الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة 451

 

الفصل الثاني

القول المختصر فيمن تشيع وشعر


 

 


الصفحة 452

توطئة:

كما أننا توصلنا إلى المنهج الحق، فقد سبقنا لهذا كثيرٌ من علماء أهل السنة، الذين لم يكن هدفهم إلاّ رضا الله ن فتمردوا على بيئتهم وموروثاتهم، ونظروا بعين البصيرة، وبحثوا عن الحقيقة فوجدوها في اتّباع آل البيت، فخلعوا ثوب أفكارهم الذي حاكه المجتمع، ولبسوا ثوب الحقّ المطرّز بالفكر الإسلامي الصحيح، فكر آل البيت، الذين نزل القرآن في بيوتهم، وأمرنا بالتمسك بهم مع كتاب الله.

وقام هؤلاء العلماء الأجلاء بتأليف كتب في أسباب استبصارهم وانتشرت في كل مكان. ونحن في بحثنا هذا سنقف مع بعضهم وقفةً قصيرة، مستفيدين ممّا كتبوا في دعم ما توصلنا إليه، من أنّ الفرقة الناجية هم الشيعة.

فتعال معنا - أخي المسلم - وأمعن فكرك في كلماتهم وكن من الذين قال الله فيهم: ( وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ * أُولئِكَ الْمُقَرّبُونَ ) (1) فالعبرة بعموم اللفظ ( وَالّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنّهُمْ سُبُلَنَا ) (2).

____________________

1 - الواقعة: 10 و 11.

2 - العنكبوت: 69.


الصفحة 453

 

الشيخ محمد مرعي الأنطاكي

ولد الشيخ الأنطاكي في قرية عنصو - إحدى القرى التابعة لأنطاكية - سنة 1314 هـ.

سافر الشيخ الأنطاكي وأخوه أحمد إلى مصر لطلب العلم وأخذا جلّ العلوم عن مشايخ الأزهر ومنهم: الشيخ مصطفي المراغي شيخ الأزهر، محموداً أبو طه المهني والشيخ رحيم...

ولما برعا في التحصيل وحصل لهما شهادات راقية وأرادا العود، طلب منهما بعض أعلام مصر أن يبقيا ليكونا مدرسين بالأزهر فأبيا ووجدا أنّ بلادهما أحوج إليهما...

ذكر الشيخ الأنطاكي في بداية كتابه - لماذا اخترت مذهب الشيعة - أبياتاً من الشعر وهي:

قالوا:

لماذا اخترت مذهب آل طه
 

 

وحاربت الأقارب في ولاها
 

قلت:

لأني رأيت الحقَّ نصاً
 

 

ورب البيت لم يألف سواها
 

فمذهبي التشيّع وهو فخرٌ
 

 

لمن رام الحقيقة وامتطاها
 

وفرعي من علي وهو در
 

 

صفا والدهر فيه قد تباها
 

وهل ينجو بيوم الحشر فرد
 

 

مشى في غير مذهب آل طاها
 

فلا أصغي لعذلٍ بعد علمي
 

 

بأنّ الله للحق اصطفاها
 

ولا أهتم في الدنيا لأمرٍ
 

 

إذا ما النفس وافاها هداها
 

قال الأنطاكي: وبعد، فلقد هدانا الله تعالى وقدّر لنا الأخذ بالمذهب الحق،


الصفحة 454

 

مذهب أهل البيت عليهم‌السلام، مذهب حفيد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه‌السلام الذي تفرعت عنه واستقت منه جميع المذاهب الأربعة، فهو أصل للمذاهب وهي الفروع. إذ أنّ أوّل من أخذ عن جعفر بن محمد الصادق عليه‌السلام هو أبو حنيفة نُعمان بن ثابت، لما ثبت عنه حيث يقول: « لو لا السنتان لهلك النعمان » يريد بذلك السنتان اللتان حضر فيهما على الإمام الصادق عليه‌السلام وأخذ العلوم عنه.

ثم مالك أخذ العلوم عن كتب أبي حنيفة. ثم الشافعي، أخذ عن مالك، ودرس عليه، ولقنه ما أخذه عن كتاب أبي حنيفة عن الصادق عليه‌السلام. ثم أحمد بن حنبل كذلك.

- إذن فجميع المذاهب الأربعة تفرَّعت عن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليهم‌السلام. وجميع المصادر التاريخية - سنيةً كانت أم شيعية - متفقة على ذلك، فما وجد في كتب المذاهب الأربعة موافقاً للمذهب الجعفري فهو عن جعفر بن محمد عليه‌السلام وما كان مخالفاً فهو عن اجتهادهم وقياسهم واستحسانهم.

وقال عن الأسباب التي دعته للأخذ بمذهب أهل البيت عليهم‌السلام: « وهي أمور كثيرة نذكر منها:

أولاً: رايت أنّ العمل بمذهب الشيعة مجزئ، وتبرأ به ذمة المكلف بلا ريب، وقد أفتى بصحته كثيرون من علماء السنة السابقين واللاحقين وأخيراً منهم الشيخ الأكبر «زميلنا» فضيلة الشيخ محمود شلتوت رئيس الأزهر مفتي السنة في دوره...

ثانياً: أنّه قد ثبت عندي بالأدلة القوية والبراهين القاطعة والحجج الدامغة الرصينة الواضحة، التي هي كالشمس الساطعة في ضاحية النهار ليست دونها سحاب، أحقية مذهب أهل البيت عليهم‌السلام وأنّه هو المذهب الحق الذي أخذه الشيعة عن أئمة أهل البيت عن جدهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن جبرائيل عن الرب الجليل، وأخذه الثقاة عن الثقاة من يوم البعثة إلى يوم البعثة لا يختلف آخرهم عن أوّلهم.

ثالثاً: أنّ الوحي نزل في بيتهم، وأهل البيت أدري وأعرف بما في البيت من غيرهم. فجدير بالعاقل المدبر أن لا يترك ما صحّ لديه من الأدلة منهم، ويأخذ من


 

الصفحة 455

 

الأجانب والدخلاء.

رابعاً: كثير من الآيات الواردة في الذكر الحكيم والقرآن المجيد الدالة على ما ندّعي...

خامساً: كثير من الأحاديث المأثورة والأخبار الواردة عن النبي الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الدالة على ذلك وقد ذكرها الفريقان «الشيعة والسنة» في كتبهم... وقد أتينا على كثير منها في كتابناً «الشيعة وحجتهم في التشيع» فراجع هناك تجد ما فيه الكفاية...

ثم قال: ومن جملة الأسباب التي دعتنا إلى التشيّع هي وقوع كثير من المناظرات التي جرت بيني وبين بعض علماء الشيعة. وفي اثناء المناظرة كنت أجد نفسي محجوجاً معهم، غير أني أتجلَّد وأدافع دفاع المغلوب مع ما أنا عليه بحمد الله من الاطلاع الواسع.

وقد طالت المناظرة بيننا زمناً طويلاً لا يقل عن ثلاث سنين تقريباً، وقد وقع في نفسي شيءٌ من الريب في المذاهب الأربعة لكثرة الخلاف فيها...

قال: ثم أشتهر أمرنا في البلاد، وذاع وشاع وملأ الأسماع، حتى أخذ الناس يتراكمون علينا يسألوننا عن السبب الذي دعانا إلى الأخذ بمذهب أهل البيت مذهب الحق، وترك المذهب الشافعي، وكنا نجيبهم بأنّ الأدلة قامت لدينا، فمن أراد منكم أن نوضح له المذهب الحق فليأت إلينا.

وكانوا يأتون إلينا من كل حدب وصوب من مختلف الطبقات من العلماء والأساتذة والوجهاء والتجار والكسبة والموظفين وغيرهم فكنّا نلقي عليهم الحقائق من المصادر الموثوقة من مصادرهم.

فمنهم من يسمع ويقنع ويأخذ بالمذهب (مذهب أهل البيت عليهم‌السلام) ويرفض مذهبه، ومنهم من يتعصَّب ويبقى على مذهبه وعذره الجهل والتعصب ليس إلاّ - مع أنّه غير قادر على الدفاع عن مذهبه.

وقد عرفت بأنَّ الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة، من كلا الطرفين، طافة في كتب الفريقين بأحقية الأخذ بالمذهب الجعفري، إذ إنّه سلسلة ذهبية متراصة حلقاتها


الصفحة 456

بعضها ببعض لا تنفصم...

وبذلك وضح لنا الطريق إلى الدخول في المذهب الشيعي، فاعتنقناه بكل فرح وسرور، إذ لا مناص لنا من الأخذ به طلباً للنجاة ورجوعاً إلى الرشاد. هدانا الله وإياك إلى ما فيه رضاه وهو الموفق والمرشد والهادي لكل خير وصلاح...

وقال: ولعمري ما أدري أي معذرة أعدها القوم ليوم الحساب الذي تشخص فيه الأبصار. يوم تبلغ فيه القلوب الحناجر. فإلى متى هذا الإعراض والوقوف عن معرفة كتب الشيعة الأبرار، أتباع الأطهار؟ وإلى متى هذا الإجحاف في حق رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ووصيه وخدنه أمير المؤمنين؟ اللهمّ فاشهد أنّا قد أتممنا الحجة، وسهلنا السبيل لإخواننا السنّة، اللهم اهدهم كما هديتنا وأرشدهم كما أرشدتنا فإنك الهادي والمرشد إلى سواء السبيل...


الصفحة 457

 

الشيخ أحمد أمين الأنطاكي

هو الأخ الأكبر للشيخ محمد السابق ذكره تخرج مع أخيه في الأزهر، وكان الشيخ أحمد - قبل إظهاره التشيّع واعتناقه مذهب أهل البيت عليهم‌السلام - إماماً ومدرساً في مدينة حلب في سوريا.

قال في مقدمة كتابه «في طريقي إلى التشيّع»: «إنّ سبب تشيعي هو قول النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المتفق على صحته لدى المذاهب الإسلامية كلها: «مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلَّف عنها غرق» فرأيت أنني لو اتبعت أهل البيت عليهم‌السلام وأخذت أحكام ديني عنهم فلا شك أني أبلغ النجاة. ولو تركتهم واستمديت أحكام ديني من غيرهم، فلا ريب أكون من الضالين...

كنت أنا وأخي الشيخ محمد مرعي أمين، ننقب ونبحث دائماً في المذاهب والديانات ونفكِّر في العقائد والمذاهب، ونتعب من الخلافات الحاصلة بين المذاهب الأربعة، وأخذنا التحير إلى أن جاء وقت من الأوقات ونحن في حلب. كان رجل في فندق يدعى عبد القادر ومعه كتاب المراجعات تأليف المغفور له السيد عبد الحسين شرف الدين، فعثر شقيقي الشيخ محمد عليه وبعد مطالعته وفهم ما حواه، أتاني وقال لي: خذ هذا الكتاب واقرأه وتعجب وفكِّر فيه. فقلت له: إليك عني أبعده فإنه ليس لي به حاجة فإني أكره الشيعة وما هم عليه لأني أعرفهم.

فقال أخي: خذه واقرأه ولا تعمل به، وماذا يضرك إن قرأته؟ فأخذت الكتاب، وجعلت أتصفحه معجباً به مكبراً لما حواه. وقفت أفكر بهذا الكتاب وما فيه من الحكميات والمحاكمات بين السيد عبدالحسين وبين شيخ الأزهر سليم البشري. والشيخ يسأل عن كل مسألة والسيد يجيبه وهكذا إلى أن كمل الكتاب والسيّد يوقع - ش -


 

الصفحة 458

 

والشيخ يوقع - س - رمزاً إلى شيعي وسني.

- فعندئذ بدأت أتدبر مقالاتهما فأعجبني ما في هذا الكتاب من البلاغة والحكمة ورأيت أنّ الذي يجيب به السيد - سائله - هو الحق المبين ولم يبق عندي أدنى شبهة البتة، وشيخ الأزهر لا يمكنه إلاّ التسليم بصحة كلما يجيبه به السيّد المعظم.

- وبدأنا نتذاكر أنا وأخي في هذا المذهب. فمرةً يجعل أخي نفسه سنياً وأنا أكون شيعياً ونبدأ بالمناظرة فنرى الحق مع الشيعي وأخرى بالعكس أجعل نفسي سنياً وأخي شيعياً فيظهر الحق أيضاً مع الشيعة. وهكذا دار الأمر بيني وبين أخي.

فلمّا يكون أخي شيعياً يطلب مني الدليل على صحة التمسّك بأحد المذاهب الأربعة فلم أر شيئاً لدي، فيقول لي ما دليلك على صحة تعبدك بمذهب الشافعي؟ هل من آية أو رواية؟ فلم أرَ أيةً ولا رواية أستدل بها على صحة التمسك بأحد المذاهب فأقول له: الإجماع. فيقول: الاجماع مفقود بل يستحيل وجود الإجماع لأنّهم اختلفوا في نفس المذاهب فكيف يكون هناك إجماع؟

وإذا أنا سألته عن صحة المذهب الجعفري وطلبت منه أن يأتي بآية أو رواية فيقول: جاء في الحديث عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال: «مثل أهل بيتي كسفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق وهوى» وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: «إني تارك فيكم الثقلين، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً، لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما» الحديث المشهور بل المتواتر عند الفريقين.

- ثمّ يستدل بآيات القرآن المجيد المجمع على نزولها في أهل البيت عليهم‌السلام.

- ( قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلّا الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى‏ ) (1).

- ( إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (2).

____________________

1 - الشورى: 23.

2 - الأحزاب: 33.


الصفحة 459

 

فيلزمني العقل والضمير بالتسليم له وأقول أنا لم يسعني إلاّ التمسك بهذا المذهب الحق الذي هو مذهب أهل البيت عليهم‌السلام وأهل البيت أدري بما فيه. وهكذا رأينا أنّ الحق في جانب مذهب أهل البيت، فاعتنقنا المذهب الجعفري ولم يبق لنا سبيل إلى غيره كما قال الكميت رحمه‌الله:

وما لي إلاّ آل أحمد شيعة
 

 

وما لي إلاّ مذهب الحق مذهب
 


الصفحة 460

 

محمد التيجاني السماوي

هذا العالم السني، يعتنق مذهب أهل البيت، بعد سنوات من البحث عن الفرقة الناجية.

ولد في تونس، وسافر إلى البلاد العربية، وفي مصر طلب منه علماء الأزهر البقاء للتدريس عندهم، وسافر إلى العراق والتقى بعلماء الشيعة ثم عاد إلى تونس وبدأ يبحث حتى هداه الله إلى التشيّع وكل هذه التفصيلات تجدها في كتابه (ثمّ اهتديت).

قال: «لكن الشيعة ثبتوا وصمدوا وصبروا وتمسكوا بالحق، لا تأخذهم في الله لومة لائم، وهم يدفعون حتى اليوم ثمن هذا الصمود، وإني اتحدى أي عالم من علمائنا أن يجلس مع علمائهم ويجادلهم فلا يخرج إلاّ مستبصراً بالهدى الذي هم عليه. نعم وجدت البديل والحمد لله الذي هداني لهذا وما كنت لأهتدي لو لا هداني الله.

الحمد لله والشكر على أن دلني على الفرقة الناجية التي كنت أبحث عنها بلهف، ولم يبق عندي أي شك في أنّ المتمسك بعلي وأهل بيته قد تمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها. والنصوص النبوية على ذلك كثيرة أجمع عليها المسلمون، والعقل وحده خير دليل لمن ألقى السمع وهو شهيد...

نعم وجدت البديل بحمد الله، وصرت أقتدي برسول الله، بأمير المؤمنين وسيّد الوصيين وقائد الغرّ المحجَّلين أسد الله الغالب الإمام علي بن أبي طالب، وبسيدي شباب أهل الجنة وريحانتي النبي من هذه الأمة الإمام أبي محمد الحسن الزكي والإمام أبي عبد الله الحسين، وبضعة المصطفى سلالة النبوة وأم الأئمة ومعدن الرسالة ومن يغضب لغضبها رب العزة والجلالة سيدة النساء فاطمة الزهراء.

وأبدلت الإمام مالك بأستاذ الأئمة ومعلّم الأمة الإمام جعفر الصادق، وتمسكت بالأئمة التسعة المعصومين من ذرية الحسين، أئمة المسلمين...


 

 


الصفحة 461

وقال في حديث الثقلين: «وإذا أمعنا النظر في هذا الحديث الشريف الذي أخرجه صحاح أهل السنة وجدنا أنّ الشيعة وحدهم هم الذين اتبعوا الثقلين (كتاب الله والعترة النبوية الطاهرة) بينما اتبع أهل السنة والجماعة قول عمر (حسبنا كتاب الله)...».

وبعد ذكره لفضائل علي وحديث (باب مدينة العلم) قال: «فلماذا لا تقلدوه في أمور دينكم ودنياكم إن كان اعتقادكم فيه صحيحاً بأنه باب مدينة العلم؟

لماذا تركتم الباب عمداً وقلّدتم أبا حنيفة ومالكاً والشافعي وابن حنبل وابن تيمية الذين لا يدانوه في علم ولا عمل ولا فضل ولا شرف، فأين الثرى من الثريا...

فهل عندهم - أهل السنة - دليل من كتاب الله أو سنة رسوله على اتّباع وتقليد أولئك الأئمة الأربعة، أصحاب المذاهب؟! فأنا اتحدَّى الثقلين من الإنس والجن أن يأتوا بدليل واحد على ذلك من كتاب الله أو من سنة رسوله. فلا والله، لا ولن يأتوا به ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً. لا والله، ليس هناك من كتاب الله وسنّة رسوله إلاّ على اتباع وتقليد الأئمة الطاهرين من عترة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم...».

وها هو التيجاني يبعث نداء لأهل السنة يدل على حرصه وحبه لهم قال: «يا أهلي وعشيرتي لنتجه - على هدى الله تعالى - إلى البحث عن الحق، ونبذ التعصب جانباً، فنحن ضحايا بني أمية، وبني العباس، وضحايا التاريخ المظلم، وضحايا الجمود الفكري الذي ضربه علينا الأوائل، إننا لا شك ضحايا الدهاء والمكر الذي أشتهر به معاوية، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وأضرابهم، ابحثوا في واقع تاريخنا الإسلامي لتبلغوا الحقائق الناصعة، وسيؤتيكم الله أجركم مرتين، فعسى أن يجمع الله بكم شمل هذه الأمة، التي نكبت بعد موت نبيّها، وتمزّقت إلى ثلاث وسبعين فرقة، هلموا لتوحيدها تحت راية لا إله إلاّ الله محمد رسول الله، والاقتداء بأهل البيت النبوي، الذين أمرنا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم باتباعهم...».

و للتيجاني عدة كتب غير (ثم اهتديت) وهي (مع الصادقين)، (فاسألوا أهل الذكر)، (الشيعة هم أهل السنة)، (اتقوا الله). فما أجدر روّاد الحق بقراءة كتبه الممتعة.


 

 


الصفحة 462

صائب عبد الحميد

هو من العراق بدأ كتابه «منهج في الانتماء المذهبي» بمقدمة جميلة وما أحرى عشاق الحق بقراءة هذا الكتاب.

قال عن حديث الثقلين: «وهو من أشهر الأحاديث الشريفة، ذلك الحديث الذي يلخّص الأمانة الكبرى التي تركها رسولنا الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في أعناقنا من أجل حفظ الدين وحفظ هذه الأمة بحفظ دينها...

وقد ورد هذا الحديث في أغلب كتب السنن وبطرق عديدة يمتنع معها تسرب الشك إليه بأي شكل من الأشكال.

وقد يكون هذا النص النبوي الشريف لوحده كافياً في تعيين خلفاء الرسول، وأئمة المسلمين.

فانظر إلى عبارته بدقة تجده قد جعل الكتاب وأهل البيت متلازمين أبداً:

«لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض».

ثم انظر كيف توجه إليهما بلفظ واحد. ولم يفرق بينهما حتى في الخطاب، فقال: «فإنهما»، «لن يفترقا»، «حتى يردا» فهو تلازم في التعبير والإشارة. هذا بعد ما في صدر الحديث من كلام يفيد الإلزام، ويؤكد وجوب الحرص عليه، فهو إضافة إلى كونه أمر النبيّ الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، وتوجيهه، فهو أيضاً يمثّل خلاصة الدعوة النبوية، فإنّه:

«يوشك أن يأتي رسول ربي، فأجيب».

و «إني تارك فيكم الثقلين...»، «خليفتين».

«ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي...».

وهي أمانته في أمته: «فانظروا كيف تخلفوني فيهما». «أذكركم الله في أهل بيتي»


 

الصفحة 463

 

ونحن مسؤولون: «أيها النّاس، إنّي فرطكم، وأنتم وارديّ على الحوض، وإني سائلكم حين تردون عليّ عن الثقلين، فانظروا كيف تخلفوني فيهما»...

وهل يستدعي هذا النص مزيداً من الإيضاح؟ فقد أمرنا نبينا الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، أمراً جلياً صريحاً بالتمسك بسببين، وصفهما أنهما سببا النجاة وطريق الهداية. «ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا بعدي» ثم هما (متلازمان) فلا يصح فصل أحدهما عن الآخر «وإنهما لن يفترقا» حتى يردا على رسول الله يوم القيامة.

ثم سمّاهما تسمية صريحة، فقال: «كتاب الله، وعترتي أهل بيتي» ثم قطع الطريق على المعتذرين، فقال: «أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي»، «وإني سائلكم حين تردون عليّ عن الثقلين فانظروا كيف تخلفوني فيهما».

فهذا نصّ صريح في تعيين خلفاء الرسول من بعده. وهذا نص متفق عليه، أجمع على روايته أصحاب السنن والفضائل كافة - سوى البخاري - وذكره أيضاً أصحاب السير والتفسير...

وعلّق الأستاذ صائب على حديث السفينة فقال: «وإنّما أراد سيد الفصحاء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من هذا التشبيه أن يرسم صورة حيّة عن حقيقة الدنيا، ورحلة الإنسان فيها إلى الآخرة، فمثّل لها بذلك الطوفان المخيف، الذي ثبتت له في أذهان المسلمين صورةً مرعبة وهم يقرؤونه في القرآن الكريم، مشهداً حيّاً.

ذلك الطوفان الذي أتى على كل شيء، فلم ينج منه إلاّ تلك السفينة ومن فيها ( وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللّهِ مَجْريها وَمُرْسَاهَا إِنّ رَبّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ * وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ ) (1).

ذلك هو مَثل أهل البيت في خضمّ الأحداث، وازدحام الفتن، واختلاف النّاس، واضطراب الأهواء في بحور متلاطمة من تنافس الأفكار، والمسالك والاهواء والعقائد،

____________________

1 - هود: 41 و 42.


 

الصفحة 464

 

بحور لن تبقي على شيء، وسيبتلع كل شيء موجها، بل قل شررها! حتى لم ينج منها إلاّ تلك السفينة - سفينة أهل بيت المصطفى سفينة نجاة هذه الأمة - ومن تعلق بها وذاك هو الذي يرجع إليهم في أمور دينه، يأخذ عنهم الأصول، والفروع، والعقائد، وينهل من عذب كوثرهم المحمدي معالم الآداب والقيم، يحبّهم وينصرهم، ويواليهم، فهذا هو الذي أمن إذا فزع النّاس، ونجا إذا هلكوا..

بينما كان مثل الذي لجأ إلى غيرهم في أمر دينه وعقيدته، كمثل الذي قال: ( سَآوِي إِلَى‏ جَبَلٍ يَعْصِمُني مِنَ الْمَاءِ ) أليست هذه هي الصورة التي يرسمها حديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم؟».

وقال في موضع آخر ذاكراً شيئاً من تجربته: وإني اعترف على نفسي أن لو لم تتداركني رحمة ربي وتوفيقاته، لصرعتني تلك النفس (المعاندة) ولقد كادت، ونجحت مرّةً، ولكن الله أعانني عليها... وأفقت مطمئناً في أوسط سفينة النجاة، وأنهل من منهلها العذب الصافي، وها أنا أحدثك من ظلال ربيعها الزاهر.

وما أن رأوا مني هذا، حتى هجرني من كان يحبني، وجفاني من كان يقول فيّ أنّي من أهل قوله تعالى: ( وَعِبَادُ الرّحْمنِ الّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرضِ هَوْناً ) (2).

وليس لهم حجة فيما حملوه، إلاّ الذي كان يخالطني من تلك النفس المعاندة، ولقد حاورني أحدهم، ولعلّه من أفضلهم فقال: أتدري ماذا فعلت أنت؟!

قلت: نعم، لقد أخذت بمذهب الإمام جعفر الصادق بن محمد الباقر بن زين العابدين، ابن سيّد شباب أهل الجنة، ابن سيد الوصيين، وسيدة نساء العالمين، وابن سيّد المرسلين فقال: ولماذا تركتنا هكذا، والناس تقول فينا ما تقول؟ قلت: لأني قلت ما يقول الله ورسوله.

____________________

1 - هود: 43.

2 - الفرقان: 63.


 

الصفحة 465

 

قال: أي قول تعني؟

قلت: قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: «إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي».

وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيهم، أنّهم سفن النجاة التي من ركبها نجا. فقال وكأنه يقاطعني: ومن تخلف عنها غرق. أتعني أننا كلّنا غرقى؟!

قلت: لماذا؟ ألا ترى أنّك من المتمسكين بهم؟!

قال: نحن نتمسك بالخلفاء الراشدين، بحسب ترتيبهم في الخلافة، ثمّ بالمذاهب الأربعة!

فقلت له: وما ذنبي إذن تعاتبني؟ ذلك قول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

فمضى...

وقال الأستاذ صائب: لماذا هذا الإعراض عن فقه أهل البيت عليهم‌السلام؟! فهل كان غيرهم من أئمة الفقه أعلم منهم؟

لقد كان رائد مدرسة أهل البيت في الفقه، الإمام جعفر الصادق عليه‌السلام وقد عاصره من أئمة الفقه الذين اعتمد فقههم، وأوقف العمل على فتاويهم: أبو حنيفة، ومالك بن أنس، ثم تلاهم الشافعي، وأحمد بن حنبل، فهل كان معاصروه، أو التابعون له أعلم منه وأفضل؟...

فلماذا إذن لا يؤخذ الفقه من أفضل الناس، وأعلمهم، وأعلمهم باختلاف الناس؟ دع عنك الخلاف في أمر الإمامة، وإن بايعوا من بايعوا ووالوا من والوا، ولكن هذه مسائل الفقه، والحلال والحرام، فما الذي يمنع أن نأخذها من أعلم الناس؟!... أم يقال: إنَّ الشيعة قد كذبوا على أئمة أهل البيت. إذا كانت هذه الطائفة من المسلمين قد كذبت على أئمة أهل البيت، وابتدعت لها طريقاً نسبته إليهم، فمال بال أصحاب هذه الدعوى من طلاّب الحق لم يأخذوا الصحيح عنهم عليهم السلام ويتمسكوا به ويحفظوه لنا، لنعرف فقه أهل بيت نبيّنا عليه وعليهم الصلاة والسلام؟!


 

الصفحة 466

 

إن كانوا يتحرون الحق، ويوالون أهله، فما بالهم لم يأخذوا دينهم - بأصوله وفروعه - عن أئمة الهدى، وزعماء الدين، ورواد العلم، والفقه، والشرف، والتقوى؟!

لماذا تركوهم وأعرضوا عنهم، وراحوا يلتمسون العقائد والأصول والفروع وكل شيء ممن هو دونهم بلا ريب؟!

وليس هذا فقط، بل إذا رأوا من يحفظ حديثهم عليهم‌السلام قالوا: هذا رافضي. وتركوه!

هذه هي حقيقة تلك الدعوى، فلو صدقوا فيما زعموا لاتبعوهم وهم يشهدون لهم بالفضل...

فلماذا هذا الإعراض عنهم، والتمسك بمن هو دونهم في الدرجات؟!...

ثمّ ألا يكفينا حجةً للتمسك بهم عليهم‌السلام أنّهم الثقل الملازم للقرآن، فلاهما يفترقان، ولا يضل متمسِّك بهما أبداً؟!...».

وللأستاذ صائب عبدالحميد عدة كتب منها: (ابن تيمية - حياته - عقائده - موقفه من الشيعة وأهل البيت)، (حوار في العمق من أجل التقريب الحقيقي)، وتاريخ الإسلام الثقافي والسياسي - مسار الإسلام بعد الرسول ونشأة المذاهب).


 

الصفحة 467

أحمد حسين يعقوب

الأستاذ المحامي أحمد حسين يعقوب، من الأردن. قام المحامي بكتابة عدّة مقالات في جريدة اللواء الأردنية ولفت انتباهي مرةً بعض المقالات القيّمة عنونها: بـ (إشكالات الفكر السياسي على الساحة الأردنية) بسبع حلقات.

ونظراً لأهمية هذه المقالات فسأثبتها هنا ملخصه حتى تحيا من جديد فربما تحيا بها القلوب. وقبل الشروع بالكتابة أودّ وبعد استئذان المحامي الكريم أن أجعل العنوان: (إشكالات الفكر السياسي على الساحة الإسلامية).

وملخص ما كتبه كالتالي:

(كل فرقة من الفرق الدينية الـ (73) تزعم أنّها الفرقة الناجية، وأنّ الدواء الذي تقدِّمه هو الدواء الأمثل للحالة المرضية الإسلامية، وأنّ مخطط مشروعها النهضوي هو عين المخطط الواجب التنفيذ، وأنّ فهمها للدين هو عين المقصود الإلهي، وهو فهم قائم على الجزم واليقين، وأنّ قيادة الفرقة هي القيادة المثلى التي أختارتها العناية الإلهية لانقاذ الأمة، وتكرر هذه المقولات (73) مرّة من (73) فرقة بنفس الوقت، وهذا غير معقول؛ لأنّ النص الشرعي الذي أجمعت عليه الأمة يؤكد أنّه لا يوجد إلاّ حق واحد، ومقصود إلهي واحد، وقيادة شرعية واحدة، لأمة إسلامية واحدة. فبالضرورة ومع عميق الاحترام، فإنّ ادعاء واحد من هذه الادعاءات صحيح وأنّ (72) ادعاءً، غير صحيح.

والإشكال الحقيقي عند دعاة هذا التيار هو، من هو الطبيب الشرعي الذي يشخص الداء تشخيصاً يقينياً، ويصف الدواء المطلوب وضعاً قائماً على الجزم واليقين؟ من المهندسين القادر على تقديم مخططات يقينية لنهضة الأمة أو مشروعها النهضوي على حد تعبيرهم؟ ومن يشهد للطبيب وللمهندس بأنّهما المؤهلان لذلك، وبفكر من


 

الصفحة 468

 

نسترشد؟ لماذا تعددت الصحاح؟ ولماذا تناقضت أحياناً؟ ولماذا تعددت المذاهب وتضاربت أحياناً؟ لماذا انهارت الخلافة وتعددت صورها...؟ من هو المبين للناس ما نزل إليهم من ربهم، بياناً قائماً على الجزم واليقين؟ من الذي يفهم النص الشرعي فهماً يقينياً يتفق تماماً مع المقصود الإلهي من ايجاد هذا النص؟. لا خلاف بين أبناء الملَّة بأنّ محمداً صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو المبين بالشرع والعقل ( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذّكْرَ لِتُبَيّنَ لِلنّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلّهُمْ يَتَفَكّرُونَ ) (1) بمعنى أنّ مهمة النبي لم تكن مقصورة على تلاوة القرآن الكريم فحسب، إنما تنصب بالدرجة الأولى والأخيرة على بيان هذا القرآن، بياناً قائماً على الجزم واليقين، ومتفقاً تماماً مع المقصود الإلهي من أحكام هذا القرآن. بمعنى أنّ مهمة النبي أن يوصل الكلمة الإلهية للناس كما أوحيت إليه، ثمّ يقوم ببيانها بياناً قائماً على الجزم واليقين، من خلال نقلها من الكلمة إلى الحركة، ومن النظر إلى التطبيق من خلال قوله وفعله وتقريره. واستمرت عملية البيان، حتى أكمل الله الدين، وأتمّ النعمة، وبيّن كلَّ شيء على الإطلاق، من خلال نواة دعوة الإيمان التي تمخضت عن نواة دولة الإيمان...

عبدٌ لا ينطق عن الهوى، مهمته أن يبين للناس ما نزِّل إليهم من ربهم، وكتاب من عند الله يتضمن الأهداف والوسائل والأحكام المتعلقة بكل شيء على الإطلاق، فالصلة عضوية بين العبد وبين الكتاب، بين النص وبين المبيّن لهذا النص. والإسلام رسالة عالمية، ومهمة أتباعه أن ينشروا هذا الخير ليعم العالم، بمعنى أنَّ البيان مستمر إلى يوم القيامة، فهل تتفضل الأحزاب الدينية مجتمعة ومنفردة، فتدلنا مشكورة على هذا الذي أنيطت به مهمة بيان القرآن الكريم في كل زمان، بياناً قائماً على الجزم واليقين ومتفقاً تماماً مع المقصود الإلهي، من ايجاد النص الشرعي؟ قد يقول كل حزب: رئيس الحزب هو المخول بالبيان!! أو أمير الجماعة!! أو المراقب العام أو الخليفة الغالب!! فهل تتفضل الأحزاب مجتمعة ومنفردة فتأتي بالبرهان الشرعي على ذلك؟ فإن لم يفعلوا ولن يفعلوا -

____________________

1 - النحل: 44.


الصفحة 469

 

بإذن الله - فليعترفوا أنّ هذا أعظم إشكال سياسي يواجه التيار الديني في كل مكان من العالم...

من يبين لكم الحق من الباطل، والصدق من الكذب، والناسخ من المنسوخ، والعام من الخاص، والمحكم من المتشابه والحفظ من الوهم، بياناً قائماً على الجزم واليقين لا على الفرض والتخمين؟...

من هو هذا الشخص؟...

الفرق الدينية العربية(1)، تدور في فلك المذاهب الأربعة، وتحصل على الأجوبة التي تريدها من أقوال أصحاب هذه المذاهب وعلمائها، ومن هنا تولى قادة الفرق الإسلامية، مهمة بيان الإسلام في العصر الحديث، وقدمت كل فرقة بيانها على أساس أنه هو الإسلام...

الأسرة، والبيت، والبطن، نريد أن نستعرض هذه المؤسسات الثلاثة استعراضاً علمياً وشرعياً ونبحث فيها عن هذا الذي يبين لنا ديننا بياناً قائماً على الجزم واليقين، لا على الفرض والتخمين، بياناً يتفق مع المقصود الإلهي تماماً، فإذا عثرنا عليه فقد أعدنا الرأس الطبيعي لجسد الأمة. عندئذٍ تجري الدماء في عروقها، وتتابع رسالتها، وتجد الحكم الشرعي لكل شيء، فتنقذ العالم معها...

هل نبحث عنه في أسرة ابن تيمية؟ أم في أسرة ابن عبد الوهاب، بوصفها أوّل من أنشأ الفرق الإسلامية المعاصرة، أم في أسرة الإمام البنا؟ أم في أسرة النبهاني؟ أم حتى تنتهي قادة الفرق إلى 72؟ أم في أسرة كل واحد من أصحاب المذاهب الأربعة رحم الله الجميع ورضي عنهم؟ أم أنّ هناك شواخص ومنابع للأمور، وقمم شامخة تتضعضع دونها كل القمم، وشرف باذخ يطأطأ لها دونه كل شرف؟...

وقد رأينا أنَّ البحث عن المنقذ والمبين في الأسر والبيوت والبطون هو أنجع وسائل

____________________

1 - يقصد السلفية، وحركة الإخوان المسلمين، وحزب التحرير...


 

الصفحة 470

 

البحث، وراينا أنَّ الأنسب والأسلم والأجدى أن نبدأ حيث أمرنا الله أن نبدأ بأسرة محمد وبيت محمد، وبطن محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فعلَّنا نجد ضالتنا فيه، بالدليل الشرعي لا بالاجتهاد، بالنص لا بالهوى، أنا أعلم أنّ الفرق الدينية تتوجَّس مني خيفة...

هوّني عليك أيتها الفرق، ألم تعلمينا أنّ الحقيقة ضالة المؤمن، أخذها أنّى وجدها؟ فدعوني أعرض بضاعتي حتى وإن كانت مزجاةً في نظركم وإن لم تروها، وبعد ذلك اشتروا أو امضوا في سبلكم، فالدليل الذي لا يعجبكم طالبوا بغيره، والحجّة التي لا تقرعكم نقرعكم بسواها...

أخفقت الفرق الدينية مجتمعة ومنفردة بالإجابة على هذا السؤال؟ وهي تكرر مقولتها: (الإسلام هو الحل). ولكن كيف؟ ولكن كيف؟ ومن هو الذي يبينه بياناً قائماً على الجزم واليقين؟ فهذا الذي كانوا فيه طرائق قدداً؟ فالعامة تقول: أصحاب المذاهب الأربعة، ومنها حجة العامة إذا عرفوا أنّ المذاهب الأربعة قد سادت رسمياً منذ عام (665 هـ) أي بعد النبي الأعظم. وانّه لم يكن في عهده الأمجد مذاهب أربعة!! ثمّ إنّ أصحاب المذاهب ينعمون الآن في رحمة الله، فمن يبين لكم دينكم نيابة عنهم أثناء موتهم؟

فتأخذ الحمية الفرقة السلفية فتقول إنّ ابن تيمية هووحده المبين للشرع وهو الداعي الفرد إلى سيرة السلف الصالح وهم يعرفون أنّه شيخ الحنابلة وأنّه لم يأت بجديد للمذهب الحنبلي وأنّ هدفه كان منصباً على إزالة الآثار التي تركها الأشعري عندما ترك الاعتزال وانخرط بالحنابلة، وابن عبد الوهاب لم يأت بجديد. ثمّ إنّ الإثنين ينعمون برضوان الله فكيف يبينون للمسلمين دينهم وهما في قبريهما؟

ينتفض الإخوان غضباً ويقولون: الإمام البنا هو المبين، فأُثني عليه وأسأله تعالى له الرضوان. وتتنادى أركان حزب التحرير ويقولون: النبهاني هو المبين. يرحمه الله وأسأله يسكنه فسيح جنانه، ولكن! أرجوكم كيف يبينون لنا وهم في رحمة الله وهكذا كل فرقة... الخ.

سيجن جنون الفرق الدينية وقد أحيط بها وأقيمت عليها الحجة فتصيح بصوت


الصفحة 471

واحد: نهتدي بهداهم، ونقتفي آثارهم ونستضيء بفكرهم!! عفواً يا سادتي لماذا (الاندايركت) ما الذي يمنعكم أن تقتدوا بالنبي مباشرةً؟!! ثمّ إنّه لا بد لكل فرقة من مبين يبين لها دينها، ابحثوا عن آل ابن تيمية، وآل ابن عبد الوهاب، وآل البنا وىل النبهاني... الخ فقد تعثرون على خليفة لكل واحد من هؤلاء المؤسسين الفضلاء يرحمهم الله ولكنكم ستبقون 72 فرقة بالوقت الذي ترددون فيه بالعشي والأبكار بأنّ أمتكم واحدة.

فهل أدلكم على البطن المبارك الذي تجدون فيه المبين لدينكم، والموحد لأمتكم، والقادر على أن يجيب على كافة تساؤلاتكم... فيقودكم من الفُرقة إلى الوحدة، ومن المرض إلى الصحة، ومن الشك إلى اليقين، ومن العجز إلى القادم! ستقولون بغير اكتراث ويحك من هو؟ وما هو دليلك؟ ومن هو أفضل من بيان أصحاب المذاهب ومن بيان ابن تيمية وابن عبد الوهاب والإمام البنا، والنبهاني وبقية قادة الفرق الدينية؟...

نزولاً عند رغبة الفرق الدينية، فإننا نؤكد لقادة ومشاة هذه الفرق وعشاق الحقيقة المجرّدة، أنّ المبين والمنقذ والقائد هو بالضرورة من آل محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم؛ لأن محمداً صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو القاسم المشترك بين المسلمين... والمرجعية بآله الكرام... تمثل البعد التواصلي لقيادة النبي الأعظم... لقد انتقل الصحابة الكرام إلى جوار ربهم، وسقط نظام الخلافة فأين نتجه؟ الفرق الدينية لا تتوقف عن القول: نتجه إلى كتاب الله وسنة نبيه.

نعم، هذا هو الجانب الحقوقي، فأين هو الجانب الشخصي الذي سيقود ويرشد ويبين؟

إنّ الحجة لا تقوم على العباد لو أنّه تعالى أرسل إلى كل مكلف نسخاً من الكتب السماوية؛ لذلك اقتضت حكمته أن تكون رسالة معها رسول وان يكون كتاب ومعه عبد، وأن يكون بيان ومعه المبين، وأنّ بإمكان غلام بالصف الثالث الابتدائي أن يقرأ نصاً قانونياً، وأن يفهم منه شيئاً، وبإمكان عضو محكمة التمييز الأردنية أن يقرأ ذات النص؟ فهل نساوي بين الفهمين؟ ماذا يكون الموقف لو تمسك الغلام بفهمه وأصرّ على القول أنّ فهمه هو عين مقصود الشارع الوضعي، ما لكم كيف تحكمون؟ فلا بدّ من وجود


 

الصفحة 472

 

مرشد ومبين، وقد تظافرت النصوص القرآنية والنبوية القولية والفعلية والتقريرية حول هذه، ولكن تمّ إنكارها أو تمّ تأويلها؛ لأنّ الحكم عند الفرق، هو التاريخ السياسي الإسلامي، وليس الشرع، وأنّ صاحب السلطان المطلق عندهم، هو التقليد واتّباع ما تهوى الأنفس، وليس العقل...

والخلاصة أنّ الأمة يمكنها إذا أرادت الفلاح والوحدة والنهوض من كبوتها... فإنّ عليها أن تبحث عن المنقذ والقائد والمبين عند القرابة الطاهرة، عند بني هاشم عند آل محمد...

فلو صليت على محمد وحده، فانّ صلاتك لا تجزيك، فيجب أن تصلي وتبارك على محمد وعلى الآل (1)... بمعنى أنّ المسلم إذا لم يصلِّ على النبي وآله معاً في صلاته، فإنّ هذه الصلاة لا تقبل. لماذا هذه الوحدة العضوية بين النبي وآله؟ لماذا فرضت على كل مسلم ومسلمة؟ لماذا ربطت صحة الصلاة بهذه الصيغة والكيفية؟ وهل يمكننا أن نُدخل مع النبي وآله سواهم؟ وهل في الأمة الإسلامية من يتمتع بهذه المزية غير الآل الكرام؟ هل يتمتع قادة الفرق الإسلامية وقادة التاريخ الإسلامي بهذه المزية؟...

هل تجرؤ الفرق الدينية مجتمعة ومنفردة أن تشكك بحديث الثقلين، أو تقول أنه غير صحيح؟ الفرق الدينية مجتمعة ومنفردة أعقل من أن تفعل ذلك فقد روى هذا الحديث 35 صحابياً...

وإنني لأذكر أنني أوردت النص الحرفي لحديث الثقلين بعشر صيغ في إحدى مقالاتي، وذكرت 185 مرجعاً من عيون المراجع المعتمدة عند أهل الملة، ولو كان مجدياً أن أعيد الكرة لأعدتها. لله أبوك أيتها الفرق، والله لو كانوا غير آل محمد لأقنعكم معشار ما ذكرناه. فالله يقضي بيننا وبينكم بالحق وهو خير الحاكمين...

____________________

1 - ذكر اثنين وعشرين مصدراً لهذه الخصوصية مثلاً: البخاري (كتاب الدعوات) باب الصلاة على النبي. صحيح مسلم (كتاب الطلاق) باب الصلاة على النبي بعد التشهد. النسائي. ابن ماجة...


 

الصفحة 473

 

تتصايح الفرق الدينية.. داعية عليّ بالويل والثبور وعظائم الأمور، ويحك أيها المحامي نحن نحب آل محمد ونصلي عليهم في كل صلواتنا! عفواً أيتها الفرق، إنّ تكييف الحب الذي أمركم الله به، هو أن يحب الواحد منكم النبي وآله، أكثر من ماله وولده، وأكثر من نفسه التي بين جنبيه فهل هذه طبيعة حبكم للآل الكرام، فإن أجبتم بالإيجاب، فَلِمَ تتقدمون عليهم؟ ولم تعطون أموركم دون مشهورتهم؟ بل، ولم تقدمون عليهم من هو أقل منهم في كل شأن؟ وأنتم العجز وهم القادم، وأنتم البدن وهم الرأس بالنص الشرعي، ومتى تقدم العجز على القادم؟ ومتى اعتلى البدن الرأس؟ ما لكم كيف تحكمون؟! أم أنّ لكم لما تخيرون؟! وما معنى حبي لكم إذا أعطيت صوتي بالانتخابات النيابية لغيركم؟!..

لقد قطعتم الرأس الذي خلقه الله لهذه الأمة وركّبه عليها، وفصّله لها، وخصصه إليها، وربطه بها ربطاً محكماً، فقمتم وبدون دراية بالطب بقطع رأس الأمة وتركيب (72) رأس بلاستيكية لتحل محل الرأس الطبيعي، ثم أخذتم تقيمون الأفراح لنجاح العملية وترقصون فوق جسد الأمة التي قطعتم رأسها، وهكذا بضربة فنية ساحقة كسرتم العمود الفقري للنظام السياسي الإسلامي، بعدما دمّرتم المنظومة الحقوقية الإلهية، فأغضبتم ربكم وكسرتم خاطر نبيكم، وأوردتم أمتكم مورد الردى، وفوق الأشلاء ناديتم بأنّ الإسلام هو الحل، وزعمتم أنكم دعاته، لغرض في نفس يعقوب...

ضعوا الرأس في مكانه، وضعوا القلب في موضعه وهو يدبر أمور الجسد!! ذلك أخف كلفة من قطع الرأس الذي لا تريدون، وإجراء عمليات فاشلة لتركيب رأس صناعي تمّ خلعه وإجراء عملية جديدة...».

وبهذا نكون قد أتينا على الحلقات السبع مع العلم أننا اختصرناها اختصاراً شديداً. بقي أن نذكر أنّ للمحامي عدة مؤلفات وهي: (النظام السياسي في الإسلام)، (مرتكزات الفكر السياسي)، (نظرية عدالة الصحابة والمرجعية السياسية في الإسلام)، (الخطط السياسية في توحيد الأمة الإسلامية).


 

الصفحة 474

 

نصيحتي لكل سني

كلمات نابعة من أعماق قلبي كتبتها وانهمرت دموعي دون أن أشعر.

يا إخواني يا سادتي، إنَّ الفرصة ما زالت سانحة، وسفينة النجاة منتظرة، ما زالت تطلق صفارات من النداء النبوي «من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق»، «تركت فيكم... كتاب الله وعترتي» هلموا أيها النّاس واستجيبوا لنداء السماء. ها نحن قد أوضحنا السبيل. وأقول مقالة أحد الأصدقاء:

لو كان عندي بيان ما بخلت به
 

 

وما تركت همومي ترتقي هممي
 

والحق أني لا أقرأ كتاباً لشيعي، إلاّ وأجد مؤلفه يحتج لما يقول بصحاحنا المعتبرة. أفلا يكفي هذا دليلاً على أحقية هذا المذهب؟

وماذا في التشيّع؟ أليس قد أثبتنا أنه أطروحة الإسلام؟ يقول الأستاذ محمود الكردي: «ومع ذلك فإنّ كل مسلم على وجه الأرض لابدّ أن يكون (شيعياً) من جانب ما، وهو (حبه) لآل بيت الرسول الكريم و (نقمته) على من ألحقوا بهم الأذى والإهانة» (1).

وأذكر أنني عندما واجهت الحقيقة اصطنعت تبريرات أبرّد بها جوفي واهدئ من روعي. كنت أخاطب نفسي بكلمات لا وزن لها، كنت أقول: لو كان الحق مع الشيعة لأدرك هذا علماؤنا واتبعوهم! وهكذا، ولكن هيهات للوهم أن يصمد أمام الحق، وهيهات أن يصير اللبُّ قشراً والقشر لبّاً...

نعم اصطنعت مجموعة تبريرات، ولكنّ نداء الحق كان يقرعني دائماً. وبقي يلاحقني وأنا أهرب منه. فالحق لقمة صعبة لا تستسيغه النفس. وبقيت هكذا إلى أن خضعت لنداء الله ورسوله فقلت: سمعاً وطاعة يا رسول الله - بأبي أنت وأمي - إذا لم

____________________

1 - مأساة الخلافة في الإسلام: ص 179.


الصفحة 475

نسمع كلامك، فكلام من نسمع؟!

هل نتبع هذا الطريق لأنّ فيهم فلاناً وفلاناً؟! فما لنا ولهم؟ ومتى كان الحق يعرف بالرجال؟ والمثل السائر يقول: (عقلك برأسك اعرف خلاصك) (1).

لقد أمرنا الله ورسوله باتباع آل البيت، فمالنا لا نطيع أمرهما؟ فهل سنجد ناصح أفضل من رسول الله؟!

قال الله تعالى: ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ) (2) فما لنا نقف أمام قضاء الله ورسوله ونجعل لأنفسنا الخيرة من أمرهما؟!

أليس الله هو القائل: ( فَلْيَحْذَرِ الّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ ) (3)؟ فما لنا لا نرضى إلاّ مخالفة أمر الرسول؟!

فيا أخي المسلم! إنني أجعل كتابي هذا حجة عليّ وعليك وأقول هذا بكل طمأنينة فلا تغضب لفلان وفلان وتذكر يوم تقف بين يدي الله، وأعدّ للسؤال جواباً وللجواب صواباً.

 

إلى كل من يريد معرفة الحق...

قال إحسان ظهير في الإهداء الذي جعله لكتابه (الشيعة والتشيّع) - والذي حمل فيه على الشيعة: «إلى كل من يريد معرفة الحق والحقيقة من السنة أم من الشيعة أهدي كتابي هذا».

نعم يا ظهير لقد وجدنا الحق والحقيقة!!

وتشيّع كثير من أهل السنَّة فضلاً عن علمائهم وهذه بعض أسمائهم:

____________________

1 - يعني: أنت عندك عقل فاعرف طريقَ النجاة بنفسك.

2 - الأحزاب: 36.

3 - النور: 63.

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة