الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة 576

 

وفي الإمام الرضا عليه‌السلام يقول أبو نؤاس:

قيل لي أنت أحسن الناس طرّاً
 

 

في فنون من الكلام النبيه
 

لك من جيد القريض مديح
 

 

يثمر الدرَّ في يدي مجتنيه
 

فعلام تركت مدح ابن موسى
 

 

والخصال التي تجمعن فيه
 

قلت لا استطيع مدح إمامٍ
 

 

كان جبريل خادما لأبيه (1)
 

وهناك كلام طويل للإمام في الإمامة، نقتطف منه اليسير. قال عليه‌السلام:

"... هل تعرفون قدر الإمامة ومحلها من الأمة، فيجوز فيها اختيارهم؟

إنَّ الإمامة أجل قدرا، وأعظم شأنا، وأعلى مكانا، وأمنع جانبا، وأبعد غورا من أن يبلغها الناس بعقولهم، أو ينالوها بآرائهم، فيقيموها باختيارهم...

إنَّ الإمامة: منزلة الأنبياء، وإرثُ الأوصياء..

إنَّ الإمامة: خلافة الله عز وجل، وخلافة الرسول، ومقام أمير المؤمنين وميراث الحسن والحسين عليهم‌السلام.

إنَّ الإمامة: زمام الدين، ونظام المسلمين، وصلاح الدنيا، وعزّ المؤمنين..

إنَّ الإمامة: رأس الإسلام النامي وفرعه السامي.

بالإمام تمام الصلاة والزكاة والصيام، والحج والجهاد، وتوفير الفئ والصدقات، وإمضاء الحدود والأحكام، ومنع الثغور والأطراف...

الإمام، كالشمس الطالعة للعالم في الافق، بحيث لا تناله الأيدي والأبصار..

الإمام: البدر المنير، والسراج الزاهر، والنور الساطع، والنجم الهادي في غياهب الدجى، والبيداء القفار ولجج البحار..

الإمام: الماء العذب على الظماء، والدال على الهدى، والمنجي من الردى..

____________

1 - وفيات الأعيان: 3/270، وفي سير أعلام النبلاء نسبها للحسن بن هانئ، وراجع نور الأبصار: 168.


الصفحة 577

 

الإمام: النار على البقاع الحارة لمن اصطلى، والدليل على المسالك، من فارقه فهالك...

الإمام: واحد دهره، لا يدانيه أحد، ولا يعادله عِدلٌ، ولا يوجد له بديل ولا له مثيل ولا نظير، مخصوص بالفضل كلُّه من غير طلب منه ولا اكتساب، بل اختصاص من المتفضِّل الوهاب. فمن ذا يبلغ معرفة الإمام ويمكنه اختياره؟ هيهات هيهات!! ضلَّت العقول، وتاهت الحلوم، وحارت الألباب، وجسرت العيون، وتصاغرت العظماء، وتحيرت الحكماء، وتقاصرت الحلماء، وحصرت الخطباء، وجهلت الألباب، وكلَّت الشعراء، وعجزت الأدباء، وعيَت البلغاء عن وصف شأن من شأنه أو فضيلة من فضائله، فأقرّت بالعجز والتقصير.

وكيف يوصف أو ينعت بكنهه، أو يفهم شئ من أمره، أو يوجد من يقوم مقامه، ويغني غناه؟ لا وكيف وأين؟!

فأين الاختيار من هذا، وأين العقول عن هذا، وأين يوجد مثل هذا، ظنوا أن ذلك يوجد في غير آل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، كذبتهم والله أنفسهم ومنَّتهم الباطل، فارتقوا مرتقى صعبا دحضا تزّل عنه إلى الحضيض أقدامهم، راموا إقامة الإمام بعقول حائرة بائرة ناقصة وآراء مضلة، فلم يزدادوا منه إلاّ بعدا... " (1).

 

من أقوال الإمام:

1 - روى بعضهم قال: كنت مع الرضا عليه‌السلام في سفره إلى خراسان، فدعا يوما بمائدة له، فجمع عليها مواليه من السودان وغيره فقلت له: جعلت فداك، لو جعلت لهؤلاء مائدة؟ قال: إنَّ الرب تبارك وتعالى واحد، والأب واحد، والأم واحدة، والجزاء بالأعمال.

____________

1 - الاحتجاج: 2/226 - 231. تحف العقول: 436 - 442.


الصفحة 578

 

2 - إنا أهل بيت نرى وعدنا علينا دينا كما صنع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

3 - قيل له: كيف أصبحت؟ فقال: أصبحت بأجل منقوص، وعمل محفوظ، والموت في رقابنا والنار من ورائنا، ولا ندري ما يفعل بنا.

4 - صديق كل امرئ عقله، وعدوه جهله.

5 - عونك للضعيف أفضل من الصدقة.

6 - الصمت باب من أبواب الحكمة.


 

 


الصفحة 579

الإمام محمد بن علي (الجواد) عليه‌السلام

(195 هـ‍ - 220 هـ‍)

الإمام التاسع من الأئمة الاثني عشر " وكان يروي مسندا عن آبائه إلى علي بن أبي طالب رضي‌الله‌عنه... " (1).

وبعد أن ذكر سبط ابن الجوزي نسب الإمام عليه‌السلام قال: " وكان على منهاج أبيه في العلم والتقى والزهد والجود " (2).

قال ابن طلحة الشافعي: " هو أبو جعفر الثاني... وإن كان صغير السن فهو كبير القدر، رفيع الذكر. القائم بالإمامة بعد علي بن موسى الرضا، ولده أبو جعفر محمد الجواد، للنص عليه والإشارة له بها من أبيه، كما أخبر بذلك جماعة من الثقات العدول " (3).

وقال محمود بن وهيب البغدادي الحنفي: " محمد الجواد بن علي الرضا، كنيته أبو جعفر.. وهو الوارث لأبيه علما وفضلا وأجل إخوته قدرا وكمالا " (4).

وقال الشبلنجي الشافعي عن المأمون: " وأحسن إليه - للجواد - وقرَّبه وبالغ في إكرامه، ولم يزل مشغوفا به لما ظهر له بعد ذلك من فضله وعلمه وكمال عقله وظهور براهينه مع صغر سنه " (5).

____________

1 - وفيات الأعيان: 4/175.

2 - تذكرة الخواص: ص 202.

3 - راجع الفصول المهمة، ابن الصباغ المالكي: ص 253.

4 - جوهر الكلام: ص 147.

5 - نور الأبصار: ص 177.


الصفحة 580

 

قال ابن حجر في الجواد عليه‌السلام: " ومما اتفق، انه بعد موت أبيه بسنة، واقف والصبيان يلعبون في أزِّقة بغداد، إذ مرَّ المأمون ففروا ووقف محمد وعمره تسع سنين، فألقى الله محبته في قلبه، فقال له: يا غلام ما منعك من الانصراف؟ فقال له مسرعا: يا أمير المؤمنين لم يكن بالطريق ضيق فأوسعه لك، وليس لي جرم فأخشاك، والظن بك حسن أنك لا تضر من لا ذنب له، فأعجبه كلامه وحسن صورته فقال له: ما اسمك واسم أبيك؟ فقال:

محمد بن علي الرضا، فترحم على أبيه وساق جواده. وكان معه بزاة للصيد، فلما بعد عن العمار أرسل بازا على دراجة فغاب عنه ثم عاد من الجو في منقاره سمكة صغيرة وبها بقاء الحياة فتعجب من ذلك غاية العجب، ورأى الصبيان على حالهم ومحمد عندهم ففروا إلاّ محمد، فدنا منه، وقال: ما في يدي؟ فقال: يا أمير المؤمنين إنّ الله تعالى خلق في بحر قدرته سمكا صغارا، يصيدها بازات الملوك والخلفاء، فيختبر بها سلالة أهل بيت المصطفى. فقال له: أنت ابن الرضا حقا. وأخذه معه وأحسن إليه وبالغ في إكرامه. فلم يزل مشغفا به لما ظهر له بعد ذلك من فضله وعلمه وكمال عظمته وظهور برهانه مع صغر سنه. وعزم على تزويجه بابنته أم الفضل وصمم على ذلك فمنعه العباسيون من ذلك خوفا من أنه يعهد إليه كما عهد إلى أبيه، فلما ذكر لهم أنه إنما اختاره لتميزه على كافة أهل الفضل علما ومعرفة وحلما مع صغر سنه، فتنازعوا في اتصاف محمد بذلك، ثم تواعدوا على أن يرسلوا إليه من يختبره فأرسلوا إلى يحيى ابن أكثم ووعدوه بشئ كثير إن قطع لهم محمدا، فحضروا للخليفة ومعهم ابن أكثم وخواص الدولة، فأمر المأمون بفرش حسن لمحمد فجلس عليه، فسأله يحيى مسائل أجاب عنها بأحسن جواب (1) وأوضحه، فقال له

____________

1 - وسؤال يحيى هو: ما تقول - جعلني الله فداك - في محرم قتل صيدا؟ فقال الإمام أبو جعفر عليه‌السلام: قتله في حلّ أو في حرم؟ عالما كان المحرم أم جاهلا؟ قتله عمدا أو خطأ؟ حرا كان المحرم أم عبدا؟ صغيرا كان أو كبيرا؟ مبتدئا بالقتل أم معيدا؟ من ذوات الطير كان الصيدأم غيرها؟ من صغار الصيد كان أم من كبارها؟

مصرا على ما فعل أو نادما؟ في الليل كان قتله للصيد أم نهارا؟ محرما كان بالعمرة إذ قتله أو بالحج كان محرما؟ ثم فصل الإمام الجواب، فراجع الاحتجاج: 2/240 - 245. إعلام الورى: ص 335 - 338.


 

الصفحة 581

 

الخليفة: أحسنت أبا جعفر، فإن أردت أن تسأل يحيى ولو مسألة واحدة، فقال له: ما تقول في رجل نظر إلى امرأة أول النهار حراما ثم حلت له ارتفاعه ثم حرمت عليه عند الظهر ثم حلت له عند العصر ثم حرمت عليه المغرب ثم حلت له العشاء ثم حرمت عليه نصف الليل ثم حلت له الفجر، فقال يحيى: لا أدري، فقال محمد: هي أمة، نظرها أجنبي بشهوة وهي حرام، ثم اشتراها ارتفاع النهار، فأعتقها الظهر، وتزوجها العصر، وظاهر منها المغرب، وكفر العشاء، وطلقها رجعيا نصف الليل، وراجعها الفجر. فعند ذلك قال المأمون للعباسيين قد عرفتم ما كنتم تنكرون " (1).

وفي رواية: " فأقبل المامون على من حضره من أقربائه وقال لهم: إنَّ أهل هذا البيت خصوا من دون الخلق بما ترون من الفضل، وإن صغر السن فيهم لا يمنعهم من الكمال. أما علمتم أنَّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إفتتح دعوته بدعاء أمير المؤمنين علي، وهو ابن عشر سنين، وقبل منه الإسلام، وحكم له به. ولم يدع أحدا في سنه غيره.

وبايع الحسن والحسين، وهما دون ست سنين، ولم يبايع صبيا غيرهما. أفلا تعلمون الآن ما اختص الله به هؤلاء القوم؟ إنهم ذرية بعضها من بعض، يجري لآخرهم ما يجري لأولهم " (2).

أما عن موقف القاضي يحيى بن أكثم فيقول الشبلنجي الشافعي: " وظهر في وجه القاضي يحيى الخجل والتغير وعرف ذلك كل من بالمجلس " (3).

 

من أقوال الإمام:

1 - لا تكن وليُّ الله في العلانية، عدوّاً له في السر.

2 - كفى بالمرء خيانة أن يكون أمينا للخونة.

____________

1 - الصواعق المحرقة: 2/596 - 598.

2 - الاحتجاج: 2/245. إعلام الورى: ص 338.

3 - نور الأبصار: ص 178.


 

الصفحة 582

 

3 - القصد إلى الله بالقلوب أبلغ من إتعاب الجوارح بالأعمال.

4 - من استفاد أخا في الله فقد استفاد بيتا في الجنة.

5 - إياك ومصاحبة الشرير، فإنه كالسيف المسلول يحسن منظره ويقبح أثره.

6 - من أطاع هواه، أعطى عدوه مناه.


 

 


الصفحة 583

الإمام علي بن محمد (الهادي) عليه‌السلام

(212 هـ‍ - 254 هـ‍)

الإمام العاشر من الأئمة الاثني عشر " أبو الحسن علي بن محمد بن علي الرضا بن الكاظم موسى بن جعفر الصادق، العلوي الحسيني المعروف بالهادي... كان فقيها إماما متعبدا " (1).

وقال ابن كثير: " وأما أبو الحسن علي الهادي فهو ابن محمد الجواد... أحد الأئمة الاثني عشر، وهو والد الحسن بن علي العسكري، وقد كان عابدا زاهدا، نقله المتوكل إلى سامراء وأقام بها أزيد من عشرين سنة بأشهر " (2).

وجاء في كتاب الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي نقلا عن الإرشاد: " الإمام بعد أبي جعفر، ابنه أبو الحسن علي بن محمد، لاجتماع خصال الإمامه فيه، ولتكامل فضله وعلمه، وأنه لا وارث لمقام أبيه سواه، ولثبوت النص عليه من أبيه " (3).

قال ابن الصباغ: " قال بعض أهل العلم: فضل أبي الحسن علي بن محمد الهادي، قد ضرب على الحرة قبابه، ومد على نجوم السماء أطنابه، فما تعد منقبة إلاّ وإليه نحيلتها، ولا تذكر كريمة إلاّ وله فضيلتها، ولا تورد محمدة إلاّ وله تفصيلها وجملتها، ولا تستعظم حالة سنيّه إلاّ وتظهر عليه أدلتها، استحق ذلك بما في جوهر نفسه من كرم تفرَّد بخصائصه، ومجد حكم فيه على طبعه الكريم بحفظه من الشرب حفظ الراعي لقلائصه، فكانت نفسه مهذبه، وأخلاقه مستعذبة، وسيرته عادلة، وخلاله فاضلة، وميازه إلى

____________

1 - شذرات الذهب: 2/129.

2 - البداية والنهاية: 11/15.

3 - الفصول المهمة: ص 265.


 

الصفحة 584

 

العفاة واصلة، وزموع المعروف بوجود وجوده عامرة آهلة، جرى من الوقار والسكون والطمأنينة والعفة والنزاهة والخمول في النباهة، على وتيرة نبوية وشِنشِنةٍ علوية، ونفس زكية، وهمة عليّه، ولا يقاربها أحد من الأنام، ولا يدانيها، وطريقة حسنة لا يشاركه فيها خلق، ولا يطمع فيها " (1).

وقال الشبلنجي: " ومناجاته رضي‌الله‌عنه كثيرة، قال في الصواعق: كان أبو الحسن العسكري وارث أبيه علما وسخاءا " (2).

بعث المتوكل العباسي يحيى بن هرثمة لجلب الإمام عليه‌السلام. يقول يحيى: " فذهبت إلى المدينة، فلما دخلتها ضج أهلها ضجيجا عظيما، ما سمع الناس مثله، خوفا على علي، وقامت الدنيا على ساق، لأنه كان محسنا إليهم، ملازما للمسجد، لم يكن عنده ميل إلى الدنيا، قال يحيى: فجعلت أسكنهم، وأحلف لهم أني لم أؤمر فيه بمكروه، وأنه لا بأس عليه، ثم فتشت منزله، فلم أجد إلاّ مصاحف وأدعية، وكتب العلم، فعظم في عيني " (3).

وسُعي بالإمام الهادي إلى المتوكل مرة أخرى وهو في سامراء وقيل له: إنَّ في منزله سلاحا وكتبا وغيرها من شيعته، فوجه إليه من الأتراك وغيرهم من هجم عليه في منزله على غفلة ممن في داره، فوجده في بيت وحده مغلق عليه، وعليه مدرعة من شعر، ولا بساط في البيت إلاّ الرمل والحصى، وعلى رأسه ملحفة من الصوف، متوجها إلى ربه، يترنم بآيات من القرآن في الوعد والوعيد فأخذ كل ما وجد عليه، وحمل إلى المتوكل في جوف الليل، فمثل بن يديه، والمتوكل يشرب وفي يده كأس، فلما رآه أعظمه وأجلسه إلى جنبه، ولم يكن في منزله شئ مما قيل فيه، ولا حالة يتعلل عليه بها، فناوله المتوكل الكأس الذي في يده، فقال له عليه‌السلام: ما خامر لحمي ودمي قط، فاعفني منه

____________

1 - الفصول المهمة: ص 270.

2 - نور الأبصار: ص 149.

3 - تذكرة الخواص: ص 202.


 

الصفحة 585

 

فعافاه وقال: انشدني شعرا أستحسنه، فقال: إني قليل الرواية للأشعار، فقيل: لابد أن تنشدني فأنشد:

باتوا على قُلل الأجبال تحرسهم
 

 

غُلبُ الرجال فما أغنتهم القُللُ
 

واستُنزلوا بعد عزٍّ من معاقلهم
 

 

وأُسكنوا حفراً يا بئس ما نزلوا
 

ناداهم صارخ من بعد ما قُبروا
 

 

أين الأسرّةُ والتيجان والحُللُ
 

أين الوجوه التي كانت منعّمة
 

 

من دونها تُضرب الأستار والكللُ
 

فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم
 

 

تلك الوجوه عليها الدود ينتقلُ
 

قد طال ما أكلوا دهراً وما شربوا
 

 

فأصبحوا بعد طول الأكل قد أُكلوا
 

وطالما عمَّروا دوراً لتحصنهم
 

 

ففارقوا الدور والأهلين وانتقلوا
 

وطالما كنزوا الأموال وادّخروا
 

 

فخلّفوها على الأعداء وارتحلوا
 

أضحت منازلهم قفراً معطلةً
 

 

وساكنوها إلى الأحداث قد رحلوا
 

فبكى المتوكل بكاء طويلا حتى بلّت دموعه لحيته، وبكى من حضره، ثم أمر برفع الشراب، ثم ردَّه إلى منزله مكرما بعد أن أحسن صلته (1).

 

من أقوال الإمام:

1 - الناس في الدنيا بالأموال، وفي الآخرة بالأعمال.

2 - الدنيا سوق، ربح فيها قومٌ وخسر آخرون.

3 - الحكمة لا تنجع في الطباع الفاسدة

4 - من رضي عن نفسه كثر عليه الساخطون.

5 - إنَّ العالم والمتعلم شريكان في الرشد مأموران بالنصحية.

6 - ابقوا النعم بحسن مجاورتها، والتمسوا الزيادة فيها بالشكر عليها.

____________

1 - راجع وفيات الأعيان: 3/272. تذكرة الخواص: ص 361. مروج الذهب: 3/93. نور الأبصار:

ص 182 - 183.


الصفحة 586

 

الإمام الحسن بن علي (العسكري) عليه‌السلام

(232 هـ‍ - 260 هـ‍)

الإمام الحادي عشر. قال سبط ابن الجوزي: " كان عالما ثقة، روى الحديث عن أبيه عن جده " (1).

وجاء في الفصول لابن الصباغ المالكي نقلا عن الإرشاد: " الإمام القائم بعد أبي الحسن علي بن محمد، ابنه أبو محمد الحسن، لاجتماع خلال الفضل فيه، وتقدّمه على كافة أهل عصره فيما يوجب له الإمامة، ويقضي له بالمرتبة من العلم والورع والزهد وكمال العقل وكثرة الأعمال المقربة إلى الله تعالى، ثم لنص أبيه عليه وإشارته بالخلافة إليه " (2).

وقال ابن الصباغ: " مناقب سيدنا أبي محمد الحسن العسكري، دالة على أنه السري ابن السري، فلا يشك في إمامته أحد ولا يمتري. واعلم أنه يبعث مكرمة فسواه بايعها وهو المشتري، واحد زمانه من غير مدافع، ونسيج وحده من غير منازع، وسيد أهل عصره وإمام أهل دهره، أقواله سديدة، وأفعاله حميدة، وإذا كانت أفاضل زمانه قصيدة فهو بيت القصيد، وإن انتظموا عقدا، كان مكان الواسطة الفريدة، فارس العلوم الذي لا يجارى، ومبين غوامضها فلا يحاول ولا يماري، كاشف الحقائق بنظره الصائب، مظهر الدقائق بفكره الثاقب، المحدث في سره بالأمور الخفيات، الكريم الأصل والنفس والذات " (3).

وقال ابن حجر فيه: " وكان وارث أبيه علما وسخاءا. ومن ثم جاءه أعرابي من

____________

1 - تذكرة الخواص: ص 203.

2 - الفصول المهمة: ص 273.

3 - الفصول المهمة: ص 279.


الصفحة 587

 

أعراب الكوفة وقال: إني من المتمسكين بولاء جدِّك، وقد ركبني دين اثقلني حمله ولم أقصد لقضائه سواك، فقال: كم دينك؟ فقال: عشرة آلاف درهم فقال: طب نفسا بقضائه إن شاء الله تعالى، ثم كتب له ورقة فيها ذلك المبلغ دينا عليه، وقال له: ائتني به في المجلس العام وطالبني بها وأغلظ علي في الطلب، ففعل فاستمهله ثلاثة أيام، فبلغ ذلك المتوكل فأمر له بثلاثين ألفا، فلما وصلته أعطاها الأعرابي، فقال: يابن رسول الله إنَّ العشرة آلاف أقضي بها أربي فأبى أن يسترد منه من الثلاثين شيئا، فولى الأعرابي وهو يقول: الله أعلم حيث يجعل رسالته " (1).

وقال الشبلنجي: " ومناقبه رضي‌الله‌عنه كثيرة، ففي درر الأصداف وقع للبهلول معه أنه رآه وهو صبي يبكي والصبيان يلعبون، فظن أنه يتحسر على ما بأيديهم فقال له: اشتر لك ما تلعب به؟ فقال: يا قليل العقل ما للعب خلقنا. فقال له: فلماذا خلقنا؟ قال: للعلم والعبادة. فقال له: من أين لك ذلك؟ فقال: من قوله تعالى ( أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ) (2).

ثم سأله أن يعظه، فوعظه بأبيات، ثم خر الحسن رضي‌الله‌عنه مغشيا عليه، فلما أفاق قال له: ما نزل بك وأنت صغير لا ذنب لك؟ فقال: إليك عني يا بهلول، إني رأيت والدتي توقد النار بالحطب الكبار فلا تتقد إلاّ بالصغار، وإني أخشى أن أكون من صغار حطب جهنم " (3).

وقال عبيدالله بن الخاقان الوزير العباسي لولده أحمد - وكان منحرفا عن أهل البيت شديد التعصب عليهم -: " يا بني: لو زالت الإمامة عن خلفائنا بني العباس، ما استحقها أحد من بني هاشم غيره - أبي محمد بن علي الهادي - لفضله وعفافه، وصيانته وزهده، وعبادته، وجميل أخلاقه وصلاحه، ولو رأيت أباه لرأيت رجلا

____________

1 - الصواعق المحرقة: 2/598 - 599.

2 - المؤمنون: 115.

3 - نور الأبصار: ص 183.


 

الصفحة 588

 

نبيلا فاضلا " (1).

ودخل العباسيون على صالح بن وصيف عندما حبس أبو محمد - الإمام العسكري - فقالو له: ضيّق عليه، فقال لهم صالح: ما أصنع به؟ فقد وكلت عليه رَجلَين شرُّ من قدرت عليه، صارا من أمر العبادة والصلاة والصيام على أمر عظيم، ثم أمر بإحضار الموكلين فقال لهما: ويحكما! ما شأنكما في أمر هذا الرجل؟ فقالا: ما تقول في رجل يصوم النهار ويقوم الليل كله، لا يتكلم ولا يتشاغل بغير العبادة، وإذا نظرنا إليه أرعدت فرائصنا وداخلنا ما لا نملكه من أنفسنا (2).

ولا بأس بوقفة قصيرة نرى فيها تفسير الإمام العسكري عليه‌السلام لبعض الآيات. قال في تفسير قوله تعالى: ( الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا ) جعلها ملائمة لطبايعكم، موافقة لأجسادكم، لم يجعلها شديدة الحمى والحرارة فتحرقكم، ولا شديدة البرودة فتجمدكم، ولا شديدة اللين كالماء فتفرقكم، ولا شديدة الصلابة فتمتنع عليكم في حرثكم وابنيتكم ودفن موتاكم، ولكنه جعل فيها من المتانة ما تنتفعون به، وتتماسكون وتتماسك عليها أبدانكم وبنيانكم، وجعل فيها من اللين ما تنقاد به لحرثكم وقبوركم وكثير من منافعكم، فلذلك جعل الأرض فراشا لكم.

ثم قال: ( وَالسَّمَاءَ بِنَاءً ) يعني: سقفا من فوقكم محفوظا، يدير فيها شمسها وقمرها ونجومها لمنافعكم.

ثم قال: ( وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ) يعني: المطر ينزله من علو ليبلغ قلل جبالكم وتلالكم وهضابكم وأوهادكم، ثم فرقه رذاذا ووابلا وهطلا وطلا لينشفه أرضوكم، ولم يجعل ذلك المطر نازلا عليكم قطعة واحدة، ليفسد أرضيكم وأشجاركم وزروعكم وثماركم.

ثم قال: ( فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ ) يعني: مما يخرجه من الأرض

____________

1 - الإرشاد: ص 310.

2 - إعلام الورى: ص 390.


الصفحة 589

 

رزقا لكم ( فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّـهِ أَندَادًا ) أشباها وأمثالا من الأصنام التي لا تعقل، ولا تسمع، ولا تبصر ولا تقدر على شئ ( وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ) (1) أنها لا تقدر على شئ من هذه النعم الجليلة التي أنعمها عليكم ربكم (2).

 

من أقوال الإمام:

1 - أعرف الناس بحقوق إخوانه، وأشدهم قضاء لها أعظمهم عند الله شأنا، ومن تواضع في الدنيا لإخوانه فهو عند الله من الصديقين ومن شيعة علي بن أبي طالب عليه‌السلام حقا.

2 - من التواضع السلام على كل من تمر به، والجلوس دون شرف المجلس.

3 - من وعظ أخاه سراً فقد زانه، ومن وعظه علانية فقد شانه.

4 - من أنس بالله استوحش من الناس.

5 - لا تمار فيذهب بهاؤك، ولا تمازح فيجترأ عليك.

6 - أضعف الأعداء كيدا من أظهر عداوته.

____________

1 - البقرة: 22.

2 - الاحتجاج: 2/261 - 262.


 

الصفحة 590

 

الإمام محمد بن الحسن (المهدي) عليه‌السلام

(255 هـ‍ - حي غائب)

وهو آخر الأئمة الاثني عشر. والمهدي ليس " تجسيدا لعقيدة إسلامية ذات طابع ديني فحسب، بل هو عنوان لطموح اتجهت إليه البشرية بمختلف أديانها ومذاهبها، وصياغة لإلهام فطري، أدرك الناس من خلاله - على الرغم من تنوع عقائدهم ووسائلهم إلى الغيب - أنَّ للإنسانية يوماً موعودا على الأرض، تحقِّق فيه رسالات السماء بمغزاها الكبير وهدفها النهائي " (1).

إنَّ البشرية الآن وبمختلف تيّاراتها تنتظر المصلح والمنقذ ليخلِّصها من الظلم والجور الذي تعيشه، والفرق الإسلامية بما فيهم أهل السنة والإمامية، متفقون على ظهور رجل في آخر الزمان، يملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت ظلما وجورا، ويتفقون على أنه المهدي عليه‌السلام.

قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: " المهدي منا أهل البيت، المهدي من ولد فاطمة " (2).

وقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: " لم تنقض الأيام والليالي حتى يبعث الله رجلا من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي، يملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت ظلما وجورا " (3).

وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: " كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم " (4).

وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: " إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا، وإنَّ أهل بيتي

____________

1 - بحث حول المهدي، محمد باقر الصدر (قدس سره): ص 15.

2 - سنن ابن ماجة.

3 - سنن أبي داود: 4/104.

4 - صحيح مسلم: 1/373.


 

الصفحة 591

 

سيلقون بعدي بلاء شديدا، حتى يأتي قوم من قبل المشرق معهم رايات سود فيسألون الخير فلا يعطونه فيقاتلون فينتصرون، فيعطون ما سألوا فلا يقبلونه حتى يدفعونها إلى رجل من أهل بيتي، فيملؤها قسطا كما ملئت جورا " (1).

والأحاديث من هذا القبيل كثيرة جدا في كتب أهل السنة، وهي في كتب الشيعة أكثر.

قال ابن تيمية: " إنَّ الأحاديث التي يحتجّ بها على خروج المهدي أحاديث صحيحة رواها أبو داود والترمذي وأحمد وغيرهم من حديث ابن مسعود وغيره " (2).

وقال ابن حجر: " تواترت الأخبار بأنَّ المهدي من هذه الأمة، وأنَّ عيسى ابن مريم سينزل ويصلي خلفه " (3).

قال ابن خلدون: " اعلم أنَّ المشهور بين الكافة من أهل الإسلام وعلى مر العصور أنه لابد في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت، يؤيد الدين ويظهر العدل، ويتبعه المسلمون ويستولي على الممالك الإسلامية، ويسمى بالمهدي " (4).

وقال الشوكاني في رسالته (التوضيح في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر والمسيح):

" والأحاديث الواردة في المهدي التي أمكن الوقوف عليها: خمسون حديثا، فيها الصحيح، والحسن، والضعيف المنجبر، وهي متواترةٌ بلا شك " (5).

إذن فالاعتقاد بالمهدي، اعتقاد إسلامي، اتفق عليه السنة والشيعة، ولكن المهم في بحثنا هو ولادة الإمام المهدي عليه‌السلام: قال أهل السنة: إنه لم يولد وسيولد في آخر الزمان.

والشيعة يقولون بولادته وأنه ابن الإمام الحسن العسكري - المتقدم - ولد سنة 255 هـ‍، وما زال حيا حتى يظهره الله.

____________

1 - سنن ابن ماجة: 2/9082.

2 - إسلامنا، الرافعي نقلا عن منهاج السنة.

3 - فتح الباري: 5/362.

4 - المقدمة: ص 311.

5 - إسلامنا: ص 195.


الصفحة 592

 

 

وأعتقد أنه ليس هناك أي صعوبة في تقبّل هذا الرأي بعد أن ثبت لنا أحقية مدرسة آل البيت في قيادة الامة. على أنَّ حديث الثقلين ينص على وجود إمام من أئمة آل البيت في كل زمان، عدلا للقرآن لا يفترق عنه.

وإذا قلنا بعدم ولادة الإمام المهدي فمعنى ذلك أنَّ هناك افتراقا بين آل البيت والقرآن، وهذا خلاف الحديث فيلزمنا إثبات ولادة المهدي عليه‌السلام!

وقد كان أئمة آل البيت يبشرون بالمهدي، ويقولون إنه ابن الحسن العسكري عليه‌السلام حتى ساد هذا الاعتقاد بين الشعراء.

" يقول دعبل الخزاعي: لما أنشدت مولاي الرضا الإمام الثامن هذه القصيدة وهي قصيدة طويلة تعرف بالتائية - وانتهيت فيها إلى قول:

خروج إمام لا محالة خارجٍ
 

 

يقوم على اسم الله والبركات
 

يميز فينا كل حق وباطل
 

 

ويجزي على النعماء والنقمات
 

بكى الرضا ثم رفع رأسه إلي وقال: يا خزاعي، لقد نطق روح القدس على لسانك بهذين البيتين " (1).

كانت هذه القصيدة في زمن الرضا عليه‌السلام المولود سنة 148 هـ‍ والمتوفى سنة 203 هـ‍، والمهدي ولد سنة 255 هـ‍.

قال الطبرسي الإمامي: " إنَّ أخبار الغيبة قد سبقت زمان الحجة عليه‌السلام بل زمان أبيه وجده، وإنَّ المحدثين من الشيعة خلَّدوها في أصولهم المؤلفة في أيام السيدين الباقر والصادق عليهما‌السلام وآثروها عن النبي والأئمة واحدا بعد واحد " (2).

إنَّ القول بولادة المهدي عليه‌السلام وإنه ابن الحسن العسكري هو القول الصحيح، فإنَّ عدم ولادته إلى الآن لا يتناسب مع مهمته الملقاة عليه. فمن المتّفق عليه أنَّ المهدي يحيي

____________

1 - نور الأبصار: ص 170.

2 - إعلام الورى: ص 416.


الصفحة 593
 

شريعة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويأتي بالإسلام الخالص كما أنزله الله، فلو قلنا إنَّ المهدي لم يولد بعد، فكيف يمكنه الأتيان بالإسلام الخالص بعد انقطاع الوحي (1)؟! كيف سيحرز الإسلام الصحيح وسط هذه الاختلافات بين المذاهب وبعد ضياع السنة؟!!

فقول الإمامية: إنَّ الإمام المهدي ابن الحسن العسكري، وإنه ورث من أبيه الإسلام الصحيح الذي أملاه الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على عليٍّ عليه‌السلام وكتبه بخطه، هو القول المناسب والصحيح.

وقد ذهب كثير من جهابذة علماء أهل السنة إلى الاعتقاد بولادة المهدي عليه‌السلام.

يقول الدكتور مصطفى الرافعي: " ولد الإمام المهدي في سامراء عام 255 هـ‍ - وكان يوم الجمعة - وفي ليلة النصف من شعبان وذلك اثر عهد المعتز العباسي المعروف بأنه كان شديد القسوة على الإمام العسكري، وحريصا على القضاء عليه قبل أن ينجب آخر قادة أمة الإسلام وخاتم أوصياء نبي الإسلام المهدي المنتظر. ويشاء القدر أن يطاح بالمعتز العباسي ويبايع بالخلافة لمحمد المهتدي وتتم ولادة الإمام القائد بشكل هادئ.

وليس أدل على ابتهاج الإمام العسكري بوليده القائم المنتظر، ولِما يؤمَّل فيه من خير عميم للإسلام والمسلمين، أنه أمَر أنْ يتصدق شكرا لله على ما أنعم بعشرة آلاف رطل من الخبز ومثلها من اللحم، وأنْ يعقَّ عنه ثلاثمائة رأس من الغنم ".

قال: " وقبل أن أعرض لفكرة المهدي في ضوء الكتاب والسنة والعقل والحكمة، أودُّ أن أشير إلى أنَّ القائلين بظهور المهدي - وأنه الآن على قيد الحياة - ليسوا الشيعة الإمامية وحدهم، بل إنَّ كثيرا من علماء السنة وافقوهم في اعتقادهم هذا... " (2).

وقد تتبع علماء الشيعة أقوال علماء السنة الذين قالوا بولادة الإمام المهدي عليه‌السلام.

وقام الأستاذ ثامر هاشم العميدي بجمع وترتيب أسماء هؤلاء العلماء بحسب القرون فكانوا (128) عالما اخترنا منهم:

____________

1 - أخذنا هذه الفكرة من كتاب (في انتظار الإمام) للدكتور عبد الهادي الفضلي فراجعه.

2 - إسلامنا: ص 187 - 188.


 

الصفحة 594

 

1 - محمد بن هارون أبو بكر الروياني (ت/307 هـ‍)، في كتابه: المسند (مخطوط).

2 - أبو نعيم الأصبهاني (ت/430 هـ‍) في: الأربعين حديثا في المهدي.

3 - أحمد بن الحسين البيهقي (ت/458 هـ‍) في: شعب الإيمان، ط 1، دار المعارف - الهند.

4 - الخوارزمي الحنفي (ت/568 هـ‍) في: مقتل الإمام الحسين عليه‌السلام، كما في الإمام المهدي في نهج البلاغة.

5 - محيي الدين بن العربي (ت/638 هـ‍) في: الفتوحات المكية، باب 366 في المبحث الخامس والستين كما في اليواقيت والجواهر للشعراني.

6 - كمال الدين محمد بن طلحة الشافعي (ت/652 هـ‍) في: مطالب السؤول.

7 - سبط ابن الجوزي الحنبلي (ت/654 هـ‍)، في: تذكرة الخواص.

8 - محمد بن يوسف أبو عبد الله الكنجي الشافعي (المقتول سنة/658 هـ‍) في كتابه: كفاية الطالب.

9 - الجويني الحموئي الشافعي (ت/732 هـ‍) في: فرائد السمطين 2/337، طبع بيروت.

10 - نور الدين علي بن محمد بن الصباغ المالكي (ت/855 هـ‍)، في: الفصول المهمة.

11 - جلال الدين السيوطي (ت/911 هـ‍) في رسالته: إحياء الميت بفضائل أهل البيت عليهم‌السلام.

12 - الشيخ حسن العراقي (ت بعد/958 هـ‍) دفن قرب كوم الريش بمصر، كما في يواقيت الشعراني، في المبحث الستين.

13 - عبد الوهاب بن أحمد الشعراني الشافعي (ت/973 هـ‍) في: اليواقيت والجواهر.


 

الصفحة 595

 

14 - الشاه ولي الله أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي الحنفي (ت/1176 هـ‍) في: المسلسلات المعروف بالفضل المبين (1).

قال مصطفى الرافعي بعد ذكره لسبعة من علماء السنة الذين قالوا بولادة المهدي عليه‌السلام: " وكثير غيرهم من علماء السنة الأجلاء الذين ذاع صيتهم ويذكرون بكل إعجاب وتقدير.

هؤلاء وكثير غيرهم ممن لا يتّسع المقام لذكرهم يقولون بمقولة الإمامية من أنَّ المهدي هو محمد بن الحسن العسكري وأنه حي.. ولا يجدون في مقولتهم هذه ما يناهض العقل، وبخاصة إذا اعتبرت حياة المهدي من الأمور الخارقة للعادة كالتي أجراها الله معجزة لبعض أنبيائه أو كرامة لبعض أوليائه، وذلك كحياة المسيح والخضر من الأتقياء وإبليس والدجال من الأشقياء " (2).

قال الشيخ محمد بن يوسف الكنجي الشافعي في كتابه " البيان في أخبار الزمان ":

" من الأدلة على كون المهدي حيا باقيا بعد غيبته وإلى الآن، أنه لا امتناع من بقائه بقاء عيسى بن مريم والخضر وإلياس من أولياء الله وبقاء الأعور الدجال وإبليس اللعين من أعداء الله تعالى وهؤلاء قد ثبت بقاوهم بالكتاب والسنة " (3).

وقال الشعراني في (اليواقيت والجواهر) عن الإمام عليه‌السلام: " ومولده ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين، وهو باق إلى أن يجتمع بعيسى بن مريم عليه‌السلام، وهكذا أخبرني الشيخ حسن العراقي... ووافقه على ذلك سيدي علي الخاص " (4).

____________

1 - راجع هذه الأسماء وغيرها في كتاب: دفاع عن الكافي، ثامر العميدي: 1/569 - 592، ويمكن أن نضيف لهذه الأسماء الدكتور مصطفى الرافعي صاحب كتاب (إسلامنا) فيكون هناك (129) عالما سنيا يقولون بولادة الإمام المهدي عليه‌السلام.

2 - إسلامنا: ص 189 - 190.

3 - راجع نور الأبصار: ص 186.

4 - إسعاف الراغبين بهامش نور الأبصار: ص 187.


 

الصفحة 596

 

وقال الشيخ سليمان القندوزي الحنفي: " المحقَّق عند الثقات أنَّ ولادة القائم عليه‌السلام كانت ليلة الخامس عشر من شعبان، سنة خمس وخمسين ومائتين في بلدة سامراء " (1).

وتقول المدرسة الإمامية: إنَّ للمهدي غيبتين. قال الرافعي: " هذا وللمهدي حسب أخبار أئمة أهل البيت - غيبتان: صغرى وكبرى، فالصغرى مدتها أربع وسبعون سنة، تمتد من تاريخ ولادته (2) إلى حين انقطاع السفارة بينه وبين شيعته، وأنّ هؤلاء السفراء كانوا يرونه وينقلون منه وإليه الأسئلة والأجوبة...

وعدد هؤلاء السفراء في زمن الغيبة الصغرى أربعة لا غير، هم: عثمان بن سعيد بن عمرو العَمْري، ومحمد بن عثمان بن سعيد العمري، والحسين بن روح بن أبي بحر النُوبَختي، وعلي بن محمد السَّمري رضوان الله عليهم.

وأما الغيبة الكبرى فهي التي تحصل بعد الأولى وفي آخرها يقوم بالسيف " (3).

وقال: " وبهذا يكون الأرجح صحة فكرة المهدي باعتبارها أحد الأمور الخارقة للعادة، كالنار التي جعلها الله بردا وسلاما على إبراهيم، والعصا التي صيرها ثعبانا لموسى...

ومن هنا يكون الأولى بكل مسلم والأحوط لدينه أن يعتقد وجود المهدي حيا إلى حين ظهوره ثانية!!...

ولا نقبل الاعتراض بأنَّ المهدي من المستحيل بقاؤه حيا ما ينيف على ألف سنة، لأن طول العمر هذا جرى لغيره من قبله، كنبي الله نوح عليه‌السلام الذي لبث في قومه ألف سنة إلاّ خمسين عاما...

____________

1 - راجع: شمس المغرب: ص 11 عن ينابيع المودة: ص 452.

2 - والصحيح إن الغيبة الصغرى كانت سنة 260 هـ‍ يوم استشهاد الإمام الحسن العسكري عليه‌السلام.

3 - إسلامنا: ص 189.


الصفحة 597

 

 

روى أنس بن مالك عن النبي قوله: إنَّ نوحا عاش ألفا وأربعمائة وخمسين سنة، وإنَّ آدم عاش تسعمائة وثلاثين سنة، وإنَّ نبي الله شيث عاش تسعمائة واثنتي عشرة سنة.

وكذلك لا يقبل الاعتراض على وجود المهدي بأنه لم يشاهده أحدٌ بعد غيبته الثانية، إذ ليس كل موجود بقدرة الله يقتضي رؤيته. فالملائكة والجن من العوالم الموجودة بيننا دون أن نراها، بل الله سبحانه موجود وهو معنا أينما كنا ولكنه لا تدركه الأبصار. فهل عدم رؤيته من جانبنا دليل على عدم وجوده؟ " (1).

" نعم، ليس هناك أية غرابة في وجود المهدي. ومن ينكر بقاءه حيا يلزمه إنكار حياة عيسى والخضر، وهما قبل المهدي بآلاف السنين.

ومن ينكر وجود المهدي لكونه غائبا فلينكر وجود إبليس فهو أيضا غائب عن أنظارنا، فغيبة الإمام ليست دليلا على عدم وجوده، كما أنَّ غياب الخضر وعيسى وإبليس والدجّال ليس دليلا على عدم وجودهم.

أما لماذا غاب الإمام؟ فهذا أمره إلى الله ولا تظهر الحكمة من ذلك إلاّ بعد ظهوره، كما أنّ الحكمة لم تظهر لموسى عليه‌السلام من قتل الخضر للصبي وخرقه للسفينة... وهدمه الجدار إلاّ فيما بعد، ولكن ينبغي الالتفات إلى حقيقة مهمة وهي: أنَّ غيبة الإمام ليست من الله ولا من الإمام نفسه. بل غيبته منا.

هذا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اختفى في الغار - وإن كان لفترة قصيرة - فهل كان غيابه عن الناس من نفسه أو أنَّ الله حرم الناس رؤيته المباركة؟ أو أنَّ الناس هم السبب في غيابه إذ لاحقوه ورفضوا دعوته؟!

وهؤلاء أصحاب الكهف تواروا عن أعين الخلق وذلك بسبب الناس. وكذا الحال مع المهدي الذي كان محط أنظار الحكم العباسي.

____________

1 - إسلامنا: ص 192 - 193.


 

الصفحة 598

 

وقد ضرب أحد العلماء مثلا لتقريب الصورة فقال: لو أعطاك الطبيب وصفة وقال لك اصرفها فرميتها في البحر، فليس على الطبيب ذنب إذا تضاعف مرضك وإنما الذنب ذنبك. وهكذا الحال مع الأمة فالذنب ذنبها إذ رفضت الوصفة الإلهية في اتباع آل البيت.

وخلاصة القول: إنه لا يسوغ لمسلم أن يعتقد بأنَّ فكرة المهدي المنتظر خرافة من نسج الخيال، بل الأولى به والأجدر والأحوط لدينه اعتقادها حقيقةً ما دامت قد اعترفت بها جميع الكتب السماوية " (1).

( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ) (2)، ( وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ) (3)

____________

1 - إسلامنا: ص 200 - 201.

2 - الأنبياء: 105.

3 - القصص: 5.


 

الصفحة 599

 

فهؤلاء أئمتنا

نعم، هؤلاء هم أئمتنا حجج الله على عباده، وأمناؤه في بلاده. لقد تناقلوا علم النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كاملا واحدا بعد واحد.

وفي أبناء عليٍّ يقول أبو زهرة: " لقد قام أولئك الأبناء بالمحافظة على تراث أبيهم الفكري، وهو إمام الهدى، فحفظوه من الضياع، وقد انتقل معهم إلى المدينة...

وبذلك ننتهي إلى أنَّ البيت العلوي فيه علم الرواية كاملة عن علي رضي‌الله‌عنه، رووا عنه ما رواه عن الرسول كاملا! أو قريبا من الكامل! ورووا عنه فتاويه كاملة، وفقهه كاملا أو قريبا من الكمال، واستكنوا بهذا العلم المشرق في كن من البيت الكريم... ومهما يكن فقد كان جزء كبير من علم آل البيت هو علم علي، آل إليهم من تركته المثرية " (1).

أجلْ لقد جعل النبي علمه عند حملة الإسلام من بعده وهذا الذي يفرضه العقل والشرع. والقرآن والسنة،كيان واحد لا يفهمان إذا فقد شئٌ منهما، والنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يعلم أنَّ كثيرا من صحابته ممن حفظوا السنن وتفرَّدوا بها سيموتون في الحروب والأمراض، أو يرتدّون والسنة معهم، ولابد أنه كان يعلم أنَّ أكثر من مائة ألف صحابي لن يصل إلينا عنهم شئ وبما أنه كان يعلم كل هذا (2)، وجب القول: إنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اتخذ إجراءا حاسما لحفظ سنته من التشتت والضياع، وهو ما نقوله وننادي به.

والإجراء الحاسم هذا هو إنه جعل سنته وعلومه عند علي بن أبي طالب عليه‌السلام لتنتقل منه إلى ولده حتى ورود الحوض، وبذلك لا تضيع السنة.

____________

1 - الإمام الصادق: ص 163 - 164.

2 - وإذا لم يكن يعلم فالله يعلم فيبقى الإشكال قائما!


 

الصفحة 600

 

" قال سعيد بن أبي مريم: قيل لأبي بكر بن عياش: مالك لم تسمع من جعفر - الصادق عليه‌السلام - وقد أدركته؟ قال: سألناه عما يتحدث به من الأحاديث، أشئ سمعته؟

قال: لا ولكنها رواية رويناها عن آبائنا " (1).

وقال ابن سعد: " وسئل مرة - جعفر الصادق -: سمعت هذه الأحاديث من أبيك؟

فقال: نعم، وسئل مرَّة فقال: إنما وجدتها في كتبه " (2).

" وكان عند محمد بن علي الباقر بن علي بن الحسين كتب كثيرة، سمع بعضها منه ابنه جعفر الصادق وقرأ بعضها " (3).

نعم، فأئمة آل البيت لا يروون إلاّ عن آبائهم أو من الكتب التي يتوارثونها.

ووالِ أُناساً قولهم وحديثهم
 

 

روى جدنا عن جبرئيل عن الله
 

وليس عند أئمة آل البيت قياس ولا استحسان ولا رأي، وإنما هو كتاب أو سنة منقولة عن الرسول، عن جبريل، عن الله.

سئل الإمام الصادق عليه‌السلام: بأي شئ يفتي الإمام؟ فقال: بالكتاب. فقال السائل:

فما لم يكن في الكتاب؟ فقال الصادق: بالسنة. فقال السائل: فما لم يكن في الكتاب والسنة؟ فقال: ليس شئ إلاّ في الكتاب والسنة.

وقال الصادق عليه‌السلام: " حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدّي، وحديث جدي حديث أبيه، وحديث أبيه حديث علي بن أبي طالب، وحديث علي حديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، وحديث رسول الله قول الله عز وجل " (4).

قل لمن حجَّنا بقول سوانا
 

 

حيث فيه لم يأتنا بدليل
 

نحن قوم إذا روينا حديثاً
 

 

بعد آيات محكم التنزيل
 

____________

1 - تهذيب التهذيب: 2/88.

2 - المصدر السابق: ص 104.

3 - المصدر السابق.

4 - معالم الشريعة الإسلامية، صبحي الصالح: ص 52.

 
الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة