الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة 501

 

حديث الثقلين:

في حديث الثقلين المشهور - ولا داعي لذكره - قرن الله العترة بالكتاب، فدّل هذا على أنهم مراجعٌ للمسلمين، كمرجعية القرآن لهم. ومن لا يفترق عن القرآن فجدير به أن يخلف الرسول.

والمتتبع لروايات الثقلين يجد أنَّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يعبر عنهما - أحيانا - ب‍ (خليفتين) (1) - وفي هذه الكلمة ما لايخفى من الدلالة، فالقرآن خليفة المسلمين - الجانب النظري - والعترة خلفاء المسلمين - الجانب العملي!!

 

حديث السفينة:

وهو قول النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: " مثَل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلَّف عنها غرق ".

وهذا الحديث يدل ضمنا على أنَّ الخلافة في آل البيت، فالنبي جعل النجاة بركوب سفينة آل البيت. وكل سفينة لا بد لها من قائد (قبطان)، وكان النبي هو القائد لسفينة الإسلام، وحين مات عهد لآل بيته بقيادتها، كما في حديث السفينة.

ولما كان التعبير بالسفينة تعبيرا مجازيا يعبر عن مسيرة الحياة، علمنا أنَّ آل بيته هم خلفاء المسلمين في هذه الدنيا!!

( هَـٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ ) (2).

____________

1 - انظر السنة: ابن أبي عاصم: 2/337، وصححه الألباني.

2 - آل عمران: 138.


الصفحة 502

 

الأدلة من القرآن

الإمامة منصب إلهي:

قال تعالى مخاطبا نبيه إبراهيم عليه‌السلام: (إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين) (1).

بعد أن أصبح إبراهيم نبيا أعطاه الله منصب الإمامة ( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ) فاستبشر إبراهيم بهذا وقال ( وَمِن ذُرِّيَّتِي ) هل ستجعل أئمة يا رب؟ قال ( لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) فاستثنى الله الظالمين ومنعهم من نيل هذا المنصب.

لقد سمى الله الإمامة بالعهد ( لَا يَنَالُ عَهْدِي ) وفي هذا أكبر ردٍّ على من يقول:

إنَّ الإمامة من عهود البشر. فهي من عهود ربِّ البشر، فهل سنأخذ بنص القرآن ونسلم له؟!

وفي هذه الآية منع الله الظالمين من نيل عهده " الإمامة " فكل من ظلم نفسه، أو ظلم غيره، ومن أشرك بالله ( إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) (2)، لا نصيب له في الإمامة!

وليس هناك من تنطبق عليه مواصفات الآية غير علي بن أبي طالب وولده المعصومين عليهم‌السلام. وكل الذين ادّعوا الخلافة وإمامة المسلمين، من غير أهل البيت عليهم‌السلام لا يخلو أحدهم من ممارسة نوعٍ من أنواع الظلم السالفة.

قال تعالى على لسان موسى عليه‌السلام: ( وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ) (3).

إنَّ نبي الله موسى مع عصمته يسأل الله أن يجعل له وزيرا. والوزارة فرع من الإمامة. فموسى عرف أنَّ الجعل بيد الله لذلك نسب الجعل إلى الله.

____________

1 - البقرة: 124.

2 - لقمان: 13.

3 - طه: 29 - 32.


 

الصفحة 503

 

إنما وليكم...:

قال تعالى: ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّـهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلَّ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّـهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ) (1).

نزلت هذه الآية في علي بن أبي طالب عليه‌السلام، حين تصدَّق بخاتمة وهو راكعٌ، بإجماع المفسرين.

ففي الدر المنثور: " أخرج الخطيب في المتفق عن ابن عباس قال: تصدق علي عليه‌السلام بخاتمه وهو راكع فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للسائل من أعطاك هذا الخاتم؟ قال: ذاك الراكع. فأنزل الله: ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ... ) (2).

وبعد نزول هذه الآية أنشد حسّان بن ثابت:

____________

1 - المائدة: 55 - 56.

2 - 2/293 وراجع: تفسير الطبري: 6/186. تفسير ابن كثير: 2/74. تفسير الرازي: 4/383.

تفسير القرطبي: 6/221. تفسير الكشاف: 1/624. فتح القدير، الشوكاني: 2/53. زاد المسير في علم التفسير، ابن الجوزي: 2/383. التسهيل لعلوم التنزيل، الكلبي: 1/181. التفسير المنير لمعالم التنزيل، الجاوي: 1/210. فتح البيان في مقاصد القرآن: 3/51. أسباب النزول، الواحدي: 148.

تفسير النسفي: 1/289. شواهد التنزيل، الحاكم الحسكاني: 1/161. مناقب علي، ابن المغازلي:

ص 311 و 355 و 356 - 358. كفاية الطالب، الكنجي الشافعي: 228 و 250 و 251. ذخائر العقبى، محب الدين الطبري: ص 88 و 102. المناقب، الخوارزمي: ص 187. ترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق: 2/409. الفصول المهمة، ابن الصباغ: ص 108 و 123. لباب النقول، السيوطي بهامش تفسير الجلالين: ص 213. تذكرة الخواص: ص 18 و 208. نور الأبصار: ص 71. ينابيع المودة:

ص 151. أحكام القرآن، الجصاص: 4/102. مجمع الزوائد: 7/17. أنساب الأشراف: 2/150.

كنز العمال: 15/146. منتخب الكنز بهامش المسند: 5/38. الرياض النضرة: 2/273...

ملحق المراجعات: 384.


 

الصفحة 504

 

أبا حسن تفديك نفسي ومهجتي
 

 

وكلّ بطئٍ في الهُدى ومسارعِ
 

أيذهبُ مدحيكَ المحبّرُ ضائعاً
 

 

وما المدحُ في جَنبِ الإلهِ بضائعِ
 

فأنت الذي اعطيتَ إذ كنتَ راكعاً
 

 

زكاة فدتك النفس يا خير راكعِ
 

فأنزل فيك الله خيرَ ولايةٍ
 

 

وبيَّنها في محكمات الشرائعِ (1)
 

ويشكل البعض: كيف تكون الآية نازلة في علي وقد جاءت بصيغة الجمع (والذين آمنوا)؟

يقول الزمخشري: " فإن قلت: كيف صح أن يكون لعلي رضي‌الله‌عنه واللفظ لفظ جماعة؟

قلت: جئ به على لفظ الجمع وإن كان السبب فيه رجلا واحدا ليرغب الناس في مثل فعله " (2).

وهذا الأسلوب موجود في لغة العرب. قال الطبري في تفسير قوله تعالى: ( إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّـهِ وَاللَّـهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ ) (3) قال: " إنما عنى بهذه الآيات كلها عبد الله بن أبي سلول " (4).

في آية الولاية حصر الله الولاية بنفسه ورسوله وعليٍّ. ولا يخفى على كل بصير - جعل الحق رائده - أنَّ الولاية، المقصودة في الآية ولاية الأمر ولا معنى لكون الولاية هنا المحبة والنصرة، لاشتراك كل المؤمنين بها ( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ) (5) فلما حصر الله الولاية بنفسه وبرسوله وعلي، علمنا أنها غير المحبة والنصرة.

فيبقى الوجه الثاني وهو ولاية الأمر.

____________

1 - فرائد السمطين: 1/189. المناقب، الخوارزمي: ص 186. تذكرة الخواص: ص 15 - 16.

كفاية الطالب: ص 228 - 229.

2 - تفسير الزمخشري: 1/624.

3 - المنافقون: 1.

4 - تفسير الطبري: 28/68. الدر المنثور: 8/171.

5 - التوبة: 71.


 

الصفحة 505

 

عود على بدء:

إنَّ الآيات التي استدللنا بها على إمامة آل البيت الدينية، يستدل بها على إمامتهم السياسية، فأخالني لست بحاجة للإعادة، ونضعها بين أيدي القراء هنا. قال تعالى:

- ( أَطِيعُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ) (1).

- ( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) (2).

- ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّـهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) (3).

- ( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ) (4).

- ( إِنَّ اللَّـهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) (5).

- ( فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ...) (6).

- ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّـهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ) (7).

- ( إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) (8).

- ( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ ) (9).

____________

1 - النساء: 59.

2 - النحل: 43.

3 - الأحزاب: 33.

4 - الشورى: 23.

5 - الأحزاب: 56.

6 - آل عمران: 61.

7 - آل عمران: 103.

8 - الرعد: 7.

9 - الصافات: 24.


الصفحة 506
 

الإمامة والعقل

بعد أن عرضنا النصوص من الكتاب والسنة، الدالة على إمامة آل البيت بقيادة علي عليه‌السلام، بقي أن نسأل عقولنا: هل من الحكمة أن يترك النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمته دون أن يستخلف عليها أحدا؟!

 

سيرة العقلاء توجب الاستخلاف:

تؤكد سيرة العقلاء وما جرت به العادة على أن الإنسان إذا شعر بدنو أجله أو أراد السفر، فإنه يعهد لأحد أبنائه أو أقاربه بتولي شؤون عائلته. هذا على مستوى الأسرة، إحدى لبنات المجتمع.

وكذلك إذا أراد رئيس دائرة أو مؤسسة أو قبيلة أو مدينة أو دولة، السفر فإنه يجعل له نائبا عليها الى حين عودته.

وهذه السيرة لم تخف على الصحابة. فهذا أبو بكر حين شعر بدنو أجله عهد بالخلافة لعمر وقال: " فإنكم إن أمرتم في حياة مني، كان أجدر ألا تختلفوا بعدي " (1).

فتأمل بربك قوله وقل لي: هل كان أبو بكر أحرص على هذه الأمة من نبي الرحمة؟!

وقالت عائشة لابن عمر: " يا بني، أبلغ عمر سلامي وقل له: لا تدع أمة محمد بلا راع، استخلف عليهم، ولا تدعهم بعدك هملا، فإني أخشى عليهم الفتنة " (2)!!

سبحان الله! فهل هذا يعني أنَّ النبي لا يخشى على أمته الفتنة وتركها بعده هملا؟!

وهل كانت عائشة أحرص على الأمة من سيد الخلق؟!

____________

1 - سيرة عمر، ابن الجوزي: ص 44، وراجع تاريخ الطبري: 2/429. تاريخ ابن خلدون: 2/58.

2 - الإمامة والسياسة: 1/23.


الصفحة 507

 

وقال ابن عمر لأبيه: " يا أمير المؤمنين استخلف على أمة محمد، فإنه لو جاءك راعي إبلك أو غنمك وترك إبله وغنمه بلا راع للمته وقلت له: كيف تركت أمانتك ضائعة؟! فكيف يا أمير المؤمنين بأمة محمد؟ " (1).

نعم فكيف بأمة محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم؟ هل يعقل أن يتركها النبي ضائعة على حد تعبير ابن عمر أم استخلف عليها؟!

وهكذا سار الخلفاء طوال فترات التاريخ فكل واحد يشعر بدنو أجله يوصي لمن بعده. فهل خفي على سيد الحكماء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هذه البديهة العقلية؟

ولو صح أنَّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد ترك أمته بلا راع، فقد أخطأ حكام المسلمين على مر التاريخ إذ أوصوا لمن بعدهم، خلافا للنبي!

سألني أحد الأصدقاء، أن أثبت له وجوب تعيين النبي لخليفته، فقلت له: لو أنَّ عندك زوجة وأولادا، وأردت أن تسافر بضعة أيام، وتعلم أنَّ هناك من يريد الفتك بك وبعائلتك في أقرب فرصة تسنح له، فهل كنت تتركهم دون قيّم عليهم يهتم بأمورهم ويلم شملهم؟!!

قال: لا أستطيع تركهم دون قيم عليهم.

قلت: لو فعلت ذلك وتركتهم، ألا تكون بفعلك هذا ساعيا في هدم بيتك؟ قال:

نعم.

قلت: كيف توجب على نفسك وضع مسؤول على عدة أفراد ستعود إليهم بعد أيام، ولا توجب أن يضع الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مسؤولا على أمة لن يعود إليها؟! أليس ذلك في حقه أولى؟! وقد كان النبي يعلم أنَّ أمته على ساحل بحر من الفتن. والمنافقون بين الصفوف يتحينون الفرص، وهاهم قبل فترة حاولوا قتل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

____________

1 - مروج الذهب: الجزء الثاني. حلية الأولياء: 1/44.


 

الصفحة 508

 

وارتدت العرب، والفرس والروم تتجهزان لضرب الإسلام. فكيف يترك النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمته دون خليفة في مثل هذه الظروف الخطيرة.

لقد جاهد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كثيرا في سبيل بناء دولته، حتى إذا نشأت ووقفت على قدميها يتركها دون قيّم؟! لو كان قد فعل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هذا - حاشاه - ألم يكن كالتي نقضت غزلها من بعد قوّة أنكاثا؟

 

النبي يستخلف في غزواته:

كان النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في كل غزوة يغزوها يستخلف على المدينة أحد أصحابه، وما غاب عنها قط أياما معدودات إلا واستخلف عليها من ينوب عنه. ففي غزوة أحد استخلف ابن أم مكتوم، وفي غزوة بني المصطلق استخلف زيد بن حارثة، وفي غزوة ذات الرقاع استخلف عثمان بن عفان، وفي غزوة تبوك استخلف عليا. حتى أنَّ جبل أحد كان على بعد ميل من المدينة، فجعل النبي عليه خمسين من الرماة وجعل ابن جبير قيما عليهم ولم يتركهم هملا.

إذا كان هذا هو دأب الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في غيابه عن المدينة بضعة أيام، فهل يعقل أن يترك أمة بأسرها دون خليفة وهو سيتركها للأبد؟!

يستخلف على مدينة، ويترك أمة!! إنه أمر لا يجوز على أعظم سياسي عرفه التاريخ. أيُتَّهم النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بفعل المهم وترك الأهم، من أجل الحفاظ على كرامة السلف؟

لا والله، فمن كان غيورا ومحبا لنبي الإسلام، لا نتصور أنه يوافق على هذا.

وها هو النبي يبعث جيشا لمؤته ويقول: أميركم زيد، فإن قتل فجعفر، فإن قتل فعبدالله. هذا ما فعله في مؤته. أفتراه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يترك أمته ولم يبين لهم الخليفة من بعده، ليختاروا هم لأنفسهم، وكأن رأيهم واختيارهم أهدى وأرشد لهم من رأيه واختياره!!

النبي الحكيم يضع ثلاثة قواد على جيش مؤته، البالغ ثلاثة آلاف فرد، ويترك أكثر من مئة ألف دون قائد؟!


الصفحة 509

 

قيل لأحد العلماء الذين ينكرون النص: لما خرج النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من المدينة ما استخلف عليهم أحدا؟ قال: بلى استخلف عليا، قال: وكيف لم يقل لأهل المدينة اختاروا فإنكم لا تجتمعون على ضلالة، قال: خاف عليهم الفتنة. قال: فلو وقع بينهم فساد لأصلحه عند عودته، قال: هذا أوفق، قال: إذن هل استخلف أحدا بعد موته؟

قال: لا، قال: ثبت أنَّ موته أعظم من سفره، فكيف أمن على الأمة بعد موته ما خافه عليها في سفره وهو حي؟ فسكت!

 

سئل إمام:

سئل إمام من أئمة آل البيت: أخبرني عن العلة التي تمنع القوم من اختيار إمام لأنفسهم؟ قال: مصلح أو مفسد؟ قيل: بل مصلح. قال: هي العلة التي أبديها لك ببرهان يقبله عقلك. قيل: نعم. قال: أخبرني عن الرسل الذين اصطفاهم الله وأنزل عليهم الكتاب وأيدهم بالوحي والعصمة، إذ هم أعلام الأمم وأهدى إلى الاختيار ومنهم موسى وعيسى عليهما‌السلام.

هل يجوز مع وفور عقلهما وكمال علمهما، إذ هما بالاختيار، أن يقع خيرتهما على المنافق، وهما يظنان أنه مؤمن؟! قيل: لا.

قال: فهذا موسى كليم الله مع وفور عقله وكمال علمه ونزول الوحي عليه، اختار من أعيان قومه ووجوه عسكره لميقات ربه سبعين رجلا ولم يشك في إيمانهم وإخلاصهم. فوقعت خيرته على المنافقين، إذ قال (1): ( وَاخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِّمِيقَاتِنَا ) (1) فلما وجدنا من قد اصطفاه الله تعالى للنبوة واقعا على الأفسد دون الأصلح، وهو يظن أنه الأصلح دون الأفسد، علمنا أنَّ الاختيار لمن لا يعلم ما تخفى الصدور، وما تكن الضمائر ولا يعرف السرائر، مفسدةٌ، وأنَّ الأخطر اختيار

____________

1 - الأعراف: 155.


 

الصفحة 510

 

المهاجرين والأنصار، بعد وقوع خيرة الأنبياء على ذوي الفساد، من حيث أرادوا الصلاح (1).

 

لا يحل لثلاثة:

قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: " لا يحل لثلاثة نفر يكونون بأرض فلاة، إلا أمروا عليهم أحدهم " (2).

إنَّ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يرضى أن يكون ثلاثةٌ دون أمير، فهل يعقل أن يترك أمة دون أمير؟ مفارقة تستحق التأمل.

 

تدبير النبي ليؤكد خلافة علي

يوم الخميس:

على الرغم من تصريحات النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم باستخلاف علي عليه‌السلام، ومع انه أخذ له البيعة من أكثر من 100 ألف صحابي يوم الغدير، إلاّ أنه كان يعلم أنَّ أغلب صحابته لن يرضوا بعلي إماما.

عن ابن عباس أنَّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لعلي عليه‌السلام: " أما إنك ستلقى بعدي جهدا... " (3).

وقال علي عليه‌السلام: " عهد إليَّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنَّ الأمّة ستغدر بك من بعدي " (4).

____________

1 - الاحتجاج: 2/530 - 531.

2 - مسند أحمد: 2/177، وهناك لفظ آخر للحديث صححه الألباني في: سلسلة الأحاديث الصحيحة، المجلد الأول، حديث رقم 1322.

3 - المستدرك: 3/140 وقال: صحيح الإسناد.

4 - المصدر السابق وصححه، وكذا الذهبي. ترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق: 3/148. دلائل النبوة:

6/440. تذكرة الحفاظ: 3/995. البداية والنهاية: 7/338. تاريخ بغداد: 11/216. كنز العمال:

11/297. الخصائص الكبرى: 2/235. شرح النهج: 6/45.


الصفحة 511
 

 

وعن علي عليه‌السلام: " بينما رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم آخذ بيدي ونحن نمشي في بعض سكك المدينة... فلما خلا له الطريق أعتنقني ثم أجهش باكيا.

قلت: يا رسول الله، ما يبكيك؟ قال: " ضغائن في صدور أقوام، لا يبدونها لك إلاّ من بعدي " (1) ".

لكن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - ذلك العظيم - لا ينحني أمام العاصفة، فأراد أن يقيم الحجة على الناس بأن يكتب خلافة علي عليه‌السلام على الورق.

ففي أخريات حياته صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبينما كان على فراشه، قال لأصحابه: " ائتوني بدواة وقرطاس أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعدي ". فقال عمر: إنَّ رسول الله قد غلبه الوجع، حسبنا كتاب الله....

لقد (أشفق) هؤلاء الصحابة بقيادة عمر على النبي ولم يقبلوا بهذه النعمة، لكنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يشفق عليهم بل طردهم!

وعمر الشفيق علم ما سيكتبه النبي، وأنه سيعهد لهارونه، فحال دون ذلك.

وليس هذا الكلام جزافا بل هناك قرائن تؤيِّد مقالتنا. فعندما قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ائتوني بدواة وقرطاس أكتب لكم كتابا... علم عمر أنَّ النبي سيذكر كتاب الله وشيئا آخر كان يقرنه معه دائما. فقال فورا: حسبنا كتاب الله. أي يكفينا كتاب الله، ولا نريد ذلك الشئ الملازم له.

أجل إنَّ الرسول أراد أن يكتب شيئين أحدهما: كتاب الله كما فهم عمر وشيئا آخر ملازم له، وهم (آل البيت)، ليؤكد خلافتهم. ومما يؤكد قولنا قول النبي في يوم الخميس ".. أكتب لكم كتابا لن تضلوا.. " وقوله في حديث الثقلين " ما إن تمسكتم بهما فلن تضلوا " فدقق النظر في هذا واحكم.

____________

1 - مسند أبي يعلى: 1/427. وقريب منه في المستدرك: 3/139 وصححه، ابن أبي الحديد: 4/107.

الرياض النضرة: 3/184. مجمع الزوائد: 9/118. المناقب، الخوارزمي: ص 36. كنز العمال: 13/176.


 

الصفحة 512

 

وليس هناك تفسير مقنع لمحتوى الكتاب غير هذا. قال الشيخ محمد الغزالي:

" وكان النبي نفسه قد هم بكتابة عهد يمنع شغب الطامعين في الحكم ". قال الألباني معلقا على هذا الكلام: " يشير إلى حديث ابن عباس مرفوعا: هلموا اكتب لكم كتابا... " (1).

فالشيخ الغزالي والألباني يوافقاننا بأنَّ الكتاب عهدٌ لمنع شغب الطامعين في الحكم!

ولرب معترض يقول: حتى لو أقرّا بذلك فمن غير المعلوم أنه كان سيعهد لعلي.

قلنا: المهم إنهما أقرّا معنا على الهدف من الكتاب. والقرائن تشير إلى أنّ الكتاب هو تأكيد لحق آل البيت في الخلافة. وعمر يقول لابن عباس في حق علي: " لقد هم النبي أن يصرِّح باسمه في مرضه الذي توفي فيه، فمنعت من ذلك، إشفاقا وحيطة على الإسلام " (2)!!

بقي إشكال يكرر وهو: لو كان محتوى الكتاب مهما، لأعاد النبي كتابته، لأنه لا يجوز للنبي أن يكتم شيئا.

لقد وقع الخلاف بين الصحابة أنفسهم، هل كان النبي يهذي - والعياذ بالله - أم لا؟

فإذا اعتقدوا أنه يهذي في كلامه وهو حي بينهم، فكذا سيكون اعتقادهم في كتابه، هل هو هذيان أم لا؟ ويدبّ الخلاف...

حقاً لقد كان الكتاب - الذي أراد النبي أن يكتبه - مهمّاً للغاية، لذلك رأينا النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد طرد أصحابه. وكان ابن عباس يبكي حتى يخضب دمعه الحصباء ويقول:

إنَّ الرزية كل الرزية ما حال بيننا وبين كتاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

وشتان بين موقف عمر هنا وموقفه من كتاب أبي بكر في مرضه. فبحضرة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أشفق عليه! وقال: غلبه الوجع، أما حين كتب أبو بكر كتابا يوصي له بالخلافة قال: اسمعوا وأطيعوا قول خليفة رسول الله!! (3) وهاتان الحادثتان يجدر

____________

1 - فقه السيرة: ص 498 وكلام الألباني في الحاشية.

2 - شرح النهج، ابن أبي الحديد.

3 - تاريخ الطبري: 2/618.


 

الصفحة 513

 

بكل باحث التأمل فيهما ويسأل: لماذا أشفق عمر على الرسول، ولم يشفق على أبي بكر؟! ولنعم ما قيل:

أوصى النبي فقال قائلهم
 

 

قد ظلَّ يهجر سيّدُ البشر
 

وأرى أبا بكر أصاب ولم
 

 

يُهجر وقد أوصى إلى عمر!!
 

سرية أسامة:

بعد أن منع الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من تحقيق ما أراد، عبأ الصحابة تحت قيادة أسامة بن زيد، بما فيهم أبو بكر وعمر وأرسلهم إلى مكان بعيد، وأبقى عنده علي بن أبي طالب.

لكنّ الصحابة تثاقلوا عن المسير، وطعنوا في الأمير، فخرج النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غاضبا ووبّخهم وشدّد عليهم في الذهاب، إلى آخر ما كان مما فصلناه سابقا.

لقد كان النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يعلم بدنو أجله، ومع هذا يرسل الصحابة دون علي مع أسامة. فماذا يعني هذا؟

لو افترضنا أنَّ الجيش ذهب ومات الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فماذا سيكون حال الإسلام ولا قائد له؟! ويروي أهل السنة أنَّ النبي قال: " من مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية " فماذا يكون مصير من يموت بعد النبي وقبل قدوم الجيش؟! هل يعد موته ميتةً جاهلية؟ ألم يفكِّر النبي بهذا؟ وماذا يكون الحال لو تأخر جيش المسلمين؟

المنافقون بالمرصاد ينتظرون أقرب فرصة للفتك بالإسلام. وقد ارتدت العرب، والفرس والروم يتجهزان لضرب المسلمين. فلو مات الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والحال على ماذكرنا لقضي على الإسلام؟ لكن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا تخفى عليه هذه الأمور، فحتّى لا يموت أحدٌ ميتة جاهلية، وحتى يفوت على الأعداء الفرصة، أبقى هارونه بالمدينة، ولم يبعثه مع الجيش. فإذا عاد الجيش من القتال يكون الأمر قد انتشر أنَّ عليا تسلَّم الخلافة عمليا.

وبذلك يقطع الطريق على الطامعين في الحكم!


الصفحة 514

 

وأي تفسير غير هذا، هو اتهام للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بتضييع أمته، إذ إنه يعلم بموته ويترك أمته بلا راع مع هذا الحال؟

فلا مَندوحة عن القول: إنَّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اتخذ إجراءا إيجابيا إزاء هذه الأخطار، وهو إبقاء علي ليستلم الخلافة.

وبعثُ أبي بكر مع أسامة، فيه دليلٌ لا أقوى منه على أنَّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يكن يفكر بأن يعهد لأبي بكر بالخلافة، كما يزعم بعضهم. فالنبي يعلم أنَّ أبا بكر قد يتعرَّض للقتل، ويعلم بإمكان تأخر الجيش بسبب القتال أو لطول المسافة. فلا يعقل أن يترك أمر الخلافة فارغا حتى يعود الجيش ويبايعوا أبا بكر. هذا على افتراض أنه لم يعيِّن خليفته، وهو مرفوض.

لكنّ هؤلاء الصحابة رفضوا الذهاب لأنهم علموا قصد النبي من بعثهم في هذه الفترة، وإبقاء علي دونهم.

( هَـٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ )

وغابت شمس النبوة

وينتقل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى جوار ربه، بعد أن بلَّغ رسالته، حزينا على أمته. وبينما كان الناس وبنو هاشم مذهولين لهول المصيبة، ويحضرون لتجهيز النبي، اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة ليختاروا من بينهم خليفةً. ولم يكن اجتماعهم في مسجد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي كان ملتقى المسلمين السياسي والديني. فلماذا لم يجتمعوا في المسجد يا ترى؟ ألأنَّهم أرادوا الأمر لأنفسهم ولكي يسبقوا المهاجرين إليه؟!!

ولكنَّ الأمر لم يتم لهم فقد علم عمر بن الخطاب بخبر السقيفة، فأرسل إلى أبي بكر وحده! وأخبره باجتماع السقيفة (1).

____________

1 - راجع تاريخ الطبري: 2/456.


الصفحة 515

 

فلماذا اختار عمر أبا بكر من دون الصحابة ليعلِّمه بالأمر وفيهم السابقون وذوو الفضل؟! ويهرع أبو بكر وعمر يتقاودان إلى السقيفة. ولكنهما لم يخبرا المهاجرين بأمر السقيفة! وكأنهما أرادا إخفاء الأمر عنهم. ويصلان السقيفة ولكن مع أبي عبيدة الذي رافقهم في الطريق!

ويأخذون الأمر من يد الأنصار ويتداولون أمر الخلافة فيما بينهم. فعمر يرشح أبا بكر وأبو بكر يرشح عمر (1).

قيل: إنَّ اجتماع السقيفة كان ضروريا في هذا الوقت، لأنه لا يجوز أن يكون المسلمون بحال من الأحوال دون خليفة. هكذا يقال.. ولكن هل كان هدف المجتمعين تعيين شخص الخليفة - أيا كان - أم أنَّ كل فريق أراد الأمر لنفسه؟! والجواب الأخير هو ما نذهب إليه، وإلا فلماذا يحصر أبو بكر وصاحباه الأمر بأنفسهم دون سائر المهاجرين؟ ولماذا اعرضوا عن مرشحي الأنصار؟!

وهذا الحباب بن المنذر يجلي الصورة ويبين لنا هدف الاجتماع. فقد قال كما في تاريخ الطبري: " يا معشر الأنصار املكوا على أيديكم ولا تسمعوا مقالة هذا - أي عمر - وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر!! " (2).

فالأنصار كانوا يطمعون في أن يكون لهم نصيب من هذا الأمر! لقد اتضح الحق لذي عينين.

وسعد بن عبادة المرشِّح عن الخزرج لم يعط صوته لأبي بكر، فلهذا عُرض للسب والإهانة، ففي حقه قال عمر: (قتل الله سعداً!!) (3) وسعد من الذين آووا ونصروا. وبعد أن بايع عمر أبا بكر تبعه أسيد بن حضير زعيم الأوس والناس تبع لكبيرهم فبايع

____________

1 - راجع تاريخ الطبري: 2/444.

2 - راجع تاريخ الطبري: 2/458.

3 - المصدر السابق: ص 447. شرح النهج: 2/25.


الصفحة 516
 

الأوس والخزرج، أبا بكر طوعا وكرها وكان أصحاب السقيفة لا يمرون بأحد من الناس إلاّ خبطوه، وقدَّموه فمدوا يده فمسحوها على يد أبي بكر يبايعه (1) وفي هذه الأثناء وبينما كان علي وبنو هاشم قد فرغوا من دفن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أتاهم الخبر بأنَّ الناس بايعوا أبا بكر فتخلف علي وبنو هاشم عن بيعة أبي بكر ولم يبايع عليه‌السلام إلاّ بعد ستة أشهر لا تنازلا عن حقه بل لرأب الصدع وحفظ البيضة.

وصبر عليّ على طول المدّة وشدّة المحنة وهو لا يتوانى لحظةً في تقديم مشورته لخدمة الإسلام (2).

وتتوالى الأحداث ويبايع علي بالخلافة، ولكن بعد أن اختلط الحابل بالنابل.

يحدِّثنا الإمام علي عليه‌السلام عن محنته في خطبته الثابتة المعروفة بالشِقشِقيّة فيقول:

" أما والله لقد تقمَّصها (3) فلان وإنه ليعلم أنَّ محلِّي منها محل القطب من الرحا، ينحدر عني السيل، ولا يَرقى إلي الطير، فسدلت دونها ثوبا، وطويت عنها كشحا، وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذاء، أو أصبر على طخية عمياء، يهرم فيها الكبير، ويشيب فيها الصغير، ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه! فرأيت أنَّ الصبر على هاتا أحجى، فصبرت وفي العين قذى، وفي الحلق شجا، أرى تراثي نهبا، حتى مضى الأول لسبيله، فأدلى بها إلى فلان من بعده. ثم تمثل بقول الأعشى:

شتان ما يومي على كورها
 

 

ويوم حيان أخي جابر
 

فياعجبا!! بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته - لشد ما تشطرا

____________

1 - راجع شرح النهج: 1/219.

2 - هذه إطلالة سريعة على السقيفة ومن أراد المزيد فليراجع: السقيفة، محمد رضا المظفر. الخلافة المغتصبة، إدريس الحسيني وغيرهما من الكتب.

3 - قال محمد عبده: الضمير يرجع إلى الخلافة وفلان كناية عن الخليفة الأول أبي بكر رضي‌الله‌عنه، نهج البلاغة: 1/30 - 31.


الصفحة 517

ضرعيها! - فصيرها في حوزة خشناء يغلظ كلمها، ويخشن مسها، ويكثر العثار فيها، والاعتذار منها، فصاحبها كراكب الصعبة إن أشنق لها خرم، وإن أسلس لها تقحم، فمني الناس - لعمر الله - بخبط وشماس، وتلون واعتراض. فصبرت على طول المدة، وشدة المحنة، حتى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعة زعم أني أحدهم، فيالله وللشورى! متى اعترض الريب في مع الأول منهم، حتى صرت أقرن إلى هذه النظائر! لكنني أسففت إذ أسفوا، وطرت إذ طاروا، فصغا رجل منهم لضغنه، ومال الآخر لصهره، مع هن وهن، إلى أن قام ثالث القوم نافجا حضنيه، بين نثيله ومعتلفه، وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضمة الإبل نبتة الربيع، إلى أن انتكث عليه فتله، وأجهز عليه عمله، وكبت به بطنته!

فما راعني إلا والناس كعرف الضبع إلي، ينثالون علي من كل جانب، حتى لقد وطئ الحسنان، وشق عطفاي، مجتمعين حولي كربيضة الغنم. فلما نهضت بالأمر نكثت طائفة، ومرقت أخرى، وقسط آخرون: كأنهم لم يسمعوا الله سبحانه يقول: (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين) (1) بلى! والله لقد سمعوها ووعوها، ولكنهم حليت الدنيا في أعينهم، وراقهم زبرجها!

أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، لولا حضور الحاضر، وقيام الحجة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء ألا يقاروا على كظة ظالم، ولا سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها، ولسقيت آخرها بكأس أولها، ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز!... " (2).

وحين أبعد الإمام علي عليه‌السلام عن مكانه، غابت شمس الإمامة وأبعد أئمة آل البيت

____________

1 - القصص: 83.

2 - راجع الخطبة في نهج البلاغة، تحقيق صبحي الصالح: ص 48 - 50.


 

الصفحة 518

 

عن ممارسة دورهم الفكري والسياسي، وتعرَّض هؤلاء الأئمة لكل صنوف البلاء من قبل حكام بني أمية وبني العباس، وطورد شيعتهم في كل مكان وتحت كل حجر ومَدَر...

كل هذا يجري والناس يظنون وما زالوا يظنون أنَّ التاريخ السياسي للمسلمين هو عينه النظام السياسي الإسلامي.

وباحتلال مواقع أئمة آل البيت، عانت الأمة ما عانت، فظهرت المذاهب، وانقسمت الأمة إلى فرق، واختلق القياس والاستحسان... ليسد الفراغ الذي تركه إبعاد أئمة آل البيت. وقامت الفتن والحروب بين المذاهب، وكل مذهب يحمل على غيره بالسباب والتكفير.

وما سهلت تلك المذاهب فيهم
 

 

على الناس إلا بيعة الفلتات (1)
 

وتدهور حال المسلمين، فسيطر عليهم الأعداء وما زالوا حتى هذه اللحظة، وكل ما حدث في تاريخ المسلمين من جرائم وتفرّق، هو من ثِمار السقيفة. فكل بناء قام على أساس خاطئ لا بد أن ينهار في النهاية!

هذه صورةٌ سريعة عما جرى لهذه الأمة. مع الأمل كل الأمل في أن يستيقظ المسلمون من غفوتهم، ويعيدوا الرأس إلى جسد الأمة الإسلامية، لأنها بدون رأسها الحقيقي لن تفلح أبدا.

أجل، ما كان الله ليترك دينه في رحمة الآراء والمذاهب ( إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّـهِ الْإِسْلَامُ ) (2) ولم ينزل الله غيره ولا يقبل بغيره. فليس هناك مذاهب ولا فرق في الإسلام، إنما هو طريق واحد وهو طريق الكتاب والعترة، هكذا قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم!

____________

1 - البيت من تائية دعبل بن علي الخزاعي الشهيرة.

2 - آل عمران: 19.


الصفحة 519

 

وما كان الله ليترك مكان نبيه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم السياسي شاغرا حتى يصبح ألعوبة بيد حفنة من بني أمية وبني العباس. لقد وضع الله برنامجا كاملا لإنقاذ البشرية وجعل تنفيذه بالأسباب، لكن الإنسان ذلك الظلوم الجهول، حال دون تنفيذ هذا البرنامج وصدق الله إذ قال:

( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّـهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ ) (1).

( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَـٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) (2).

( وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا ) (3).

قعود الإمام عن حقه

قد يتبادر للذهن سؤالٌ: لماذا قعد علي عليه‌السلام عن حقه في الخلافة؟

قال شرف الدين في جوابه عن هذا الإشكال: "... خشيةً من عواقب الأختلاف في تلك الحال، وقد ظهر النفاق بموت الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقوِّيت بفقده شوكة المنافقين، وعتَت نفوس الكافرين، وتضعضعت أركان الدين، وانخلعت قلوب المسلمين، وأصبحوا بعده كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية بين ذئاب عادية، ووحوش ضارية وارتدت طوائف من العرب، وهمت بالردة أخرى.

فأشفق عليّ في تلك الظروف أن يظهر إرادة القيام بأمر الناس، مخافة البائقة وفساد العاجلة، والقلوب على ما وصفنا، والمنافقون على ما ذكرنا، يعضون عليهم

____________

1 - إبراهيم: 28، 29.

2 - الأعراف: 96.

3 - الجن: 16.


الصفحة 520
 

بالأنامل من الغيظ، وأهل الردة على ما بيناه، والأمم الكافرة على ما قدمناه، والأنصار قد خالفوا المهاجرين، وانحازوا عنهم يقولون منا أمير ومنكم أمير... و... و... فرعاه النظر للدين إلى الكف عن طلب الخلافة، والتجافي عن الأمور علما منه أنَّ طلبها - والحال هذه - يستوجب الخطر في الأمة، والتفرق في الدين، فاختار الكف إيثارا للإسلام، وتقديما للصالح العام. وتفضيلا للآجلة على العاجلة. غير أنه قعد في بيته، ولم يبايع حتى أخرجوه كرها. احتفاظا بحقه، واحتجاجا على من عدل عنه، ولو أسرع إلى البيعة ما تمت له حجة ولا سطع له برهان، ولكنه جمع فيما فعل بين حفظ الدين والاحتفاظ بحقه من إمرة المؤمنين، فدل هذا على أصالة رأيه ورجاحة حلمه، وسعة صدره، وإيثاره المصلحةَ العامة... " (1).

سئل هشام بن الحكم: " لماذا لم يدع علي الناس إلى نفسه، فقال: لم يكن واجبا عليه. فقد دعاهم النبي إلى موالاته يوم غدير خم وغيره، فلم يقبلوا. ولو وجب ذلك لوجب على آدم أن يدعو إبليس إلى السجود "؟!!

وسئل أيضا: " كيف قعد علي عن حقه؟ فقال: كما قعد هارون عن حقه. قيل:

أكان عن ضعف منه؟ قال: كقول هارون: ( قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي ) (2) " (3).

وسئل علي عليه‌السلام: " كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام، وأنتم أحق به؟ فقال عليه‌السلام:

يا أخا بني أسد، إنك لقلق الوضين، ترسل في غير سدد، ولك بعد ذمامة الصهر، وحق المسألة، وقد استعلمت فاعلم: أما الاستبداد علينا بهذا المقام - ونحن الأعلون نسبا، والأشدون برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نوطا، - فإنها كانت أثرة، شحت عليها نفوس قوم،

____________

1 - المراجعات: المراجعة رقم 84.

2 - الأعراف: 150.

3 - راجع الاحتجاج.


 

الصفحة 521

 

وسخت عنها نفوس آخرين، والحكم الله، والمعود إليه القيامة " (1).

وقال في موضع آخر: " فنظرت فإذا ليس لي معين إلا أهل بيتي، فضننت بهم عن الموت، وأغضيت على القذى، وشربت على الشجا، وصبرت على أخذ الكظم، وعلى أمر من طعم العلقم " (2).

 

آيات الشورى

يحتج أهل السنة لإثبات أنَّ الخلافة بعد النبي شورى بين المسلمين بقول الله تعالى:

( وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ ) (3)، ( وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ) (4).

" بالنسبة للآية الأولى، معناها - كما يتبادر للذهن - أنَّ أمرهم شورى في أمر لم يرد فيه من الله ورسوله حكم، فقد قال سبحانه وتعالى ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّـهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ) (5) وقد بينا قبل هذا ما ورد عن الله ورسوله في أمر الإمامة، ما لا يبقى معه مورد للتشاور.

أما الآية الثانية ( وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ) وردت هذه الآية ضمن سلسلة من آيات 139 - 166 وهي ذات الرقم 159 وكلها في أمر غزوات الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكيف نصرهم الله فيها. وفي بعضها يخاطب المسلمين وخاصة الغزاة منهم ويعظهم وفي بعضها يخاطب الرسول خاصة ومن ضمنها ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّـهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ) (6) يظهر

____________

1 - نهج البلاغة، صبحي الصالح: الخطبة 162 ص 231.

2 - المصدر السابق: خطبة 26 ص 62.

3 - الشورى: 38.

4 - آل عمران: 159.

5 - الأحزاب: 36.

6 - آل عمران: 159.


الصفحة 522
جليا أنَّ الأمر بالمشاورة في هذه الآية بقصد الملاينة معهم والرحمة بهم وليس مأمورا بالعمل برأيهم... ومن المجموع أنَّ مقام المشاورة الراجحة إنما هي في الغزوات " (1).

نعم لو كان الأمر المطلوب المشاورة فيه هو الخلافة، لشاور النبي صحابته، لكن لم يرد أنَّ النبي شاور أصحابه في أمر الخلافة، فدل هذا على أنَّ المشاورة المقصودة في الآية هي غيرالخلافة، وإلاّ لكان النبي مخالفا لأمر ربه إذ أمره بمشاورة أصحابه بالخلافة ولم يفعل!!

وقول الله (وشاورهم في الأمر) - إن كان هذا الأمر هو الخلافة - فيستلزم وجود النبي بعد موته حيا بين صحابته ليشاورهم في أمر الخلافة!! وإلا كيف يشاورهم وهو في قبره؟! فدلالة الآية على أنَّ الخلافة شورى غير واردة.

و " لو كان النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد اتخذ من مستقبل الدعوة بعده موقفا ايجابيا يستهدف وضع نظام الشورى موضع التطبيق بعد وفاته مباشرة، وإسناد زعامة الدعوة إلى القيادة التي تنبثق عن هذا النظام، لكان من أبدَه الأشياء التي يتطلّبها هذا الموقف الإيجابي، أن يقوم الرسول القائد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعملية توعية للأمة والدعاة على نظام الشورى وحدوده وتفاصيله، وإعطائه طابعا دينيا مقدّسا، وإعداد المجتمع الاسلامي إعدادا فكريا وروحيا لتقبل هذا النظام، وهو مجتمع نشأ من مجموعة من العشائر لم تكن قد عاشت قبل الإسلام - وضعا سياسيا على أساس الشورى...

ونستطيع بسهولة أن ندرك أنَّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يمارس عملية التوعية على نظام الشورى وتفاصيله التشريعية أو مفاهيمه الفكرية، لأنَّ هذه العملية لو كانت قد أنجزت لكان من الطبيعي أن تنعكس وتتجسَّد في الأحاديث المأثورة عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو في ذهنية الأمة... مع أننا لا نجد في الأحاديث عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أي صورة تشريعية محددة لنظام الشورى " (2).

____________

1 - معالم المدرستين، مرتضى العسكري: 1/168 - 169.

2 - بحث حول الولاية: ص 28 - 29.

* * *


الصفحة 523

 

وما كان النبي ليغفل عن هذا الجانب، وهو الذي كان يهتم بكل صغيرة وكبيرة.

فهل يعقل أن يبين لنا كيفية دخول الحمام وآدابه، ويترك مبدأ الشورى دون أي بيان؟!

إنَّ أول محاولة لتطبيق الشورى - إن كان فيها شورى - كادت أن تحدث فتنة بين أهل القرون الأولى. فقد تنازع الصحابة واختلفوا في السقيفة. فعمر كان يقول: اقتلوا سعدا قتله الله! وجمعوا الحطب لحرق بيت الزهراء عليها‌السلام! وتأخر جماعة عن البيعة! وتأخر عليٌّ ستة أشهر! وقتل سعد بن عبادة!

فإذا كان أهل القرون الأولى قد تنازعوا ووصل الأمر بهم إلى القتل والتحريق في أول تجربة للشورى، فما هو حال من يأتي بعدهم؟!

وقد احتجّ عليّ على الصحابة بقوله:

فإن كنت بالشورى ملكت أمورهم
 

 

فكيف بهذا والمشيرون غيب
 

وإن كنت بالقربى حججت خصيمهم
 

 

فغيرك أولى بالنبي وأقرب
 

إنَّ لدى أهل السنة ثلاث طرق لتولي الخلافة هي:

1 - الشورى. 2 - عهد الخليفة لمن بعده. 3 - القهر والغلبة.

وهذه الطرق لا أصل لها في التشريع الإسلامي بل هي طارئة، ومستقاة من التاريخ السياسي للمسلمين.

فحين بويع أبو بكر قالوا: يتم اختيار الخليفة بالشورى. ولما عهد أبو بكر بالخلافة لعمر قالوا: ويتم اختيار الخليفة بالعهد من الخليفة الذي قبله. وحين استولى معاوية على الخلافة بالقهر قالوا: إنَّ القهر والغلبة من طرق تولى الخلافة.

وهذه الطرق الثلاثة لم يأت بها الوحي، مع العلم بأنَّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبل أن يموت بين كل شئ للمسلمين وكان المسلمون يقرؤون ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) فالدين كامل قبل اختراع هذه الطرق، وإذا بحثت فلن تجد لهذه الطرق مستندا من كتاب أو سنة.

ولما عجز أصحاب هذه النظريات عن إيجاد مستند شرعي لهذه الطرق نظروا في تاريخ المسلمين وجعلوه جزءا من التشريع الإسلامي!

ولا ندري، هل كان فعل هؤلاء منشئا للنظام السياسي الإسلامي الذي وضحت معالمه في حياة النبي؟ أم كانوا شركاء لله في التشريع حتى يأخذ فعلهم صبغةً شرعية؟ أم ماذا؟!


الصفحة 524

 

إنَّ إغفال معالم نظام الحكم الإسلامي كان ضربةً للإسلام.

يقول المستشرق ويلز: " ترك محمد أمته من غير نظام لتكوين حكومة ثابتة يظهر فيها أثر الرأي العام، وكذلك لم يعيِّن لها أسلوبا عمليا لتحقيق نظام الديمقراطية ".

وقال أحمد أمين: " إنَّ ترك الأمر - الخلافة - مفتوحا لمن شاء، جعل المسلمين طوال عصرهم يختلفون على الخلافة " (1).

وقال إبراهيم فوزي: " وعند وفاة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يكن قد وضع لهذه الدولة أيُّ تشريع يبين شكل الحكم فيها " (2).

 

صلاة أبي بكر بالنّاس

يحتج أهل السنة على خلافة أبي بكر بما يروون عن النبي أمره أثناء مرضه أن يصلي بالناس. وهذا الدليل مردود من عدَّة وجوه:

أولا: نحن لا نسلم بهذه الروايات التي تقول إنَّ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمر أبا بكر أن يصلي بالناس، لأنه ثبت أنَّ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خرج وصلى بالناس مكان أبي بكر. وهذا الفعل من النبي مناقض لأمره إياه بالصلاة. فلو كانت صلاة أبي بكر بأمر النبي لكان خروج النبي وتنحية أبي بكر عن إمامة الصلاة والصلاة بالمسلمين كإمام إبطال لهذه الإمارة ونسخا لها إذ انه عزله عنها ولا يصح القول بأنَّ أبا بكر ائتمَّ بالرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والناس ائتموا بأبي بكر، لأنه لم يحدث أن كانت صلاةً بإمامين! وليس هناك داع لأن يأتم الناس بأبي بكر مع وجود الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم!

ثانيا: لو كان النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حقا قدَّمه للصلاة، وكان هذا التقديم دالا على إمامته، لكان هذا نصا من الرسول على خليفته. وأهل السنة ينكرون النص. فيلزم من إنكار النص إنكار أمر النبي أبا بكر الصلاة بالناس.

____________

1 - راجع روح التشيع، عبد الله نعمة: ص 146.

2 - تدوين السنة: ص 67.


 

الصفحة 525

 

ثالثا: لماذا لم يحتج أبو بكر ومؤيدوه في السقيفة بهذا الدليل؟ وكيف احتجوا بالقرابة، وأنَّ الأئمة من قريش، ونسوا هذا الدليل - إن صح -؟! مع العلم أنَّ العاقل لا يختار الأصعب مع وجود الأسهل، إلا لفقده. فلو كان هذا الخبر صحيحا ودالا على الخلافة لاحتج به أبو بكر. ولما كان هناك داع لاجتماع الأنصار في السقيفة ليختاروا خليفة من بينهم، وقد عين النبي خليفته ضمنا - كما يقال - ووجه الأنصار إليه والأنصار عدول - عند القوم - فلا يعقل أن يدل هذا الخبر على خلافة أبي بكر ويخالفوه!

رابعا: لو دل هذا الخبر على خلافة أبي بكر، لفهم ذلك أبو بكر نفسه. فها هو يقول في السقيفة: " قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين " (1) - يقصد عمر وأبا عبيدة - فلو كان خبر الصلاة - لو صح - دالا على أحقيته بالخلافة، لكان أبو بكر مخالفا للنبي بإخراج نفسه من هذا الأمر، وترشيح عمر وأبي عبيدة!! بل يكون فعله إهمالا وتوريطا للمسلمين في الخلاف والنزاع.

خامسا: لو دل هذا الخبر على خلافة أبي بكر، لفهم ذلك علي بن أبي طالب - وهو من هو - وأسرع لمبايعة أبي بكر وما تأخر ستة أشهر عن بيعته!

سادسا: من المعلوم أنَّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم استخلف عليا في تبوك على المدينة وما عزله.

فإن كان الاستخلاف بالصلاة دالا على الإمامة الكبرى، فالاستخلاف على المدينة أولى في الدلالة على الإمامة الكبرى. وقياس الاستخلاف في الصلاة على الإمامة الكبرى، قياس مع الفارق، فاسد الاعتبار، لاختلاف العلتين. فالصلاة - عند أهل السنة - جائزة خلف كل بر وفاجر، بخلاف الإمامة الكبرى التي اشترطوا فيها العدالة. وقياس الاستخلاف على المدينة على الإمامة الكبرى، قياس صحيح - على فرض صحة القياس - لأنَّ الاستخلاف على المدينة متضمن لأمور الدين والدنيا معا كالإمامة الكبرى.

____________

1 - تاريخ الطبري: 2/443.

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة