الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة 526

 

سابعا: احتج أحد علماء السنة على عالم شيعي فقال: لم تنكرون خلافة أبي بكر وقد قدمه النبي للصلاة؟ فقال: نحن اقتدينا بعمر!! إذ قال إنَّ النبي يهجر فكما أنَّ كلامه عندكم ليس بحجة - يوم الخميس - فكذا في أمره أبا بكر الصلاة بالناس - إن صح الخبر.

ثامنا: من المتفق عليه أنَّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جعل أبا بكر تحت إمرة أسامة بن زيد، وأمر الجيش بالمسير لقتال الروم. فكيف يبعث النبي أبا بكر مع الجيش، ثم يجعله في الوقت نفسه إماما في المدينة؟! و نفس الرسول ما زال موجودا وقادرا على الصلاة. تلك النفس التي أذهب الله عنها الرجس من دون السلف وجعل الصلاة عليها فرضا مع كل صلاة. نعم كيف يقدَّم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أحدا على نفسه؟! و إذا كانت صلاة أبي بكر لا تصح إلاّ بالصلاة على عليّ عليه‌السلام، فكيف يأتم عليٌّ به؟!!

دعوى الإجماع

ويحتج أهل السنة لإثبات خلافة أبي بكر بإجماع الصحابة على اختياره خليفة.

والحق إنه لا وجود للإجماع. فمن شروط الإجماع أن لا يتخلَّف عنه أحد، بينما تخلف عن بيعة أبي بكر الكثيرون، منهم: العباس بن عبد المطلب، الفضل بن العباس، الزبير بن العوام، خالد بن سعيد، المقداد بن عمر، سلمان الفارسي، أبو ذر الغفاري، عمار بن ياسر، البراء بن عازب، أبيّ بن كعب (1)...

فلم تكن بيعة أبي بكر عن إجماع ولا عن مشورة لتخلّف من ذكرنا. وعمر يقول عن بيعة أبي بكر: " إنما كانت بيعة أبي بكر فلتةً وتمت وإنها قد كانت كذلك ولكن الله وقى شرها... من بايع رجلا من غير مشورة من المسلمين فلا يبايع... " (2).

ولقائل أن يقول: إنَّ ما ذكرته صحيح، ولكن الصحابة المتخلفين بايعوه فيما بعد وانعقد الإجماع.

____________

1 - تاريخ الطبري: 2/خبر السقيفة. الكامل: 2/325. تاريخ اليعقوبي: 2/134.

2 - صحيح البخاري: كتاب المحاربين، باب رجم الحبلى من الزنى.


 

الصفحة 527

 

نعم، بايعوه ولكن كانوا مكرهين، فحين قعد علي عليه‌السلام عن بيعة أبي بكر، بعث عمرا إليه وقال له: " ائتني به بأعنف العنف. فلما أتاه جرى بينهما كلام فقال: احلب حلباً لك شطره والله ما حرصك على إمارته اليوم إلا ليؤثرك غدا! " (1).

وروي أنَّ أبا بكر بعث عمر إلى المتخلفين فجاء فناداهم وهم في دار علي. فأبوا أن يخرجوا، فدعا بالحطب. وقال: والذي نفس عمر بيده لتخرجنّ أو لأحرقنّها على من فيها. فقيل له: إنَّ فيها فاطمة، فقال: وإن " (2).

ثم أتى عمر ومعه جماعةٌ، فأخرجوا عليا عليه‌السلام ومضوا به إلى أبي بكر. فقال له: بايع فقال: " إن أنا لم أفعل فماذا؟ قالوا: إذا والله الذي لا إله إلا هو، نضرب عنقك! فقال: إذن تقتلون عبد الله وأخا رسول الله.

قال عمر: أما عبد الله فنعم. وأما أخو رسول الله فلا...

فأين الإجماع المزعوم مع وجود هذه الحقائق؟

رأيت النص يفضح جاحديه
 

 

ويلجئهم إلى ضيق الخناق
 

ولو كان اجتماع القوم رشدا
 

 

لما أدى إلى طول افتراق
 

إنَّ تخلف سعد بن عبادة وحده يلغي الإجماع.

يقول الدكتور محمد عمارة: " وفي كل الحالات، فإنَّ موقف سعد بن عبادة قد ظل ثَغرةً تمنع انعقاد الإجماع على خلافة أبي بكر ".

وقال: " إنَّ تصور الإجماع على إمارة أبي بكر، في مثل تلك الظروف والملابسات، ضربٌ من المحال " (3).

____________

1 - أنساب الأشراف، البلاذري: ص 587.

2 - راجع حادثة التحريق فيما سبق.

3 - الخلافة ونشأة الأحزاب الإسلامية: ص 94.


 

الصفحة 528

 

عدول الصحابة عن النص

سؤال قد يرد في الأذهان: هل يعقل أن يسمع الصحابة باستخلاف النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعلي عليه‌السلام ويبايعوه في غدير خم، ثم ينكثون بيعته؟

إنَّ من فهم موضوع عدالة الصحابة واجتهادهم أمام المحكمات لا يعرض له هذا السؤال، فالخروج عن النص أمرٌ شائع عند الصحابة. فهذا الذي لا يتصور خروج الصحابة عن النص في استخلاف علي نقول له: لماذا لا تعقل اجتهاد الصحابة أمام النص في استخلاف علي وتعقل اجتهادهم في رزية الخميس، وسرية أسامة، ويوم الحديبيّة، واجتهادهم في تحريم المتعة، وإلغاء سهم المؤلفة قلوبهم، و...؟!

فإن قيل: إنَّ خروجهم عن هذه النصوص. كان لاجتهاد رأوه، قلنا: لم لا يقال إنَّ خروجهم عن نصوص الاستخلاف من قبيل هذا؟ والملك عقيم!

وفعل الصحابة مع عليِّ ليس بأعجب من فعل بني إسرائيل مع هارون. فحين ذهب موسى عليه‌السلام لميقات ربه استخلف على أصحابه أخاه هارون ووعد قومه بأنه سيعود بعد ثلاثين ليلة، لكن الله أتمهن بعشر، فلما رجع موسى وجد قومه قد تركوا هارون وعكفوا على العِجل الذي صنعه السامري. فإذا جاز لأصحاب موسى أن يتركوا هارون، جاز لأصحاب محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يتركوا عليا عليه‌السلام الذي هو بمنزلة هارون من موسى عليهما‌السلام عند النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، فالناس هم الناس، والزمان هو الزمان!

وإعراض الصحابة عن هارون محمد مصداقٌ لقول النبي لأصحابه: " لتتبعنَّ سنن مَن قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضبٍّ لسلكتموه!! قلنا:

يارسول الله اليهود والنصارى، قال فمن؟! " (1).

____________

1 - صحيح البخاري: كتاب الأنبياء، باب ماذكر عن بني اسرائيل.


 

الصفحة 529

 

وقد قال الصحابة للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: " إنا إذا كنا عندك كنا على حال وإذا خرجنا من عندك همتنا الدنيا وأهلونا " (1).

فالصحابة ما إن افترقوا عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لاتهمهم إلاّ الدنيا أو أهلوهم، فكيف يكون حالهم إذا مات النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وانقطع عنهم؟!

ولا نعجب من فعل الصحابة هذا والله يقول فيهم: ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّـهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّـهُ الشَّاكِرِينَ ) (2).

وكيف نعجب من فعلهم بعد إخبار النبي بورود أصحابه النار، وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم:

" فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم " وكيف نستبعد ذلك بعد مناداة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم:

" إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك " أو " إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى "!!

لقد كان الصحابة يصلون ويصومون ويحجون ويقومون بسائر الفرائض، فلماذا لا يخلص منهم إلا مثل همل النعم؟ نعم ليس هناك تفسير إلا أنهم نكثوا البيعة بتركهم آل البيت عليهم‌السلام.

وكيف لا نستهجن فعلهم، والنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول لعلي عليه‌السلام: " إنَّ الأمة ستغدر بك من بعدي "؟! (إنه لقول رسول كريم).

هذان طلحة والزبير بايعا عليا، وخرجا عليه، فإذا جاز لهما نكث بيعة علي، جاز لأبي بكر وعمر نكث بيعة علي ولا فرق، فالشيخان من الصحابة العدول، وطلحة والزبير من الصحابة العدول أيضا باتفاق أهل السنة.

____________

1 - مجمع الزوائد: 10/310، قال: رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح.

2 - آل عمران: 144.


الصفحة 530

 

وفي الختام

إنَّ إمامة علي عليه‌السلام ثابتة في الكتاب والسنة.

ربما يذكر أهل السنة أدلتهم وهي، آيات الشورى، إمامة أبي بكر في الصلاة، وإجماع الصحابة.

ونحن أثبتنا سابقا بما لا يبقى معه مجال للشك فيه: أنَّ هذه الأدلة في غير محلها، بخلاف أدلة الإمامية.

وإني لأعجب من المسلم كيف يتمسك بهذه الأدلة، ويترك الأدلة الإلهية والنصوص النبوية البينِّة كالشمس عند الزوال في ثبوتها ودلالتها.


 

 


الصفحة 531

الفصل الرابع

الأئمة الاثنا عشر


الصفحة 532

الصفحة 533
 

 

هُمُ أهلُ ميراثِ النبيِّ إذا اعَتزّوا
 

 

وهم خيرُ ساداتٍ وخير حماةٍ
 

مَطاعيمُ في الإعسارِ، في كلِّ مشهَدٍ
 

 

لقد شَرُفوا بالفضلِ والبركات
 

فإن فخروا يوماً أتوا بمحمَّدٍ
 

 

وجبريلَ والفُرقانِ ذي السوراتِ
 

وعدّوا عليّاً ذا المناقب والعُلا
 

 

وفاطمةَ الزهراءِ خيرَ بناتِ
 

مَلامكَ في أهل النبيِّ، فإنهم
 

 

أحباءي، ما عاشوا وأهلُ ثقاتي
 

تخيرتهم رُشداً لأمري، فإنّهم
 

 

على كلِّ حالٍ خِيرةُ الخيراتِ
 

* * *

من ديوان دعبل الخزاعي: 124 - 145


 

الصفحة 534

 

توطئة:

لقد بينا فيما سبق طبيعة المشروع الذي أعدَّه الله لإنقاذ البشريّة وإسعادهم، متمثلا بقيادة آل البيت، فكريا وسياسيا. وارتأيْتُ أن أقدم للقراء شيئا من سيرة هؤلاء الأئمة ومكانتهم بين العلماء.

علي بن أبي طالب (المرتضى) عليه‌السلام

(10 قبل البعثة - 40 هـ‍)

هو أوَّل الناس إسلاماً، عرض النبي الإسلام عليه دون صبيان بني هاشم وقريش. رافق النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في جميع تحركاته ومات النبي في حجره.

وها هو عليه‌السلام يحدثنا عن منزلته من النبي فيقول: " وقد علمتم موضعي من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالقرابة القريبة، والمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره وأنا ولد، يضمني إلى صدره، ويكنفني فراشه، ويمسني جسده، ويشمني عرفه، وكان يمضغ الشئ ثم يلقمنيه، وما وجد لي كذبة في قول، ولا خطلة في فعل. ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل أثر أمه، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علما، ويأمرني بالاقتداء به، وقد كان يجاور في كل سنة بحراء، فأراه ولا يراه غيري، ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وخديجة وأنا ثالثهما أرى نور الوحي وأشم ريح النبوة " (1).

____________

1 - نهج البلاغة: الخطبة القاصعة.


 

الصفحة 535

 

وقد اجتهدت كل فرقة من الفرق الإسلامية في إثبات اتصالها بعليّ. يقول المؤرِّخ الشهير ابن أبي الحديد:

" وقد عرفت أنَّ أشرف العلوم هو العلم الإلهي، لأنَّ شرف العلم بشرف المعلوم، ومعلومه أشرف الموجودات، فكان هو أشرف العلوم. ومن كلامه عليه‌السلام اقتبس، وعنه نقل، وإليه انتهى، ومنه ابتدأ.

فإنَّ المعتزلة الذين هم أهل التوحيد والعدل وأرباب النظر ومنهم تعلَّم الناس هذا الفن، تلامذته وأصحابه، لأنَّ كبيرهم واصل بن عطاء تلميذ أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية، وأبو هاشم تلميذ أبيه وأبوه تلميذه عليه‌السلام.

وأما الأشعرية فإنهم ينتمون إلى أبي الحسن علي بن أبي بشير الأشعري وهو تلميذ أبي علي الجبائي، وأبو علي أحد مشايخ المعتزلة فالأشعرية ينتهون بآخرة إلى أستاذ المعتزلة ومعلمهم، وهو علي بن أبي طالب عليه‌السلام.

وأما الإمامية والزيدية فانتماؤهم إليه ظاهر.

ومن العلوم: علم الفقه، وهو عليه‌السلام أصله وأساسه وكل فقيه في الإسلام فهو عيال عليه ومستفيد من فقهه.

أما أصحاب أبي حنيفة كأبي يوسف ومحمد وغيرهما فأخذوا عن أبي حنيفة.

وأما الشافعي فقرأ على محمد بن الحسن فيرجع فقهه أيضا إلى أبي حنيفة، وأبو حنيفة قرأ على جعفر بن محمد عليه‌السلام وجعفر قرأ على أبيه عليه‌السلام وينتهي الأمر إلى علي عليه‌السلام.

وأما مالك فقرأ على ربيعة الرأي، وقرأ ربيعة على عكرمة، وقرأ عكرمة على عبد الله بن عباس، وقرأ عبد الله بن عباس على علي بن أبي طالب. وإن شئت فرددت إليه فقه الشافعي بقراءته على مالك كان لك ذلك، فهؤلاء الفقهاء الأربعة.

أما فقه الشيعة فرجوعه إليه ظاهر، وأيضا فإن فقهاء الصحابة كانوا: عمر ابن الخطاب، وعبد الله بن عباس وكلاهما أخذ عن علي عليه‌السلام. أما ابن عباس فظاهر، وأما عمر فقد عرف كل أحد رجوعه إليه في كثير من المسائل التي اشكلت عليه وعلى غيره


 

الصفحة 536

 

من الصحابة (1) وقوله غير مرة: " لولا علي لهلك عمر " وقوله: " لا بقيت لمعضلة ليس لها أبو الحسن ". وقوله: " لا يفتين أحدٌ في المسجد وعلي حاضر " فقد عرف بهذا الوجه أيضا انتهاء الفقه إليه...

ومن العلوم: علم تفسير القرآن، وعنه أخذ، ومنه فرِّع، وإذا راجعت إلى كتب التفسير علمت صحة ذلك، لأنَّ أكثره عنه، وعن عبد الله بن عباس، وقد علم الناس حال ابن عباس في ملازمته له وانقطاعه إليه، وأ نه تلميذه وخريجه، وقيل له: اين علمك من علم ابن عمك؟ فقال: كنسبة قطرة من المطر إلى البحر المحيط...

ومن العلوم: علم النحو والعربية، وقد علم الناس كافة أنه هو الذي ابتدعه وانشأه وأملى على أبي الأسود الدؤلي جوامعه وأصوله ومن جملتها: الكلام كله ثلاثة أشياء اسم وفعل وحرف، ومن جملتها تقسيم الكلمة إلى معرفة ونكرة، وتقسيم وجوه الإعراب إلى الرفع والنصب والجر والجزم. وهذا يكاد يلحق بالمعجزات، لأنَّ القوة البشرية لا تفي بهذا الحصر ولا تنهض بهذا الاستنباط ".

قال - والكلام لا يزال لابن أبي الحديد -: " وأمَّا الرأي والتدبير فكان من أسدِّ الناس رأيا، وأصحهم تدبيرا، وهو الذي أشار على عمر لمّا عزم على أن يتوجه بنفسه إلى حرب الروم والفرس بما أشار، وهو الذي أشار على عثمان بأمور كان صلاحه فيها ولو قبلها لم يحدث عليه ما حدث. وإنما قال أعداؤه لا رأي له، لأنه كان متقيدا بالشريعة لا يرى خلافها، ولا يعمل بما يقتضي الدين تحريمه.

وقد قال عليه‌السلام: " لولا الدين والتقى لكنت أدهى العرب " (2).

____________

1 - قال النووي: " وسؤال كبار الصحابة له، ورجوعهم إلى فتاويه وأقواله في المواطن الكثيرة، والمسائل المعضلة، مشهور ". الأسماء واللغات: 1/246.

وقال ابن الاثير في أسد الغابة: " ولو ذكرنا ما سأله الصحابة به مثل عمر وغيره رضي الله عنهم لأطلنا ".

2 - شرح النهج: 1/17 - 28.


 

الصفحة 537

 

قال الشيخ أحمد الباقوري - شيخ الأزهر -: " إنَّ عليا - كرم الله وجهه - يرجع إليه فقه الأئمة الأربعة مالك والشافعي وابن حنبل وأبو حنيفة، كما يرجع إليه فقه الشيعة وفقه الصحابة (1) " (2).

هذا هو علي بن أبي طالب أول الأئمة الاثني عشر. وقد ترك عليه‌السلام لنا ثروة إسلامية عظيمة ودونك نهج البلاغة (3) هذا الكتاب العظيم الذي قال فيه الناقدون: إنه دون كلام الخالق، وفوق كلام المخلوقين (4).

فإنك إن نظرت فيه تجد جميع معارف الإسلام من توحيد، وعدل، وتنزيه للأنبياء، وتذكير بالمعاد، وسياسة، واقتصاد، وأخلاق... وكل هذا من مخزون علم النبوة.

قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: " قلت لأبي: ما تقول في التفضيل؟ قال: في الخلافة أبو بكر، وعمر، وعثمان. فقلت: فعلي؟ قال: يا بني، علي بن أبي طالب من أهل بيت لا يقاس بهم أحد " (5).

 

من أقوال الإمام:

1 - كتب إلى معاوية: غرّك عزّك، فصار قصار ذلك ذلُّك، فاخش فاحش فعلك، فعلَّك تُهدى بهُدى!

2 - أفضل الأعمال ما أكرهت نفسك عليه.

____________

1 - علي إمام الأئمة: ص 47.

2 - وقد بات واضحا لكل ذي لبٍّ أنَّ نهج البلاغة من كلام سيد الفصاحة والبلاغة علي بن أبي طالب عليه‌السلام.

وهذا الموضوع أوسع من أن تتحمله هذه الأسطر، لذا فإننا نحيل الباحثين عن الحقيقة إلى كتاب " مصادر نهج البلاغة وأسانيده "، لمؤلفه عبد الزهراء الخطيب ففيه أقوى الأدلة على ما نقول.

3 - شرح النهج، ابن أبي الحديد: 1/24.

4 - طبقات الحنابلة، أبي يعلى: 2/120.


الصفحة 538

 

3 - سأله رجل عن السنُّة والبدعة والفرقة والجماعة. فقال عليه‌السلام: أما السنة فسنة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأما البدعة فما خالفها. وأما الفرقة فأهل الباطل وإن كثروا وأما الجماعة فأهل الحق وإن قلّوا.

4 - كل وعاء يضيق بما جعل فيه إلاّ وعاء العلم فإنه يتّسع.

5 - إعجبوا لهذا الإنسان، ينظر بشحم، ويتكلّم بلحم، ويسمع بعظم، ويتنفس من خُرم.

6 - إعقلوا الخبر إذا سمعتموه عقلَ رعايةٍ لا عقل رواية، فإنَّ رواة العلم كثير ورعاته قليل.

7 - روي أنَّ الإمام عليا عليه‌السلام نظر إلى الماء ينزل من الأعلى إلى الأسفل فقال: لو شئت لجعلت من هذا الماء نورا.

والمقصود بالنور هنا الكهرباء! وهذا من مخزون علم النبوة.

8 - كان عليه‌السلام مع بعض أصحابه في منطقة الظهران في الحجاز. فوقف في مكان فيه الرمل، فجعل يجر الرمل وينحيّه وينظر في الأرض ما تحت الرمل.

فقال له بعض أصحابه: لماذا تفعل ذلك يا أمير المؤمنين؟ قال عليه‌السلام: إنَّ في هذا المكان عينا من النفط. قيل: وما هو النفط؟ قال عليه‌السلام: عينٌ تشبه الزيت، لو أخرجتها من هذا المكان لأغنيت جميع العرب منها.


 

 


الصفحة 539

الإمام الحسن بن علي (المجتبى) عليه‌السلام

(3 هـ‍ - 50 هـ‍)

أبوه علي بن أبي طالب عليه‌السلام، وأمه فاطمة الزهراء عليها‌السلام، وجده سيد الخلق محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأخوه الحسين، وهو الإمام الثاني من الأئمة الاثني عشر، وفضله أشهر من أن يذكر.

كانت صحيفة آل البيت والتي تحوي السنة النبوية عند الحسن بن علي. قال عبد الرحمن بن أبي ليلى: " سألت الحسن بن علي عن قول عليِّ في الخيار، فدعا بربعة، فأخرج منها صحيفة صفراء مكتوب فيها قول علي في الخيار " (1).

خطب الحسن عليه‌السلام بالناس بعد وفاة أبيه فقال: " نحن حزب الله الغالبون، وعترة رسوله الأقربون، وأهل بيته الطيبون الطاهرون، وأحد الثقلين اللذين خلفهما رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في أمته، فقال: " إني تارك فيكم كتاب الله وعترتي ". والتالي كتاب الله، فيه تفصيل كل شئ، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فالمعوَّل علينا في تفسيره، لا نتظنى تأويله بل نتيقن حقائقه. فأطيعونا فإنَّ طاعتنا مفروضة إذ كانت بطاعة الله عز وجل ورسوله مقرونة ".

وقال: " أيها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن علي، وأنا ابن النبي، وأنا ابن الوصي، وأنا ابن البشير، وأنا ابن النذير، وأنا ابن الداعي إلى الله بإذنه، وأنا ابن السراج المنير، وأنا من أهل بيت الذي أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا " (2).

____________

1 - دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه، محمد الأعظمي.

2 - منتهى الآمال في تواريخ النبي والآل، عباس القمي: 1/427. المستدرك، الحاكم: 3/172. مقاتل الطالبيين: ص 34 - 35. إعلام الورى: ص 208. تحف العقول: ص 232.


 

الصفحة 540

 

كتب الحسن بن أبي الحسن البصري إلى أبي محمد الحسن بن علي عليهما‌السلام: أما بعد فإنكم معشر بني هاشم، الفلك الجارية في اللجج الغامرة، والأعلام النيّرة الشاهرة، أو كسفينة نوح عليه‌السلام التي نزلها المؤمنون ونجا فيها المسلمون. كتبت إليك يابن رسول الله، عند اختلافنا في القدر، وحيرتنا في الاستطاعة، فأخبرنا بالذي عليه رأيك ورأي آبائك عليهم‌السلام، فإنَّ من علم الله علَّمكم، وأنتم شهداء على الناس، والله الشاهد عليكم، ذريةٌ بعضها من بعض والله سميع عليم.

فأجابه الحسن عليه‌السلام: بسم الله الرحمن الرحيم وصل إليَّ كتابك، ولولا ما ذكرته من حيرتك وحيرة من مضى قبلك إذن ما أخبرتك، أما بعد فمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره أنَّ الله يعلمه، فقد كفر. ومن أحال المعاصي على الله فقد فجر. إنَّ الله لم يطع مكرها، ولم يعص مغلوبا... " (1).

أما قضية صلح الإمام الحسن عليه‌السلام مع معاوية، فلا تسعها هذه الأسطر، وما نوَّد قوله هو: إنَّ الإمام اضطر إلى الصلح اضطرارا، فأغلب جيشه كانوا من الخوارج وأهل النفاق والطامعين والأعراب... واستطاع معاوية ان يشتري الكثير منهم. فلم يبق مع الإمام إلاّ قلةٌ قليلة. فكان الإمام أمام خيارين إما أن يصالح أو يقاتل. ولو اختار القتال لما بقي لآل البيت وشيعته وجود، قال عليه‌السلام: " والله، ما سلّمت الأمر إلى معاوية، إلاّ أني لم أجد أنصارا، ولو وجدت أنصارا لقاتلته ليلي ونهاري، حتى يحكم الله بيني وبينه " (2).

وقد اشترط الحسن عليه‌السلام في الصلح، أن تعود الخلافة له إذا مات معاوية، وإذا مات الحسن تعود للحسين عليه‌السلام.

____________

1 - تحف العقول: ص 231.

2 - الاحتجاج وراجع صلح الإمام الحسن في كتب الإمامية.


الصفحة 541

من أقوال الإمام:

1 - من اتكل على حسن الاختيار من الله له، لم يتمن أنه في غير الحال التي اختارها الله له.

2 - ما صدَّنا عن أهل الشام شك ولا ندم، وإنما كنا نقاتلهم بالسلامة والصبر، فشيبت السلامة بالعداوة، والصبر بالجزع، وكنتم في مسيركم إلى صفين دينكم أمام دنياكم، فأصبحتم ودنياكم أمام دينكم، ألا وإنّا لكم كما كنا، ولستم كما كنتم لنا.

3 - إعلموا أنَّ الحكمة زين، والوقار مروءة، والصلة نعمة، والإكثار صلف، والعجلة سفه، والسفه ضعف، والفلق ورطة، ومجالسة أهل الدناءة شَينٌ، ومجالسة أهل الفسوق ريبه.

4 - بالعقل تدرك الداران جميعا، ومن حرم العقل حرمهما جميعا.


 

 


الصفحة 542

الحسين بن علي (الشهيد) عليه‌السلام

(4 هـ‍ - 61 هـ‍)

" السيد الإمام أبو عبد الله الحسين عليه‌السلام ابن بنت رسول الله، وريحانته، وابن أمير المؤمنين علي عليه‌السلام، ونشأة بيت النبوة، له أشرف نسب، وأكمل نفس، جمع الفضائل ومكارم الأخلاق،...

وكان إذا أقام بالمدينة أو غيرها مفيدا بعلمه، مهذِّبا بكريم أخلاقه، مؤدِّبا ببليغ بيانه، سخيا بماله، متواضعا للفقراء...

لقد كان الحسين في وقتٍ علَم المهتدين، ونور الأرض، فأخبار حياته فيها هدى للمسترشدين بأنوار محاسنه، المقتفين آثار فضله " (1).

وقال العقّاد في الحسين عليه‌السلام: " وقد تعلَّم في صباه خير ما يتعلمه أبناء زمانه من فنون العلم والأدب والفروسية، وإليه يرفع كثير من المتصوفة وحكماء الدين نصوصهم التي يعولون عليها ويردونها إلى علي بن أبي طالب رضي‌الله‌عنه.

وقد أوتي ملكة الخطابة من طلاقة لسان، وحسن بيان، وغنّة صوت، وجمال إيماء...

وقد أخذ نفسه بسمت الوقار في رعاية أسرته ورعاية الناس عامة.. فهابه الناس، وعرف معاوية عنه هذه المهابة، فوصفه لرجل من قريش ذاهب إلى المدينة

____________

1 - هذا كلام السيد علي جلال المصري راجع الشيعة في الميزان: ص 222 عن الأعيان. وهناك لطيفه لأبي يعقوب السجستاني الإسماعيلي. قال عن أبي بكر وعمر إنَّ الحسن والحسين عليهما‌السلام: " سيديهم شاءا أم أبيا، ولأن السيد هو المطاع لا المطيع فوجب أن تلزمهم طاعة الحسن والحسين ولا تلزم الحسن والحسين طاعتهم لأنهما إمامان وسيدا شباب أهل الجنة " أنظر كتابه الافتخار: ص 72، تحقيق مصطفى غالب.


الصفحة 543

 

فقال: اذا دخلت مسجد رسول الله فرأيت حلقة فيها قوم كأن على رؤوسهم الطير، فتلك حلقة أبي عبد الله، مؤتزرا إلى أنصاف ساقيه...

أما عاداته في معيشته، فكان ملاكها لطف الحسن، وجمال الذوق، والقصد في تناول كل مباح. كان يحب الطيب والبخور، ويأنق للزهر والريحان..

وروى أنس بن مالك أنه كان عنده، فدخلت عليه جارية بيدها طاقةٌ من ريحان، فحيَّته بها. فقال لها: " أنت حرّةٌ لوجه الله تعالى " فسأله أنس متعجبا: جارية تجيئك بطاقة ريحان فتعتقها؟ قال: " كذا أدبنا الله.. قال تبارك وتعالى: ( وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ) (1).. وكان أحسن منها عتقها "..

وقد عاش سبعا وخمسين سنة بالحساب الهجري، وله من الأعداء من يصدقون ويكذبون... فلم يعبه أحد منهم بمعابة ولم يملك أحد منهم أن ينكر ماذاع من فضله، حتى حار معاوية بعيبه حين استعظم جلساؤه خطاب الحسين له " (2).

وقبل خروج الحسين عليه‌السلام ثائرا ضد يزيد، أوصى أخاه محمد بن الحنفية فقال:

"... وإني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا مفسدا ولا ظالما، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدّي وأبي علي بن أبي طالب، فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن رد علي هذا، أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين " (3).

وخطب الحسين عليه‌السلام حين خرج إلى العراق فقال: " خُطَّ الموت على وُلد آدم مَخطَّ القَلادة على جيد الفتاة، وما أولَهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف، وخُيّر لي مصرعٌ أنا لاقيه، كأنّي بأوصالي تقطِّعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء، فيملأن مني أكراشا جوفا وأجربةٍ سغباً، لا محيص عن يوم خُطَّ بالقلم، رضى الله رضانا

____________

1 - النساء: 86.

2 - راجع المجموعة الكاملة لعباس محمود العقاد، المجلد الثاني، الحسين أبو الشهداء: ص 191 - 196.

3 - نفس المهموم: ص 25.


 

الصفحة 544

 

أهل البيت، نصبر على بلائه ويوفينا أجر الصابرين، لن تشذ عن رسول الله لحمته، وهي مجموعة في حظيرة القدس، تقرّ بهم عينه، وينجز بهم وعده. من كان باذلا فينا مُهجته، وموطّناً على لقاء الله نفسه فليرحل معنا " (1).

ويصل الحسين عليه‌السلام كربلاء، فيلتقي أهل الحق مع أهل الباطل، الخط الرسالي مع الخط الطاغوتي. وتسيل الدماء الزاكيات، دماء أهل بيت النبوة، وتختلط بتربة كربلاء لتسقي شجرة الإسلام فتبعث فيها الحياة، بعد أن كاد يقتلها الجرثوم الأموي. وتتحوّل هذه الدماء مع مرور الزمن إلى مشعلٍ ومزودٍ للأحرار، فيمرون على كربلاء ويتعلمون منها روح التضحية والفداء، ويستلهمون منها الدروس والعبر. ما أكثر الشهداء على مرِّ التاريخ، ولكنهم أحياء عند ربهم يرزقون، أما الحسين فحيٌّ في الدارين.

 

من أقوال الإمام:

1 - قال لأصحابه ليلة العاشر من محرم:... إني قد أذنت لكم فانطلقوا جميعا في حلٍّ، ليس عليكم مني ذمام، هذا الليل فاتّخذوه جملاً، ثم ليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي، ثم تفرقوا في سَوادكم ومدائنكم حتى يفرج الله، فإنَّ القوم إنما يطلبوني، ولو قد أصابوني للهوا عن طلب غيري.

2 - قال يوم العاشر: ألا وإنَّ الدَّعي - يزيد - ابن الدَّعي قد ركَز بين اثنتين بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة، يأبى الله ذلك لنا ورسوله والمؤمنون، وحجور طابت، وانوف حمية، ونفوس أبية، وأن نؤثر طاعة اللئام على مَصارع الكرام.

3 - الناس عبيد الدنيا، والدين لعِقٌ على ألسنتهم، يحوطونه ما درَّت معائشهم، فإذا مُحّصوا بالبلاء، قلَّ الديّانون.

4 - موت في عزّ، خيرٌ من حياة في ذل.

5 - من دلائل العالم انتقاده لحديثه، وعلمه بحقائق فنون النظر.

____________

1 - نفس المهموم: ص 100.


 

الصفحة 545

 

الإمام علي بن الحسين (السجاد) عليه‌السلام

(38 هـ‍ - 95 هـ‍)

الإمام الرابع من أئمة آل البيت، شهد كربلاء، لكنه كان مريضا فحفظ الله به نسل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم. وبقيت مأساة كربلاء تعيش مع الإمام عليه‌السلام. عن جعفر بن محمد: سئل علي بن الحسين عن كثرة بكائه، فقال: لا تلوموني، فإنَّ يعقوب فقد سبطاً من ولده، فبكى حتى ابيضّت عيناه ولم يعلم أنه مات، ونظرت أنا إلى أربعة عشر رجلا من أهل بيتي ذبحوا في غداة واحدة، فترون حزنهم يذهب من قلبي أبدا (1)؟

وفي طبقات ابن سعد بسنده إلى المنهال قال: دخلت على عليِّ بن الحسين، فقلت:

كيف أصبحت أصلحك الله؟ فقال: ما كنت أرى شيخا من أهل المصر مثلك، لا يدري كيف أصبحنا، فأمّا إذ لم تدر أو تعلم فأنا أخبرك: أصبحنا في قومنا بمنزلة بني أسرائيل في آل فرعون!! إذ كانوا يذبّحون أبناءهم ويستحيون نساءهم، وأصبح شيخنا وسيدنا يتقرَّب إلى عدوِّنا بشتمه أو سبه على المنابر، وأصبحت قريش تعد أنَّ لها الفضل على العرب، لأنَّ محمدا منها لا يعدّ لها فضل إلاّ به، وأصبحت العرب مقرّة لهم بذلك، فلئن كانت العرب صدقت أنَّ لها الفضل على العجم، وصدقت قريش أنَّ لها الفضل على العرب لأنّ محمدا منها، إنّ لنا أهل البيت الفضل على قريش لأنّ محمدا منا، فأصبحوا يأخذون بحقنا ولا يأخذون لنا حقا، فهكذا أصبحنا إذا لم تعلم كيف أصبحنا! قال: فظننت أنه أراد أن يسمع من في البيت " (2).

____________

1 - حلية الأولياء: 3/138. تهذيب الكمال في أسماء الرجال الحافظ المزي: 20/399.

2 - هذه صورة واضحة عن حال أبناء النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في خير القرون!! فراجع كلامه في طبقات ابن سعد:

5/113. تهذيب الكمال: 20/399 - 400.


الصفحة 546

 

وروي " أنَّ علي بن الحسين عليه‌السلام كان يذكر حال من مسخهم الله قردةً من بني إسرائيل ويحكي قصتهم، فلما بلغ آخرها قال: إنَّ الله تعالى مسخ أولئك القوم لاصطيادهم السمك، فكيف ترى عند الله عزوجل يكون حال من قتل أولاد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهتك حريمه؟! إنَّ الله تعالى وإن لم يمسخهم في الدنيا فإنَّ المعد لهم من عذاب الآخرة أضعاف أضعاف من عذاب المسخ " (1).

لقد كان علي بن الحسين عليه‌السلام إمام زمانه، وكانت وصايا الإمامة عنده. ورد عن جعفر بن محمد الصادق عليه‌السلام: " إنّ الحسين لما سار إلى العراق استودع أم سلمة (2) الكتب والوصية فلما رجع علي بن الحسين دفعتها إليه " (3).

وشهادات علماء الإسلام لزين العابدين كثيرة ونحن نورد بعضا منها.

" عن العيزار بن حريث قال: كنت عند ابن عباس وأتاه علي بن الحسين فقال:

مرحبا بالحبيب ابن الحبيب " (4).

قال ابن سعد فيه: " وكان ثقةً مأمونا كثير الحديث عاليا رفيعا ورِعا. قال ابن عيينة، عن الزهري: ما رأيت قرشيا أفضل من علي بن الحسين " (5).

وقال ابن عيينة، عن الزهري أيضا: ما رأيت أحدا كان أفقه منه. وقال ابن وهب عن مالك: لم يكن في أهل بيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مثل علي بن الحسين (6).

ويروى أنَّ سعيد بن المسيب قال: ما رأيت أورع منه. وقال العجلي: مدنيٌّ، تابعي، ثقة (7).

____________

1 - الاحتجاج: 2/40.

2 - إعلام الورى: ص 252. مناقب آل أبي طالب، ابن شهرآشوب الجزء الثالث.

3 - طبقات ابن سعد: 5/109.

4 - تهذيب التهذيب: 7/269. طبقات الحفاظ، السيوطي: ص 37.

5 - تهذيب التهذيب: 7/269. صفوة الصفوة: 2/99.

6 - المصدر السابق.


 

الصفحة 547

 

وقال مصعب الزبيري، عن مالك: ولقد أحرم علي بن الحسين فلما أراد أن يقول لبيك قالها فأغمي عليه حتى سقط من ناقته فهشم. ولقد بلغني أنه كان يصلي في كل يوم وليلة ألف ركعة إلى أن مات. وكان يسمى زين العابدين لعبادته (1).

وقال عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه: ما رأيت هاشميا أفضل من علي بن الحسين ولا أفقه منه (2).

وقال له نافع بن جبير: إنك سيد الناس وأفضلهم (3).

قال جرير بن عبد الحميد عن عمرو بن ثابت: لما مات علي بن الحسين وجدوا بظهره أثرا، فسألوا عنه، فقالوا: هذا ما كان ينقل الجرب بالليل على ظهره إلى منازل الأرامل (4).

وقال جرير أيضا عن شيبة بن نعامة: كان علي بن الحسين يبخل، فلما مات وجدوه يعول مائة أهل بيت بالمدينة (5).

وقال فيه الشافعي: هو أفقه أهل المدينة.

وقال الواقدي: كان من أورع الناس، وأعبدهم، واتقاهم لله عز وجل، وكان إذا مشى لا يخطر بيديه (6).

سأل عمر بن عبد العزيز وقد قام عنده علي بن الحسين عليه‌السلام: من أشرف الناس؟

فقالوا له: أنتم. فقال: كلا، فإنَّ أشرف الناس هذا القائم من عندي آنفا، من أحب الناس أن يكونوا منه، ولم يحب أن يكون من أحد.

____________

1 - تهذيب التهذيب: 7/269. صفوة الصفوة: 2/99.

2 - تهذيب الكمال: 2/387. تذكرة الخواص: ص 186.

3 - صفوة الصفوة: 2/98. كشف الغمة: ص 199.

4 - تهذيب الكمال: 20/392.

5 - المصدر السابق.

6 - البداية والنهاية: 9/104.


الصفحة 548
 

ولما أخبر عمر بن عبد العزيز بوفاة زين العابدين قال: ذهب سراج الدين، وجمال الإسلام، وزين العابدين.

وقال عنه الفقيه ابن حجر: هذا هو الذي خلف أباه علما وزهدا وعبادة (1).

وقال فيه ابن الصباغ المالكي المكي: وأما لقبه عليه‌السلام فله ألقاب كثيرة كلها تطلق عليه، أشهرها: زين العابدين عليه‌السلام، وسيد الساجدين عليه‌السلام، والزكي، والأمين، وذو الثَفَنات...

أما مناقبه عليه‌السلام فكثيرة ومزاياه شهيرة (2).

وقال فيه الشيخ أبو زهرة: وقد كان زين العابدين فقيها كما كان محدِّثا، وكان له شبهٌ بجدِّه علي بن أبي طالب في قدرته على الإحاطة بالمسألة الفقهية من كل جوانبها والتفريع عليها (3).

وقال فيه الأستاذ عبد العزيز سيد الأهل: " وزين العابدين علي بن الحسين السجاد ليس في حاجة لأن أجلوه للناس أو - على الأقل - للعارفين به أكثر من معرفتي به، ولكنَّ الذي كان في حاجة لأن يمجد، وأن يستعلي، إنما هو قلمي ودفتري، ومدادي، من حيث أخذت بهذه الأدوات أنظم في سيرة هذا البطل نظما جديدا، ربما أعجب عصرنا، وانساق في تياره، ولئن حق لشئ أن يفخر، فقد حق للقلم الذي ينظم سيرته أن يمجد ويستعلي وأن يعتز على المداد والأقلام " (4).

وقد قال فيه الفرزدق قصيدةً رائعة في محضر هشام بن عبد الملك نختار منها بعض الأبيات:

____________

1 - الصواعق المحرقة: 2/582.

2 - الفصول المهمة في معرفة الأئمة.

3 - الإمام زيد: ص 31.

4 - الإمام زين العابدين: ص 4.


الصفحة 549
 

 

هذا ابن خيرُ عبادِ الله كلّهم
 

 

هذا التقي النقي الطاهر العلَمُ
 

مشتقةٌ من رسول الله نبعته
 

 

طابت عناصرها والخيم والشيمُ
 

يُستدفع السوء والبلوى بحبِّهم
 

 

ويُستزاد به الإحسان والنعمُ
 

مقدَّم بعد ذكر الله ذكرهم
 

 

في كل حكم ومختوم به الكلمُ
 

إن عُدَّ أهل التقى كانوا أئمتهم
 

 

أو قيل من خير أهل الأرض قيل همُ
 

من يعرف الله يعرف أوّليّة ذا
 

 

فالدين من بيت هذا ناله الأممُ
 

ما قال لا قط إلاّ في تشهده
 

 

لولا التشهد كانت لاؤه نعمُ (1)
 

وقد ترك لنا السجاد عليه‌السلام رسالةً تعرف ب‍ (رسالة الحقوق) كما ترك لنا ثروة روحية عظيمة في صحيفته السجادية من خلال الأدعية والمناجات وسنذكر شيئا منها في أقواله.

 

من أقوال الإمام:

1 - يا أيها الناس أحبُّونا حبَّ الإسلام، فما برح حُبُّكم حتى صار علينا عاراً وفي رواية: حتى بغّضتمونا إلى الناس (2).

2 - قيل لعلي بن الحسين: إنَّ فلانا ينسبك إلى أنك ضال مبتدع فقال له: ما رعيت حق مجالسة الرجل حيث نقلت إلينا حديثه، ولا أدَّيت حقي حيث ابلغتني عن أخي ما

____________

1 - قال أبو زهرة: " لقد روت كتب التاريخ والسير والأدب هذه القصيدة منسوبة إلى الفرزدق الشاعر، ولم يتشكك الرواة والمؤرخون في نسبتها إليه، وأكثر كتب الأدب لم تثر عجاجة شك حولها " الإمام زيد.

وراجعها في تهذيب الكمال: 20/400 - 402. حلية الأولياء: 3/139. الأغاني، أبي الفرج:

15/325. ديوان الفرزدق.

2 - تهذيب الكمال: 20/387. حلية الأولياء: 3/136. ابن سعد: 5/214. سير أعلام النبلاء: 4/389.


 

الصفحة 550

 

لست أعلمه. إنَّ الموت يعمّنا، والبعث يحشرنا، والقيامة موعدنا، والله يحكم بيننا.. إياك والغيبة، فإنها إدام كلاب النار.

3 - قيل لعلي بن الحسين: مَن أعظم الناس خطرا؟ قال: من لم ير الدنيا لنفسه خطرا (1).

4 - وله من دعاء أبي حمزة الثمالي: "... فوعزتك يا سيدي لو انتهرتني ما برحت من بابك، ولا كففت عن تملقك، لما انتهى إلي من المعرفة بجودك... يا غفار، بنورك اهتدينا وبفضلك استغنينا، وبنعمتك أصبحنا وأمسينا، ذنوبنا بين يديك، نستغفرك اللهم منها ونتوب إليك، تتحبب إلينا بالنعم ونعارضك بالذنوب، خيرك إلينا نازل وشرنا إليك صاعد...

أنت إلهي أوسع فضلا وأعظم حلما من أن تقايسني بفعلي وخطيئتي، فالعفو العفو العفو، سيدي سيدي سيدي... فما لي لا أبكي، أبكي لخروج نفسي، أبكي لظلمة قبري، أبكي لضيق لحدي، أبكي لسؤال منكر ونكير إياي، أبكي لخروجي من قبري عريانا ذليلا حاملا ثقلي على ظهري...

إلهي ارحمني إذا انقطعت حجتي، وكَلَّ عن جوابك لساني، وطاش عند سؤالك إياي لبي، فيا عظيم رجائي لا تخيبني إذا اشتدَّت فاقتي...

وارحمني صريعا على الفراش تقلبني أيدي أحبتي، وتفضل عليَّ ممدودا على المغتسل يقلِّبني صالح جيرتي، وتحنَّن عليَّ محمولا قد تناول الأقرباء أطراف جنازتي، وجد عليَّ منقولا قد نزلت بك وحيداً في حفرتي، وارحم في ذلك البيت الجديد غربتي، حتى لا أستأنس بغيرك... " (2).

5- كان الإمام يفخر و يقول:

نحن على الحوض ذوّاده
 

 

وتسعى بنا ورّادُه
 

وما فاز إلاّ من فاز بنا
 

 

ومن ساءنا ساء ميلاده
 

ومن كان غاصباً حقنا
 

 

فيوم القيامة ميعاده
 

____________

1 - تهذيب الكمال: 20/398. عيون الأخبار، ابن قتيبة: 1/331.

2 - مفاتيح الجنان، عباس القمي والدعاء من ص 250 - 263 ومثله الكثير!

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة