الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة 551

 

الإمام محمد بن علي (الباقر) عليه‌السلام

(57 هـ‍ - 114 هـ‍)

الإمام الخامس من الأئمة الاثني عشر، تسلَّم مقاليد الإمامة بعد أبيه. " كانت لديه كتب، وهي التي كانت في حوزة ابنه جعفر فيما بعد " (1).

وهكذا تنقل الكتب التي كانت بحوزة آل البيت عليهم‌السلام من إمام إلى إمام. وكفى هذا الإمام فخرا أنَّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعث له سلاما مع جابر بن عبد الله الأنصاري.

يقول ابن حجر عن أبناء زين العابدين بعد ذكرهم: " وارثه منهم عبادةً وعلما وزهادة (أبو جعفر الباقر) سمي بذلك: من بقر الأرض أي شقَّها وأثار مخبآتها ومكامنها، فكذلك هو أظهر من مخبآت كنوز المعارف وحقائق الأحكام والحكم واللطائف، ما لا يخفى إلاّ على منطمس البصيرة فاسد الطويّة والسريرة، ومن ثَمَّ قيل فيه: هو باقر العلم وجامعه، وشاهر علمه ورافعه. صفا قلبه، وزكا علمه وعمله، وطهرت نفسه، وشرف خلقه، وعمرت أوقاته بطاعة الله، وله من الرسوخ في مقامات العارفين ما تكلُّ عنه ألسنة الواصفين، وله كلمات كثيرة في السلوك والمعارف لا تحتملها هذه العجالة، وكفاه شرفا أنَّ ابن المديني روى عن جابر أنه قال له وهو صغير: رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يسلم عليك. فقيل له وكيف ذاك قال: كنت جالسا عنده والحسين في حجره وهو يداعبه، فقال: " يا جابر يولد له مولود اسمه محمد... فإن أدركته يا جابر فأقرئه منِّي السلام " (2).

____________

1 - التهذيب: 2/104.

2 - الصواعق المحرقة: 2/585 - 586، وذكر سلام النبي على الباقر ابن قتيبة في عيون الأخبار: 1/212، ابن عساكر: 15/352. الذهبي في السير: 4/404. اليعقوبي في تاريخه: 3/61. سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص: 347. ابن الصباغ المالكي في فصوله المهمة: 193. الشبلنجي في نور الأبصار: 143.


 

الصفحة 552

 

وفي روايات الإمامية قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لجابر: " يوشك أن تبقى حتى تلقى ولدا لي من الحسين يقال له محمد يبقر علم الدين بقرا، فإذا لقيته فأقرئه مني السلام " (1).

وقد عظَّم علماء الإسلام الباقر أيّ تعظيم. يقول عنه عبد الله بن عطاء المكي - أحد أعلام التابعين - " ما رأيت العلماء عند أحد قط، أصغر منهم عند أبي جعفر محمد ابن علي ابن الحسين، ولقد رأيت الحكم بن عتيبة - مع جلالته في القوم - بين يديه كأنه صبي بين يدي معلمه! " (2).

قال محمد بن المنكدر: " ما رأيت أحدا يفضل على علي بن الحسين، حتى رأيت ابنه محمدا، أردت يوما أن أعظه فوعظني " (3)!

قال أبو نعيم: " ومنهم الحاضر الذاكر، الخاشع الصابر، أبو جعفر محمد بن علي الباقر، كان من سلالة النبوة، وممن جمع حسب الدين والأبوة، وتكلم في العوارض والخطرات، وسفح الدموع والعبرات، ونهى عن المِراء والخصومات " (4).

وقال ابن سعد في طبقاته: " انه كان عالما عابدا، ثقة، روى عنه أبو حنيفة وغيره من أعلام الأمة. وقال أبو يوسف: قلت لأبي حنيفة: لقيت محمد بن علي؟ قال: نعم، وسألته يوما فقلت له: أراد الله المعاصي؟ فقال: أفيعصى الله قهرا؟ قال أبو حنيفة: فما رأيت جوابا أفحم منه ".

وجاء في تهذيب التهذيب: " روى - الباقر - عن أبيه، وجديه الحسن والحسين، وجد أبيه علي بن أبي طالب مرسلا. قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وقال العجلي:

مدني، تابعي، ثقة. وقال ابن البرقي: كان فقيها فاضلا. وذكره النسائي في فقهاء أهل

____________

1 - الإرشاد، الشيخ المفيد: 2/159.

2 - المصدر السابق: ص 160. حلية الأولياء: 3/186. مختصر تاريخ دمشق: 23/79.

3 - تهذيب التهذيب: 9/313.

4 - الحلية: 3/180، وراجع البداية والنهاية، ابن كثير: 9/309.


الصفحة 553

 

المدينة من التابعين " (1).

وقال النووي فيه: " وهو تابعي جليل، إمام بارع، مجمع على جلالته، معدود في فقهاء المدينة وأئمتهم " (2).

وقال فيه ابن العماد الحنبلي: " كان من فقهاء أهل المدينة، وقيل له الباقر، لأنه بقر العلم، أي شقه وعرف أصله وتوسع فيه... وله كلام نافع في الحكم والمواعظ " (3).

قال محمد بن طلحة الشافعي: " هو باقر العلم وجامعه، وشاهر علمه ورافعه، ومتفوق درَّه وراضعه، ومنمق درره وراصعه. صفا قلبه، وزكا عمله، وطهرت نفسه، وشرفت أخلاقه، وعمرت بطاعة الله أوقاته، ورسخت في مقام التقوى قدمه، وظهرت عليه سمات الازدلاف وطهارة الاجتباء، فالمناقب تسبق إليه، والصفات تشرف به " (4).

قال ابن خلكان: " كان الباقر عالما سيدا كبيرا، وإنما قيل له الباقر لأنه تبقَّر في العلم " (5).

قال الصبان الشافعي: " وأما محمد الباقر رضي‌الله‌عنه فهو صاحب المعارف واللطائف، ظهرت كراماته، وكثرت في السلوك إشاراته " (6).

قال المناوي: " وله من الرسوخ في مقام العارفين ما تكل عنه ألسنة الواصفين، وله كلمات كثيرة في السلوك والمعارف يعجز عن حكايتها الواصف. فمن كلامه:

الصواعق تصيب المؤمن وغيره، ولا تصيب ذاكر الله عز وجل. وقال: ما دخل قلب امرئ شئ من الكبر إلاّ نقص من عقله مثل ما دخله منه أو أكثر...

____________

1 - تهذيب التهذيب: 9/312.

2 - تهذيب الأسماء واللغات: 1/87.

3 - أسد حيدر، نقلا عن شذرات الذهب: 1/49.

4 - المصدر السابق عن مطالب السؤول: 2/50.

5 - وفيات الأعيان: 4/174.

6 - إسعاف الراغبين بهامش نور الأبصار: ص 250.


الصفحة 554
 

من أخبار الإمام:

في حلية الأولياء: " أنَّ رجلا سأل ابن عمر عن مسألة فلم يدر ما يجيبه، فقال:

إذهب إلى ذلك الغلام - وأشار إلى الباقر - فسله، وأعلمني بما يجيبك. فسأله، وأجابه، فأخبر ابن عمر، فقال: إنهم أهل بيت مفهمون " (1).

دخل على الإمام الباقر رجل من الخوارج فقال له: يا أبا جعفر، أي شئ تعبد؟

فقال عليه‌السلام: الله. قال الرجل: رأيته؟ قال: بلى، لم تره العيون بمشاهدة الأبصار، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان، لا يعرف بالقياس، ولا يدرك بالحواس، ولا يشبه الناس، موصوف بالآيات، معروف بالدلالات، لا يجور في حكمه، ذلك الله لا إله إلاّ هو. فخرج الرجل وهو يقول: الله أعلم حيث يجعل رسالته (2).

وسأل نافع بن الأزرق أبا جعفر عليه‌السلام قال: أخبرني عن الله عز وجل متى كان؟

قال: متى لم يكن حتى أخبرك متى كان؟! سبحان من لم يزل ولا يزال فردا صمدا لم يتّخذ صاحبةً ولا ولدا (3).

وعن أبي حمزة الثمالي قال: أتى الحسن البصري أبا جعفر عليه‌السلام فقال: جئتك لأسألك عن أشياء من كتاب الله. فقال أبو جعفر: ألست فقيه أهل البصرة؟ قال: قد يقال ذلك. فقال له أبو جعفر عليه‌السلام: هل بالبصرة أحد تأخذ عنه؟ قال: لا. قال فجميع أهل البصرة يأخذون عنك؟ قال نعم. فقال أبو جعفر: سبحان الله لقد تقلَّدت عظيما من الأمر... أرأيت من قال الله له في كتابه: إنك آمن، هل عليه خوف بعد هذا القول منه؟

فقال الحسن لا. فقال أبو جعفر عليه‌السلام: إني أعرض عليك آية وانهي إليك خطابا، ولا

____________

1 - تاريخ التشريع الإسلامي، الدكتور الفضلي: ص 98 - 99. الإمام جعفر الصادق، المستشار عبدالحليم الجندي: ص 141.

2 - الاحتجاج: 2/166 - 167. التوحيد، الصدوق: ص 96.

3 - الاحتجاج: 2/166.


 

الصفحة 555

 

أحسبك إلاّ وقد فسرته على غير وجهه، فإن كنت فعلت ذلك فقد هلكت وأهلكت.

فقال له: ما هو؟ قال: أرأيت حيث يقول: ( وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ ) (1) يا حسن بلغني أنك أفتيت الناس فقلت: هي مكة. فقال أبو جعفر عليه‌السلام: فهل يقطع على من حج مكة وهل يخاف أهل مكة، وهل تذهب أموالهم؟ قال: بلى. قال: فمتى يكونون آمنين؟... بل فينا ضرب الله الأمثال في القرآن، فنحن القرى التي بارك الله فيها، وذلك قول الله عز وجل... " (2).

 

من أقوال الإمام:

1 - " شيعتنا من أطاع الله عز وجل "، و " إنّ الله تعالى يلقي في قلوب شيعتنا الرعب، فإذا قام قائمنا وظهر مهدينا كان الرجل أجرأ من ليث " (3).

2 - قولوا للناس أحسن ما تحبون أن يقال لكم، فالله يبغض اللعان السباب الطعان على المؤمنين.

3 - قيل له: من أشد الناس زهدا، قال: من لا يبالي بالدنيا في يد من كانت.

وقيل له: من أخسر الناس صَفقةً؟ قال: من باع الباقي بالفاني.

4 - عن جابر الجُعفي قال: قال أبو جعفر عليه‌السلام: " يا جابر يكتفي مَن اتخذ التشيع أن يقول بحبنا أهل البيت؟ فوالله ما شيعتنا إلاّ من اتقى الله وأطاعه، وما كانوا يعرفون إلاّ بالتواضع، والتخشّع، وأداء الأمانة، وكثرة ذكر الله، والصوم، والصلاة والبرِّ بالوالدين، والتعهد للجيران من الفقراء، وأهل المسكنة، والغارمين، والأيتام، وصدق الحديث، وتلاوة القرآن، وكف الألسن عن الناس إلاّ من خير، وكانوا أمناء عشائرهم في الأشياء.

____________

1 - سبأ: 18.

2 - الاحتجاج: 2/182 - 183.

3 - حلية الأولياء: 3/184.


 

الصفحة 556

 

قال جابر: يابن رسول الله ما نعرف أحدا بهذه الصفة، فقال لي: يا جابر لا تذهبنَّ بك المذاهب، حسبُ الرجل أن يقول أحب عليا صلوات الله عليه وأتولاّه، فلو قال إني أحب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ورسول الله خير من علي، ثم لا يتبع سيرته ولا يعمل بسنته ما نفعه حبه إياه شيئا، فاتقوا الله واعملوا لما عند الله، ليس بين الله وبين أحد قرابة، أحب العباد إلى الله وأكرمهم عليه أتقاهم له وأعملهم بطاعته، يا جابر ما يتقرب العبد إلى الله تبارك وتعالى إلاّ بالطاعة، ما معنا براءة من النار، ولا على الله لأحد منكم حجة، من كان لله مطيعا فهو لنا ولي، ومن كان لله عاصيا فهو لنا عدو، ولا تنال ولايتنا إلاّ بالعمل والورع " (1).

____________

1 - صفات الشيعة، الشيخ الصدوق: ص 18 - 19.


 

الصفحة 557

 

الإمام جعفر بن محمد (الصادق) عليه‌السلام

(80 هـ‍ - 148 هـ‍)

وإليه عليه‌السلام ينسب مذهب الشيعة الإمامية، وذلك لأنه أتيح لهذا الإمام نشر علوم آل البيت أكثر من أيّ إمام آخر فسمي مذهب الشيعة المذهب الجعفري نسبةً للإمام جعفر الصادق عليه‌السلام مع أنَّ الإمامية يأخذون عن كل الأئمة الاثني عشر، والأئمة يأخذون عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

وفي الإمام الصادق يقول أبو حنيفة: " ما رأيت أفقه من جعفر بن محمد. لما أقدمه المنصور بعث إلي فقال: يا أبا حنيفة إنَّ الناس قد افتتنوا بجعفر بن محمد فهيئ له من المسائل الشداد، فهيأت له أربعين مسألة.

ثم بعث إليَّ أبو جعفر وهو بالحيرة فأتيته فدخلت عليه وجعفر بن محمد جالس عن يمينه، فلما أبصرت به، دخلتني من الهيبة لجعفر بن محمد الصادق ما لم يدخلني لأبي جعفر!! فسلمت عليه فأومأ إلي فجلست. ثم التفت إليه فقال: يا أبا عبد الله هذا أبو حنيفة.

قال جعفر: نعم - ثم أتبعها - قد أتانا. كأنه كره ما يقول فيه قوم أنه إذا رأى الرجل عرفه. ثم التفت المنصور إليّ فقال:

يا أبا حنيفة ألق على أبي عبد الله مسائلك. فجعلت ألقي عليه فيجيبني، فيقول:

أنتم تقولون كذا وأهل المدينة يقولون كذا ونحن نقول كذا. فربما تابعهم وربما خالفنا جميعا، حتى أتيت على الأربعين مسألة. ثم قال أبو حنيفة: ألسنا روينا أنَّ أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس " (1).

____________

1 - مناقب أبي حنيفة، الموفق: 1/173. جامع أسانيد أبي حنيفة: 1/222. تذكرة الحفاظ: 1/157.

سير أعلام النبلاء: 6/17 - 18.


الصفحة 558

 

وكان أبو حنيفة يقول: لولا السنتان لهلك النُعمان. قال الآلوسي: " هذا أبو حنيفة وهو من أهل السنة يفتخر ويقول بأفصح لسان: لولا السنتان لهلك النعمان، يعني السنتين اللتين جلس فيهما لأخذ العلم عن الإمام جعفر الصادق " (1).

وقال فيه الخليفة المنصور: " إنَّ جعفرا كان ممن قال الله فيهم: ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ) (2) وكان ممن اصطفاه الله وكان من السابقين إلى الخيرات " (3).

وقال مالك بن أنس: " جعفر بن محمد اختلفت إليه زمانا فما كنت أراه إلاّ على إحدى ثلاث خصال، إما مصلٍّ، وإما صائم، وإما يقرأ القرآن " (4).

وقال: " وما رأت عين ولا سمعت أذن ولا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر بن محمد الصادق علما وعبادة وورعا " (5).

قال إسحاق بن راهوية: قلت للشافعي: كيف جعفر بن محمد عندك؟ فقال ثقة.

وقال الدوري عن يحيى بن معين: ثقة مأمون. وقال ابن أبي خيثمة وغيره عنه:

ثقة.

وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: ثقة لا يسأل عن مثله. وقال ابن عدي: ولجعفر أحاديث ونسخ، وهو من ثقات الناس.

وقال عمرو بن المقدام: كنت إذا نظرت إلى جعفر بن محمد علمت أنه من سلالة النبيين.

____________

1 - التحفة الاثنا عشرية. والملفت أن أبا حنيفة يقول في الإمام الصادق: لولا السنتان لهلك النعمان، ويقول عمر في علي: لولا علي لهلك عمر!!

2 - فاطر: 32.

3 - تاريخ اليعقوبي: 3/177.

4 - تهذيب التهذيب: 2/89.

5 - المجالس السنية الجزء الخامس. التوسل والوسيلة، ابن تيمية: ص 52.


الصفحة 559
 

ذكره ابن حبّان في الثُقات وقال: كان من سادات أهل البيت فقها وعلما وفضلا، يحتج بحديثه من غير رواية أولاده عنه.

وقال الساجي: كان صدوقا مأمونا، إذا حدَّث عنه الثقات فحديثه مستقيم (1) وقال العسقلاني: فقيهٌ صدوق (2).

وقال الذهبي: " جعفر بن محمد، أبو عبد الله أحد الأئمة الأعلام، برٌّ صادق كبير الشأن. وقد خرج له مسلم وأصحاب السنن الأربع، ولم يرو له البخاري " (3).

قال النووي: " وروى عنه محمد بن إسحاق، ويحيى الأنصاري، ومالك، والسفيانان، وابن جريح، وشعبة، ويحيى القطان وآخرون... واتفقوا على إمامته وجلالته " (4).

قال الشهرستاني: " جعفر بن محمد الصادق، هو ذو علم غزير، وأدب كامل في الحكمة، وزهد في الدنيا، وورع تام عن الشهوات، وقد أقام بالمدينة مدة يفيد الشيعة المنتمين إليه، ويفيض على الموالين له أسرار العلوم " (5).

قال الجاحظ: " جعفر بن محمد، الذي ملأ الدنيا علمه وفقهه، ويقال: إنَّ أبا حنيفة من تلامذته وكذلك سفيان الثوري، وحسبك بهما في هذا الباب " (6).

وقال ابن خلِّكان في ترجمة جعفر الصادق عليه‌السلام: " وكان من سادات أهل البيت، ولقِّب بالصادق لصدقه في مقالته، وفضله أشهر من أن يذكر، وله كلام في صناعة الكيمياء والزجر والفأل، وكان تلميذه أبو موسى جابر بن حيان الصوفي الطرسوسي.

____________

1 - راجع ما سبق: تهذيب التهذيب 2/88 - 89، حلية الأولياء: 3/193، صفوة الصفوة: 2/168.

2 - تقريب التهذيب: ص 681.

3 - ميزان الاعتدال: 1/414.

4 - تهذيب الأسماء واللغات: 1/155. وذكر النووي قول عمر بن المقدام المتقدم.

5 - الملل والنحل: 1/272.

6 - أسد حيدر: 1/55 عن رسائل الجاحظ، السندوبي: ص 106.


 

الصفحة 560

 

وقد ألف كتابا يشتمل على ألف ورقة، تتضمن رسائل جعفر الصادق، وهي خمسمائة رسالة " (1).

وقال ابن حجر الهيتمي عن جعفر الصادق عليه‌السلام: " نقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان، وانتشر صيته في جميع البلدان، وروى عنه الأئمة الأكابر كيحيى بن سعيد، وابن جريج، والسفيانيين، وأبي حنيفة، وشعبة، وأيوب السختياني " (2).

قال كمال الدين محمد بن طلحة الشافعي: " جعفر بن محمد هو من علماء أهل البيت وساداتهم، ذو علوم جمَّة، وعبادةٌ موفورة، وأوراد متواصلة، وزهادة بيِّنه، وتلاوة كثيرة، يتتبع معاني القرآن ويستخرج من بحره جواهره ويستنتج عجائبه، ويقسم أوقاته على أنواع الطاعات بحيث يحاسب عليها نفسه، رؤيته تذكِّر بالآخرة، واستماع كلامه يزهد في الدنيا، والاقتداء بهديه يورث الجنة، نور قسماته شاهدٌ أنه من سلالة النبوة، وطهارة أفعاله تصدّق أنه من ذرية الرسالة، نقل عنه الحديث واستفاد منه العلم جماعة من أعيان الأمة وأعلامهم مثل يحيى بن سعيد الأنصاري... وعدوا أخذهم منه منقبة شرِّفوا بها، وفضيلة اكتسبوها " (3).

وفي تذكرة الحفّاظ " عن صالح بن أبي الاسود، سمعت جعفر بن محمد يقول:

سلوني قبل أن تفقدوني (4) فإنه لا يحدِّثكم أحد بعدي بمثل حديثي " (5).

وقال المناوي في الإمام الصادق: " وكانت له كرامات كثيرة ومكاشفات شهيرة، منها:

أنه سعي به عند المنصور فلما حج احضر الساعي. وقال للساعي: أتحلف؟ قال:

____________

1 - وفيات الأعيان: 1/327.

2 - الصواعق المحرقة: 2/586.

3 - أسد حيدر، عن مطالب السؤول: 2/55.

4 - ذرية بعضها من بعض.

5 - 1/166.


 

الصفحة 561

 

نعم، فحلف، فقال جعفر للمنصور: حلِّفه بما أراه فقال: حلِّفه فقال: قل، برئت من حول الله وقوته والتجأت إلى حولي وقوتي لقد فعل جعفر كذا وكذا. فامتنع الرجل، ثم حلف فما تمَّ حتى مات مكانه... " (1).

قال الشيخ المفيد في الإمام الصادق: " وقد جمع أصحاب الحديث أسماء الرواة عنه من الثقات، على اختلافهم في الآراء والمقالات، فكانوا أربعة آلاف رجل من أصحابه " (2).

وقال الحسن بن علي الوشّاء: " أدركت في هذا المسجد - الكوفة - تسعمائة شيخ كل يقول: حدثني جعفر بن محمد " (3).

 

شئ من مناظرات الإمام عليه‌السلام:

قال الصادق لأبي حنيفة - لما دخل عليه - من أنت؟ قال: أبو حنيفة. قال عليه‌السلام:

مفتي أهل العراق؟ قال: نعم. قال: بما تفتيهم؟ قال: بكتاب الله. قال عليه‌السلام: وإنك لعالم بكتاب الله، ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه؟ قال: نعم. قال: فأخبرني عن قول الله عز وجل: ( وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ ) (4).

أي موضع هو؟ قال أبو حنيفة: هو ما بين مكة والمدينة. فالتفت أبو عبد الله عليه‌السلام إلى جلسائه، وقال: نشدتكم بالله هل تسيرون بين مكة والمدينة، ولا تأمنون على دمائكم من القتل، وعلى أموالكم من السرق؟ فقالوا: اللهم نعم. فقال أبو عبد الله عليه‌السلام:

ويحك يا أبا حنيفة إنّ الله لا يقول إلاّ حقا. أخبرني عن قول الله عز وجل: (وَمَن دَخَلَهُ

____________

1 - أسد حيدر: 1/60 عن الكواكب الدرية: 1/94، وراجع هذه الكرامة وغيرها في صفوة الصفوة:

2/173 - 174، نور الأبصار: ص 133، إسعاف الراغبين بهامش نور الأبصار: ص 248 - 249.

2 - الإرشاد: ص 249.

3 - أسد حيدر: 1/55 عن المجالس، السيد الأمين: 5/209.

4 - سبأ: 18.


 

الصفحة 562

 

كَانَ آمِنًا ) (1)، أي موضع هو؟ قال: ذلك البيت الحرام. فالتفت أبو عبد الله عليه‌السلام إلى جلسائه، وقال: نشدتكم بالله، هل تعلمون أنَّ عبد الله بن الزبير وسعيد بن جبير دخلاه فلم يأمنا القتل؟ قالوا: اللهم نعم. قال أبو عبد الله عليه‌السلام: ويحك يا أبا حنيفة إنَّ الله لا يقول إلاّ حقا.

فقال أبو حنيفة: ليس لي علم بكتاب الله، وإنما أنا صاحب قياس. فقال أبو عبد الله عليه‌السلام: فانظر في قياسك إن كنت مقيسا، أيُّما أعظم عند الله القتل أو الزنا؟ قال: بل القتل. قال: فكيف رضي في القتل بشاهدين، ولم يرض في الزنا إلاّ بأربعة؟ ثم قال له:

الصلاة أفضل أم الصوم؟ قال: بل الصلاة أفضل، قال عليه‌السلام: فيجب على قياس قولك على الحائض قضاء ما فاتها من الصلاة في حال حيضها دون الصيام، وقد أوجب الله تعالى عليها قضاء الصوم دون الصلاة. ثم قال له: البول أقذر أم المني؟ قال: البول أقذر قال عليه‌السلام: يجب على قياسك أن يجب الغُسل من البول دون المني، وقد أوجب الله الغُسل من المني دون البول...

قال عليه‌السلام: تزعم أنك تفتي بكتاب الله، ولست ممن ورثه. وتزعم أنك صاحب قياس، وأول من قاس إبليس، ولم يبن دين الإسلام على القياس... " (2).

وفي دعائم الإسلام للقاضي أبي حنيفة المغربي المالكي قال عليه‌السلام: " فاتّق الله يا نُعمان، ولا تقس، فإنا نقف غدا، نحن وأنت ومن خالفنا بين يدي الله، فيسألنا عن قولنا، ويسألكم عن قولكم، فنقول: قلنا: قال الله، وقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، وتقول أنت وأصحابك: رأينا وقسنا، فيفعل الله بنا وبكم ما يشاء " (3).

وقال في وفيات الأعيان: " وحكى كشاجم في كتاب (المصايد والمطارد) أنَّ

____________

1 - آل عمران: 97.

2 - الاحتجاج: 2/267 - 270، وراجع حلية الأولياء: 3/197، وإعلام الموقعين: 1/255 - 256، وإسلامنا، الرافعي: ص 68 - 69.

3 - راجع تاريخ التشريع، الفضلي: ص 115. والإحكام في اصول الأحكام، ابن حزم: 6/71.


 

الصفحة 563

 

جعفر المذكور - الصادق - سأل أبا حنيفة (1) فقال: ما تقول في محْرِمٍ كسر رباعية ظبي؟

فقال: يابن رسول الله، ما أعلم ما فيه، فقال له: أنت تتداهى ولا تعلم أنَّ الظبي لايكون له رباعية وهو ثني أبداً!! " (2).

وفي دعائم الإسلام: أنّ الصادق قال لابن أبي ليلى: أتقضي بين الناس يا عبد الرحمن؟ فقال: نعم، يابن رسول الله. قال: تنزع مالا من يدي هذا فتعطيه هذا، وتنزع امرأة من يدي هذا فتعطيها هذا، وتحدُّ هذا وتحبس هذا؟ قال: نعم. قال: بماذا تفعل ذلك كله؟ قال: بكتاب الله. قال: كل شئ تفعله تجده في كتاب الله؟ قال: لا. قال:

فما لم تجده في كتاب الله، فمن أين تأخذه؟ قال: فآخذه عن رسول الله. قال: وكل شئ تجده في كتاب الله وعن رسول الله؟ قال: ما لم أجده في كتاب الله ولا سنَّة رسول الله أخذته عن أصحاب رسول الله. قال: عن أيهم تأخذ؟ قال: عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير، وعدَّ أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم. قال: فكل شئ تأخذه عنهم، تجدهم قد اجتمعوا عليه؟ قال: لا. قال: فإذا اختلفوا، فبقول من تأخذ منهم؟ قال:

بقول من رأيت أن آخذ منهم أخذت.

قال: ولا تبالي أن تخالف الباقين؟ قال: لا. قال: فهل تخالف عليا فيما بلغك أنه قضى به، قال: ربما خالفته إلى غيره منهم. فسكت أبو عبد الله عليه‌السلام ساعة، ينكت في الأرض، ثم رفع رأسه إليه، فقال: يا عبد الرحمن، فما تقول يوم القيامة إن أخذ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بيدك وأوقفك بين يدي الله، فقال: أي رب، إنَّ هذا بلغه عني قول فخالفه؟ قال: وأين خالفت قوله يابن رسول الله؟

قال: ألم يبلغك قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأصحابه: " اقضاكم علي " (3)؟

____________

1 - 1/328، وراجع: 11/47 من الوفيات ففيه مناظرة أخرى.

2 - راجع قول النبي هذا في: التبصير في الدين، الأسفراييني: ص 161. المعجم الصغير، الطبراني:

ص 115. بغية الوعاة، السيوطي. الجامع الصغير، السيوطي. كفاية الطالب: ص 190. ذخائر العقبى:

ص 83. الرياض النضرة: 2/198. المقاصد الحسنة، السخاوي: ص 72. إحقاق الحق: 4/321.


الصفحة 564
 

قال: نعم. قال: فإذا خالفت قوله، ألم تخالف قول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (1)؟

فاصفرَّ وجه ابن أبي ليلى حتى عاد كالأترجه، ولم يحر جوابا " (2).

قال عمرو بن عبيد للإمام الصادق عليه‌السلام بعد أن أجابه الإمام على مسائله: " هلك من سلبكم تراثكم، ونازعكم في الفضل والعلم " (3).

هذا وللإمام الصادق عليه‌السلام كثير من النظريات العلمية التي اكتشف بعضها في هذا العصر ومن أراد حقيقة هذا القول فعليه بكتاب: " الإمام الصادق كما عرفه علماء الغرب " (4) ففيه العجب العجاب، وهو إن دل على شئ فإنه يدل على أنَّ علم آل البيت من علم جدهم محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن جبريل، عن الله.

 

من أقوال الإمام:

1 - كان رجلٌ من أهل السواد يلزم جعفر بن محمد، ففقده، فسأل عنه فقال له رجل: إنه نبطي - يريد أن يَضَعَ منه - فقال جعفر: أصل الرجل عقله، وحسه دينه، وكرمه تقواه والناس في آدم متساوون (5).

2 - أرسل أبو جعفر المنصور للصادق عليه‌السلام: لم لا تغشانا كما يغشانا سائر الناس؟

فقال عليه‌السلام: ما عندنا من الدنيا ما نخافك عليه، ولا عندك من الآخرة ما نرجوك له، ولا أنت في نعمة فنهنّيك عليها، ولا تعدّها نقمة فنعزيك عليها، فلم نغشاك؟ " (6).

____________

1 - وليت شعري ماذا تقول هذه الأمة إن كان خصمها رسول الله يوم القيامة فيقول: أي رب إنَّ هؤلاء بلغهم عني قولي في وجوب التمسك بالكتاب وآل بيتي فخالفوه؟!!

2 - راجع تاريخ التشريع، الفضلي: ص 152 - 153.

3 - روح التشيع، عبد الله نعمة: ص 308 عن سيرة الأئمة الاثني عشر.

4 - وهو مجموعة بحوث أعدها علماء الاستشراق وألقوها في ندوة نضمتها جامعة استراسبورغ الفرنسية ثم نشرتها في كتاب مستقل.

5 - صفوة الصفوة: 2/170 - 171.

6 - الإمام الصادق، أبو زهرة.


الصفحة 565

 

3 - إنَّ الله أوجب عليكم حبنا وموالاتنا، وفرض عليكم طاعتنا، ألا فمن كان منا فليقتد بنا، وإنّ من شأننا الورع، والاجتهاد، وأداء الأمانة إلى البر والفاجر، وصلة الرحم، وإقراء الضيف، والعفو عن المسئ، ومن لم يقتد بنا فليس منا. لا تسفهوا فإن أئمتكم ليسوا بسفهاء.

4 - سأله المنصور - والذباب يقع عليه حتى أضجره -، لم خلق الله الذباب؟

فأجابه عليه‌السلام: ليذِّل به الجبابرة (1).

5 - إذا صلح أمر دنياك فاتّهم دينك.

6 - قيل له: ما بالنا ندعو فلا يستجاب لنا؟ فقال عليه‌السلام: لأنكم تدعون من لا تعرفونه.

____________

1 - المصدر السابق. حلية الأولياء: 3/198. صفوة الصفوة: 2/170. نور الأبصار: ص 163.


 

الصفحة 566

 

الإمام موسى بن جعفر (الكاظم) عليه‌السلام

(128 هـ‍ - 183 هـ‍)

الإمام السابع من الأئمة الاثني عشر. قال أبو حاتم: " ثقة، إمام من أئمة المسلمين " (1).

وفي شذرات الذهب: " كان صالحا، عابدا، جوادا، حليما، كبير القدر. بلغه عن رجل الأذى له، فبعث [ إليه ] بألف دينار... واخباره كثيرة شهيرة رضي‌الله‌عنه " (2).

قال الحافظ الرازي: " موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي ابن أبي طالب روى عن أبيه، روى عنه ابنه علي بن موسى وأخوه علي بن جعفر، سمعت أبي يقول ذلك. - حدثنا - عبد الرحمن، قال سئل أبي عنه فقال: ثقة صدوق، إمام من أئمة المسلمين " (3).

وقال فيه الخطيب البغدادي: " كان موسى يدعى العبد الصالح، من عبادته واجتهاده... وكان سخيا كريما، وكان يبلغه عن الرجل أنه يؤذيه فيبعث إليه بصرة فيها ألف دينار... كان يسكن المدينة فأقدمه المهدي بغداد وحبسه، فرأى في النوم علي بن أبي طالب رضي‌الله‌عنه وهو يقول: يا محمد ( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ) (4) " (5).

____________

1 - شذرات الذهب: 2/377. سير أعلام النبلاء: 6/270.

2 - شذرات الذهب: 2/377.

3 - الجرح والتعديل: 8/139.

4 - محمد: 22.

5 - تاريخ بغداد: 13/27. صفوة الصفوة: 2/184. شذرات الذهب: 3/377. تذكرة السبط: 349.

سير أعلام النبلاء: 6/272.


 

الصفحة 567

 

فأطلقه المهدي " وأقام بالمدينة إلى أيام هارون الرشيد، فقدم هارون منصرفا من عمرة شهر رمضان سنة تسع وسبعين ومائة، فحمل موسى معه إلى بغداد وحبسه بها إلى أن توفي في محبسه " (1).

قال ابن حجر: روى عن أبيه... قال يحيى بن الحسن بن جعفر النسابة: " كان موسى بن جعفر يدعى العبد الصالح من عبادته واجتهاده " (2).

وقال الذهبي: " الإمام القدوة، السيد أبو الحسن العلوي، والد الإمام علي ابن موسى الرضي مدني نزل بغداد " (3).

وقال: " كان موسى من أجود الحكماء، ومن عباد الله الأتقياء " (4).

قال ابن حجر الهيتمي فيه: " وهو وارثه - يقصد الصادق عليه‌السلام - علما ومعرفة وكمالا وفضلا. سمي الكاظم لكثرة تجاوزه وحلمه، وكان معروفا عند أهل العراق بباب قضاء الحوائج عند الله، وكان أعبد أهل زمانه وأعلمهم وأسخاهم " (5).

وقال فيه محمد بن طلحة الشافعي: " هو الإمام الكبير القدر، العظيم الشأن، الكبير المجتهد الجاد في الاجتهاد، المشهور بالعبادة، المواظب على الطاعة، المشهور بالكرامات، يبيت الليل ساجدا وقائما، ويقطع النهار متصدقا وصائما، ولفرط حلمه، وتجاوزه عن المعتدين عليه دعي كاظما " (6).

وقال ابن الجوزي: " كان يدعى العبد الصالح لأجل عبادته واجتهاده وقيامه

____________

1 - وفيات الأعيان: 5/308.

2 - تهذيب التهذيب: 10/302.

3 - سير أعلام النبلاء: 6/270.

4 - ميزان الاعتدال: 3/309.

5 - الصواعق المحرقة: 2/590.

6 - مطالب السؤول: ص 18.


 

الصفحة 568

 

بالليل، وكان كريما حليما إذا بلغه عن رجل أنه يؤذيه بعث إليه بمال " (1).

قال ابن الصباغ المالكي: " قال بعض أهل العلم: الكاظم هو الإمام الكبير القدر، والأوحد الحجة الحبر، الساهر ليله قائما، القاطع نهاره صائما، المسمى لفرط حلمه وتجاوزه عن المعتدين كاظما، وهو المعروف عند أهل العراق بباب الحوائج إلى الله، وذلك لنجح قضاء حوائج المسلمين... وكان موسى الكاظم عليه‌السلام أعبد أهل زمانه وأعلمهم وأسخاهم كفا وأكرمهم نفسا " (2).

وقال محمد الصبان الشافعي: " أما موسى الكاظم فكان معروفا عند أهل العراق بباب قضاء الحوائج عند الله، وكان من أعبد أهل زمانه ومن أكابر العلماء الأسخياء " (3).

وقال الشبلنجي الشافعي: " كان موسى الكاظم رضي‌الله‌عنه أعبد أهل زمانه وأعلمهم وأسخاهم كفا وأكرمهم نفسا، وكان يتفقد فقراء المدينة فيحمل إليهم الدراهم والدنانير إلى بيوتهم ليلا وكذلك النفقات ولا يعلمون من أي جهة وصلهم ذلك ولم يعلموا بذلك إلاّ بعد موته " (4).

من أخبار الإمام:

روي أنه دخل أبو حنيفة ومعه عبد الله بن مسلم فقال له الأخير: يا أبا حنيفة إنَّ هاهنا جعفر بن محمد من علماء آل محمد، فاذهب بنا إليه نقتبس منه علما، فلما أتيا إذا هما بجماعة من علماء شيعته ينتظرون خروجه أو دخولهم عليه، فبينما هم كذلك إذ خرج غلام حدث فقام الناس هيبة له، فالتفت أبو حنيفة فقال: يا بن مسلم من هذا؟

قال: موسى ابنه. قال: والله اخجله بين يدي شيعته.

____________

1 - صفوة الصفوة: 2/184.

2 - الفصول المهمة: ص 221 و 227، وذكر هذا القول في نور الأبصار.

3 - إسعاف الراغبين بهامش نور الأبصار: ص 246.

4 - نور الأبصار: ص 166.


الصفحة 569

 

قال له: لن تقدر على ذلك. قال: والله لأفعلنه ثم التفت إلى موسى فقال... يا غلام ممن المعصية؟

قال: يا شيخ لا تخلو من ثلاث: إما أن تكون من الله وليس من العبد شئ، فليس للحكيم أن يأخذ عبده بما لم يفعله.

وإما أن تكون من العبد ومن الله، والله أقوى الشريكين فليس للشريك الأكبر أن يأخذ الشريك الأصغر بذنبه.

وإما أن تكون من العبد وهي منه فإن عفا فبكرمه وجوده، وإن عاقب فبذنب العبد وجريرته. قال أبوحنيفة: فانصرفت ولم ألق أبا عبد الله (الصادق) عليه‌السلام واستغنيت بما سمعت.

وفي رواية قال أبو حنيفة: " ( ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللَّـهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) " (1).

قال الخطيب البغدادي في تاريخه: " حج الرشيد فأتى قبر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومعه موسى بن جعفر، فقال: السلام عليك يا رسول الله، يابن عم، افتخارا على من حوله، فدنا موسى وقال: السلام عليك يا أبة. فتغير وجه هارون وقال: هذا الفخر يا أبا الحسن حقا " (2).

وفي صفوة الصفوة لابن الجوزي: " وعن شقيق بن إبراهيم البلخي قال: خرجت حاجا في سنة تسع وأربعين ومائتين (3) فنزلت القادسية، فبينا أنا أنظر إلى الناس في زينتهم وكثرتهم فنظرت إلى فتى حسن الوجه شديد السمرة يعلو فوق ثيابه ثوب من صوف، مشتمل بشملة، في رجليه نعلان وقد جلس منفردا فقلت في نفسي: هذا الفتى من الصوفية يريد أن يكون كلًّا على الناس في طريقهم، والله لأمضين إليه ولأوبخنه.

فدنوت منه فلما رآني مقبلا قال: يا شقيق ( اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ

____________

1 - إعلام الورى: ص 298. الاحتجاج 2/158 - 159. كنز الفوائد: ص 171.

2 - وفيات الأعيان: 5/309.

3 - كذا في المصدر. والظاهر أن الصحيح تسع وأربعين ومئة.


 

الصفحة 570

 

إِثْمٌ ) (1) ثم تركني ومضى. فقلت في نفسي: إنَّ هذا الأمر عظيم قد تكلم على ما في نفسي ونطق باسمي وما هذا إلاّ عبد صالح لألحقنه ولأسألنه أن يحالني. فأسرعت أثره فلم ألحقه وغاب عن عيني فلما نزلنا واقصة (2) إذا به يصلي وأعضاؤه تضطرب ودموعه تجري فقلت، هذا صاحبي أمضي إليه وأستحله فصبرت حتى جلس وأقبلت نحوه. فلما رآني مقبلا قال: يا شقيق اتل: ( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَىٰ ) (3) ثم تركني ومضى. فقلت: إنَّ هذا الفتى لمن الأبدال وقد تكلم على سرّي مرتين، فلما نزلنا رمالا إذا بالفتى قائم على البئر وبيده ركوة يريد أن يستقي ماء فسقطت الركوة من يده في البئر وأنا أنظر إليه فرأيت قد رمق السماء وسمعته يقول:

أنت ربي إذا ظمئت من الماء
 

 

وقوتي إذا أردت الطعاما
 

اللهم سيدي مالي سواها فلا تعدمنيها. قال شقيق: فوالله لقد رأيت البئر قد ارتفع ماؤها فمد يده فأخذ الركوة وملأها ماء وتوضأ وصلى أربع ركعات. ثم مال إلى كثيب رمل فجعل يقبض بيده ويطرحه في الركوة ويحركه ويشرب. فأقبلت إليه وسلمت عليه فرد علي السلام. فقلت: أطعمني من فضل ما أنعم الله به عليك. فقال يا شقيق: لم تزل نعمة الله علينا ظاهرة وباطنة فأحسن ظنك بربك. ثم ناولني الركوة فشربت منها فإذا سويق وسكر، فوالله ما شربت قط ألذ منه ولا أطيب ريحا منه. فشبعت ورويت، فأقمت أياما لا أشتهي طعاما ولا شرابا، ثم لم أره حتى دخلنا مكة فرأيته ليلة إلى جنب قبة الشراب في نصف الليل يصلي بخشوع وأنين وبكاء، فلم يزل كذلك حتى ذهب الليل.

فلما رأى الفجر جلس في مصلاه يسبح الله. ثم قام فصلى الغداة. وطاف بالبيت أسبوعا وخرج فتبعته فإذا له حاشية وموال وهو على خلاف ما رأيته في الطريق، ودار به الناس

____________

1 - الحجرات: 12.

2 - جاء في حاشية صفوة الصفوة: 2/185 ماء لبني كليب، من عمل المدينة.

3 - طه: 82.


 

الصفحة 571

 

من حوله يسلمون عليه، فقلت لبعض من رأيته يقرب منه، من هذا الفتى؟ فقال: هذا موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم‌السلام. فقلت: قد عجبت أن تكون هذه العجائب إلاّ لمثل هذا السيد " (1).

 

من أقوال الإمام:

1 - كتب الإمام للرشيد وهو في سجنه فقال: " لن ينقضي عني يوم من البلاء حتى ينقضي عنك يوم من الرخاء، حتى نفضي جميعا إلى يوم ليس له انقضاء، يخسر فيه المبطلون " (2).

2 - رأى سفيان الثوري الإمام موسى بن جعفر وهو غلام يصلي، والناس يمرون بين يديه، فقال: إنَّ الناس يمرون بك وهم في الطواف؟ فقال عليه‌السلام: الذي أصلي له أقرب إلي من هؤلاء.

3 - ومن وصيته عليه‌السلام لهشام بن الحكم: " يا هشام لو كان في يدك جوزة، وقال الناس إنها لؤلؤة، ما كان ينفعك، وأنت تعلم أنها جوزة، ولو كان في يدك لؤلؤة، وقال الناس إنها جوزة، ما ضرك وأنت تعلم أنها لؤلؤة.

ياهشام: إنّ لله على الناس حجتين: حجة ظاهرة وحجة باطنة، فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة، وأما الباطنة فالعقول.

يا هشام: قليل العمل من العاقل مقبول مضاعف، وكثير العمل من أهل الهوى والجهل مردود. يا هشام لا تمنحوا الحكمة الجهال فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها

____________

1 - راجع صفوة الصفوة: 2/185 - 187. وذكرها الشبلنجي في نور الأبصار: ص 14 - 165 وقال: " هذه الكرامة رواها جماعة من أهل التأليف. رواها ابن الجوزي في كتابه مثير الغرام الساكن إلى أشرف الأماكن. ورواها الجنابذي في معالم العترة النبوية، والرامهرمزي في كتابه كرامات الأولياء ". ورواها الصبان الشافعي في إسعاف الراغبين بهامش نور الأبصار: ص 246 - 247.

2 - تذكرة السبط: ص 350. تاريخ بغداد. سير أعلام النبلاء: 6/273.


 

الصفحة 572

 

فتظلموهم. يا هشام: إنّ كل الناس يبصر النجوم، ولكن لا يهتدي بها إلاّ من عرف مجاريها ومنازلها، وكذلك أنتم، تدرسون الحكمة، ولكن لا يهتدي بها منكم إلاّ من عمل بها... " إلى آخرها وهي طويلة.

4 - لا تكن إمعة، فتقول: أنا مع الناس، إنّ رسول الله قال: إنما هما نجدان نجد خير ونجد شر، فلا يكن نجد الشر أحب إليك من نجد الخير.

5 - المؤمن مثل كفتي الميزان كلما زيد في إيمانه زيد في بلائه.

6 - قال لبعض ولده: يا بني إياك أن يراك الله في معصية نهاك عنها، وإياك أن يفقدك الله عند طاعة أمرك بها.


 

الصفحة 573

 

الإمام علي بن موسى (الرضا) عليه‌السلام

(148 هـ‍ - 203 هـ‍)

الإمام الثامن من الأئمة الاثني عشر. قال ابن حجر عن أولاد الكاظم: " منهم (علي الرضا) وهو أنبههم ذكرا وأجلّهم قدرا. ثم أحله المأمون محل مهجته، وأنكحه ابنته، وأشركه في مملكته، وفوض إليه أمر خلافته...

وروى الحاكم عن محمد بن عيسى، عن أبي حبيب قال: رأيت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في المنام في المنزل الذي ينزل الحُجّاج ببلدنا، فسلمت عليه فوجدت عنده طبقا من خوص المدينة فيه تمر صيحاني فناولني منه ثمانية عشر فتأولت أن أعيش عدتها، فلما كان بعد عشرين يوما قدم أبو الحسن علي الرضا من المدينة، ونزل ذلك المسجد، وهرع الناس بالسلام عليه فمضيت نحوه فإذا هو جالس في الموضع الذي رأيت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيه وبين يديه طبق من خوص المدينة فيه تمر صيحاني، فسلمت عليه فاستدعاني وناولني قبضة من ذلك التمر فإذا عدتها بعدد ما ناولني النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في النوم، فقلت زدني فقال: لو زادك رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لزدناك.

ولما دخل نيسابور - كما في تاريخها - وشق سوقها، وعليه مظلة لا يرى من ورائها، تعرض له الحافظان أبو زرعة الرازي ومحمد بن أسلم الطوسي ومعهما من طلبة العلم والحديث ما لا يحصى، فتضرعا إليه أن يريهم وجهه ويروي لهم حديثا عن آبائه، فاستوقف البغلة وأمر غلمانه بكف المظلة، وأقر عيون تلك الخلائق برؤية طلعته المباركة، فكانت له ذؤابتان مدليتان على عاتقه والناس بين صارخ وباك ومتمرغ في التراب ومقبل لحافر بغلته فصاحت العلماء: معاشر الناس أنصتوا فأنصتوا، واستملى منه الحافظان المذكوران فقال: حدثني أبي موسى الكاظم عن أبيه جعفر الصادق عن أبيه


 

الصفحة 574

 

محمد الباقر عن أبيه زين العابدين عن أبيه الحسين عن أبيه علي بن أبي طالب (1) قال:

حدثني حبيبي وقرة عيني رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: حدثني جبريل قال: سمعت رب العزة يقول: لا إله إلا الله حصني، فمن قالها دخل حصني ومن دخل حصني أمن من عذابي.

ثم أرخى الستر وسار. فعد أهل المحابر والدوى الذين كانوا يكتبون، فأنافوا على عشرين ألفا.

قال أحمد - ابن حنبل -: لو قرأت هذا الإسناد - المتقدم - على مجنونٍ لبُرئ من جنّته (2)!!! ونقل بعض الحفاظ أنَّ امرأة زعمت أنها شريفة - بحضرة المتوكل - فسأل عمن يخبره بذلك، فدل على علي الرضا، فجاء فأجلسه معه على السرير وسأله، فقال:

إنّ الله حرّم لحم أولاد الحسنين على السباع، فلتلق للسباع، فعرض عليها بذلك فاعترفت بكذبها. ثم قيل للمتوكل ألا تجرب ذلك فيه؟ فأمر بثلاثة من السباع فجئ بها في صحن قصره، ثم دعاه فلما دخل بابه أغلق عليه والسباع قد أصمت الأسماع من زئيرها، فلما مشى في الصحن يريد الدرجة، مشت إليه وقد سكنت وتمسحت به ودارت حوله وهو يمسحها بكمه، ثم ربضت، فصعد للمتوكل وتحدث معه ساعة، ثم نزل ففعلت معه كفعلها الأول حتى خرج، فأتبعه المتوكل بجائزة عظيمة، فقيل للمتوكل افعل كما فعل ابن عمك، فلم يجسر عليه وقال: أتريدون قتلي؟ ثم أمرهم أن لا يفشوا ذلك " (3).

قال الحاكم النيسابوري في تاريخ نيسابور عن الرضا عليه‌السلام: " وكان يفتي في مسجد رسول الله وهو ابن نيف وعشرين سنة. روى عنه من أئمة الحديث، آدم

____________

1 - وهذا الإسناد الذي ذكره الإمام يعرف بسلسلة الذهب بين المحدثين. قال أبو نعيم في الحلية: 3/192 " هذا حديث مشهور بهذا الإسناد من رواية الطاهرين عن آبائهم الطيبين، وكان بعض سلفنا من المحدثين - يعني أحمد بن حنبل - إذا روى هذا الإسناد قال: لو قرئ هذا الإسناد على مجنون لأفاق ".

2 - الصواعق المحرقة: 2/593 - 596. وفي آخر القصة ذكر ابن حجر أنَّ المسعودي نقلها على أنّ صاحب القصة هو علي العسكري (الهادي) ابن ابن الرضا عليه‌السلام، وقد صوَّب ذلك، لأنّ الرضا عليه‌السلام لم يدرك المتوكل قطعا.


 

الصفحة 575

 

بن أياس... " (1).

وذكر أبو حاتم الرازي أنه روى عن أبيه موسى بن جعفر (2). وفي تهذيب التهذيب: " وكان الرضى من أهل العلم والفضل، مع شرف النسب " (3).

وقال الذهبي: " الإمام السيد أبو الحسن علي الرضى... وكان من أهل العلم والدين والسؤدد بمكان يقال: أفتى وهو شاب في أيام مالك " (4).

قال: " وقد كان علي الرضى كبير الشأن، أهلا للخلافة... " (5).

وقال فيه الواقدي: " كان ثقةٌ، يفتي بمسجد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو ابن نيف وعشرين سنه، وهو من الطبقة الثامنة من التابعين من أهل المدينة " (6).

وفي النجوم الزاهرة قال في الإمام الرضا " سيد بني هاشم في زمانه، وأجلهم، وكان المأمون يعظِّمه، ويجلّه، ويخضع له، ويتفانى فيه.. " (7).

وقال ابن طلحة الشافعي: " تقدم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه‌السلام وزين العابدين علي بن الحسين عليه‌السلام وجاء علي بن موسى الرضا هذا ثالثهما، ومن أمعن نظره وفكره وجده في الحقيقة وارثهما. نما إيمانه وعلا شأنه وارتفع مكانه وكثر أعوانه وظهر برهانه، حتى أدخله المأمون محل مُهجته، وأشركه في مملكته، وفوَّض إليه أمر خلافته، وعقد له على رؤوس الأشهاد عقد نكاح ابنته. وكانت مناقبه عليّه، وصفاته سنيّه، ونفسه الشريفة زكية هاشمية، وأرومته الكريمة نبوية " (8).

____________

1 - تهذيب التهذيب: 3/239.

2 - الجرح والتعديل: ج 4/باب الجيم.

3 - 7/340.

4 - سير أعلام النبلاء: 9/387 - 388.

5 - المصدر السابق: ص 392.

6 - تذكرة الخواص: ص 351.

7 - الحياة السياسية للإمام الرضا، جعفر مرتضى العاملي: ص 147.

8 - ذكره عنه ابن الصباغ المالكي في فصوله المهمة: ص 233.

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة