا القول بنقص القرآن أو تغييره أو تحريفه تشكيكا في معجزة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، واعتبروه إنكارا لأمر علم من الدين بالضرورة " (3).

وقال الدكتور محمد عبد الله دراز: " ومهما يكن من أمر فإنّ هذا المصحف هو الوحيد المتداول في العالم الإسلامي، بما فيه فرق الشيعة، ومنذ ثلاثة عشر قرنا من الزمان. ونذكر هنا رأي الشيعة الإمامية - أهم فرق الشيعة - " (4).

وقال الشيخ رحمة الله الهندي: " القرآن المجيد عند جمهور علماء الشيعة الإمامية الاثني عشرية محفوظ من التغيير والتبديل، ومن قال منهم بوقوع النقصان فيه، فقوله مردود غير مقبول عندهم " (5).

وقال الشيخ محمد الغزالي: " سمعت من هؤلاء يقول في مجلس علم: إنَّ للشيعة قرآنا آخر يزيد وينقص عن قرآننا المعروف فقلت له: أين هذا القرآن؟ ولماذا لم يطّلع

____________

1 - الحجر: 9.

2 - الإمام الصادق: ص 296.

3 - المصدر السابق: ص 329.

4 - مدخل إلى القرآن الكريم: 39 - 40.

5 - إظهار الحق، تعليق الدكتور أحمد حجازي: ص 431.


الصفحة 627

الإنس والجن على نسخة منه خلال هذا الدهر الطويل؟ لماذا يساق هذا الافتراء؟...

ولماذا هذا الكذب على الناس وعلى الوحي " (1).

وقال الأستاذ محمد المديني - عميد كلية الشريعة بالجامعة الأزهرية -: " وأما أنَّ الإمامية يعتقدون نقص القرآن، فمعاذ الله. إنما هي روايات رويت في كتبهم، كما روي مثلها في كتبنا. وأهل التحقيق من الفريقين قد زيَّفوها، وبيَّنوا بطلانها وليس في الشيعة الإمامية أو الزيدية من يعتقد ذلك كما أنه ليس في السنة من يعتقده " (2).

وقال البهنساوي - من مفكري الأخوان المسلمين -: " إنَّ الشيعة الجعفرية الاثني عشرية يرون كفر من حرف القرآن الذي أجمعت عليه الأمة منذ صدر الإسلام... وأنّ المصحف الموجود بين أهل السنة هو نفسه الموجود في مساجد وبيوت الشيعة " (3).

وقال مصطفى الرافعي: " والقرآن الكريم هو الموجود الآن بأيدي الناس من غير زيادة ولا نقصان. وما ورد من أنَّ الشيعة الإمامية يقولون بأنَّ القرآن قد اعتراه النقص... هذا الادعاء أنكره مجموع علماء الشيعة الأعلام...

فالقرآن الكريم - إذن - هو عصب الدولة الإسلامية، تتفق مذاهب أهل السنة مع مذهب الشيعة الإمامية على قداسته ووجوب الأخذ به. وهو نسخة موحدة لا تختلف في حرف ولا رسم لدى السنة والشيعة الإمامية في مختلف ديارهم وأمصارهم " (4).

وقال الدكتور علي عبد الواحد وافي: " يعتقد الشيعة الجعفرية كما يعتقد أهل السنة، أنَّ القرآن الكريم هو كلام الله عزوجل المنزل على رسوله المنقول بالتواتر والمدوَّن بين دفَّتي المصحف بسوره وآياته المرتبة بتوقيف من الرسول صلوات الله وسلامه عليه،

____________

1 - دفاع عن العقيدة والشريعة.

2 - مع الصادقين، الدكتور التيجاني: ص 201 عن مقال الاستاذ محمد المديني - مجلة رسالة الإسلام - العدد الرابع في السنة الحادية عشرة ص 382 و 383.

3 - السنة المفترى عليها: ص 60.

4 - إسلامنا: ص 75.


 

الصفحة 628

 

وأنه الجامع لأصول الإسلام عقائده وشرائعه وأخلاقه، والخلاف بيننا وبينهم في هذا الصدد يتمثّل في أمور شكلية وجانبية لا تمس النص القرآني بزيادة ولا نقص ولا تحريف ولا تبديل، ولا تثريب عليهم في اعتقادها " (1).

وقال: " أمَّا ما ورد في بعض مؤلفاتهم من آراء تثير شكوكا في النص القرآني وتنسب إلى بعض أئمتهم، فإنهم لا يقرونها ويعتقدون بطلان ما تذهب إليه، وبطلان نسبتها إلى أئمتهم. ولا يصح كما قلنا فيما سبق أن نحاسبهم على آراء حكموا هم ببطلانها وبطلان نسبتها إلى أئمتهم ولا أن نعدها من مذهبهم، مهما كانت مكانة رواتها عندهم ومكانة الكتب التي وردت فيها...

وقد تصدى كثير من أئمة الشيعة الجعفرية أنفسهم لرد هذه الأخبار الكاذبة وبيان بطلانها وبطلان نسبتها إلى أئمتهم وأنها ليست من مذهبهم في شئ " (2).

هذه ثماني شهادات لعلماء من أهل السنة تدفع عن الإمامية تهمة القول بتحريف القرآن. أما كلمات أعلام الشيعة في نفي التحريف عن القرآن فلا يسعها مجلد، ونضع بين يدي القراء بعضها.

قال الشيخ الصدوق (ت/381 هـ‍) - الذي يُعدّ شيخ المحدثين -: " اعتقادنا في القرآن الذي أنزله الله تعالى على نبيه محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو ما بين الدفتين، وهو مافي أيدي الناس ليس بأكثر من ذلك، ومن نسب إلينا أنا نقول أنه أكثر من ذلك فهو كاذب " (3).

قال الشيخ المفيد (ت/413 هـ‍) - أحد عظماء الإمامية -: " وأما النقصان وقد قال جماعة من أهل الإمامة إنه لم ينقص من كلمة ولا من آية ولا من سورة... وأما الزيادة فيه فمقطوع بفسادها " (4).

____________

1 - بين الشيعة وأهل السنة: ص 35.

2 - بين الشيعة وأهل السنة: ص 37 - 38.

3 - رسالة الاعتقادات.

4 - أوائل المقالات: ص 55.


 

الصفحة 629

 

وقال الشيخ الطوسي - تلميذ المفيد - (ت/460 هـ‍): " أما الكلام في زيادة القرآن ونقصه فمما لا يليق به، لأن الزيادة فيه مجمع على بطلانها، وأما النقصان فالظاهر من مذهب المسلمين خلافه، وهو الأليق بالصحيح من مذهبنا، وهو الذي نصره المرتضى، وهو الظاهر في الروايات " (1).

وقال الطبرسي - الملقب بأمين الإسلام - " أما الزيادة في القرآن فمجمع على بطلانها، وأما النقيصة فروى جماعة من أصحابنا، وقوم من حشوية العامة أنَّ في القرآن نقصا. والصحيح من مذهبنا خلافه، وهو الذي نصره المرتضى " (2).

وقال الشيخ بهاء الدين العاملي: " اختلفوا في وقوع الزيادة والنقصان فيه والصحيح أنَّ القرآن العظيم محفوظ عن ذلك زيادةً ونقصا، ويدل عليه قوله تعالى:

( وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) " (3).

وقال المرجع الكبير محمد حسين آل كاشف الغطاء: " إنّ الكتاب الموجود بين المسلمين هو الكتاب الذي أنزله الله إليه للإعجاز والتحدّي، وأنه لا نقص ولا تحريف ولا زيادة فيه، وعلى هذا إجماعهم " (4).

وقال السيد محسن الأمين - صاحب أعيان الشيعة -: " لا يقول أحد من الإمامية لا قديما ولا حديثا، أنَّ القرآن مزيد فيه قليل أو كثير فضلا عن كلهم، بل كلهم متفقون على عدم الزيادة، ومن يعتد بقوله من محققيهم متفقون على أنه لم ينقص منه " (5).

وقال المرجع السيد أبو القاسم الخوئي: " وقد تبين للقارئ مما ذكرناه، أنَّ حديث تحريف القرآن حديثٌ خيالي لا يقول به إلاّ من ضعف عقله، أو من لم يتأمل في أطرافه حق التأمل، أو من ألجأه إليه حب القول به، والحب يعمي ويصم. أما العاقل المنصف

____________

1 - مقدمة تفسير البيان: ص 3.

2 - مقدمة تفسير مجمع البيان.

3 - راجع آلاء الرحمن، البلاغي: 1/25 - 26.

4 - أصل الشيعة واصولها.

5 - أعيان الشيعة: 1/108.


الصفحة 630

المتدبر فلا يشك في بطلانه " (1).

هذه ثمانية أقوال لكبار علماء المدرسة الإمامية وهناك الكثير غيرهم ينفون التحريف. حتى لقد صنف الكركي المعروف بالمحقق الثاني رسالةً في نفي النقيصة بعد الإجماع على عدم الزيادة. وصنف محمد حسين الشهرستاني: (رسالة في حفظ الكتاب الشريف عن شبهة القول بالتحريف) ورد فيه على فصل الخطاب. وصنف آغا بزرك:

(النقد اللطيف في نفي التحريف عن القرآن الشريف).

ومن علماء الإمامية الذين ينفون التحريف، الشيخ جعفر كاشف الغطاء في (كشف الغطاء)، والعلامة محمد إبراهيم الكرباسي في " الإشارات "، والمفسر المتكلم محمد جواد البلاغي في تفسيره (آلاء الرحمن)، ومحمد النهاوندي في تفسيره (نفحات الرحمن)، والمرجع محمد رضا الكلبايكاني، ومجدد العلم البروجردي، والمحقق البغدادي، والحر العاملي صاحب الوسائل، والتستري صاحب الصوارم، والعلامة المظفر في (عقائد الإمامية)، والعلامة الطباطبائي في (تفسير الميزان)، والعلامة ابن المطهر الحلي، والأميني، وشرف الدين... هذا هو قول الإمامية المعتد به ومن قال غير ذلك فقوله مردود.

فصل الخطاب في نفي تحريف عن الكتاب

ألّف أحد الإمامية كتاب: " فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب " حاول فيه مؤلفه إثبات تحريف القرآن، ولكن النوري مؤلف الكتاب تراجع عن إقرار صحة ما فيه وكان يقول: " أخطأت في تسمية الكتاب، وكان الأجدر أن يسمَّى بفصل الخطاب في عدم تحريف الكتاب " (2).

____________

1 - تفسير البيان وراجع من: ص 195 - 236 حيث ناقش روايات التحريف وكل الشبهات.

2 - ذكر ذلك عنه تلميذه الثقة آغا بزرك راجع: مع الخطيب، لطف الله الصافي: ص 59.


 

الصفحة 631

 

واعتمادا على كتاب فصل الخطاب حاول بعض الكتّاب نسبة القول بتحريف القرآن إلى الإمامية، مع أنَّ هذا الرأي الذي تراجع عنه النوري لا يمثِّل إلاّ رأيه فلا يصح نسبته للإمامية. وقد قام علماء الإمامية وفي وقته بالرد عليه منهم: المحقق محمود الطهراني في كتابه كشف الارتياب (1).

وقد وجد من أهل السنة من يؤلف في تحريف القرآن ولم يشن عليه حملة كهذه الحملة المسعورة التي تشن على الشيعة. يقول الأستاذ محمد محمد المديني: " وقد ألف أحد المصريين في سنة 1948 م كتابا اسمه (الفرقان) حشاه بكثير من أمثال هذه الروايات السقيمة المدخولة المرفوضة، ناقلا لها عن الكتب والمصادر عند أهل السنة، وقد طلب الأزهر من الحكومة مصادرة هذا الكتاب بعد أن بين بالدليل والبحث العلمي أوجه البطلان والفساد فيه. فاستجابت الحكومة لهذا الطلب وصادرت الكتاب، فرفع صاحبه دعوى يطلب فيها تعويضا، فحكم القضاء الإداري في مجلس الدولة برفضها.

أفيقال إنَّ أهل السنة ينكرون قداسة القرآن؟ أو يعتقدون نقص القرآن لرواية رواها فلان؟ أو لكتاب ألفه فلان؟ فكذلك الشيعة الإمامية، إنما هي روايات في بعض كتبهم كالروايات التي في بعض كتبنا " (2).

وقال الدكتور علي عبد الواحد وافي - بعد أن ذكر روايةً من الكافي في تحريف القرآن -: " ولدينا نحن معشر أهل السنة في بعض كتبنا التي نعتز بها آراء من هذا القبيل تصل بصاحبها - والعياذ بالله - إلى شفا حفرة من النار ومن الكفر، فمن ذلك مثلا ما يذكره السيوطي في كتابه (الإتقان في علوم القرآن) من قول بأنَّ القرآن الكريم هو معاني الآيات فحسب، وأما ألفاظها فمن الرسول عليه الصلاة والسلام...

فكما لا يصح أن يحاسبنا أحد على مثل هذه الأقوال التي نحكم ببطلانها، لا يصح

____________

1 - راجع مع الخطيب.

2 - مجلة رسالة الإسلام: العدد الرابع ص 382 و 383.


 

الصفحة 632

 

أن نحاسب الجعفرية على ما ذكره الكليني... ويقاس على ذلك جميع الآراء التي وردت في مؤلفاتهم أو عن شيوخهم ويحكمون بعدم صحتها ولا يعدونها من مذهبهم " (1).

ونحن نقول لأولئك المعاندين الذين يتهمون الإمامية بتحريف القرآن: ما رأيكم بالروايات التي جاءت في صحيحي البخاري ومسلم وبقية كتب السنن والتي تنص على تحريف القرآن؟

إنَّ الروايات التي عند الإمامية روايات ساقطة وهم غير ملزمين بها فليس عندهم كتاب صحيح بأجمعه إلاَّ كتاب الله. ولكن المشكلة عند الذين ألزموا أنفسهم باعتماد الصحيحين مطلقا فكيف سيعالجون أمر الروايات فيهما؟ ونضع بين يدي الباحثين بعضها.

عن الخليفة عمر رضي‌الله‌عنه أنه قال وهو على المنبر: "... إنَّ الله بعث محمدا صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله (آية الرجم) فقرأناها وعقلناها ووعيناها، ورجم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله. والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف. ثم إنا كنا نقرأ في ما نقرأ من كتاب الله أن لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم أو إنَّ كفراً بكم أن ترغبوا عن آبائكم... " (2).

فأين (آية الرجم) وآية (أن لا ترغبوا عن آبائكم) من القرآن الآن؟!

وقال أبو موسى الأشعري كما في صحيح مسلم: "... وإنا كنا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول والشدة ببراءة فأنسيتها!! غير أني قد حفظت منها (لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديا ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلاّ التراب)!!

____________

1 - بين الشيعة وأهل السنة: ص 30 - 31.

2 - صحيح البخاري: كتاب المحاربين، باب رجم الحبلى من الزنا.


 

الصفحة 633

 

وكنا نقرأ سورة كنا نشبهها بإحدى المسبحات فأنسيتها!! غير أني حفظت منها (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة) (1)!!

وعن عائشة أنها قالت: " كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات فتوفي رسول الله وهن فيما يقرأ من القرآن " (2).

وروى أحمد في مسنده عن أبي بن كعب آية: (... وما تفرَّق الذين أوتوا الكتاب إلاّ من بعد ما جاءتهم البينة، إنّ الدين عند الله الحنفيَّة غير المشركة ولا اليهوديّة ولا النصرانية، ومن يفعل خيرا فلن يكفره) (3).

وفي مسند أحمد عن أبي بن كعب قال: " كم تقرأون سورة الأحزاب؟ قال: بضعا وسبعين آية، قال: لقد قرأتها مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مثل البقرة!! أو أكثر! وإنَّ فيها آية الرجم " (4).

هذه الروايات غيض من فيض - في مصادر أهل السنة - وكلها صريحة في نقصان القرآن. ولو تتبعنا أمثال هذه الروايات في كتب السنن لجئنا ب‍ (الفرقان) من جديد.

ولابد من أنَّ المنصفين من أهل السنة يرفضون هذه الروايات. ولكننا لم نأت بها إلاّ لتلك الفئة التي لا تفتأ توجه التهم للإمامية.

والحق: إني في شوق لأرى ماذا يقولون عنها بعد أن أخرجها مسلم والبخاري؟

فإن أجابوا بأنها نسخت تلاوة وبقي حكمها، قلنا إنَّ الروايات نفسها ترد هذا الجواب، ففي صحيح مسلم عن عائشة إنها قالت: " كان فيما أنزل من القرآن (عشر رضعات معلومات) فتوفي رسول الله وهن فيما يقرأ من القرآن ".

____________

1 - صحيح مسلم: كتاب الزكاة، باب لو أنَّ لابن آدم واديين لابتغى ثالثا.

2 - صحيح مسلم: كتاب الرضاع، باب التحريم بخمس رضعات.

3 - مسند أحمد: 5/132، سنن الترمذي: 5/665 - 666.

4 - المصدر السابق.


 

الصفحة 634

 

نعم، إذا كانت هذه الآية نسخت تلاوة فكيف يتوفى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهي في القرآن؟

فإن كانت قد نسخت تلاوة وجب على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يمحوها من القرآن. ومن المعلوم أنه لا نسخ بعد النبي. فمن الذي تجرأ وأزال هذه الآية من القرآن، وقد مات النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولم يمحها؟!!

بقيت شبهة أخرى وهي ظن البعض في أنَّ لدى الإمامية مصحفا آخر غير القرآن، يسمى مصحف فاطمة. والحق أنَّ " مصحف فاطمة ليس فيه شئ من القرآن، وإنما فيه ما سمعته من أخبار من يحكم الأمة الإسلامية " (1).

وهذه الأخبار أخذتها عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بما كان يخبره به جبرائيل عليه‌السلام. هذه هي حقيقة مصحف فاطمة فلم هذه الفرية؟

وفي نهاية هذا الموضوع نوّد القول " أنّ القرآن الكريم لا تحريف فيه سواء عند السنة أو عند الشيعة وهو النسخة نفسها التي كانت عند النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

يقول الأستاذ أحمد الحصري الأزهري: " يعيب بعض الناس على الإمامية مذهبهم، لحجة أنَّ هناك أشياء وجدت مكتوبة في بعض كتبهم لا تتفق والمتواتر في الدين. ويجب أن يكون مفهوما في الذهن أنَّ هذا الذي يؤخذ على الإمامية هم منه براء، وأنَّ الأساس الذي بني عليه هذا الاتهام فيه كثير من الخلط، فمجئ شئ على لسان شيعي، أو في كتاب لشيعي لا يقتضي أنَّ هذا الأمر هو مذهب الشيعة. بل قد يكون مذهبا لصاحبه ولا بد من الرجوع إلى أهل التحقيق في هذا المذهب لمعرفة الحقيقة وتحري الصواب حتى لا تكال التهم جزافا لمذاهب هي منها براء، وحتى لا نتسبب في زيادة الفرقة بين المسلمين أكثر مما هم عليه الآن...

ولو أننا أمعنا النظر بالعين المجردة عن الهوى، وتركنا للفكر الفقهي السليم حرية البحث في بعض كتب أهل السنة لوجدنا أنَّ في بعضها ما لا يتلاءم مع آراء أهل السنة أنفسهم، ومع ذلك لا ننسبها إلى أهل السنة جميعا، بل إلى القائل بها فقط، وننقده بها.

____________

1 - معالم المدرستين: 2/34.


 

الصفحة 635

 

ومن هذه القضايا ما ينسب إلى الشيعة من أنهم ينكرون شيئا من القرآن أو يعتقدون نقصه إلى آخر ما حشيت به بعض الكتب، مع أنها ليست آراء للمذهب ولا يقول بها علماؤهم. فالتحقيق أنّ هذه أقوال منثورة في بعض كتبهم كما يوجد في بعض كتب أهل السنة نظيرها، مع أنَّ علماءها ومحققيها مجمعون على بطلانه. أما لماذا وجدت هذه الآراء في بعض كتبهم؟ فللحق والعدالة يجب أن نرجع إلى الماضي لنستخلص منه الحاضر.

فمع الأسف كان التأليف القديم يحرص على ذكر كل الآراء وتسجيلها ولو تبين بطلانها، حرصا على الأمانة العلمية فيما يظنون، وذكرت هذه الآراء في بعض الكتب وهي لا تمثل المذهب، وينكرها جميع العاملين. ويبرأون منها، ويطعنون عليها بالبطلان " (1).

التقيَّة

التقية تعني: إظهار خلاف الواقع في الأمور الدينية بالقول أو الفعل لحفظ النفس أو المال أو العرض، وقد عرفها الشيخ الأنصاري في كتابه (المكاسب) بأنها " التحفظ عن ضرر الغير بموافقته في قول أو فعل مخالف للحق " (2).

قال الرافعي: " والتقية عمل مشروع في الإسلام كما كان مشروعا من قديم الزمان لدى جميع الشعوب والأمم والأديان، ودليل مشروعيتها: الكتاب والسنة والعقل.

فدليلها في القرآن قول الله تعالى: ( لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّـهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ) (3).

____________

1 - من الفقه الإسلامي: ص 109 - 110.

2 - إسلامنا: ص 132.

3 - آل عمران: 28.


الصفحة 636

وهذا يعني أنه تجوز مداراتهم من قبيل التقية دفعا لأذاهم ومن غير أن يؤمن المرء بجواز ذلك " (1).

قال الرازي في تفسير آية: ( إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ): " روي عن الحسن - أي البصري - أنه قال: التقية جائزة للمؤمنين إلى يوم القيامة، وهذا القول أولى، لأنّ دفع الضرر عن النفس واجب بقدر الإمكان ".

أجل ينعى البعض على الشيعة استخدامهم التقية، مع أنّ التقية مشروعة في الإسلام كما مر عليك. حتى لقد مارسها الصحابة.

لقد أظهر عمار بن ياسر رضي‌الله‌عنه بلسانه الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان فنزل قول الله ( إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ) (2) وقال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: " إن عادوا فعد، فقد أنزل الله فيك قرآنا، وأمرك أن تعود إن عادوا إليك ".

فالشيعة يستخدمون التقية تماما كما استخدمها عمار رضي‌الله‌عنه، وهذا التشريع الذي نزل من أجل عمار هو تشريع لجميع المسلمين، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فهذا الذي يزري على الشيعة استخدامهم التقية في حالات خاصة، يزري على هذا التشريع الإسلامي.

وماذا يقول أولئك الذين يعدون التقية نفاقا، ماذا يقولون في تقية عمار؟ هل هي نفاق - والعياذ بالله -؟ وماذا يقال عن مؤمن آل فرعون الذي مدحه الله بقوله ( وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ ) (3)؟ فهؤلاء إما أن يقولوا أنّ الله أخطأ - نستغفر الله - إذ مدح هذا الرجل، أو يعذرون الشيعة في استخدامهم التقية!

وقد طبق الصحابة التقية عمليا في مواقف كثيرة منها: إنّ مسلمي المدينة واعدوا

____________

1 - إسلامنا: ص 135.

2 - النحل: 106.

3 - غافر: 28.


الصفحة 637

 

رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المجئ إلى العقبة في منى خارج مكة. يقول كعب بن مالك " وكنا نكتم من معنا من قومنا المشركين أمرُنا!! ثم قال: فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نتسلل تسلل القطا مستخفين حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة ونحن ثلاثة وسبعون رجلا ومعنا امرأتان... " (1).

والذي يدرس تاريخ الشيعة يعذِّرهم لاستخدامهم التقية، فقد لاقوا من الحكام ظلما عجيبا، بل من المجتمع المسلم، لذلك اشتهروا دون غيرهم باستخدام هذا المبدأ، وعلى هذا فهم كمؤمن آل فرعون ممدوحون عند الله!

قال الرافعي مدافعا عن الإمامية: " على أنَّ الذين يأخذون على الشيعة الإمامية لجوءهم إلى التقية من أجل حفظ حياتهم وحقن دمائهم ويتناولونهم بالنقد اللاذع الحاد لانصرافهم إلى التقية عوضا عن المقاومة والجهاد، ألم يلق هؤلاء الناقدون نظرة إلى الوراء ليروا بيقين أنَّ التقية عند البشر مشروعة ومستمرة من لدن نبي الله نوح عليه‌السلام إلى مؤمن آل فرعون إلى كليم الله موسى عليه‌السلام الذي خرج من مصر خائفا يترقب حيث قال:

( فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ ) (2) إلى أخيه هارون عليه‌السلام الذي قال: ( إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي ) (3) إلى لوط عليه‌السلام حين قال: ( لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ ) (4) إلى خاتم الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم...

فهل يجسر أحد على اتهام هؤلاء الأنبياء وجلهم من اولي العزم بركونهم إلى الخداع ونكولهم عن الجهاد مثلما يتهم المغرضون الشيعة الإمامية؟...

ولا أتصور إنسانا عاقلا منصفا لا يعذرهم في استعمال التقية، بل ويوجبها عليهم

____________

1 - سيرة ابن هشام: 2/49.

2 - الشعراء: 21.

3 - الأعراف: 150.

4 - هود: 80.


 

الصفحة 638

 

بدل أن ينسبهم - بسببها - إلى الغش والحيلة والنفاق و... " (1).

وقال: " وليست - التقية - واجبة عندهم كما يتوهم البعض في جميع الحالات، فما أكثر المواقع التي يحرم الشيعة الإمامية استعمال التقية فيها. وذلك كما لو افضت التقية إلى إهدار دم أو أوجبت فسادا في الدين أو تعمدت إنزال الضرر بالمسلمين فإنه في مثل هذه الحالات ونحوها تصبح التقية غير جائزة ويحرم استعمالها.

يؤيد هذا ما روي عن الإمام محمد الباقر - والد الإمام جعفر الصادق - أنه قال:

" إنما جعلت التقية ليحقن بها الدم فإذا بلغت التقية الدم فلا تقية " على أنَّ الشيعة الإمامية إذا كانوا قد استعملوا التقية - فيما مضى من العصور - فإنهم استعملوها - كما بينا أكثر من مرة - حقنا لدمائهم وحفاظا على كرامتهم وصونا لأعراضهم وأموالهم.

ومعاذ الله أن يكون استعمالهم للتقية نفاقا أو رياء أو قعودا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو فرارا من النضال والكفاح والجهاد في سبيل الله عند النفير العام أو عندما يكون القتال أفضل من التقية.

ويبدو لي هنا أنَّ الجماعات الإنسانية كلها لو تفاخرت فيما بينها، أيها كان ولم يزل أصلب عودا في الكفاح، وأيها كان أقدر على البذل والفداء، لكان لجماعة الشيعة من هذه المفاخرة أرفع المكانة وأوفى نصيب!! والتاريخ أبلغ شاهد وأعظم رواية... " (2).

إنَّ التقية ليست حالة طبيعية يطبقها الشيعة في سلوكهم وأقوالهم أينما حلوا، بل هي كما عبر عنها أحد العلماء " إستثناء " (3) وما أبلغها من عبارة!

قال الدكتور علي عبد الواحد وافي: " فإننا نتفق معهم - الإمامية - في جواز التقية في المواطن التي يشيرون إليها والتي أجازها القرآن الكريم وأجازتها السنة النبوية الشريفة!

____________

1 - إسلامنا: ص 133 - 134.

2 - إسلامنا: ص 139 - 140.

3 - راجع: الإسلام ومنطق القوة، العلامة محمد حسين فضل الله.


 

الصفحة 639

 

ونستبعد كذلك ما يزعم بعضهم من أنَّ الشيعة الجعفرية يخفون كثيرا من الآراء ولا يجهرون بها تقيةً وخوفا. فلا يصح أن نحاسبهم إلاّ على ما يبدونه من آراء. وأما ما يتهمون بكتمانه فعلمه عند الله، ولسنا مكلفين أن نشق عن صدورهم " (1).

ومهما يكن من أمر هذا الاختلاف بشأن التقية بين المذاهب الإسلامية، فإنه لا يعدو عن كونه اختلافا في الفروع، التي لا يكون فيها تكفير لمذهب من المذاهب الإسلامية المعتمدة ولا تضليل، وما كان ليسوغ - عبر العصور - بعد الذي ذكرناه عن التقية من الأدلة النقلية والعقلية أن يتهم أتباع المذهب الإمامي بالغش في الدين والكيد للمسلمين وأنهم يبطنون خلاف ما يظهرون، إذ معاذ الله أن يكونوا كذلك، فهم إن لم يكونوا أكثر المسلمين إيمانا!! فليسوا أقلهم على كل حال. وحسبهم أنهم اتخذوا خط أهل بيت رسول الله سبيلا يسلكونه في أصولهم وفروعهم، وهم بلا ريب صادقون فيما يقولون وفيما يفعلون. وإذا كان المرء لا يكذب على أهله فإن فقه هؤلاء يكون مأخوذا حقا عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والقرآن الكريم صريح في أمره إيانا ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) (2) (3).

بقي أن نقول: إنَّ الأدلة على مشروعية التقية كثيرة جدا في الكتاب والسنة، لا يسعنا استقصاؤها الآن. وقد الفت بها عدة رسائل. وإخال أنني بما قدمت قد أوضحت الصورة في أذهان القراء الكرام.

 

البَداء

" والبداء شبهةٌ من الشبهات التي يثيرها خصوم الإمامية ضدهم بدافع التقليد لمذاهبهم من غير أن يتعمَّقوا في درس الأدلة التي فهم منها الشيعة الإمامية ما ذهبوا إليه

____________

1 - بين الشيعة وأهل السنة: ص 63.

2 - الحشر: 7.

3 - إسلامنا: ص 141.


 

الصفحة 640

 

ولا المفهوم الذي قصدوه منه. بل بالغ خصوم الشيعة في توجيه النقد إليهم والتشنيع عليهم بسببه، حتى غدا البداء واحدا من الفوارق المذهبية التي باعدت بين الإمامية وبين سواهم " (1).

" والبداء في الإنسان: يبدو له رأي في الشئ لم يكن له ذلك الرأي سابقا، بأن يتبدل عزمه في العمل الذي كان يريد أن يصيغه، إذ يحدث عنده ما يغيِّر رأيه وعلمه به، فيبدو له تركه بعد أن كان يريد فعله، وذلك عن جهل بالمصالح وندامةً على سبق منه.

والبداء بهذا المعنى يستحيل على الله تعالى، لأنه من الجهل والنقص، وذلك محال عليه تعالى، ولا تقول به الإمامية. قال الصادق عليه‌السلام: " من زعم أنَّ الله تعالى بدا له في شئ بداء ندامةٍ فهو عندنا كافر بالله العظيم "، وقال أيضا: " من زعم أنَّ الله بدا له في شئ ولم يعلمه أمس فابرأ منه ".. " (2).

" والبداء عند الإمامية هو الزيادة في الآجال والأرزاق، والنقصان منها بالأعمال " (3).

لقد زعم بعض الكتّاب أنَّ البداء الذي تقول به الإمامية، هو الظهور لله ما كان خافيا عنه! قالوا هذا إما جهلا أو عمدا، وهذا قول باطل لا تقول به الإمامية وحاشا لله من هذا الشَطَط " ولكن البداء (وفق مفهوم الشيعة) يعني (الإظهار بعد الإخفاء) وليس (الظهور بعد الخفاء) (4).

وعبارة (الإظهار بعد الإخفاء) كافية لتعطينا حقيقة البداء. إنَّ البداء نسخ في التكوين لمصلحة معينة كما هو النسخ في التشريع. وهذه عقيدة إسلامية لا غبار عليها ولكن ما نقول لمن يصرون على وضع الغبار عليها؟

____________

1 - إسلامنا: ص 210.

2 - عقائد الإمامية: ص 45.

3 - أوائل المقالات، المفيد.

4 - إسلامنا: ص 210.


 

الصفحة 641

 

قال الإمام الصادق عليه‌السلام: " ما بدا لله في شئ إلاّ كان في علمه قبل أن يبدو له ".

وقال عليه‌السلام: " إنَّ الله لم يبد له من جهل " (1).

وهؤلاء الذين يشنِّعون على الإمامية القول بالبداء كأنهم قد خفي عليهم أنَّ أهل السنة يقولون بالبداء. روى البخاري عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: " إنَّ ثلاثة في بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى بدا لله أن يبتليهم... " (2) والقصة طويلة في الصحيح ولكن موضع الشاهد قول الرسول: " بدا لله... " فالرسول نسب البداء - الذي تقول به الإمامية - إلى الله، فماذا سيقول أولئك المغرورون؟ هل سيردون على رسول الله؟!

وأليس في انتقادهم لعقيدة الشيعة في البداء هو انتقاد لعقيدة إسلامية؟

وأخرج ابن مردويه وابن عساكر عن علي رضي‌الله‌عنه أنه سأل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن هذه الآية ( يَمْحُو اللَّـهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) (3) فقال له:

" لأقرن عينيك بتفسيرها، ولأقرن عين أمتي بعدي بتفسيرها، الصدقة على وجهها وبر الوالدين، واصطناع المعروف، يحول الشقاء سعادة، ويزيد في العمر، ويقي مصارع السوء " (4).

وقول الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هذا هو نفس عقيدة البداء عند الإمامية، والآية المذكورة خير دليل على البداء.

وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن عمر بن الخطاب رضي‌الله‌عنه أنه قال وهو يطوف بالبيت: " اللهم إن كنت كتبت عليَّ شقاوةً أو ذنبا فامحه، فإنك تمحو ما تشاء

____________

1 - أصول الكافي: 1/148.

2 - صحيح البخاري: كتاب الأنبياء، حديث أبرص وأعمى وأقرع في بني اسرائيل.

3 - الرعد: 39.

4 - أنظر كنز العمال: 1/443، الدر المنثور: 4/661.


 

الصفحة 642

 

وتثبت، وعندك أم الكتاب، فاجعله سعادة ومغفرة " (1). هذا عمر بن الخطاب يقول بالبداء الذي تقول به الإمامية فكل من ينقد عقيدة البداء عند الإمامية فهو ينقد عمر!!

وعن ابن عباس قال: " لا ينفع الحذر من القدر، ولكن الله يمحو بالدعاء ما يشاء من القدر " (2).

فهذا حبر الأمة يقول بالبداء الذي تقول به الإمامية!

وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: " من سره أن يبسط عليه رزقه أو ينسأ في أثره فليصل رحمه ".

قال النووي في شرح الحديث: " وأما التأخير في الأجل ففيه سؤال مشهور وهو أنَّ الآجال والأرزاق مقدرة لا تزيد ولا تنقص فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون وأجاب العلماء بأجوبة، الصحيح منها....

والثاني - أي الجواب - أنه بالنسبة إلى ما يظهر للملائكة وفي اللوح المحفوظ ونحو ذلك فيظهر لهم في اللوح أنَّ عمره ستون سنة إلاّ أن يصل رحمه، فإن وصلها زيد له أربعون، وقد علم الله سبحانه وتعالى ماسيقع له من ذلك وهو من معنى قوله تعالى ( يَمْحُو اللَّـهُ مَا يَشَاءُ ) ويثبت فيه النسبة إلى علم الله تعالى وما سبق به قدره ولا زيادة بل هي مستحيلة، وبالنسبة إلى ما ظهر للمخلوقين تتصور الزيادة وهو مراد الحديث " (3).

وهذا الذي ذكره النووي هو البداء بعينه الذي تقول به الإمامية. والآية التي استدل بها لتأييد هذه العقيدة هي نفسها التي يستدل بها الإمامية.

فالإمامية مع إخوانهم من أهل السنة شركاء في هذه العقيدة الإسلامية. فالعجب من هذا الذي ينعى على الإمامية قولهم بالبداء وينسى أهل ملته الذين يقولون به وحاله كحال

____________

1 - الدر المنثور، السيوطي: 4/661، وهذا الذي يقوله عمر مذهب ابن مسعود وأبي وائل وقتادة راجع نقض الوشيعة: ص 82.

2 - مستدرك الحاكم: 2/350 وصححه، وكذا الذهبي.

3 - صحيح مسلم بشرح النووي: 16/114.


 

الصفحة 643

 

ذلك الرجل الذي قيل له: لماذا تلفظون القاف غينا والذال زايا؟ فقال: نحن لانغول زلك!!

قال الدكتور حامد داود حفني: " ولما كان البداء من صفات المخلوقين، لأنَّ فعل الشي ثم محوه يدل على التفكير الطارئ وعلى التصويب بعد الخطأ وعلى العلم بعد الجهل فإنَّ كثيرا من المفكرين سفَّهوا عقول الشيعة في نسبة البداء إلى الله سبحانه، والشيعة الإمامية براء مما فهمه الناس عن البداء، إذ المتفق عليه عندهم وعند علماء السنة أنَّ علم الله قديم منزه عن التغيير والتبديل والتفكير الذي هو من صفات المخلوقات، أما الذي يطرأ عليه التغيير والمحو بعد الإثبات فهو في اللوح المحفوظ بدليل قوله تعالى ( يَمْحُو اللَّـهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ).

ولنضرب مثالا لذلك يبين معنى البداء عند الإمامية: فلان من الناس كتب عليه الشقاء في مستهل حياته، وفي سن الأربعين تاب إلى الله فكتب في اللوح المحفوظ من السعداء. فالبداء هنا، محو: اسمه من باب الأشقياء في اللوح، وكتابته في باب السعداء.

أما ما في علم الله فيشمل جميع تاريخ هذه المسألة من إثبات ومحو بعد التوبة. أي أنه سبق في علم الله أنَّ هذا الشخص سيكون شقيا ثم يصير سعيدا في وقت كذا حين التوبة.

إنَّ البداء الذي تقول به الإمامية هو قضية الحكم على ظاهر الفعل الإلهي في مخلوقاته بما تتطلبه حكمته. فهو قول بالظاهر المتراءى لنا. وإذن فوجه الإشكال في الذين خطؤوا الشيعة في قولهم بالبداء إنما جاء من زعمهم أنَّ الشيعة ينسبون البداء إلى علم الله القديم لا إلى ما في اللوح المحفوظ.

ولعلك فيما قدّمته لك من بيان ضاف تكون وقفت معي على ما في عقائد الإمامية من وجاهة في قولهم بالبداء!! وما في تفكيرهم من عمق في الحكم به لأنَّ معناه - في نظري - أنَّ الله سبحانه يطوِّر خلقه وفق مقتضيات البيئة والزمان اللذين خلقهما وأودع فيهما سر التأثير على خلقه، ولو ظاهرا. إنَّ القول بالبداء هو المقالة الوحيدة التي نستطيع بهديها أن نفسر لك سر الناسخ والمنسوخ في القرآن... " (1).

____________

1 - تقديمه لعقائد الإمامية: ص 25 - 26.


 

الصفحة 644

الرجعة

تعني الرجعة عند الشيعة، أنَّ الله يعيد في آخر الزمان قوما من الأموات وهم الذين محضوا الإيمان محضا والذين محضوا الكفر محضا فيقتص لهؤلاء من هؤلاء.

قد يكون هذا الاعتقاد صعب القبول عند من لا يعيش في ظلال المدرسة الإمامية ولكن الأمر يسهل بعد ثبوت أحقية مدرسة آل البيت عليهم‌السلام. والأخبار تواترت عن أئمة الهدى بوقوع الرجعة. ومع هذا فالرجعة محل خلاف بين علماء الإمامية فمنهم من أثبتها ومنهم من أنكرها.

وهي ليست مستحيلة بعد أن حدثت في الأقوام السابقة. فهذا عزير، مات مائة سنة، ثم رجع إلى الدنيا. قال الله تعالى: ( أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَـٰذِهِ اللَّـهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّـهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ) (1).

فلا غرابة إذن في إرجاع الأموات الى الحياة الدنيا، وإذا جاز حدوثها في الأزمنة الغابرة فلم لا يجوز حدوثها مستقبلا؟

على أنَّ القول بحدوثها لم يكن اعتباطا وإنما استنادا لروايات وردت عن أئمة الهدى. فهذا عزير عندما تبين له أنه مات مائة عام ثم أحياه الله قال: ( أَعْلَمُ أَنَّ اللَّـهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (2) فالله قادر على إحياء الأموات في آخر الزمان.

وهؤلاء أصحاب موسى عليه‌السلام طلبوا رؤية الله فأخذتهم الصاعقة وبعد أن أماتهم الله أحياهم من جديد ( ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) (3) فهذه رجعة أخرى!

____________

1 - البقرة: 259.

2 - البقرة: 259.

3 - البقرة: 56.


 

الصفحة 645

 

وقصة أصحاب الكهف معروفة، فقد ردهم الله بعد ثلاثمائة وتسع سنين.

والرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أخبر أنه سيحدث في هذه الأمة ما حدث في الأمم السابقة حذو النعل بالنعل، فلماذا نستغرب الرجعة بعد هذا؟!

قال تعالى: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّـهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ ) (1). فهذه رجعة أخرى!

ويستدل الإمامية على الرجعة بقول الله تعالى: ( قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ ) (2).

فالمقصود بالميتتين ميتة عند انتهاء آجالهم والميتة الثانية بعد رجوعهم. أما تفسير الموت الثاني بأنه قبل خلقهم حين كانوا عدما - كما ذهب إليه منكري الرجعة - فهذا لا يستقيم، لأن الموت لا يكون إلاّ للحي، فيلزم هذا وجودهم أحياء وهم في العدم!!

فلا يبقى إلاّ تفسيرنا للخروج من هذا التناقض.

سئل الإمام أبو عبد الله عليه‌السلام عن قول الله تعالى: ( وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ ) (3).

قال عليه‌السلام: ما يقول الناس فيها؟ قلت: يقولون إنها في القيامة.

فقال أبو عبد الله عليه‌السلام: ليس كما يقولون، أيحشر الله في القيامة من كل أمة فوجا ويترك الباقين؟ إنما ذلك في الرجعة.

فأما آية القيامة فهذه: ( وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا ) (4).

في الآية الأولى أخبر الله أنه يحشر من كل أمة فوجا، وفي الآية الثانية يحشر

____________

1 - البقرة: 243.

2 - غافر: 11.

3 - النمل: 83.

4 - الكهف: 47.


 

الصفحة 646

 

الناس جميعا ( وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا ) فدل هذا على أنَّ هناك حشرين، حشر يحشر الله فيه من كل أمة فوجا وهو الرجعة، وحشر للناس جميعا وهو يوم القيامة، ولا يمكن تفسير الحشر الأول بيوم القيامة لأننا سنوقع التناقض في حق الله، فكيف يقول عز وجل: سنحشر من كل أمة فوجا يوم القيامة، وسنحشر الناس جميعا يوم القيامة؟!

وقد قال الحافظ جلال الدين السيوطي بالرجعة لكن بمعنى مختلف عن الذي تقول به الإمامية. فقد ادعى إمكانية رؤية النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في اليقظة وأ لف رسالة في ذلك هي:

(إمكان رؤية النبي والملك في اليقظة) وادعى السيوطي رؤيته للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بضعا وسبعين مرة كلها في اليقظة!

واعتقاد السيوطي هذا شبيه باعتقاد الشيعة بالرجعة وقوله برجوع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في اليقظة لا يختلف عن قول الشيعة برجوع بعض الأموات إلى الحياة. فلماذا يشنع على الشيعة لاعتقادهم بالرجعة ولا يشنع على السيوطي؟! بل إنه ما زال محل احترام وتقدير من جميع المذاهب.

فكل من يطعن بعقيدة الشيعة في الرجعة فهو طاعن بالسيوطي الملقب بشيخ الإسلام! وحين تكلم محمد بن علي الصبان - وهو من أهل السنة - عن طرق معرفة عيسى عليه‌السلام الأحكام الإسلامية بعد ظهوره قال: "... ومنها - أي الطرق - أنَّ عيسى إذا نزل يجتمع به صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلا مانع من أن يأخذ عنه ما يحتاج إليه من أحكام شريعته " (1).

وقول الصبان هذا يعني رجعة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، فماذا يفرق عن قول الشيعة برجوع المؤمنين والكافرين ممن محضوا الإيمان والكفر محضا؟

ومسألة الرجعة ليست بذاك الحجم، فهي ليست من اصول الدين كما يزعم بعضهم، فمن اعتقدها فله ذلك، ومن لم يفعل فلا تثريب عليه.

____________

1 - إسعاف الراغبين بهامش نور الأبصار: ص 161.


 

الصفحة 647

 

يقول كاشف الغطاء: " ليس التدين بالرجعة في مذهب الشيعة بلازم، ولا إنكارها بضار، ولا يناط التشيع بها وجودا وعدما، وليست هي إلاّ كبعض أنباء الغيب، وحوادث المستقبل، وأشراط الساعة، مثل نزول عيسى من السماء، وظهور الدجال، وخروج السفياني وأمثالها من القضايا الشائعة عند المسلمين، وما هي من الإسلام في شئ، ليس إنكارها خروجا منه، ولا الاعتراف بها بذاته دخولا فيه، وكذا حال الرجعة عند الشيعة " (1).

نعم، هذه هي الرجعة، أمر غيبي، لا يقدم ولا يؤخر، تماما كمسألة الدجال...

فهل الإيمان بظهور الدجال أو عدمه ذو أثر على إيمان الإنسان. وهل يخدش في إسلامه؟

وكذا الرجعة، فلماذا هذا التفخيم للمسألة؟!

قال الدكتور علي عبد الواحد وافي: " ومهما يكن من أمر فإن الاعتقاد بإحدى الرجعتين أو بكلتيهما لا يخرج صاحبه عن الإسلام " (2).

لقد قلنا إنَّ الإمامية أنفسهم مختلفون في الرجعة فهناك من أنكرها.

يقول أبو زهرة: " ويظهر أنَّ فكرة الرجعة على هذا الوضع ليست أمرا متفقا عليه عند الاثني عشرية، بل فريق لم يعتقده " (3).

وكلمة أخيرة نقولها لأولئك المتعصبين الذي يحملون بخيلهم ورجلهم على مدرسة الإسلام الأصيل، أنَّ عمر بن الخطاب قد قال بالرجعة قبل الشيعة!! فحين مات النبي قال فيما قال " والله ليرجعن رسول الله " (4)!! فعمر كان يعتقد أنَّ النبي سيرجع فلم نر أحدا يقول شيئا فيه؟ لكن لما قالت الإمامية بالرجعة قامت الزوابع. فنقول لهؤلاء المتشدقين بالتهم الباطلة: إحذروا أن تطعنوا بعمر!

____________

1 - أصل الشيعة واصولها: ص 68.

2 - بين الشيعة وأهل السنة: ص 57.

3 - الإمام الصادق: ص 240.

4 - تاريخ الطبري: 2/442، سيرة ابن هشام: 4/305.


الصفحة 648

 

التربة الحسينية

القاعدة في مدرسة آل البيت عليهم‌السلام تقول: إنه لا يجوز السجود إلاّ على الأرض أو ما أنبتت، ما عدا المأكول والملبوس. وبعد استشهاد الحسين عليه‌السلام دأب الشيعة - وبتوجيه من أئمتهم - بالسجود على تربة كربلاء. وفي هذه الأيام تعمل التربة على شكل قرص ويسجد عليها، هذا كل ما في الأمر.

لكن خصوم الشيعة لم يتركوا شيئا اختلف فيه الشيعة مع أهل السنة إلاّ كبّروه وطرّزوه ببهتانهم، فقالوا: إنَّ الشيعة يعبدون التراب.

وهذا افتراء على الإمامية. فإن كلمتهم مجتمعة على أنّ السجود لله فقط ومن سجد لغير الله فقد كفر. فهم يسجدون على التراب لا له، وأهل السنة حين يسجدون على السجاد يسجدون عليه لا له!!

وماذا يقول هؤلاء عن الصحابة الذين كانوا يسجدون على الحصى؟!

أخرج النسائي عن جابر بن عبد الله قال: " كنا نصلي مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الظهر فآخذ قبضة من حصى في كفّي أبرِّده ثم أحوله في كفي الآخر فإذا سجدت وضعته لجبهتي " (1).

هذا جابر سجد على الحصى كما تسجد الشيعة على التربة فهل سجوده هذا على الحصى أم له؟! أم كان جابر عابدا للحصى بسجوده عليه؟ وهؤلاء الذين يتهمون الإمامية بالشرك لسجودهم على التربة يتهمون جابر الانصاري بهذه التهمة من حيث لا يشعرون، بل توجه التهمة للرسول والصحابة إذ إنهم يعلمون ما فعل ولم ينكروا عليه!

فالعجب كأنَّ هؤلاء أعلم من جابر ونبي الله بالإسلام!

وقد كان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يسجد على التراب حتى الطين كما في صحيح البخاري (2)

____________

1 - سنن النسائي: الجزء الثاني - باب تبريد الحصى.

2 - كتاب الصيام، باب الاعتكاف في العشر الأواخر.


 

الصفحة 649

 

وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: " جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا " (1) فالسجود على التراب جائز ولا فرق بين أن يسجد الإنسان على التراب أو يعمل قرصا منه يسجد عليه. فهذا تراب وهذا تراب ولا عبرة بالشكل!

أذكر أنني كنت يوما مع أستاذ الطهارة والصلاة، فقلت له: على ماذا كان يسجد الرسول؟ فقال: كان يسجد على الحصير والتراب فقلت: بما أنَّ الرسول كان يسجد على التراب والحصير فالسجود عليهما مستحب ويلزمنا السجود عليهما اقتداءا بالرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم!

فتلعثم الأستاذ وقال: لا لا لا يجوز ذلك، ألا تعلم أنَّ الشيعة يسجدون على التراب؟!!!

وتبقى مسألة السجود على التربة مسألة فقهية انفرد بها الإمامية عن المذاهب الأربعة، وهذا لا يؤثر عليهم كما لم يؤثر تجويز أبي حنيفة السجود على العذرة (2)! على المذهب الحنفي. فاختلاف الإمامية عن المذاهب الأربعة في هذه المسألة هو كاختلاف المذاهب الأربعة بعضها عن بعض فالمسألة لا تحتمل كل هذه الضجّة. وإني لأعجب من هذا الذي ينكر على الشيعة سجودهم على التراب ويرضى لنفسه أن يسجد على السجاد مما لم يكن على عهد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم!

هذه أهم الشبهات المثارة على الشيعة الإمامية وهي كما رأينا ليست بشبهات وإنما وجدت لتصد الناس عن الحق. ومن كان في نفسه شئ فليراجع كتب الإمامية فإنها لم تترك شبهةً إلاّ وردتها بالحجج الدامغة ولم تترك أي إشكال إلاّ وأجابت عنه.

____________

1 - صحيح البخاري: كتاب التيمم، حديث رقم 2.

2 - راجع بداية المجتهد، ابن رشد: ج 1.


الصفحة 650

 

حصحص الحق

بعد كل هذا، نجد الحق واضحا لطلابه. فقد رأينا المذاهب الأربعة بلا دليل لها عليه، ورأينا وجوب إضافة آل البيت عليهم‌السلام للكتاب والسنة، لأن الرسول قرنهما معا، وأمر بالتمسك بهما، ورأينا أدلة الإمامية ومدى قوتها، أصلها ثابت وفرعها في السماء.

إذا أنت تبغي لنفسك مذهبا
 

 

ينجيك يوم الحشر من لهب النار
 

فدع عنك قول الشافعي ومالك
 

 

وأحمد والمروي عن كعب أحبار
 

ووال أناسا نقلهم وحديثهم
 

 

روى جدنا عن جبرئيل عن الباري
 

وقال أحدهم:

كثر الشك والخلاف وكل
 

 

يدعي الفوز بالصراط السوي
 

فاعتصامي بلا إله سواه
 

 

ثم حبي لأحمد وعلي
 

فاز كلب بحب أصحاب كهف
 

 

كيف أشقى بحب آل النبي
 

وقد اتهم الشافعي بالتشيع (1) لقوله:

يا راكبا قف بالمحصب من منى
 

 

واهتف بساكن خيفها والناهض
 

سحرا إذا فاض الحجيج إلى منى
 

 

فيضا كما نظم الفرات الفائض
 

إن كان رفضا حب آل محمد
 

 

فليشهد الثقلان أني رافضي (2)
 

وفي علي بن أبي طالب عليه‌السلام يقول ابن أبي الحديد:

ولقد رأيت دين الأعتزال وإنني
 

 

لأجلك أهوى كل من يتشيع
 

وقال الشاعر النصراني

لا تقل شيعة هواة علي
 

 

إن في كل منصف شيعيا
 

____________

1 - حيث اتهمه كل من ابن النديم وأبي عبيدة ويحيى بن معين وابن أبي حاتم الرازي.

2 - تفسير الرازي: 9/595، تاريخ مدينة دمشق: 5/317.


الصفحة 651
 

وختاما نضع بين أيدي الباحثين مجموعة من الكتب لمن أراد المزيد من البحث في هذا الموضوع:

1 - الغدير: للأميني ورد في كتابه على ابن حزم وابن تيمية وابن كثير وابن عبدربه والآلوسي وجار الله والقصيمي...

2 - الإمام الصادق والمذاهب الأربعة: أسد حيدر.

3 - إحقاق الحق: للتستري.

4 - الصوارم المهرقة في جواب الصواعق المحرقة: للتستري.

5 - عبقات الأنوار: اللكهنوي.

6 - منهاج الشريعة في الرد على منهاج السنة: للسيد مهدي بن صالح القزويني.

7 - هوية التشيع: الدكتور أحمد الوائلي.

8 - معالم المدرستين: مرتضى العسكري.

9 - بحوث في الملل والنحل: جعفر السبحاني.

10 - شبهات حول الشيعة: عباس الموسوي.

11 - المراجعات: عبد الحسين شرف الدين.

12 - كتب معتنقي مذهب أهل البيت عليهم‌السلام المذكورة.

وبهذا نكون قد أتينا على نهاية ما أردنا ثبته بحمد الله وتوفيقه. اللهم اجعله عملا خالصا لوجهك الكريم وتقبله منا واعف عنا واغفر لنا بجاه محمد وآله الطاهرين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين.

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة