الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة 601

عن أبينا عن جدّنا ذي المعالي
 

 

سيد المرسلين عن جبريل
 

وكذا قال جبرائيل عن الله
 

 

بلا شبهة ولا تأويل
 

قال الصادق عليه‌السلام: والله ما نقول بأهوائنا ولا نقول برأينا، ولا نقول إلاّ ما قال ربنا، فمهما أجبتك فيه بشئ فهو عن رسول الله، لسنا نقول برأينا من شئ.

وسأل رجل أبا عبد الله - الصادق - عن مسألة فأجابه فيها، فقال الرجل: أرأيت إن كان كذا وكذا ما يكون القول فيها؟ فقال له: مه، ما اجبتك فيه من شئ فهو عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، ولسنا من: (أرأيت) في شئ.

وقال الإمام الباقر عليه‌السلام: لو حدثناكم برأينا ضللنا، كما ضل من كان قبلنا، ولكنا نحدثكم من ربنا، بينها لنبيه لنا.

وقال عليه‌السلام: إنا لو كنا نحدثكم برأينا وهوانا لكنا من الهالكين، ولكنا نحدثكم بأحاديث نكنزها عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كما يكنز هؤلاء ذهبهم وفضتهم.

وقد عاتب أحدهم ابان بن تغلب على ولائه للإمام الباقر عليه‌السلام وروايته عنه فقال:

كيف تلومونني في روايتي عن رجل ما سألته عن شئ إلاّ قال: قال رسول الله (1).

هذا هو منهج أهل البيت في الرواية. فلو قبلت الأمة بهم ومارسوا دورهم في قيادة الأمة، لما احتجنا إلى كتب الجرح والتعديل، والبحث في أحوال الرواة... فمنهج أئمة أهل البيت في الرواية هو المنهج الأصيل، الذي يحفظ السنة من الضياع والتلاعب في دلالتها.

والطريقة التي اتبعها المحدثون - من أهل السنة - في الرواية، غير مجدية قياسا لطريقة أئمة آل البيت، بل يحيطها كثير من الإشكالات وقد تحرمنا كثيرا من النصوص الصحيحة. فمثلا إذا واجه علماء الحديث حديثا في سلسلة رواته راو مجهول، فيحكمون بضعف الحديث ولا يأخذون به. واحتمال كون الراوي المجهول ثقة وارد! ومعناه احتمال

____________

1 - راجع هذه الروايات في كتب الإمامية.


 

الصفحة 602

 

كون الحديث صحيحا! ولكن لما خفي حال الراوي المجهول على المحدثين أسقطوا الحديث.

ونحن بهذه الطريقة نحرم من كثير من الأحاديث، وذلك بسبب قصور علماء الحديث عن معرفة حال الراوي المجهول. ألا يكون حال الامة لو اختارت من البداية أئمة آل البيت قادة لها أفضل؟ فلاتقع في هذه الإشكالات، ولانتوقف عن العمل بكثير من الأحاديث.

ولا يأخذ المحدثون بالحديث المنقطع (1) بسبب جهالة الراوي مع احتمال كون الراوي ثقة وارد، والذي يساوي صحة الحديث، ولكن لقصور المحدثين عن معرفة الراوي الساقط لم يأخذوا بالحديث. وهذا يحرمنا من كثير من الأحاديث!

ولا يأخذ المحدثون بالحديث المعضل (2) بسبب عدم اتصال السند وجهالة الرواة الساقطين. واحتمال كون الحديث صحيحا وارد، ولكن لعدم معرفة علماء الحديث الرواة الساقطين حكموا عليه بالضعف، وبذلك نحرم نحن من أمثال هذه الأحاديث بسبب قصور المحدثين!

ولا يأخذ المحدثون بالحديث المرسل (3)، نتيجة جهالة الراوي الساقط، مع أنَّ هذا الراوي قد يكون ثقة، ولكن قصور المحدثين هو الذي حرمنا من هذه الأحاديث!

فالعلة في حرماننا من هذه الأنواع من الأحاديث هي قصور المحدثين عن معرفة الراوي المجهول، وبسبب الرواة الذين يسقطون من يروون عنه.

فبدلا من كل هذه الإشكالات التي تحرمنا من أحاديث قد تكون صحيحة، جعل الله لنا طريقة أسهل وأضمن لتلقي السنة. وهي الرجوع لأئمة آل البيت الذين يروون عن جدهم بسند متصل لا لَبسَ فيه ولا جهالة ولا أي علة.

____________

1 - هو الحديث الذي سقط من إسناده راو قبل الصحابي أو ذكر فيه رجل مبهم ويشترط أن يكون الساقط واحدا فقط أو اثنين لا على التوالي.

2 - هو ما سقط من إسناده في أي موضع كان راويان فأكثر على التوالي كأن يقول مالك: قال رسول الله مسقطا صحابيا وتابعيا على التوالي.

3 - هو الحديث الذي يرفعه التابعي إلى النبي من غير ذكر لمن أخذ عنه، وهو ضعيف عند جمهور المحدثين.


الصفحة 603

 

فطريقة أهل السنة في التعامل مع الرواية، تحرمنا كثيرا من النصوص التي تفيدنا في العقيدة والشريعة والأخلاق، وما ذلك إلاّ بسبب إهمال الرواة، إذ أسقطوا من رووا عنه، أو بسبب قصور المحدثين عن معرفة حال الراوي المجهول.

فإذا عجز المحدثون عن معرفة الرواة المجهولين، وإذا أسقط الرواة من رووا عنه، فما ذنبنا نحن أن نحرم من هذه الفيوضات النبوية والتي نحتمل صحتها؟!!

إذن يلزمنا القول بأنّ الله عزَّ وجلَّ قد تكفل بإيصال السنة النبوية كاملة صحيحة.

وليس هناك طريقة إلاّ التي ذكرنا.

ولنسأل أنفسنا: هل يقبل الله بطريقة أهل السنة في التعامل مع الأحاديث؟ هل يرضى الله بإسقاط حديث ما نتيجة جهالة الراوي عند المحدثين، مع علم الله أنَّ هذا الراوي من أضبط الناس وأعدلهم؟!

هل يقبل الله بإسقاط حديث ما نتيجة عدم معرفة المحدثين للراوي أو الرواة الساقطين عن سنده، مع علم الله بهم وبعدالتهم؟!

وهل يرضى عزوجل بتضييع سنة نبيه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحرمان عباده منها وقد أمرهم بالتمسك بها. كلا إنَّ الله هيأ الأسباب لإيصال السنة كاملة صحيحة قطعية في دلالتها، ولكن الأمة هي التي جنَت على نفسها إذ أخطأت الطريق ولم تقبل الوَصفة الإلهية باتباع آل البيت.

بعد هذا أعود فأقول: لماذا لا يأخذ أهل السنة دينهم عن أئمة آل البيت؟ بل لنا أن نقول: لماذا لا نجد ذكرا لأئمة آل البيت عندهم؟

لقد بقيت أربع سنوات في دراستي وما سمعت أحد مشايخنا يذكرهم بشئ، اللهم إلاّ مرة قال أحد أساتذتنا: إنَّ جعفر الصادق كان سنيّا!! وهو قول مع احترامي لقائله يُضحك الثكلى. فإذا كان سنيا فلم لا نجد علومه - والتي ملأت الخافقين - عند أهل السنة؟! أليس هو استاذ مالك وأبي حنيفة؟! نحن لسنا بصدد مناقشة هذا القول لأنه لا يحتاج إلى نقاش، والبين لا يحتاج إلى بيان.


الصفحة 604

 

ما بعد الغيبة الصغرى

قلنا إنَّ الغيبة الصغرى للمهدي عليه‌السلام بدأت سنة 260 هـ‍ واستمرت حتى سنة 329 هـ‍، والغيبة الكبرى مستمرة منذ انتهاء الغيبة الصغرى حتى يظهره الله. وقد يسأل البعض كيف نتلقى الإسلام وقد غاب الإمام الموكل ببيان الإسلام للناس؟

فنقول: إنّ أئمة أهل البيت كانوا يعلمون بغيبة الإمام المهدي عليه‌السلام لذلك وضعوا برنامجا كاملا لكيفية تلقي الإسلام بعد الغيبة، وهو الرجوع إلى رواة حديثهم. وأئمة الهدى وضعوا القواعد العامة لكيفية التعامل مع الرواية إلى غيرها من تفصيلات هذا الموضوع الموجودة في كتب الإمامية الباحثة في هذا الشأن.

ولقد دأب أئمة آل البيت على نشر علوم الإسلام كلما سنحت لهم الفرصة. وفي عهد الإمام الصادق عليه‌السلام فتح المجال أمامه - أكثر من غيره - لنشر الفكر الإسلامي فكان يلقي دروسه على تلاميذه الذين بلغوا أربعة آلاف تلميذ. وكان هناك أربعمائة تلميذ من خواص الصادق عليه‌السلام، وكان لكل واحد منهم مصنَّفٌ يتضمن ما سمعه من الإمام. وسميت هذه الأربعمائة مصنف ب‍ (الأصول الأربعمائة)، ونقلها فيما بعد محدثو الإمامية إلى كتبهم الحديثية.

وأما كتب الحديث عند الإمامية فهي:

1 - (الكافي) لأبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني الرازي (ت/329 هـ‍). صنفه مؤلفه في 34 كتابا و 326 بابا، وعدَّة أحاديثه 16199 حديثا.

2 - (من لا يحضره الفقيه) لأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي الصدوق (ت/381 هـ‍).

جزأه مؤلفه أربعة أجزاء، وبوبه 666 بابا وضمنه 5998 حديثا.

3 - (تهذيب الأحكام) لأبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي (ت/460 هـ‍) عدة أبوابه 393 بابا، وعدد أحاديثه 13590 حديثا.


 

الصفحة 605

 

4 - (الاستبصار فيما اختلف من الأخبار) لأبي جعفر الطوسي أيضا عدد أحاديثه 5511 حديثا.

5 - (الوافي) للشيخ محمد بن مرتضى المدعو بمحسن الكاشاني يحتوي 14 كتابا و 50000 حديث.

6 - (وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة) لمحمد بن الحسن الحر العاملي.

عدد أحاديثه 35850 حديثا.

7 - (بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار) لمحمد باقر بن محمد تقي المجلسي طبع على الحروف في 110 مجلدات.

8 - (مستدرك الوسائل ومستنبط الدلائل) لميرزا حسين النوري. فيه زهاء ثلاثة وعشرين ألف حديث، استدركها مؤلفه على كتاب وسائل الشيعة للحر العاملي (1).

وأشهر هذه الكتب: الأربعة الأولى، وهي تعرف بالكتب الأربعة. يقول السيد العسكري: " هكذا أصبحت الموسوعات الحديثية الأربع منذ تأليفها إلى عصرنا الحاضر محور البحوث الفقهية بمدرسة أهل البيت، يرجع إليها فقهاؤهم لاستكشاف سنة الرسول في الأحكام، ومنها يستنبطون أحكام الإسلام بعد القرآن. وقد مر بنا أنَّ الموسوعات الحديثية الأربع أخذت الحديث من الأصول والمدونات الحديثية الصغيرة، وأنّ الأصول والمدونات الحديثية الصغيرة كانت قد أخذت الحديث من أئمة أهل البيت.

وأنَّ أئمة أهل البيت كانوا يبرؤون من القول بالرأي، وإنما كانوا يعتمدون جامعة الإمام علي في بيان الأحكام، وأنَّ جامعة الإمام علي قد أملاه رسول الله على الإمام وكتبه الإمام بخطه " (2).

قال الشيخ البهائي - من كبار الإمامية -: " إنَّ جميع أحاديثنا إلاّ ما ندر تنتهي إلى

____________

1 - راجع هذه المعلومات في كتاب: أصول الحديث، الدكتور الفضلي: ص 51 - 61 مع تصرف منا واختصار.

2 - معالم المدرستين: 2/322.


 

الصفحة 606

 

الأئمة الاثني عشر، وهم ينتمون فيها إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وما تضمنته كتب الخاصة - أي الشيعة - من الأحاديث المروية عن أئمتهم عليهم‌السلام تزيد على ما في الصحاح الستة بكثير كما يظهر للمتتبع، وقد بلغت مرويات راو واحد، وهو أبان بن تغلب عن الإمام الباقر ثلاثين ألف حديث، وقد جمع القدماء من المحدثين هذه المرويات في أربعمائة كتاب عرفت عند المحدثين بالأصول، ثم جمعها من تأخر عنهم في الكتب الأربعة، تسهيلا على طالب تلك الأخبار " (1).

" وفي أعيان الشيعة أنَّ الأصول الأربعمائة قد بقي بعضها إلى العصور المتأخرة في خزائن الكتب عند علماء الشيعة كالحر العاملي والمحاسبي والمعاصر الميرزا حسين النوري، وغيرهم، وتلف أكثرها ولكن مضامينها محفوظة في مجاميع كتب الحديث، لأن علماءنا من أوائل المائة الرابعة إلى النصف الأول من القرن الخامس قد أخذوا كتبهم منها " (2).

قال الدكتور الفضلي: " وكانت الغيبة الصغرى، ومن خلال الدور الذي قام به السفراء تمهيدا للغيبة الكبرى، كي يعتمد الشيعة من بعد السفراء على الاستقلال بأنفسهم، وذلك بالرجوع إلى العلماء بالتشريع الذين أطلق عليهم فيما بعد ب‍ (نواب الإمام)، وقد عبر عن وظيفتهم الشرعية ب‍ (النيابة العامة).

وقد تم هذا في هدي التوقيع الشريف الصادر من الإمام المهدي عليه‌السلام، والذي يقول فيه: " وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله عليهم " (3).

وقد رسم الأئمة للناس طريقا يسيرون عليه وهو التقليد، يقول الإمام الحسن

____________

1 - الاصول العامة للفقه الجعفري، هاشم معروف الحسني: ص 80 عن الوجيزة.

2 - المصدر السابق: ص 94.

3 - تاريخ التشريع الإسلامي: ص 222 - 223.


 

الصفحة 607

 

العسكري عليه‌السلام: " فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظا لدينه مخالفا لهواه مطيعا لأمر مولاه فللعوام أن يقلِّدوه " (1).

ومن هنا فإنَّ الشيعة يرجعون للعلماء لمعرفة أحكام الإسلام. فبعد دراسة لمختلف العلوم الإسلامية يقوم المجتهد - الذي تتوفر فيه شروط المرجعية ويسمى بالمَرجِع - بكتابة رسالةٍ عمليِّة وهي عبارة عن كتاب يحوي مسائل الفقه فيأخذه العامي ويطبِّق ما فيه من أحكام. والتقليد يكون في المسائل الشرعية، أما الجانب العقيدي فلا تقليد فيه.

هذه صورةٌ مختصرة عن كيفية تلقي الإسلام بعد الغيبة الصغرى، ومن أراد التوسّع في هذا الموضوع فليرجع إلى كتب الإمامية المختصة بهذا الشأن.

ولا بد من القول أنّ علماء الإمامية يعتمدون في استنباط الأحكام الشرعية على الكتاب والسنة وكفى بهما من مصدرين.

قال أحمد أمين: " ومنحى الفقه الشيعي يشبه الفقه السني في اعتماده على الكتاب والسنة " (2).

وقال أبو زهرة: " ولا شك أنها - الشيعة - في كل ما تقول تتعلق بنصوص قرآنية أو أحاديث منسوبة إلى النبي " (3).

وقال الأستاذ محمد النبهان - مدير دار الحديث الحسنية الرباط -: " ونستطيع أن نقول أنَّ المنهج الاجتهادي للمذهب الشيعي مستمد من المنهج الذي اعتمده الإمام الصادق " (4).

____________

1 - الاحتجاج: 2/263.

2 - ضحى الإسلام: 3/276.

3 - تاريخ المذاهب الإسلامية: ص 39.

4 - المدخل للتشريع الإسلامي: ص 299.


 

الصفحة 608

 

علم الإمام

يتهم بعضهم الشيعة بأنَّهم يعتقدون بأنَّ الأئمة يعلمون كل شئ. وهذا كذب على الشيعة، وما يوجد في بعض كتبهم من هذه الأقوال فهي ساقطة. ولا يعتد بها لمخالفتها صريح القرآن، والقاعدة في المدرسة الإمامية لقبول أي رواية هو عرضها على كتاب الله، فإن وافقته يؤخذ بها وإن خالفته يضرب بها عرض الجدار. والقرآن يقول: ( قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّـهُ ) (1) فأي رواية عند الإمامية تخالف هذا النص فإنه يضرب بها عرض الجدار.

والله عزوجل أطلع نبيه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على بعض الغيبيات ( عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ ) (2) وعلم الأئمة هو علم الرسول فقط.

قال الإمام الصادق عليه‌السلام مخاطبا أبا بصير المرادي: إنَّ علم علي بن أبي طالب عليه‌السلام من علم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فعلمناه نحن فيما علمناه، فاللهَ  فاعبد وإياهُ  فارجُ.

وقال عليه‌السلام: أترون الأمر إلينا نضعه حيث نشاء؟ كلا والله، إنه لعهد من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى رجل فرجل حتى ينتهي إلى صاحبه.

يقول المفسر الإمامي الطبرسي: " لقد ظلم الشيعة الإمامية مَن نسب إليهم القول بأنَّ الأئمة يعلمون الغيب، ولا نعلم أحدا منهم استجاز الوصف بعلم الغيب لأحد من الخلق. فأما ما نقل عن أمير المؤمنين عليه‌السلام ورواه الخاص والعام من الإخبار بالغائبات في خطب الملاحم وغيرها مثل الإيماء إلى صاحب الزنج، وإلى ما ستلقاه الأمة من بني مروان، وما إلى ذلك مما أخبر به هو وأئمة الهدى من ولده. أمَّا هذه الأخبار فإنها متلقّاةٌ عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مما أطلعه الله عليه، فلا معنى لنسبة مَن يروي عنهم هذه الأخبار

____________

1 - النمل: 65.

2 - الجن: 27 و 26.


 

الصفحة 609

 

المشهورة إلى أنه يعتقد كونهم عالمين الغيب وهل هذا إلاّ سب قبيح وتضليل لهم، بل تكفير، لا يرتضيه من هو بالمذاهب خبير، والله هو الحاكم وإليه المصير " (1).

 

لا غلو في الأئمة

واتهم الشيعة بأنهم يقولون بألوهية الأئمة وأنهم يرزقون ويميتون...

وهذه الأقوال لبعض الفرق الغالية ولكنها نسبت للإمامية جهلا أو تجاهلا.

فالإمامية تبعا لأئمة الهدى تبرأوا من هذه الأقوال وكفروا قائليها.

قال الإمام الصادق عليه‌السلام لصالح بن سهل: " يا صالح، إنا والله عبيد مخلوقون، لنا رب نعبده، وإن لم نعبده عذَّبنا " (2).

وقال الإمام الرضا عليه‌السلام: " من قال بالتناسخ فهو كافر، ثم قال: لعن الله الغلاة، ألا كانوا يهودا، ألا كانوا مجوسا، ألا كانوا نصارى، ألا كانوا قدريّة، ألا كانوا مرجئة، ألا كانوا حَرورية، وقال: لا تقاعدوهم، ولا تصادقوهم، وابرأوا منهم، برئ الله منهم " (3).

قال الشيخ المفيد: " والغلاة من المتظاهرين بالإسلام، هم الذين نسبوا أمير المؤمنين والأئمة من ذريته عليهم‌السلام إلى الألوهية والنبوة، ووصفوهم من الفضل في الدين والدنيا إلى ما تجاوزوا فيه الحد، وخرجوا عن القصد، وهم ضلال كفار، حكم فيهم أمير المؤمنين عليه‌السلام بالقتل والتحريق بالنار، وقضت الأئمة عليهم بالاكفار والخروج عن الإسلام " (4).

إنَّ الأئمة عباد لله مخلوقون وفيهم جميع صفات البشر إلاّ أنَّ الله اصطفاهم وجعلهم

____________

1 - مجمع البيان - تفسير سورة هود، الآية: 123.

2 - شرح اعتقادات الصدوق.

3 - عيون أخبار الرضا، الصدوق.

4 - شرح اعتقادات الصدوق.


 

الصفحة 610

 

حججا على خلقه كي يستقيم أمر الدين ولا يقول أحد لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك.

قال مصطفى الشكعة: الإمامية " يبرؤون من المقالات التي جاءت على لسان بعض الفرق ويعدّونها كفراً وضلالا " (1).

وقال محمد فريد وجدي: " الزيدية والإمامية الذين يؤلِّفون المذهب الوسط يحاربون الشيعة الحلوليين حربا شعواء ويعتبرونهم غلاة يسيئون إلى المذهب بل يعتبرونهم مارقين عن الإسلام " (2).

وقال عرفان عبد الحميد - استاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة بغداد -: " لذا فليس إلاّ من قبيل التشويه المخزي درج تعاليم الغلاة تحت مصطلح الشيعة، ومن هنا ظهر فساد الأحكام التعسفيَّة التي أطلقها البعض على الشيعة والصور المنافية للحقيقة التي كوَّنوها عنهم، ومن قبيل ذلك ما قاله جولد زيهر، وفريد لندر، وأحمد أمين، والآخرون عن الشيعة " (3).

إنَّ الإمامية لا يغلون في أئمتهم ولكن من يقول: إنَّ مائة وأربعة عشر ألف صحابي كلهم عدول، هو الذي يغلو!

ومن يقول: إنَّ النبي يخطئ ويصوِّب له عمر ست مرات، هو الذي يغلو! والذي يغلو هو الذي ينسب للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قول: لو وقع العذاب لما نجا منه إلاّ ابن الخطاب. والذي يغلو من قال: إنَّ الشيطان يهرب من عمر، ولا يهرب من النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم. والذي يغلو من يجعل صحيحي البخاري ومسلم معصومين! فالإمامية معتدلون ولم يقولوا هذه المقالات!

____________

1 - إسلام بلا مذاهب.

2 - دائرة المعارف الإسلامية: 14/63.

3 - دراسات في الفرق والعقائد الإسلامية: ص 32.


الصفحة 611

 

عصمة الإمام

يعتقد الإمامية أنَّ الأئمة الاثني عشر معصومون كعصمة الأنبياء. وأعتقد أنّ من فهم نظرية الإمامة سيقتنع حتما بوجوب عصمة الإمام. فكما أنَّ الأنبياء يحتاجون إلى العصمة في أداء مهمتهم فكذا الأئمة. فهم والأنبياء سواء في المهام الملقاة على عاتقهم، لذلك وجبت عصمتهم. والقرآن يمنع غير المعصوم من نيل الإمامة قال تعالى: ( لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) وقد تبين ذلك في بحثنا عن الإمامة.

وعصمة آل البيت أثبتها الله في قرآنه كما في آية التطهير. وحديث الثقلين خير دليل على عصمة الأئمة، فمن لا يفترق عن القرآن فهو معصوم. وإخال أنني لست بحاجة إلى إعادة.

لقد قال أهل السنة بعدالة كل الصحابة لأنهم حملة الشريعة قال الجويني:

" والسبب في عدم الفحص عن عدالتهم، أنهم حملة الشريعة " وقال القرشي: " إنّ حفظ الدين يقتضي عدالة الصحابة إذ كيف يعد الله سبحانه بحفظ دينه ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (1). بينما حملته ونقلته عن نبيه مطعون في عدالتهم ونزاهتهم ".

فالعلة التي أوجب أهل السنة لأجلها عدالة الصحابة - وهي كونهم حملة الشريعة - هي نفسها التي أوجب الشيعة من أجلها عصمة الأئمة. والعدالة ذاتها لا تكفي لحفظ الإسلام، فقد يكون إنسان ما من أعدل الناس ولكنه يخطئ وينسى. ولو كانت العدالة كافية فيمن يبلِّغ عن الله لا كتفى الله بصفة العدالة في أنبيائه ولم يلتفت للعصمة.

ولكن الله عز وجل يعلم أنَّ العدالة غير كافية لحفظ الإسلام نصا ودلالة، لذلك أوجب العصمة فيمن يبلغ عنه. والعصمة تشمل العدالة، فكل معصوم عادل وليس كل عادل معصوم. وبهذا نرى عظمة الفكر الشيعي في طرحه لنظرية العصمة.

____________

1 - الحجر: 9.


الصفحة 612
 

والشيعة لم ينفردوا بالقول بالعصمة بل شاركهم أهل السنة هذا المقال. فأهل السنة يقولون بعصمة الأمة، فلم التشنيع على الشيعة؟ ومن كان بيته من زجاج لا يضرب بيوت الناس بالحجارة!

والقول بعصمة اثني عشر إماما هو دون القول بعدالة مائة وأربعة عشر الف صحابي.

ولابن كثير كلام في ابن تيمية يستفاد منه عصمة ابن تيمية! قال: " وبالجملة كان رحمه‌الله من كبار العلماء ممن يخطئ ويصيب، ولكن كان خطؤه بالنسبة لصوابه كنقطة في بحر لجي " (1).

إذا كان ابن تيمية يخطئ ويصيب فالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - عند أهل السنة - يخطئ ويصيب.

وقوله: " كان خطؤه بالنسبة لصوابه كنقطة في بحر لجي "، يعني أنّ احتمال خطئه نادر جدا فماذا تساوي النقطة في البحر اللجي؟!! وأهل السنة يقولون: إنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يخطئ - والعياذ بالله - وصحح له عمر أخطاءه ست مرات - نعوذ بالله - فإذا كان خطأ ابن تيمية كنقطة في بحر لجي فهو أكثر عصمة من النبي!! أليس هذا معنى كلامه؟!

وقد ذهب الحافظان نور محمد وشمس الدين الأصفهاني - وهما من علماء أهل السنة - إلى عصمة الخليفة عثمان (2).

إنَّ مسألة العصمة ليست بذاك الأمر الذي يصعب قبوله فهي صفة ضرورية للأنبياء والأئمة، تتطلبها طبيعة وظيفتهم الإلهية.

____________

1 - البداية والنهاية: 7/138.

2 - راجع الغدير/الأميني.


الصفحة 613
 

 

الفصل الخامس

شبهات ليست بشبهات

 

 


الصفحة 614

 

الصفحة 615

 

« يخطئ كثيرا من يدَّعي أنه يستطيع أن يقف على عقائد الشيعة الإمامية وعلومهم وآدابهم مما كتبه عنهم الخصوم، مهما بلغ هؤلاء الخصوم من العلم والإحاطة، ومهما أحرزوا من الأمانة العلمية في نقل النصوص والتعليق عليها باسلوب نزيه بعيد عن التعصّب الأعمى. أقول ذلك جازماً بصحة ما أدَّعي... ».

حامد داود حنفي          

- من علماء مصر         

من تقديمه لكتاب عقائد الإمامية

« ومن هنا كان الطعن على مذهب الإمامية الاثني عشرية بما وجد محشوّاً في بعض الكتب، والآراء، لا تمثل إلاّ قائلها وهو طعن لا يستحق الرد عليه من فقيه متدين.

ويكفي للرد على أمثال هذا الطعن أن نحيل الطاعن إلى أصول الإسلام عند أهل هذا المذهب والتي لا يكون المسلم مسلما إلاّ بها، وأن نرجع إلى أهل التحقيق منهم في كشف الحقيقة عن هذه الادعاءات المزعومة ».

الاستاذ أحمد الحصري     

من علماء الأزهر          

من كتابه: من الفقه الاسلامي ص 110


 

 


الصفحة 616

لماذا هذه الصورة المشوَّهة عن الشيعة؟

أكثر الباحثين - بعد ثبوت أحقية مدرسة آل البيت - يتساءلون: كيف يكون اتباع آل البيت هم الناجون مع أنهم يقولون بتحريف القرآن، والتقية، والبَداء، والرَجعة...

إنَّ أغلب الناس يحملون هذه الصورة المشوّهة عن الشيعة، وهذه نتيجة حتميةٌ، فمن أراد أن يقوِّم جماعة من خلال أقوال خصومهم فإنه حتما سيخفق في نتائجه وهذا هو الحال لأكثر من درسوا التشيع.

هذا الدكتور حامد داود حفني درس التشيع من كتب أهل السنة فأخفق في نتائجه، يقول في ذلك: " فما خرجت من هذه الدراسة الطويلة التي قضيتها متصفحا في كتب المؤرخين والنقَّاد من أهل السنة بشئ ذي بال. وما زادني اشتياقي إلى هذه الدراسة وميلي الشديد في الوقوف على دقائقها إلاّ بعداً عنها وخروجا عما أردت من الوصول إلى حقائقها...

ذلك لأنها كانت دراسة بَتراء!! أحلْت نفسي فيها على كتب الخصوم لهذا المذهب، وهو المذهب الذي يمثل شطر المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها " (1).

إنَّ من يريد الحكم على جماعة فعليه بدراسة فكرها من خلال كتبها المعتمده دون بتر وتحريف للنصوص! وبهذه الخطوة نكون قد وضعنا أرجلنا على الطريق الصحيح للبحث. " ومن البديهي أنَّ رجال المذهب أشدُّ معرفة لمذهبهم من معرفة الخصوم به، مهما

____________

1 - تقديم عقائد الإمامية: ص 13.


الصفحة 617
 

 

بلغ أولئك الخصوم من الفصاحة والبلاغة ومهما أوتوا حظاً من اللسن والإبانة عمّا في النفس... وإنَّ الباحث الذي يريد أن يدرس مجموعة ما من الحقائق في غير مصادرها الأولى ومظانها الأصيلة إنما يسلك شطَطاً ويفعل عبثا، ليس هو من العلم في شئ " (1).

ومن العوامل التي ساعدت على تكوين هذه الصورة المشوهة عن الشيعة، هو خلط كثير من المؤرِّخين والكتَّاب، بين الجعفريَّة وغيرها من الفرق. فلا أدري كيف يتربَّع على كرسي البحث من لا يستطيع الإلمام بالأمور الأولية لبحثه؟!

يقول علي عبد الواحد وافي - من علماء أهل السنة -: " إنَّ كثيرا من مؤلفينا، بل من كبارهم، أنفسهم قد خلط بين الشيعة الجعفرية وغيرها من فرق الشيعة، فنسب إلى الجعفرية عقائد وآراء ليست من عقائدهم ولا من آرائهم في شئ، وإنما ذهبت إليها فرق أخرى من فرق الشيعة ".

وقال في الحاشية: " تبدو هذه الظاهرة حتى في مؤلفات العلامة ابن تيمية! " (2).

أضف لما سبق عاملا آخر مهما وهو أنَّ الكتابات التي صدرت حديثا كلها تهاجم الشيعة، وهي تربو على مائتي كتاب. وهؤلاء الكتَّاب قد شرَّقوا وغرَّبوا فجاءوا بكل ما كتب عن التشيع قديما ولم يقصرّوا هم في الدَجَل والكذب، قاتلهم الله أنَّى يؤفكون.

وتناقل الناس هذه التهم وأصبحت مع تردادها كأنها حقائق ثابتة. ومن أغرب ما سمعت أنَّ أحد علماء السنة سأل عالما شيعيا عما إذا كان للشيعة ذيل!!

وحدثني أحد الأصدقاء من عمان قال: كنت في مطعم فأتاني شاب وقد عرف أنني شيعي فنظر إلي متعجبا وأنا آكل فقال: أنتم تأكلون مثلنا؟!!

إذا فهمنا العوامل السابقة، أستطيع أن أقول لأخي الباحث: تعال لنرى هذه الشبهات، هل هي شبهات حقا؟ أم إنها وجدت لصدِّ الناس عن الحق؟!

____________

1 - تقديم عقائد الإمامية: ص 14 - 15.

2 - بين الشيعة وأهل السنة: ص 11.


 

الصفحة 618

 

عبد الله بن سبأ وبدء التشيّع

أخطأ كثير من الكتاب قديما وحديثا حين قالوا: إنّ عبد الله بن سبأ مؤسس التشيع. فلقد ذهب بعض المحققين إلى أنَّ عبد الله بن سبأ شخصيّة لا وجود لها في التاريخ، وإنما هي من المختلقات التي انطلت على المحدِّثين.

أول من ذكر قصة عبد الله بن سبأ، ابن جرير الطبري في تاريخه، حيث ذكرها في حوادث سنة 30 هـ‍. وجاء المؤرِّخون والكتّاب بعده ونقلوا عنه ونقلوا فيما نقلوا قصة ابن سبأ بدون فحص ولا تمحيص. ولاكتها الألسن وجرت بين الخاص والعام.

وقصة ابن سبأ التي ذكرها الطبري تنحصر روايتها بطريق سيف بن عمر التميمي.

وسيف هذا متهم بالوضع والزندقة فلا يؤخذ برواياته.

قال فيه يحيى بن معين: " ضعيف الحديث، فلسٌ خيرٌ منه ".

وقال أبو داود: " ليس بشئ، كذاب "، وقال النسائي: " ضعيف متروك الحديث، ليس بثقة ولا مأمون "، وقال ابن أبي حاتم: " متروك الحديث "، وقال ابن السكن " ضعيف "، وقال ابن حبان: " يروي الموضوعات عن الأثبات اتهم بالزندقة "، وقال: " كان يضع الحديث ".

وقال ابن عدي: " ضعيف، بعض أحاديثه مشهورة وعامتها منكرة، لم يتابع عليها "، وقال الحاكم: " متروك اتهم بالزندقة " ووهاه الخطيب البغدادي (1).

وممن شك في وجود شخصية ابن سبأ الدكتور طه حسين في (الفتنة الكبرى) والدكتور علي سامي النشار. قال الأخير: " من المحتمل أن تكون شخصية عبد الله بن سبأ شخصية موضوعة، أو أنها رمزت إلى شخصية ابن ياسر كما فعل الأمويون بكلمة أبي تراب والترابيين، ومن المحتمل أن يكون عبد الله بن سبأ هو مجرد تغليف لأسم

____________

1 - راجع هذه الأقوال في كتاب: عبد الله بن سبأ، مرتضى العسكري: 1/74 - 75.


 

الصفحة 619

 

عمار بن ياسر " (1).

وشك في شخصية ابن سبأ، الدكتور محمد عمارة (2)، والدكتور أحمد محمود صبحي في (نظرية الإمامة)، والدكتور حامد داود حفني، والدكتور علي الوردي، والدكتور كامل الشبيبي، وعلي عباس صالح، والدكتور برناد لويس، وفلهوزن، وفريد ليندر، وكايتاني (3).

ونفى محمد كرد علي أن يكون التشيع من بدعة عبد الله بن سبأ، يقول في هذا: " وأما ما ذهب إليه بعض الكتاب من أنَّ مذهب التشيع من بدعة عبد الله بن سبأ المعروف بابن السَوداء، فهو وهمٌ وقلة علم بتحقيق مذهبهم، ومن علم منزلة هذا الرجل عند الشيعة وبراءتهم منه ومن أقواله وأعماله، وكلام علمائهم في الطعن فيه بلا خلاف بينهم في ذلك، علم مبلغ هذا القول من الصواب " (4).

بعد سقوط النظرية القائلة بأنَّ مؤسس التشيع عبد الله بن سبأ بقي أن نعرف مؤسس التشيع الحقيقي.

إنَّ التشيع معناه: المشايعة والمتابعة لآل البيت (5). ومن المعلوم قطعا أنَّ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دعا لحب آل بيته عليهم‌السلام ومتابعتهم في أحاديث كثيرة مرت فنقول:

التشيع يعني حب ومتابعة آل البيت عليهم‌السلام. والنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في دعوته إلى حب ومتابعة آل البيت عليهم‌السلام يعني أنَّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دعا للتشيع!!

ويبدو لي أنَّ الغرابة في قبول هذا الرأي عند بعضهم هو كلمة (التشيع) مع أنَّ الأسماء لا قيمة لها ما دام المضمون نفسه لم يتغيَّر، فالفكر الشيعي هو الفكر الذي طرحه

____________

1 - نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام: 2/28.

2 - راجع كتابه: تيارات الفكر الإسلامي: ص 203.

3 - راجع هوية التشيع/الوائلي: ص 137 - 140.

4 - خطط الشام 1/251.

5 - راجع لسان العرب، ابن منظور 8/189 مادة " شيع ".


 

الصفحة 620

 

الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، وإن غلب على أتباع آل البيت اسم الشيعة، فهذا لا يغير من المضمون شيئا، تماما كما لو كتبنا على زجاجة فيها عسل: (زيت)، فيبقى العسل عسلا.

وقد نطق الرسول نفسه بهذه اللفظة، فقد قال حين نزل قول الله ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَـٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) (1): " يا علي هم أنت وشيعتك ".

وهو الذي بذر بذرة التشيع حيث كان يدعو الصحابة إلى موالاة آله وحبهم حتى اثمرت جهوده عن التفاف ثُلَّة من الصحابة حول علي عليه‌السلام.

قال أبو حاتم الرازي: " إنَّ أول اسم ظهر في الإسلام على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، هو الشيعة، وكان هذا لقب أربعة من الصحابة هم: أبو ذر، وسلمان، والمقداد، وعمار " (2).

ذكر الخطيب البغدادي في الكفاية عن أبي عبد الله بن الأخرم الحافظ " أنه سئل: لم ترك البخاري الرواية عن الصحابي أبي الطفيل؟ قال: لأنه كان متشيِّعاً لعلي بن أبي طالب ".

قال ابن حزم: " وروينا عن نحو عشرين من الصحابة أنَّ أكرم الناس على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم علي بن أبي طالب! " (3).

قال ابن خلدون: " كان جماعة من الصحابة يتشيَّعون لعلي، ويرون استحقاقه على غيره، ولمَّا عُدل به إلى سواه تأفَّفوا من ذلك وأسفوا له، إلاَّ أنَّ القوم لرسوخ قدمهم في الدين، وحرصهم على الالفة لم يزيدوا في ذلك على النجوى بالتأفف والأسف " (4).

وقال الأستاذ محمد كرد علي: " عرف جماعة من كبار الصحابة بموالاة علي في عصر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، مثل سلمان الفارسي القائل: بايعنا رسول الله على النصح

____________

1 - البينة: 7.

2 - روضات الجنات: ص 88.

3 - الفصل في الملل والأهواء والنحل: 3/32.

4 - تاريخ ابن خلدون: 3/364.


 

الصفحة 621

 

للمسلمين والائتمام بعلي بن أبي طالب والموالاة له، ومثل أبي سعيد الخدري الذي يقول: أمر الناس بخمس فعملوا بأربع وتركوا واحدةً. ولما سئل عن الأربع قال:

الصلاة والزكاة وصوم شهر رمضان والحج وقيل: فما الواحدة التي تركوها؟ قال: ولاية علي بن أبي طالب!! قيل له: وإنها لمفروضةٌ معهنَّ؟ قال: نعم!! ومثل أبي ذر الغفاري، وعمار بن ياسر، وحذيفة بن اليمان، وذي الشهادتين خزيمة بن ثابت، وأبي أيوب الأنصاري، وخالد بن سعيد بن العاص، وقيس بن سعد بن عبادة " (1).

قال الدكتور صبحي الصالح: " كان بين الصحابة حتى في عهد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شيعة لربيبه عليٌّ، منهم:

أبو ذر الغفاري، والمقداد بن الأسود، وجابر بن عبد الله، وأبي بن كعب، وأبو الطفيل عمر بن وائلة، والعباس بن عبد المطلب وجميع بنيه، وعمار بن ياسر، وأبو أيوب الأنصاري " (2).

وقال عبد الله الأمين عن الشيعة: " وترجع إلى صحابة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذين شايعوا وناصروا سيدنا عليا رضي‌الله‌عنه في خلافة المسلمين لقناعتهم بأحقيَّته لهذا المنصب الخطير " (3).

وقال الاستاذ محمد عبد الله عنان: " من الخطأ أن يقال: إنَّ الشيعة ظهرت ولأول مرة عند انشقاق الخوارج. بل كان بدء الشيعة وظهورهم في عصر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حين أمره الله بإنذار عشيرته في الآية 214 من الشعراء: ( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) ولبَّى النبي فجمع عشيرته في بيته وقال لهم مشيرا إلى علي: هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا " (4).

____________

1 - خطط الشام: 5/251.

2 - النظم الإسلامية: ص 96.

3 - روح التشيع، عبد الله نعمة، عن دراسات في الفرق والمذاهب القديمة.

4 - روح التشيع: ص 20 عن الجمعيات السرية.


الصفحة 622

 

الشيعة والصحابة

قد فصَّلنا القول فيما مضى في عدالة الصحابة ورأينا أنَّ فيهم المؤمن والمنافق...

والشيعة ينظرون للصحابة نظرة القرآن لهم، يقول السيد مرتضى العسكري: " فإنَّ مدرسة أهل البيت ترى، تبعا للقرآن الكريم، أنَّ في الصحابة منافقين مردّوا على النفاق، ورموا فراش النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالإفك. وحاولوا اغتيال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، وأخبر عنهم الرسول أنهم يوم القيامة يختلجون دون رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فينادي: أصيحابي فيقال له:

إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، لم يزالوا مرتدِّين على أعقابهم منذ فارقتهم. وأنَّ منهم مؤمنين أثنى الله عليهم والرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في أحاديثه، وأنهم المقصودون في ما ورد من الثناء في القرآن والحديث، وقد عين النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم العلامَةُ الفارقة بين المؤمن والمنافق:

حب الإمام علي، وبغضه، ومن ثمَّ فإنهم ينظرون في حال الراوي فإن كان ممن قاتل عليا أو الأئمة من أهل البيت عليهم‌السلام وعاداهم فإنهم لا يلتزمون بأخذ ما يروي أمثال هؤلاء، صحابيا كان أو غير صحابي " (1).

ويجلي السيد شرف الدين رأي الإمامية بالصحابة فيقول: " إنَّ من وقف على رأينا في الصحابة علم أنه أوسط الآراء، إذ لم نفرط تفريط الغلاة الذين كفروهم جميعا، ولا أفرطنا إفراط الجمهور الذين وثَّقوهم أجمعين، فإنَّ الكامليَّة ومَن كان في الغلو على شاكلتهم، قالوا: بكفر الصحابة كافة، وقال أهل السنة: بعدالة كل فرد ممن سمع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو رآه من المسلمين مطلقا...

أما نحن فإنَّ الصحبة بمجردها وإن كانت عندنا فضيلة جليلة، لكنها، - بما هي ومن حيث هي - غير عاصمة. فالصحابة كغيرهم من الرجال فيهم العدول، وهم عظماؤهم وعلماؤهم، وأولياء هؤلاء، وفيهم البغاة، وفيهم أهل الجرائم من المنافقين، وفيهم مجهول الحال، فنحن نحتج بعدولهم ونتولاهم في الدنيا والآخرة، أما البغاة

____________

1 - معالم المدرستين: 1/140 - 141.


 

الصفحة 623

 

على الوصي، وأخي النبي، وسائر أهل الجرائم والعظائم كابن هند، وابن النابغة، وابن الزرقاء، وابن عقبة، وابن أرطأة، وأمثالهم فلا كرامة لهم، ولا وزن لحديثهم، ومجهول الحال نتوقف فيه حتى نتبين أمره.

هذا رأينا في حملة الحديث من الصحابة وغيرهم، والكتاب والسنة بيننا على هذا الرأي، كما هو مفصل في مظانه من أصول الفقه، لكن الجمهور بالغوا في تقديس كل من يسمونه صحابيا...

وما أشد إنكارهم علينا حين يروننا نرد حديث كثير من الصحابة، مصرحين بجرحهم أو بكونهم مجهولي الحال، عملا بالواجب الشرعي في تمحيص الحقائق الدينية، والبحث عن الصحيح من الآثار النبوية، وبهذا ظنوا بنا الظنونا، فاتهمونا بما اتهمونا، رجماً بالغيب، وتهافتا على الجهل، ولو ثابت إليهم أحلامهم، ورجعوا إلى قواعد العلم، لعلموا أنَّ أصالة العدالة في الصحابة مما لا دليل عليه، ولو تدبروا القرآن الحكيم لوجدوه مشحونا بذكر المنافقين منهم... " (1).

هذا هو رأي الشيعة في الصحابة، يقول الدكتور المصري حفنى داود: " إنَّ طريقة الشيعة في نقد الصحابة وتقسيمهم إلى عادل وجائر منهج علمي... " (2).

أما ما ينسب للشيعة من القول بارتداد الصحابة إلاَّ أربعة فإن كان هذا الارتداد بمعنى الرجوع عن الإسلام فهذا لا تقول به الشيعة، وأغلب هذه الروايات غير صحيحة.

ومسألة سب الصحابة ينهى عنها علماء الإمامية باستمرار. يقول الدكتور علي عبد الواحد وافي مدافعا عن الإمامية: " ونستبعد كذلك ما يصدر من عوامهم من أقوال وأعمال لا يقرّها فقهاؤهم، ويعتبرونها مخالفة لأصول مذهبهم، فمن ذلك أنَّ عوامهم يسبون الشيخين.

____________

1 - أجوبة موسى جار الله: ص 14 - 15.

2 - نظرات في الكتب الخالدة: ص 111.


 

الصفحة 624

 

لكن أمثال هذه الأقوال والأفعال لا يرضى عنها شيوخهم ويحكمون بحرمتها...

وإذا كنا سنحاسب الطوائف بما يفعله عوامهم وسفهاؤهم، فإنَّ حسابنا سيكون عسيرا لكثير من جماعات أهل السنة أنفسهم فلا تكاد توجد جماعة من جماعاتنا لا يصدر من عوامها وسفهائها أعمال وأقوال لا يقرها الإسلام " (1).

وقد قيل: إنَّ الإسلام شئ والمسلمين شئٌ آخر. والإسلام عند الشيعة ينهى عن السب، فلا يحمل أخطاء المسلمين الشيعة.

ثم لماذا هذه الضجة على الشيعة؟ هذه عائشة خرجت مع طلحة والزبير على الإمام الشرعي وتسببوا بقتل ثلاثين ألفا، وقال أهل السنة إنهم مجتهدون ولهم أجر! وحارب معاوية عليا عليه‌السلام وتسبب بقتل مائة ألف، وقال أهل السنة: هو مجتهد له أجر!

فلماذا لا يقال: إنَّ عوام الشيعة مجتهدون ولهم أجر؟! مع العلم أنَّ السب دون القتل، هذا معاوية تسبب لقتل مائة ألف إنسان ويعطى أجرا ولا يعطى المتكلم بضع كلمات أجراً!! فأين هذا من هذا؟!

فليقال إذن: إنَّ عوام الشيعة مجتهدون ولهم أجر، وتنتهي المسألة على أنَّ العوام حين يتكلمون على الصحابة فإن عندهم أدلة على صحة كلامهم خلافا لمعاوية وأصحاب الجمل الذين اجتهدوا أمام النصوص فالشيعة أولى منهم بالأجر!

وقد سب الصحابة أنفسهم، ومعاوية أمر بلعن علي وبقي أهل القرن الأول يلعنون عليا على المنابر ستين عاما! فكل حكم يصدر على الشيعة فإنه موجه لأهل القرن الأول فالحذر الحذر من إصدار أي حكم جزافي!!

وحتى يتأكد إخواننا الباحثون من أنَّ الشيعة يقدسون صحابة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المؤمنين فإننا نورد نبذة من هذا الدعاء الذي يردده الشيعة في أدعيتهم.

____________

1 - بين الشيعة وأهل السنة: 32 - 34 باختصار.


 

الصفحة 625

 

يقول الإمام زين العابدين عليه‌السلام: "... اللهم وأصحاب محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خاصة الذين أحسنوا الصحبة، والذين أبلوا البلاء الحسن في نصره، وكاتفوه وأسرعوا إلى وفادته، وسابقوا إلى دعوته، واستجابوا له حيث اسمعهم حجة رسالاته. وفارقوا الأزواج والأولاد في إظهار كلمته، وقاتلوا الآباء والأبناء في تثبيت نبوته وانتصروا به، وما كانوا منطوين على محبته يرجون تجارة لن تبور في مودته، والذين هجرتهم العشائر إذ تعلقوا بعروته، وانتفت منهم القرابات إذ سكنوا في ظل قرابته، فلا تنس لهم اللهم ما تركوا لك وفيك، وارضهم من رضوانك... " (1).

القرآن الكريم

كثيرا ما قرأت لكتّاب من أهل السنة يدَّعون بأنَّ الإمامية يقولون بتحريف القرآن. وقام علماء الإمامية برد هذه الافتراءات، ولا يوجد كتاب شيعي في العقائد إلاَّ ويتناول هذا الموضوع ويبرئ ساحة الإمامية من القول بالتحريف. ولكن الشئ العجيب: إنَّ هذا الاتهام ما زال يكرر: ( فَمَالِ هَـٰؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا )؟ (2).

إنَّ الله أوكل حفظ الكتب السماوية - كالتوراة والإنجيل - إلى الناس، قال تعالى عن علماء اليهود والنصارى: ( بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّـهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ) (3) لهذا وقع التحريف فيها، أما القرآن فقد تكفل الله بحفظه، قال تعالى: ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (4) لهذا فهو مصون من التحريف، والإمامية يقولون: إن القرآن الذي بين أيدينا هو نفسه القرآن الذي نزل على محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، لا نقص به ولا زيادة ولا تحريف.

____________

1 - الصحيفة السجادية: الدعاء الرابع.

2 - النساء: 78.

3 - مائدة: 44.

4 - الحجر: 9.

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة