الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

هذا الكتاب

طبع ونشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف

شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي

وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً

قسم اللجنة العلمية في الشبكة


الصفحة 1

 

 

 

 

الصفحة 2

 


 

الصفحة 3

قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: « مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح، من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق وهوى ».

 

قال الشيخ عبد المهدي مطر:

تعيّفوا وركبنا في سفينته

 

فميّز اللُّجّ من عافوا ومن ركبوا
 

وساوموا فاشترينا حبّ حيدرةٍ
 

 

ولا نبيعُ ولو أن الدُنا ذهبُ
 


 

 

 


الصفحة 4

الإهداء

إلى:

قائد السفينة...

التي تشق بحر الوجود، لتنقذ الغرقى...

وتوصلهم إلى شاطئ النجاة...

إلى:

النبي الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أهدي كتابي هذا

راجياً منه القبول


 

 


الصفحة 5

 بسم الله الرحمن الرحيم

كلمة المركز

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد وآله الطيّبين الطاهرين.

إنّ دراسة السيرة والتأريخ دراسة علمية أمينة تقوم على أساس النقد والمقارنة والوقائع وتحليل المضامين تُشخّص أمامنا حقائق عديدة وتكشف لنا أسراراً وأعماقا لا تكشفها القراءة التقليدية والرؤية الاستسلاميّة للمُدوَّن الموروث.

إنّ كتابة السيرة والتاريخ عُرّضت عبر القرون والأجيال إلى التحريف والخلط والتشويه، فالكذب والوضع والدّس شوّه وجه التأريخ ولوّن نقاء الحقيقة، لقد تدخّلت الأهواء والمصالح الدنيوية وقوى السياسة والسلطات التي تخشى شهادة الحقّ في صفحات التأريخ، تدخّلت في كتابة التأريخ، وتحريف الحقائق وتضليل الأجيال.

ورغم كل ذلك فإنّ بعض مصادر التأريخ والسيرة قد حفظت للحقّ وثائقه ودفاعه والشواهد على أحقّيته.

لقد تركّزت جهود هائلة عبر أجيال من الحكّام وقرون من محاولات التزوير والتحريف وإخفاء كل ما يُبرِّز أحقيّة أهل البيت عليهم‌السلام ودورهم العلمي و السياسي في قيادة الأُمة الإسلامية علميا وسياسيا على أساس منهجهم في فهم الإسلام وحفظ الشريعة والعقيدة.


 

الصفحة 6

 

وكان تبنّي المعالم الكبرى في المنهج الإسلامي هو السبب في تعرّض أهل البيت عليهم‌السلام للظلم والاضطهاد، وشنّ الحرب الدعائية والدموية ضدّهم وضد منهجهم.

ولعل من أبرز تلك المعالم كانت الدعوة إلى التمسّك بالكتاب والسنّة، وعدم الإقرار بولاية ومشروعية الحاكم الظالم، والإيمان بأنّ الإنسان حرٌّ مختار، وهو المسؤول عن اختياره وإرادته. إنّ تلك المبادئ التي جلاها منهج أهل البيت عليهم‌السلام من أعماق الرسالة الإسلامية أصبحت تشكّل موقفا متكاملا وردّاً على حالات الركود والجبرية والخنوع للسلطات الجائرة، إذا ما عبثت بالكتاب والسنّة وجاوزت الشريعة والقانون الإلهي. وبالرغم من كل ما وضع من حجب، وما تبنّي من وسائل الإرهاب والتضليل استطاع أهل البصائر من ذوي العلم والوعي والفكر والفطرة السليمة اجتياز الحواجز النفسية، وإدراك الحقيقة، والوقوف إلى جنب الحق الذي تجسّد في منهج أهل البيت عليهم‌السلام وخطابهم للأُمة، فبالوعي والموضوعية اليقظة، والتحرّر من الجمود، ومحاكمة التقليدي الموروث يتمكن العقل من قدرته على الاكتشاف والتشخيص، لذا فإن الشعار العلمي السليم الذي تجب المناداة به، هو دعوة المسلمين إلى فتح آفاق الحوار العلمي البنّاء، والإطلال على ما بين أيدينا من ثروة علمية، وسيرة وتأريخ وتراث من خلال الفهم المتفتح والصدر المنشرح، والقصد الباحث عن الحقيقة.

ويمكن تجسيد هذا المنهج بإنشاء مراكز للبحوث والدراسات الإسلامية المقارنة وتبنّي المعاهد والجامعات والمؤسسات الثقافية المتخصصة لهذا المنهج، وإعادة كتابة التأريخ والسيرة لتنقيتهما من الشوائب والمدسوسات، وتبنّي سياسة التقريب والتفاهم بين المسلمين.


الصفحة 7

قارئنا الكريم: إنّ كتاب (وركبت السفينة) للأستاذ مروان خليفات نموذج لوقفة التأمّل مع الذات، والانطلاق ببحث علمي مقارن، وتحقيق موضوعي رصين في طروحاته الفكرية يكشف عن وعي الكاتب بالتأريخ.

وهو رحلة علمية ومذهبية رائعة تجلّت فيها حرية الفكر، والبحث المحايد عبر السفينة التي أبحر فيها من شاطئه الذي كان يستقر في مآويه إلى الشاطئ الآخر آمناً من مخاطر الأمواج وقصف الريح الكاسح، مستهدياً بالكتاب والسنّة وأدلة العقل وشواهد التأريخ.

وهذا العمل الثقافي الرصين يشكّل مساهمة فعّالة في التقريب بين المسلمين، وإسقاط الحواجز النفسية فيما بينهم، وتعريف بعضهم بالبعض الآخر.

وفي الختام نسأل الله سبحانه أن يوحّد صفوف المسلمين، ويعيد للأمّة الإسلامية عزّها ومجدها في ظلال الكتاب والسنّة المطهّرة.

إنه سميع مجيب

مركز الغدير      

1/محرّم/1418 هـ‍

 


الصفحة 8

تقديم

الدكتور عبد الهادي الفضلي

منذ أن كانت الجمهورية الإسلامية في إيران وأصدرت دستورها إسلامياً خالصاً اعتمدت فيه على مصادر التشريع الإسلامي فقط ومن خلال مذهب أهل البيت عليهم‌السلام، ثارت ثائرة الإمبريالية العالمية التي تهيمن على معظم وأهم الثروات الاقتصادية والأسواق والمعابر في البلاد الإسلامية، والتي استطاعت أن تبعد المسلمين عن تحكيم الإسلام في حياتهم بحجّة أن الدين لا علاقة له بالسياسة، وليس هو إلاّ طقوساً فردية توثّق علاقة الإنسان بالله فقط من دون أن تمس شيئاً من واقع الدنيا، فوجّهت كل ما تملك من وسائل إعلام وأساليب دعاية مضلّلة ضد الإسلام حكومة وتشريعاً وحركات سياسية.

وكان من هذا أن صدر أكثر من مائتي كتاب ورسالة من قبل أعداء مذهب أهل البيت التقليديين ممن ينتمون إلى بعض المذاهب الإسلامية الحادثة تهاجم التشيع والشيعة، من خلال التضليل لأتباع أهل البيت عليهم‌السلام والتضبيب على معطيات مذهب أهل البيت، والتعتيم على ما يدعو إليه من التمسّك بالشريعة الإسلامية كاملاً وفي جميع مجالات الحياة.

وكل هذا نتيجة الصدى القوي الذي أحدثته الثورة الإسلامية الإيرانية، حيث وعّت ونبّهت الأمة الإسلامية أن تهيمن على ثروات البلاد الإسلامية من أن تسلب من قبل الإمبريالية العالمية.

ورأى أتباع أهل البيت أن لا يتصدوا للرد وفضح ألاعيب وأكاذيب هذه


 

الصفحة 9

 

الدعايات المضلّلة وهذه الضجّات الكاذبة المفتعلة، لئلا يشغلوا أنفسهم عما هو أهم من هذا وأولى وهو بناء الإنسان والمجتمع في هدي تعليمات الشريعة الإسلامية.

وشاء الله تعالى أن ينتصر لأهل بيت نبيه المصطفى صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، فانبرى الغيارى من أبناء المذاهب الإسلامية الأخرى إلى الرد ولكن عن الطريق السليم الذي يحفظ لكل مذهب حقّه في الدعوة إلى الإسلام بالحكمة والحجّة البالغة، فسلكوا منهج المقارنة والموازنة بين مفاهيم وحقائق مذهب أهل البيت عليهم‌السلام والمذاهب الأخرى.

وصدر من هذا عدّة كتب ورسائل كان لها أثرها العميق والبعيد في الدعوة إلى مذهب أهل البيت عليهم‌السلام.

ومتى حاولنا أن نتعرّف العوامل المؤثرة في انتشار التشيّع في هذه الحقبة التي نعيشها، وبالتوقيت المضبوط منذ انبثاق الجمهورية الإسلامية في إيران وحتى كتابة هذا التقديم، لما وقفنا على غير ما ذكر، فكل فعل له رد فعل، وكان للكتب التي صدرت بتأثير من الإعلام الإمبريالي العالمي أن جعلت الشيعة يتمسكون بمذهب أهل البيت بفعل أقوى وأمكن؛ لأنهم يعرفون حق أهل البيت وأحقية مذهبهم.

كما كان للكتب التي صدرت ردّاً عليها ممن أشرت إليه من المسلمين الغيارى من أتباع المذاهب الإسلامية الأخرى أن فتحت الباب واسعا أمام الآخرين لاعتناق مذهب أهل البيت عليهم‌السلام.

والكتاب الذي بين يدي القارئ الكريم هو من تلكم الكتب التي كتبت انتصاراً لمذهب أهل البيت من مؤلف تخصّص جامعياً بدراسة المذاهب


 

الصفحة 10

 

الإسلامية، وحملته روح المقارنة والموازنة إلى تأليف كتابه هذا ليتوصل إلى معرفة الفرقة الناجية التي أشارت إليها رواية (ستفترق أمتي...) كما ذكر هذا في مدخل كتابه.

فتناول في بحثه نشوء المذاهب السنّية في العقيدة والتشريع، واضعاً إصبعه على أبرز المعالم الفكرية فيها وأهم الإشكالات في أسس هذه المذاهب، من واقع حياة الصحابة في اجتهادهم وعدالتهم وشؤونهم الأخرى التي ترتبط بموضوع بحثه.

ثم انتقل إلى مدرسة أهل البيت موثّقاً مشروعيتها، ومبرهناً على النجاة في إتباع أهل البيت عليهم‌السلام، معقباً ذلك وخاتماً بذكر شيء من سيرة الأئمة الأثني عشر عليهم‌السلام.

وكنت قبل هذا دعوت في أكثر من محاضرة وأكثر من مقالة إلى فتح باب الدراسات المقارنة لأنها الطريق السوي إلى الوصول إلى النتيجة المقبولة شريطة أن يلتزم الباحث أصول وشروط البحث العلمي.

وقد كان المؤلف الكريم ملتزماً إلى حد كبير بأُصوليات البحث العلمي، فخرج موفّقاً إلى حد غير قليل في بحثه ونتائجه.

وهو بهذا الكتاب يضم سفراً آخر من أسفار الدراسات المقارنة، التي نرجو أن تكثر وتلتزم بالمقارنة دائماً لنلتقي كمسلمين مؤمنين بالاعتصام بحبل الله الذي هو عصام التوحيد والتوحد على جادّة سواء وكلمة سواء.

وفّقه الله تعالى إلى المزيد من البحث المقارن، إنه تعالى ولي التوفيق وهو الغاية.


 

 


الصفحة 11

مقدمة الطبعة الثانية

الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على أكرم الخلق محمد وآله الطيبين الطاهرين.

لم أكن أتوقّع نفاد الطبعة الأولى من كتابي هذا - في هذه الفترة الوجيزة، وهذا يدل على حسن الاستقبال الذي لقيه من القرّاء الكرام..

إنه فضل من الباري سبحانه أن أقدم كتاباً متواضعاً للمتطلعين الى معرفة الحق والنور، وأن يحظى هذا الجهد الفكري والعلمي، بما أشاع في أعماقي السرور، وزادني حماساً وشغفاً في أن أعيد طبعه بشكل مأمول، ولهذا تركت الزمن، منغمساً في إضافة ما يجب أن يضاف وحذف ما يتطلب حذفه، وتنقيحه من جديد ليظهر في شكل أكثر نضجاً.

لست أزعم الكمال في عملي هذا، ويعذرني القارئ العزيز إذا وجد فيه عثرة صغيرة فاتني الانتباه لها...

وعلى هذا، أقول: إذا كان الكتاب قلب الكاتب، فالقارئ هو وجهه..

وطوبى لكل من يبحث عن الحقيقة في كل مكان بلا موروث متزمّت، وصولاً إلى الحق المبين.

اربد - الاردن

مروان خليفات
 

 


الصفحة 12

مقدمة الطبعة الأولى

أحمدك اللّهمّ حمداً يليق بجلالك، حمد عبد مذعن مقصّر معترف بكثرة نعمائك. وصلِّ اللّهمّ على خير الورى محمد وآله الذين استخلصتهم لنفسك وجعلتهم الذريعة إليك والوسيلة إلى رضوانك صلاة لا غاية لعددها ولا نهاية لأمدها.

وبعد.. فإن كل كتاب يشق طريقه إلى الوجود لا بد أن يكون له أنصاره ومعارضوه. وهذا أمر طبيعي، لاختلاف أفكار الناس. والكتاب الذي بين يدي القارئ العزيز ليس بدعاً من تلكم الكتب، بل ربما يكون من أكثرها إثارة، لطبيعة الأفكار التي يطرحها.

هو كتاب ينتصر للحق وأهله..

كتاب يرسم للسائرين طريق النجاة بأدلة يقبلها كل مسلم بعقله وقلبه.

وقد يثور علينا البعض. لا لشيء، إلا لأن الكتاب يخالف موروثاتهم وإن وجدوه حقّاً. ونحن لا نستغرب هذا، فهذه حقيقة سطرها الله في قرآنه فقال: ( وَأَكْثَرُ‌هُمْ لِلْحَقِّ كَارِ‌هُونَ ) (1).

ولكن كيف يرفض المسلم الحق؟! ألسنا مدعوّين لاتباع الحق كيفما كان

____________

1 - المؤمنون: 70.


 

الصفحة 13

 

وأين كان؟ أوليس من حق المسلم على المسلم النصيحة؟

إذاً فدعوني أعرض نصيحتي، فإن كانت حقّاً فالحق أحق أن يتّبع، وإن لم تروها كذلك، ( فَبَشِّرْ‌ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّـهُ وَأُولَـٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ ) (1).

____________

1 - الزمر: 17 و 18.


 

الصفحة 14

 

بداية الرحلة

في وقت الغروب، وعلى إحدى طرق القرية كنت أمشي مع صديقي الشيعي، حيث كان لا يأتي علينا يوم إلا ويحتد النقاش بيننا. تمنيت في وقتها أن يصبح هذا الصديق سنّياً، وعزمت أن أنقله من مذهبه إلى المذهب الشافعي!!

وجرت الأيام والتحقت بكلية الشريعة، وفي الدروس كان مشايخنا يتطرقون إلى الشيعة، وكان البعض منهم يكفّرهم.

ومع أنني كنت على المذهب الشافعي، إلا أنني بدأت أتأثّر بما يطرحه أساتذتي السلفيون، فيما يختص بالعقيدة، فصرت أردّد معالم العقيدة السلفية - مقتنعا بها - وكنت أعرض هذه العقيدة مع ذكر الأدلة على صديقي الشيعي. وما يقال عن الشيعة في قاعة الدرس من تهم ضدّهم، لكي أبدأ بهدايته!! لكنه كان يرد علي بكل قوّة.

وذات يوم وفي أثناء مسيرنا وبينما كنت أحدثه عن فضائل أبي بكر وعمر قاطعني قائلا - كالمنتصر -: رزيّة الخميس!

قلت: خيراً ماذا تقصد؟

قال: إنها حادثة كانت قبل وفاة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأيام، حيث قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأصحابه: (هلمّ أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده). فقال عمر: إن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد غلب عليه الوجع، أو يهجر، حسبنا كتاب الله!!


 

 


الصفحة 15

فقلت له: هل وصل بكم الأمر أن تنسبوا هذا الكلام للفاروق، الذي ما عصى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قط؟!!

قال: تجد هذه الحادثة في صحيحي البخاري ومسلم (1).

عندئذ يئست من جوابه وشعرت بالهزيمة، وقلت فوراً: وإن قال ذلك، فهو يبقى صحابيا!! أسأل الله الغفران... عبارة لم تأت صدفة، ولكنها تعبير عن عقيدة ترسّخت في نفوسنا. وسألته: في أي كتاب قرأت هذه الحادثة؟ لأنني وإن وقفت موقف المعاند الذي هزم ولم يعترف، لكنني كنت أتمزّق ألماً.

فقال: في كتاب (ثم اهتديت) لأحد علمائكم الذين تشيعوا.

قلت ساخراً: وهل هناك عالم من علمائنا تشيع.

قال: نعم، فالتيجاني صاحب هذا الكتاب يذكر كيف تشيع وأسباب تشيعه.

وطلبت الكتاب منه، وبدأت بقراءته فور وقوعه بين يدي، ورزية الخميس تدور في ذهني وكنت أتوجّس خيفة من عثوري عليها.

فأخذتني قصة الكاتب الممتعة وأسلوبه الجذّاب، وقرأت نصوص إمامة آل البيت عليهم‌السلام، ومخالفات الصحابة للرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، ورزيّة الخميس...، والمؤلف يوثّق كل قضية من صحاحنا المعتبرة. فدهشت لما أقرأ وشعرت أن كل طموحاتي انهارت وسقطت أرضاً، وحاولت إقناع نفسي بأن هذه الحقائق غير موجودة في كتبنا.

____________

1 - راجع الحادثة في صحيح البخاري، كتاب المرض والطب، باب قول المريض قوموا عنّي. صحيح مسلم، كتاب الوصية، باب ترك الوصية. طبقات ابن سعد 2/37...


 

الصفحة 16

 

وفي اليوم الثاني عزمت على توثيق نصوص الكتاب من مكتبة الجامعة، وبدأت برزية الخميس، فوجدتها مثبته في صحيحي مسلم والبخاري بطرق عدّة.

وكان أمامي احتمالان: إما أن أوافق عمر على قوله، فيكون النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يهجر - والعياذ بالله - وبهذا أدفع التهمة عن عمر. وإما أن أدافع عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأقر بأن بعض الصحابة بقيادة عمر ارتكبوا خطأ جسيماً بحق النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتى طردهم. وهنا أتنازل أمام صديقي عن معتقدات طالما ردّدتها وافتخرت بها أمامه.

وسألني صديقي عن صحّة ما في الكتاب فقلت وقلبي يعتصره الألم: نعم، صحيح.

بقيت فترة حائراً تأخذني الأفكار شرقاً وغرباً، وعرض علي صديقي كتاب (لأكون مع الصادقين) لمؤلّفه التيجاني وكتابه (فسئلوا أهل الذكر) وغيرها، فكشفت هذه الكتب أمامي حقائق كثيرة وزادت حيرتي وشكّي.

وحاولت إيقاف حيرتي، بقراءة ردود علمائنا على هذه الحقائق، لكنها لم تنفعني بل زادتني بصيرة بأحقيّة مذهب أهل البيت عليهم‌السلام. وقرأت كتباً كثيرة، لا يسعني ذكرها، فكانت ترسم لي صورة الحقيقة بألوان من الحجج الدامغة، التي كان عقلي يقف مبهوراً محتاراً أمامها، فضلاً عن حيرة علمائنا في التعامل معها.

إلى أن اكتملت صورة الحقيقة في ذهني كالشمس في رابعة النهار، واعتنقت مذهب آل البيت الأطهار عليهم‌السلام أبناء الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، وأشقّاء القرآن، وأولياء الرحمن، سفن النجاة، وأعلام الورى، ورحمة الله للملأ، بكل قناعة واطمئنان قلب.

وها أنا الآن - وبعد تخرّجي من كلية الشريعة - على يقين تام بصحة ما أنا عليه. أقول هذه الكلمات ويمر بذهني كيف عزمت على هداية صديقي الشيعي


 

الصفحة 17

وأهله، وإذا بالصورة قد انعكست، فكان هو سبب هدايتي، وفقه الله.

ولا أنسى تلك اليد - يد الرحمة الإلهية - التي كانت تعطف عليّ باستمرار أيّما عطف. فلك الحمد ربّاه حمداً يليق بجلالك العظيم ومنك الجسيم.

لماذا هذا الموضوع؟

لقد اخبرنا النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن أمته ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة في الجنة (1).

ونحن نرى اليوم المسلمين فرقاً عديدة، وكل واحدة تدعي أنها على الحق، وقد رأيت هذا الأمر مهمّاً جداً وعليه يتوقّف مصير الإنسان؛ لذا فحري بكل مسلم يرجو الخلاص يوم القيامة أن يجتهد في معرفة هذه الفرقة فيتبعها.

وأنا بحمد الله قد فعلت، وبعد البحث الجاد وجدت هذه الفرقة، وثبت لي بالدليل العقلي والنقلي أنها هي الناجية، وسأثبت ذلك في هذا الكتاب.

ومن الغريب أن المسلم يقرأ حديث الافتراق هذا ولا يقوم بواجبه الشرعي في البحث عن هذه الطائفة بحرّية وموضوعية كي تبرأ ذمّته ويلقى ربّه بقلب سليم.

وخبر الافتراق (لا يمكن معه اختصار الفرق إلى سبعين ولا إلى سبع، فضلاً عن واحدة. فالخير إذن كل الخير أن يبحث الإنسان عن الحق ويعتقده ويدعو إليه وإن خالفته الدنيا كلها، وأن يجتنب الضلال ويدعو إلى نبذه ولو داهنه أصحابه

____________

1 - راجع حديث الافتراق في مستدرك الحاكم 1/6 و 128. سنن الترمذي 5/26. مسند أحمد 2/332.


 

الصفحة 18

كلهم، هذا هو الذي سار عليه رسل الله وأمر به الله، فلا تصادموا سنّة الله وتخالفوا منهج رسله) (1).

والواجب على المسلم بعد تباعد الزمان عن صاحب الرسالة صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم واختلاف المذاهب والآراء، وتشعّب الفرق والنحل: ان يسلك الطريق الذي يثق فيه بأنه يوصله إلى معرفة الأحكام المنزلة على محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صاحب الرسالة؛ لأن المسلم مكلّف بالعمل بجميع الأحكام المنزلة في الشريعة كما أنزلت ولكن كيف يعرف أنها الأحكام المنزلة كما انزلت والمسلمون مختلفون والطوائف متفرقة، فلا الصلاة واحدة، ولا العبادات متفقة، ولا الأعمال في جميع المعاملات على وتيرة واحدة...؟!

فماذا يصنع؟ بأي طريقة من الصلاة إذن يصلّي؟ وبأي شاكلة من الآراء يعمل في عبادته ومعاملاته، كالنكاح والطلاق والميراث والبيع والشراء وإقامة الحدود والديات وما إلى ذلك؟!

ولا يجوز له أن يقلّد الآباء، ويستكين إلى ما عليه أهله واصحابه. بل لا بد أن يتيقّن بينه وبين نفسه، وبينه وبين الله تعالى، فإنه لا مجاملة هنا ولا مداهنة ولا تحيّز ولا تعصّب.

نعم، لا بد له أن يتيقّن بأنه قد أخذ بأمثل الطرق التي يعتقد فيها بفراغ ذمّته بينه وبين الله من التكاليف المفروضة عليه منه تعالى، ويعتقد أنه لا عقاب عليه ولا عتاب منه تعالى باتباعها وأخذ الأحكام منها. ولا يجوز أن تأخذه في الله لومة لائم ( أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَ‌كَ سُدًى ) (2)، ( بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَ‌ةٌ ) (3)،

________

1 - مجلة الجامعة الإسلامية: العدد 62 (الشيخ سفر بن عبد الرحمن الحوالي).

2 - القيامة: 36.

3 - القيامة: 14.


 

الصفحة 19

 

( إِنَّ هَـٰذِهِ تَذْكِرَ‌ةٌ فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَ‌بِّهِ سَبِيلًا ) (2) " (3).

وليس من التذبذب أن يغير الإنسان أفكاره وأن يخرج على بعض موروثاته المنحرفة ما دام هدفه الحق " فإن الإنسان لا يزال يطلب العلم والايمان، فإذا تبين له من العلم ما كان خافيا عليه اتبعه، وليس هذا مذبذبا. بل هذا مهتد زاده الله هدى... والواجب على كل مؤمن موالاة المؤمنين، وعلماء المؤمنين، وأن يقصد الحق فيتبعه حيث وجده " (4).

" وانتقال الإنسان من قول إلى قول لأجل ما تبين له من الحق هو محمود فيه، بخلاف إصراره على قول لا حجة معه فيه، وترك القول الذي وضحت حجته، أو الانتقال من قول إلى قول لمجرد عادة واتباع هوى فهو مذموم " (5).

توطئة

إن عامل البيئة والظروف المحيطة بها هي التي تحدد فكر أي إنسان واتجاهاته، حيث تصبح الموروثات البيئيّة مع مرور الزمن ومع الاعتياد عليها قولا وسلوكاكانّهاحقائق ثابتة لا يجوز الخروج عليها، فإذا ما عرض على إنسان شئٌ يخالف معتقداته فإنّ الرواسب الفكرية لمجتمعه والتي أصبحت تجري في عروقه تنبعث

____________

1 - المزمل: 19.

2 - عقائد الإمامية، محمد رضا المظفر: ص 63 - 64.

3 - مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية 2/252 - 253.

4 - المصدر السابق 20/213 - 214.


 

الصفحة 20

 

عنده تلقائيا وتقف في وجه كل من يخالفها. ولكن المسلم، ذلك الإنسان العظيم، يفرض عليه دينه أن يرحّب بأفكار الآخرين ويناقشها بانفتاح وموضوعيّة.

" إننا لا نرفض الحوار الهادف الذي تكشف فيه الحقائق، وتكشف به العقائد الزائغة والمنحرفة، فذلك منهج أصيل دعا إليه ديننا " (1).

ولكن لو نظرنا إلى حال الأمّة الإسلامية لوجدناها طرائق قددا ( كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ) (2). وأصبحت كل طائفة من الطوائف الإسلامية تنظر لأفكارها على أنها مسلمات لا يجوز التعرض لها (3). وإذا ما ناقشت أفكار الآخرين فإنها تحمل عليها بخيلها ورجلها. هذا مع أن الله (4) دعا المسلمين للإنفتاح على أهل الكتاب فضلا عن الإنفتاح على أنفسهم، قال تعالى: ( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّـهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا ) (5).

فما بال المسلمين لا ينفتحون على بعضهم البعض؟ " لماذا هذا التجافي بين أبناء المذاهب الإسلامية؟

هل انتخب كل منا مذهبه عن وعي وإدراك وبعد الدرس والتحقيق؟ أم وكيف حصل هذا الإنتماء؟... ولا بد أن نعترف بأنّ هذه الموضوعيّة ستكون أمرا

____________

1 - أسماء الله وصفاته في معتقد أهل السنة والجماعة، الدكتور عمر الاشقر، 233 - 234.

2 - المؤمنون: 53.

3 - هذه النظرية خاطئة وقد ذمها الله في كتابه فهذا القول كقول مشركي العرب: * ( إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ ) * - الزخرف: 23.

4 - وأعتقد أنه لا يرضى أي مسلم أن يكون كمشركي العرب في تقليد الآباء.

5 - آل عمران: 64.

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة