الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة 351

عثمان وعائشة اجتهدا أمام النص

وشارك عثمان وعائشة بقية الصحابة في الخروج على النص المحكم، فهما كانا يتِّمان الصلاة في السفر، بالرغم من أنَّ سنة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيها بالقصر.

أخرج مسلم عن ابن عمر قال: " صلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بمنى ركعتين. وأبو بكر بعده وعمر بعد أبي بكر وعثمان صدرا من خلافته، ثم إنَّ عثمان صلى بعدُ أربعاً، فكان ابن عمر إذا صلى مع الإمام صلى أربعا. وإذا صلاها وحده صلى ركعتين " (1).

وأخرج الشيخان عن عبد الرحمن بن يزيد أنه قال: " صلى بنا عثمان بن عفان بمنى أربع ركعات، فقيل لعبدالله بن مسعود، فاسترجع ثم قال: صليت مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بمنى ركعتين، وصليت مع أبي بكر ركعتين، وصليت مع عمر بمنى ركعتين، فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان " (2).

وأخرج مسلم عن الزهري عن عائشة: " أنَّ الصلاة أول ما فرضت ركعتين.

قالت عائشة: فأقرَّت صلاة السفر، وأتمَّت صلاة الحضر. قال الزهري: فقلت لعروة:

ما بال عائشة تتم في السفر. قال: إنها تأولت كما تأول عثمان " (3).

إنَّ عثمان وعائشة خالفا سنة الرسول في صلاة السفر، فهما لم يسلما للنص. وليت شعري أين ذهب قول الله ( لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّـهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) (4)؟ أم أين ذهب قول الرسول: " فمن رغب عن سنتي فليس مني " (5) وكيف يمكن عد عثمان وعائشة من أتباع المدرسة النصية وقد خرجا على النص المحكم دون مسوغ شرعي؟! ننتظر الجواب.

____________

1 - صحيح مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب قصر الصلاة بمنى.

2 - راجع النص والاجتهاد: ص 286.

3 - صحيح مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها.

4 - الأحزاب: 21.

5 - صحيح البخاري: كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح.


 

الصفحة 352

 

معاوية أيضاً

وما أكثر اجتهاداته أمام النصوص وخروجه عليها. فهو أول من ترك التلبية في الحج.. أخرج النسائي والبيهقي من طريق سعيد بن جبير قال: " كنت مع ابن عباس بعرفات فقال: ما لي لا أسمع الناس يلبون؟ قلت: يخافون معاوية (1) فخرج ابن عباس من فسطاطه فقال: لبيك اللهم لبيك لبيك، فإنهم قد تركوا السنة من بغض علي " (2).

قال السندي في تعليقه على سنن النسائي: " من بغض علي أي لأجل بغضه أي هو كان يتقيَّد بالسنن فهؤلاء تركوها بغضاً له " (3). إنَّ معاوية قد خرج على النص دون مسوِّغ، وخالف سنة النبي في التلبية (4) وحمل الناس على مخالفتها حتى اضطر ابن عباس إلى لعنهم. وقال ابن حزم: " كان معاوية ينهى عن ذلك " أي التلبية (5).

قال ابن حزم: " لايقطع التلبية إلا مع آخر حصاة من جمرة العقبة " (6)، وقال ابن حجر: " وباستمرارها - أي التلبية - قال الشافعي وأبو حنيفة والثوري وأحمد وإسحاق وأتباعهم " (7).

لقد ترك معاوية سنة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هذه، فما هو حكم من يترك سنة الرسول؟

ويبدو أنَّ شيعة معاوية يتوجسون مني خيفة فليذروني، فلن أحكم عليه أنا، بل النص

____________

1 - عجبا من أهل القرون الأولى - وهم كما يقال خير القرون - يتركون التلبية خوفا من معاوية ولا يخافون من رب معاوية!!

2 - سنن النسائي بشرح السيوطي: 5/253. البيهقي: 5/113. مسند أحمد: 1/217.

3 - إن التاريخ يعيد نفسه فكما ترك معاوية السنة خلافا لعلي فعل أهل السنة وتركوا السنة خلافا للشيعة، والشيعة تمسكوا بالسنة تبعا لعلي.

4 - راجع مثلا سنن الترمذي: 3/187.

5 - المحلى: 7/136.

6 - المحلى: 7/135.

7 - فتح الباري: 3/419.


 

الصفحة 353

 

الذي ينادون بالرجوع إليه، هو الحاكم.

روى الحاكم والطبراني وابن حبان عن عائشة أنَّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: " ستة لعنتهم ولعنهم الله... والتارك لسنتي " (1). فمن كان في نفسه شئ علينا فليراجع النبي إن استطاع، وإلاّ فليسلم للنص.

ومعاوية أوَّل من أحدث الأذان في العيدين. قال ابن حجر: " اختلف في أول من أحدث الأذان فيها. فروى ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيح عن سعيد بن المسيَّب أنه معاوية، وروى الشافعي عن الثقة عن الزهري مثله " (2).

قال مالك في الموطأ " حدثني يحيى عن مالك أنه سمع غير واحد من علمائهم يقول: لم يكن في عيد الفطر ولا في الأضحى نداءٌ، ولا إقامة منذ زمان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى اليوم . قال مالك: وتلك السنة لا اختلاف فيها عندنا " (3).

يقول الشوكاني: " أحاديث الباب تدل على عدم شرعية الأذان والإقامة في صلاة العيدين، قال العراقي: وعليه عمل العلماء كافة، وقال ابن قُدامة في المغني: ولا نعلم في هذا خلافا ممن يعتد بخلافه " (4).

وأقام معاوية صلاة الجمعة وقت الضحى (5) ووقتها في شريعة الله عند الزوال (6). وكان يحكم بجواز الجمع بين الأختين المملوكتين ويعترض عليه الناس فلا يبالي (7).

____________

1 - حجية السنة: ص 314.

2 - فتح الباري: 2/362.

3 - الموطأ: 1/177.

4 - نيل الأوطار: 3/364.

5 - فتح الباري: 2/309، وقد أقامها يوم الأربعاء في طريقه لصفين!

6 - صحيح البخاري: كتاب الجمعة، باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس.

7 - الدر المنثور 2/137 وراجع الجزء الثامن من الغدير للأميني.


 

الصفحة 354

 

ومعاوية هو أول من قدم الخطبة على الصلاة في العيدين، وكان يحلل الربا، ويشرب الخمر، وسن سب الإمام علي عليه‌السلام على المنابر، وكان يقنت في صلاته بلعنه، وأمر الناس بلعنه (1). ومعاوية هو أول من ترك التكبير. عن أبي هريرة: " إن أول من ترك التكبير معاوية " (2). وكان معاوية يتم الصلاة في السفر خلافا للسنة (3).

الحق إنني أعجب من هذه الاجتهادات المتعمدة. ويزداد عجبي ممن يصر على اعتقاده بعدالة معاوية. فما هو الإسلام عند معاوية؟ أهو دين أم طين يقلبه كيف يشاء؟!

وكيف يمكن عد معاوية من أتباع النص، وقد ضرب به عرض الجدار كما ورد ذكره في هذه القضايا.

إنَّ الله يقول لرسوله: ( وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ ) (4) ( قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي ) (5).

هذا خطاب الله لرسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، ومعاوية قد تقوَّل على الله ورسوله وغير وبدل وزاد ونقص، فما هو حكمه يا ترى؟ سل النص السابق ولا بد من التسليم له.

 

تعليق لا غنى عنه لكل باحث

لقد ثبت أنَّ  الصحابة تأوَّلوا نصوص الكتاب والسنة، وخرجوا عليها وزادوا فيها ونقصوا منها، وبعبارة أوفى: الصحابة لم يسلِّموا للنص المحكم الذي لا مجال للاجتهاد فيه.

____________

1 - راجع ما كتبناه عنه سابقا.

2 - الطبراني ونيل الأوطار، أنظر: فتح الباري: 2/215.

3 - الطبراني وأحمد، أنظر الغدير: 10/19.

4 - الحاقة: 44 - 46.

5 - يونس: 15.


 

الصفحة 355

 

يقول الأستاذ الأزهري خالد محمد خالد: " ترك عمر بن الخطاب، النصوص الدينية المقدسة من القرآن والسنة، عندما دعته المصلحة لذلك، فبينما يقسم القرآن للمؤلفة قلوبهم حظّاً من الزكاة ويؤدّيه الرسول وأبو بكر، يأتي عمر فيقول لا نعطي على الإسلام شيئا، وبينما يجيز الرسول وأبو بكر بيع امهات الأولاد يأتي عمر فيحرم بيعهن، وبينما الطلاق الثلاث في مجلس واحد يقع واحدا بحكم السنة والإجماع، جاء عمر فترك السنة وحطَّم الإجماع " (1).

إنَّ النصوص التي اجتهد في مخالفتها الصحابة تزيد على المائة وكلها من المحكمات التي لا مجال للاجتهاد فيها (2).

ونسأل الآن: هل يمكن عد من يقدم رأيه على النص المحكم ويتأوَّله من أتباع المدرسة النصيّة؟ الجواب واضحٌ، فالصحابة إذن ليسوا من أتباع النص، إذ لم يكونوا يسلمون له، خلافا لما يطبِّل له السلفية، فقول أهل السنة: نحن نتبع الكتاب والسنة ولا نخرج عن ظواهرهما، تبعا للسلف الصالح، قولٌ خاطئ، فالسلف الصالح كانوا يخرجون على ظواهر النصوص دون دليل. ولذلك، يصدق القول على السلفية بأنهم أهل التأويل والاجتهاد، تبعا للسلف الصالح لا أهل الكتاب والسنة، فأهل الكتاب والسنة لا يقدمون عليهما أقوال غيرهما، والسلفية قدموا قول الصحابة على قول الله ورسوله، كما في الأمثلة السابقة.

ربما، سيتولى أحدهم الرد على هذه الحقائق بالقول بعد أن انقبض وجهه واصطكت أسنانه وطار لبَّه أنَّ الصحابة اجمعوا على هذه الأمور ولم يخالف أحد منهم أوامر ونواهي الله ورسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهم أعلم منا بالكتاب والسنة.

____________

1 - الديمقراطية: ص 151.

2 - راجع للاستزادة: النص والاجتهاد لشرف الدين والغدير للأميني وما كتبناه سابقا من مخالفات الصحابة للرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.


 

الصفحة 356

 

عجيب والله هذا الإجماع الذي يلغي ويزيد حكما ثابتا في الكتاب والسنة. ومن المتفق عليه أنه لانسخ بعد موت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم. وإذا اتفق الصحابة على جعل صلاة التراويح بهذه الكيفية، فصلاة الرسول خاطئة - والعياذ بالله - وإذا كان قول عمر في طلاق الثلاث صحيحا فالطلاق الذي جاء به الإسلام خاطئ - والعياذ بالله -.

إنَّ الاحتجاج بإجماع الصحابة على هذا الفعل مخالف لما قرر من أنَّ الحكم للنص وبه يقاس كل شئ، وأنا أجزم بأنَّ هناك من عارض هذه الاجتهادات من الصحابة ولكن لا رأي لمن لا يطاع.

وقد يأتي آخر ويقول: نحن قصدنا بالتسليم للنص هو التسليم للنص الذي يتناول العقائد كنصوص آيات الصفات مثلا.

مرحى مرحى: ( أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ) (1) إن الكتاب والسنة كيانٌ واحدٌ، ولا فرق بين آيات العقيدة وآيات الأحكام، فكلها من عند الله، وتأويل نص تشريعي هو كتأويل نص عقيدي ولا فرق بينهما فهذا نص وهذا نص، ومن يفرق بينهما فليأتنا بدليله ( قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) (2).

وإذا كان تأويل نص تشريعي دون مسوغ جائز عند السلفية، فلماذا يقيمون الدنيا ويقعدونها على فقهاء المذاهب الأربعة الذين يتأولون النصوص بما يوافق آراء أئمتهم؟! أحلال لكم وحرام على غيركم؟! فهلا فعلتم مع الصحابة الذين خرجوا على النصوص دون دليل، مثلما تفعلون مع فقهاء المذاهب؟!! وإذا كان الصحابة مجتهدين، فلماذا لا تجعلون فقهاء المذاهب مجتهدين؟!

وهل لنا أن نقف مع اجتهادات الصحابة السالفة لنرى ما موقعها عند الله ورسوله؟

نعم، لنجعل الحكم لكتاب الله وسنة نبيه، فهما القول الفصل وهذا ما ينادي به دعاة السلفية، ولكن ينبغي التسليم للنص مهما كان الحكم.

____________

1 - البقرة: 85.

2 - النمل: 64.


 

الصفحة 357

 

لو أخذنا سهم المؤلفة قلوبهم، الذي أسقطه عمر ووافقه أبو بكر، لوجدناه فريضة بنص القرآن فالله قال في نهاية آية الزكاة ( فَرِيضَةً مِّنَ اللَّـهِ ) نعم، فريضة أسقطها الصحابة، والرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: " إن الله حد حدودا فلا تعتدوها، وفرض لكم فرائض فلا تضيِّعوها وحرَّم أشياء فلا تنتهكوها... " (1).

فالصحابة حين أسقطوا سهم المؤلفة قلوبهم... هل تركوا الحكم للنص.

ولو نظرنا في نكاح المتعة لوجدنا أن الله قد شرعه في محكم قرآنه، ومات النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولم ينسخ - ودون اثبات نسخه خرط القتاد - هذا النكاح، حرمه عمر. فعمر حرم الحلال، وحكم تحريم الحلال يعرفه كل مسلم!

ولو نظرنا في كيفية إحياء ليالي رمضان، لوجدنا الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد صلى النوافل منفردا واستقرت الشريعة على ذلك، وعمر والصحابة غيروا هذه السنة فجعلوها جماعة - خلافا للسنة - والرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: " من رغب عن سنتي فليس مني ".

قال ابن حجر في تفسير الحديث: "... والمراد من ترك طريقتي وأخذ بطريقة غيري فليس مني " (2). إنَّ الصحابة تركوا اسلوب الرسول في كيفية صلاة نافلة رمضان واخذوا باسلوب عمر، والسلفية أخذوا باسلوب عمر، دون اسلوب الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، إذن فهم والصحابة ليسوا من النبي.

فكيف يسمي السلفية أنفسهم بأهل الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم؟! فطالما رددوا هذا البيت من الشعر:

أهل الحديث هم أهل الرسول وإن
 

 

لم يصحبوا نفسه أنفاسه صحبوا
 

ليت شعري من يقول لنا كيف يكونون أهل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقد تركوا اسلوبه وأخذوا باسلوب غيره؟!! كيف يكونون أهله والرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول لهم: لستم مني؟!!

____________

1 - مستدرك الحاكم: 4/115.

2 - فتح الباري: 9/86.


الصفحة 358

 

عن عائشة أنَّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: " ستة لعنتهم ولعنهم الله... والتارك لسنتي " (1) هذا حكم الرسول.

هذا الاسلوب الذي اخترعه عمر - صلاة التراويح - بدعةٌ كما قال هو بنفسه.

والسلفية يمارسون هذه البدعة منذ أربعة عشر قرناً. وهم يحملون دائما على أصحاب البدع بالشتائم، وقد يخرجونهم من الدين. بالرغم من أنَّ عمر هو أول من ابتدع في الدين. فهو الذى قال: " نعم البدعة هذه " أفنكذب قوله بعد وروده في الصحاح؟!!

يقول الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: "... وشر الأمور محدثاتها، وكل محدث بدعةٌ، وكل بدعة ضلالةٌ، وكل ضلالة في النار " (2)، وقال: " إنَّ الله احتجز التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يدع بدعته " (3).

وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ " (4).

قال شيخنا القيسي: " وصدق ابن تيمية إذ يقول: البدع بريد الكفر " (5).

ولا أدري هل يقبل السلفية أحكام الرسول السابقة على البدعة؟ وبما أنَّ صلاة التراويح بدعةٌ - حسب قول عمر - فهي تدخل إذن تحت هذه الأحكام.

وقال الألباني: " وإنَّ من عجائب الدنيا أن يحتج بعض الناس... على أنَّ في الدين بدعةٌ حسنة، وأنَّ الدليل على حسنها اعتياد المسلمين لها " (6) اقرأ واعجب.

وقال ابن عمر: " كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة " (7).

____________

1 - سبق تخريجه.

2 - قال أستاذنا القيسي: " أخرجه مسلم وأخرجه النسائي: (1/234) معالم التوحيد: ص 70.

3 - قال القيسي: " صحيح أخرجه الطبراني والترمذي وهو في السلسلة رقم 1620 ".

4 - صحيح البخاري: كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود.

5 - معالم التوحيد: ص 73 عن مجموع الرسائل والمسائل: 4/250.

6 - سلسلة الأحاديث الضعيفة: 2/17 ح 533.

7 - قال القيسي: " أخرجه الدارمي بإسناد حسن، معالم التوحيد: ص 71، وقال مشهور حسن سلمان في تعليقه على كتاب: الأمن بالاتباع والنهي عن الابتداع: وسنده صحيح ص 64.


الصفحة 359

ولا يجوز تأويل الكتاب والسنة بما يتوافق مع أعمال الرجال، لأنَّ هذا يوقع في اضطراب وضلال، حسب ما أفادنا به استاذنا السلفي قال: "... فإن من عدل عن الكتاب والسنة إلى غيرهما، أو أراد أن يجمع الكتاب والسنة مع غيرهما، وعند التعارض يؤول نصوص الكتاب والسنة لصالح المعتقدات... فإنَّ أمره لا بد ان ينتهي إلى الاضطراب والضلال " (1).

وما دمنا نتكلم في صلاة التراويح فيحسن بنا ذكر هذه الشهادة لأستاذنا القيسي قال: " أما مظاهر إعراض أدعياء العلم والدين عن الكتاب والسنة فكثيرة أذكر منها:...

4 - إدخال مفهوم البدعة الحسنة والسيئة في الإسلام مما أدى إلى تشويه صورة الإسلام الأصيلة وخلطه بمفاهيم غريبة. أليس ذلك إعراضا واضحا عن قوله عليه السلام " وكل بدعة ضلالة "؟! (2) يقول ابن عباس رضي‌الله‌عنه: " أما تخافون أن تعذبوا أو يخسف بكم أن تقولوا قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، وقال فلان " (3)؟ وقال عبد الله بن مسعود رضي‌الله‌عنه: " اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم " (4).

وقال الإمام مالك بن أنس: " من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أنَّ محمدا خان الرسالة، لأن الله يقول: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ) (5)، فما لم يكن يومئذ دينا لا يكون اليوم دينا " (6).

____________

1 - معالم التوحيد: ص 65.

2 - معالم التوحيد: ص 66.

3 - الدارمي في سننه: 1/114. الإحكام، ابن حزم: 2/148.

4 - أخرجه الطبراني، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: 1/181 رجاله رجال الصحيح، راجع معالم التوحيد.

5 - المائدة: 3.

6 - معالم التوحيد، أستاذنا القيسي: ص 72.


 

الصفحة 360

 

إنَّ هذه والله لشهادةٌ خطيرة من الإمام مالك. ولا أدري ما موقف أهل السنة من بدعة التراويح بناءا على قول مالك هذا؟! اللهم إننا لا نأتي بشئ من عندنا.

وقال الإمام أحمد بن حنبل: " من ردَّ حديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فهو على شفا هلكة " (1).

إنَّ الصحابة ردوا من كتاب الله آية المؤلفة قلوبهم، وآية المتعة... وردوا سنة الرسول في طلاق الثلاث بمجلس واحد، ورد السلفية سنة الرسول في كيفية صلاة نافلة رمضان... فأين موقع قول الإمام أحمد من هذه الردود للنصوص؟!!

ويقول ابن تيمية: " فمن تعصب لواحد معين غير رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويرى أنَّ قوله هو الصواب الذي يجب اتباعه، دون الأئمة المتأخرين، فهو ضال جاهلٌ، بل قد يكون كافرا يستتاب، فإن تاب وإلا قتل " (2).

لقد ترك السلفية، سنة الرسول في كيفية إحياء ليالي رمضان وفي المتعة والخمس والمؤلفة قلوبهم... فهل يا ترى ينطبق عليهم قول إمامهم الكبير؟!! لقد جنى ابن تيمية على نفسه وشيعته فضلا عن سلفه الذين رأوا أنَّ اجتهادات عمر أصوب وأمثل من تشريع السماء!!

وقال الشوكاني: " ولو فرضنا - والعياذ بالله - أنَّ عالما من علماء الإسلام يجعل قوله كقول الله تعالى أو قول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، لكان كافرا مرتدا، فضلا عن أن يجعل قوله أقدم من قول الله ورسوله - فإنا لله وإنا إليه راجعون " (3).

أجل، إنا لله وإنا إليه راجعون. إني أقف حائرا حين أقرأ تأويلات الصحابة وتقديم

____________

1 - المصدر السابق: ص 73 من المناقب لابن الجوزي: ص 182.

2 - مجموع فتاوى ابن تيمية: 22/248 - 249.

3 - القول المفيد: ص 25.


الصفحة 361
 

 

أقوالهم على النص وأقارنها مع هذه الأقوال. فماذا يمكنني أن أقول؟ لقد أخرج الشوكاني سلفه الصالح من الإسلام، فهم قد جعلوا أقوالهم كقول الله ورسوله سواء (1).

بل قدَّموها عليهما، وأصبحت أقوالهم سنة متبعة تبنى عليها الأحكام (2). ومن يغضبه هذا الكلام فعليه محاسبة الشوكاني، ومن خرج هذه التأويلات. فنحن لم نأت بشئ من مخيَّلتنا.

وقال صلاح الدين مقبول السلفي: " فإذا كان رفع أصواتهم فوق صوته سببا

____________

1 - أليست الامثلة التي ذكرناها من اجتهادات الصحابة خير دليل على أنَّ الصحابة جعلوا أقوالهم كقول الله والرسول؟! وتأمل برزية الخميس، ألم يجعل الصحابة بقيادة عمر قولهم بجنب قول الرسول؟! وألا ترى معي أنهم قدموا قولهم على قوله؟!

وماذا سيقول الشوكاني والسلفية في الأحكام التي أصدروها ضد كل من يقدم رأيه على النص؟! ما الخبر أيها المسلمون؟ ولماذا إذا وصل الأمر إلى الصحابة تتلعثمون؟ هذا كتاب الله وهذه سنة رسوله حكموهما في هذه الحادثة - رزية الخميس - لتقيموا موقف الصحابة، فطالما دعوتم للرجوع إلى الكتاب والسنة وقياس الرجال عليهما.

فبينوا لنا حكم الله ورسوله على موقف الصحابة هذا. إن لم تجرأوا، فلننتفع بشئ من إشارات ابن القيِّم، ففي قوله تعالى * ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّـهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا ) * - الأحزاب 36.

يقول ابن القيم أحد أعلام السلفية: " فأخبر سبحانه أنه ليس لمؤمن أن يختار بعد قضائه وقضاء رسوله، ومن تخيَّر بعد ذلك، فقد ضل ضلالا مبينا " إعلام الموقعين: 1/57، والصحابة تخيروا، فانظر ماذا ترى؟!!

وفي قوله تعالى: * ( فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) *، سورة النساء: 65 قال ابن القيم: " أقسم سبحانه بنفسه، على نفي الإيمان عن العباد حتى يحكموا رسوله في كل ما شجر بينهم " إعلام الموقعين: 1/57. لكن الصحابة لم يحكموا الرسول فيما شجر بينهم بل أخذوا يردون عليه وأكثروا اللغط حتى طردهم، فليفرح ابن القيم وشيعته

2 - فالحنفية مثلا قالوا: إنَّ سهم المؤلفة قلوبهم قد سقط اعتمادا على فعل الصحابة.


الصفحة 362

 

لحبوط أعمالهم (1)، فكيف تقديم آرائهم وعقولهم وأذواقهم وسياستهم ومعارفهم على ما جاء به ورفعها عليه؟! أليس هذا أولى أن يكون محبطا لأعمالهم " (2).

بلى والله!! الحق إني أوافقك في هذا يا شيخ صلاح " إذا كان رفع أصواتهم فوق صوته سببا لحبوط أعمالهم، فكيف تقديم آرائهم وعقولهم وأذواقهم...؟ ".

ليت شعري ماذا يقول هذا الشيخ ومن معه بسلفه الذين قدَّموا آراءهم وعقولهم على قول الله وقول رسوله؟! أيقول فيهم ما قاله هنا؟! اللهم اشهد..

وقال أستاذنا القيسي: " فإنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله (3) ولرسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

أي سلم لنصوص الكتاب والسنة ولم يعترض عليها بالشكوك والشبه والتأويلات، ولم يعارضهما برأيه وبما يوصله إليه عقله " (4).

لقد صدقت يا أستاذنا. فالحمدلله الذي أنقذنا ولم يجعلنا نتبع من عارضوا الكتاب والسنة بآرائهم وبذلك سلمنا في ديننا، نسأل الله الهداية للجميع.

 

أهل السنة يخالفون السنة

لقد تمرد الصحابة على النص ولم يسلموا له، وتبعهم أهل السنة في ذلك، فحرموا نكاح المتعة تبعا لعمر، واتبعوا طريقة عمر في صلاة نافلة رمضان - التراويح - خلافا للسنة...

اللهم إلا طلاق الثلاث في مجلس واحد، فقد جعلوه طلقةً واحدة تبعا لابن تيمية الذي أفتى بذلك. وأنا أشهد بأنهم اصابوا السنة في هذه.

____________

1 - يشير بهذا إلى قوله تعالى: * ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ) * سورة الحجرات: 2، مع العلم بأنَّ هذه الآية نزلت في أبي بكر وعمر حين رفعوا أصواتهم فوق صوت النبي لقصةٍ معروفة حسبما روى لنا البخاري.

2 - تقديمه لكتاب تحفة الأنام في العمل بحديث النبي عليه‌السلام: ص 10.

3 - التحفة السنية في تهذيب شرح العقيدة الطحاوية: ص 29.


الصفحة 363

ولكن تبقى مخالفاتهم كثيرة، وسنذكر بعض الأمثلة ليرى القراء الكرام صحة ما نقوله. ويجب ان نتذكر أنَّ الميزان هو كتاب الله وسنة رسوله لاغيرهما.

 

تكبيرات صلاة الجنازة

وهذه سنَّةٌ أخرى تركها أهل السنة فهم يكبِّرون على الجنازة أربعا بدلا من خمس تكبيرات كما جاءت السنة بها.

أخرج الإمام أحمد عن عبدالأعلى، قال: " صليت خلف زيد بن أرقم على جنازة فكبر خمسا، فقام إليه أبو عيسى عبد الرحمن بن أبي ليلى فأخذ بيده فقال: نسيت؟ قال:

لا، ولكن صليت خلف أبي القاسم خليلي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فكبر خمسا فلا أتركها أبدا " (1).

وأخرج الإمام أحمد من طريق يحيى بن عبد الله الجابر، قال: صليت خلف عيسى مولى لحذيفة بالمدائن على جنازة فكبر خمسا، ثم التفت إلينا فقال: ما وهمت ولا نسيت ولكن كبرت كما كبر مولاي وولي نعمتي حُذيفة بن اليمان، صلى على جنازة وكبَّر خمسا ثم التفت إلينا فقال: ما نسيت ولا وهمت ولكن كبَّرتُ كما كبر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صلى على جنازة فكبر خمسا " (2).

قال ابن القيم: " وصح عنه - أي النبي - أنه كبر خمسا " (3).

هذه هي سنة الرسول. خمس تكبيرات، فكيف ترك أهل السنة هذه السنة مع أنهم يتغنَّون بأنهم أهلها؟ وأنا أشهد بأنَّ السلفية نادوا كثيرا بالرجوع للكتاب والسنة، ولكن للأسف كانوا هم أول من خالفهما، وهذا دليل من عشرات الأدلة على ذلك.

____________

1 - مسند أحمد: 4/370، وذكر هذه السنة السيوطي في تاريخ الخلفاء حين ذكر وفاة عمر 23 هـ‍ مطبوع بهامش تاريخ ابن الأثير، ابن الشحنة في روضة المناظر.

2 - مسند أحمد: 5/406، ورواه الحافظ الذهبي في ترجمة يحيى بن عبد الله في ميزان الاعتدال برقم 9559، راجع النص والاجتهاد: ص 214. عمدة القاري: 4/129.

3 - زاد المعاد: 1/507.


الصفحة 364
 

حي على خير العمل

هذه العبارة كانت في الأذان والإقامة اللذين جاء بهما التشريع الإسلامي، وقد يستغرب البعض من ذلك لأننا لا نسمعها. بلى، لانسمعها لأنه نهى عنها عمر بن الخطاب وتبعه أهل السنة في ذلك.

قال عمر وهو على المنبر: " ثلاث كن على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأنا أنهى عنهن وأحرمهن وأعاقب عليهن: متعة النساء، ومتعة الحج، وحي على خير العمل " (1).

وكان ابن عمر وزين العابدين علي بن الحسين عليه‌السلام يقولان في الأذان بعد حي على الفلاح، حي على خير العمل (2).

إنهم يقتطعون من الأذان عبارة " حي على خير العمل " ويضيفون عبارةً ما أنزل الله بها من سلطان " الصلاة خيرٌ من النوم " فواحسرتاه على ما حلَّ بالإسلام!

 

الجمع بين الصلاتين

ونقصد به الجمع بين الصلاتين بالحضر وبدون عذر من سفر وخوف ومرض، فتجمع صلاة الظهر مع العصر والمغرب مع العشاء، وصورة هذا الجمع مارسها النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

أخرج البخاري عن ابن عباس قال: صلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سبعا جميعا وثمانيا جميعا (3).

وفي صحيح مسلم بسنده إلى ابن عباس قال: " صلى بنا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الظهر والعصر جميعا، والمغرب والعشاء جميعا في غير خوف ولا سفر " (4).

____________

1 - السيرة الحلبية: 2/110 باب بدء الأذان ومشروعيته.

2 - المصدر السابق.

3 - 1/145: باب وقت المغرب. مسند أحمد: 1/22.

4 - صحيح مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الجمع بين الصلاتين في الحضر.


 

الصفحة 365

 

وروى مالك في موطأه عن نافع أنَّ عبد الله بن عمر قال: " كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا أعجل به المسير يجمع بين المغرب والعشاء " (1).

وروى مالك عن ابن عباس أنه قال: صلَّى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الظهر والعصر جميعا، والمغرب والعشاء في غير خوف ولا سفر (2).

فهذه الروايات تدل بما لا يدع مجالا للشك فيه على أنَّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يجمع الظهر والعصر معا والمغرب والعشاء معا بدون سبب.

وقد يقول قائلٌ: إنَّ فعل النبي هذا استثناء وليس تشريعا، نقول: إنَّ هذا الكلام لا دليل عليه وحبر الأمة ابن عباس أوضح الحكمة من الجمع، فقد أخرج مسلم عن ابن عباس قال: جمع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر قال: قلت لابن عباس: لم فعل ذلك قال: كي لا يحرج أمته " (3) وفي رواية قال: " لئلا يكون على أمته حرج " (4). فعبارة ابن عباس هذه تدل على سبب الجمع وهو الترخيص للعباد ورفع الحرج عنهم. ولا يقال إنَّ هناك سببا خفي على ابن عباس، ولو كان لعلمه فهو أعرف منا بالرسول. وهل نترك اليقين ونأخذ بالظن؟!

وفي رواية عن ابن مسعود أوضح النبي الحكمة من الجمع حيث قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم:

" صنعت هذا - أي الجمع - لئلا تحرج أمتي " (5). وقد يقال إنَّ هذا الحكم منسوخٌ. قلنا لايوجد دليل على النسخ ولو وجد الناسخ لما جمع ابن عباس والسلف الصالح.

روى مسلم في صحيحه قال: خطبنا ابن عباس يوما بعد العصر حتى غربت

____________

1 - 1/260 وما بعدها من شرح الموطأ للزرقاني.

2 - 1/260 وما بعدها من شرح الموطأ للزرقاني..

3 - صحيح مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الجمع بين الصلاتين في الحضر.

4 - سنن النسائي بشرح الحافظ جلال الدين السيوطي وحاشية الإمام السندي: 1/290، وقال السيوطي في شرحه للحديث: " قوله (لئلا يكون على أمته حرج) أي لئلا يتحرج من يفعل ذلك من أمته ".

5 - شرح الموطأ، الزرقاني: 1/263، ورواه الطبراني، وهذه العلة مروية عن معاذ بن جبل.


 

الصفحة 366

 

الشمس وبدت النجوم وجعل الناس يقولون: الصلاة الصلاة، قال: فجاءه رجل من بني تميم لا يفتر ولا ينثني الصلاة الصلاة، فقال ابن عباس: أتعلمني بالسنة لا أمَّ لك ثم قال:

رأيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء.

وفي رواية قال ابن عباس للرجل: " لا أم لك أتعلمنا بالصلاة وكنا نجمع بين الصلاتين على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " (1).

أخرج البخاري قال: " سمعت أبا أمامة يقول: صلينا مع عمر بن عبد العزيز الظهر ثم خرجنا حتى دخلنا على أنس بن مالك فوجدناه يصلي العصر فقلت: يا عم ما هذه الصلاة التي صليت؟ قال العصر وهذه صلاة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم التي كنا نصلي معه " (2).

إنَّ حبر الأمة ابن عباس يقول: " وكنا نجمع بين الصلاتين على عهد رسول الله " وأنس يقول: " هذه صلاة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم التي كنا نصلي معه " فلا يبقى هناك حجةً للمعاندين ليرفضوه، فالنصوص قطعية الدلالة على الجمع بدون عذر ولا عبرة بأي تأويل لها إذ لا دليل عليه. نقل النووي عن الترمذي قوله في آخر كتابه: " ليس في كتابي حديث أجمعت الامة على ترك العمل به! إلا حديث ابن عباس في الجمع بالمدينة من غير خوف ولا مطر! " (3) الحق أنَّ عجبي لا يكاد ينقضي من أهل السنة، فمع ورود الأحاديث الصحيحة في الجمع إلا أنهم يحرمون الجمع بين الصلاتين بدون سبب (4) فانظر هداك الله إلى موقفهم من هذه السنة، وكيف ضيقوا على الناس ومنعوهم من الجمع.

____________

1 - 2/153.

2 - كتاب مواقيت الصلاة، باب وقت العصر.

3 - شرح النووي على مسلم: 15/218.

4 - قال النووي في شرحه على مسلم 15/219: " وذهب جماعة من الأئمة الى جواز الجمع في الحضر للحاجة لمن لايتخذه عادة " والتقييد هذا لادليل له، وقد واجهت أحد كبار المفتين في الأردن - في قاعة الدرس - بحديث ابن عباس فكان جوابه: لو نجمع لصرنا مثل الشيعة!.


 

الصفحة 367

 

ولا أدري لماذا يمنع علماء أهل السنة الناس من الجمع بين الفريضتين وقد فعل النبي ذلك؟!

وكيف يمنعون ما أجازه النبي؟ وأين التسليم لنصوص الكتاب والسنة وقد تركوا هذه السنة وحرموا العباد من يسرها؟!

 

كلام أئمة السنة في ترك السنة

وحتى يثبت لك أنَّ أهل السنة تركوا السنة فإليك بعض أقوال أئمتهم التي هي كالشمس عند الزوال في جواز ترك السنة بلا جدال.

يقول ابن تيمية: " ومن هنا ذهب من ذهب من الفقهاء إلى ترك بعض المستحبات إذا صارت شعارا لهم - يقصد الشيعة - فإنه وإن لم يكن الترك واجبا لذلك لكن في إظهار ذلك مشابهة لهم فلا تميز السني من الرافضي " (1).

وقال الغزالي والماوردي: " إنَّ تسطيح القبور هو المشروع لكن لما جعله الرافضة شعارا لهم عدلنا إلى التسنيم " (2).

وقال الشيخ محمد بن عبد الرحمن الدمشقي في كتاب (رحمة الأمة في اختلاف الأئمة): " السنة في القبر التسطيح، وهو أولى على الراجح من مذهب الشافعي وقال أبو حنيفة ومالك وأحمد: التسنيم أولى لأن التسطيح صار شعارا للشيعة " (3).

وقال الحافظ العراقي في بيان كيفية إسدال العمامة: فهل المشروع إرخاؤه من الجانب الأيسر كما هو المعتاد أو الأيمن لشرفه؟ لم أر ما يدل على تعيين الأيمن إلا في حديث ضعيف عند الطبراني، وبتقدير ثبوته فلعله كان يرخيها من الجانب الأيمن ثم

____________

1 - منهاج السنة: 2/143.

2 - الغدير: 1/210.

3 - هامش الميزان، الشعراني: 1/88.


الصفحة 368

 

يردها إلى الجانب الأيسر كما يفعله بعضهم، إلا أنه صار شعارا للإمامية فينبغي تجنبه لترك التشبه بهم " (1).

وقال مصنف الهداية من الحنفية: " إنَّ المشروع، التختم في اليمين ولكن لما اتخذته الرافضة، جعلناه في اليسار " (2).

وقال الشيخ اسماعيل البروسوي عن يوم عاشوراء: " المستحب في ذلك اليوم فعل الخيرات من الصدقة والصوم والذكر وغيرهما، ولا ينبغي للمؤمن أن يتشبه بيزيد الملعون في بعض الأفعال، وبالشيعة والروافض والخوارج أيضا. يعني لا يجعل ذلك اليوم عيدا أو يوم مأتم، فمن اكتحل يوم عاشوراء فقد تشبه بيزيد الملعون وقومه، وإن كان للاكتحال في ذلك اليوم أصل صحيح، فإن ترك السنة سنةٌ، إذا كان شعارا لأهل البدع كالتختم باليمين، فإنه في الأصل سنة لكنه لما كان شعار أهل البدع والظلمة، صارت السنة أن يجعل الخاتم في خنصر اليد اليسرى في زماننا كما في شرح القهستاني ومن قرأ يوم عاشوراء وأوائل المحرم مقتل الحسين رضي‌الله‌عنه، فقد تشبه بالروافض، خصوصا إذا كان بألفاظ مخلة بالتعظيم لأجل تحزين السامعين، وفي كراهية القهستاني: لو أراد ذكر الحسين ينبغي أن يذكر أولا مقتل سائر الصحابة لئلا يشابه الروافض " (3).

وقال ابن حجر العسقلاني: " تنبيه: اختلف في السلام على غير الأنبياء بعد الاتفاق على مشروعيته في تحية الحي، فقيل يشرع مطلقا. وقيل، بل تبعا لا يفرد لواحد لكونه شعارا للرافضة " (4) ونقله النووي عن الشيخ أبي محمد الجويني.

____________

1 - شرح المواهب، الزرقاني: 5/13.

2 - الغدير، ج 11.

3 - تفسير روح البيان: 4/142، ونقله عن عقد الدرر واللئالئ: في فضل الشهور والأيام والليالي لشهاب الدين أحمد بن أبي بكر الحموي، راجع الغدير: 10/211.

4 - فتح الباري: 11/142.


 

الصفحة 369

 

وقال الزمخشري: " القياس جواز الصلاة على كل مؤمن لقوله تعالى: ( هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ ). وقوله تعالى: ( وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ ). وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم:

" اللهم صل على آل أبي أوفى ". ولكن للعلماء تفصيلا في ذلك وهو: إنها إن كانت على سبيل التبع كقولك صلى الله على النبي وآله فلا كلام فيها، وأما إذا أفرد غيره من أهل البيت بالصلاة كما يفرد هو فمكروهٌ، لأن ذلك شعار لذكر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، ولأنه يؤدي إلى الاتهام بالرفض، وقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقفن مواقف التهم " (1).

 

وقفة مهمة

لا يدري المرء ما يقول أمام هذه الأقوال، فكيف يسوغ المسلم لنفسه أن يفتي بترك سنة الرسول وتبديلها لوجود طائفة معينة اتبعت هذه السنة؟!

هذا شيخ الإسلام وذاك حجة الإسلام وآخر أمير المؤمنين في الحديث، أهكذا يكون أمناء الله على دينه؟! وهل يجوز ترك السنن لأن الشيعة اتبعت هذه السنن؟! إذن لماذا لا يذعنون للحقيقة التي تؤكد على أنَّ الشيعة هم أهل السنة؟!

إنَّ ابن تيمية قد جوز ترك بعض المستحبات، والغزالي والماوردي عدلا إلى تسنيم القبور، وآخر جعل الخاتم في يساره، وآخرون لا يرون الصلاة على أهل البيت بمفردهم، لأنه يؤدِّي ألى الاتهام بالرفض... وكل هذا منهم كان عنادا للشيعة الذين اتبعوا السنة بشهادتهم.

إنَّ أول من تختَّم باليسار هو معاوية بن أبي سفيان (2) فلا أدري، مايقولون في حجته. فهل فعل ذلك خوفا من التشبه بالشيعة أم من علي عليه‌السلام؟

____________

1 - تفسير الكشاف: 2/439.

2 - ذكر ذلك الزمخشري في ربيع الأبرار.


الصفحة 370

 

وكيف يكون الإنسان من أهل السنة وقد تركها واستبدل بها ما يروق له؟ وكأن هذه السنن (باروكة) توضع على الرأس وترفع حسب المزاج!

قال تعالى: ( وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) (1) هذا سيد الخلق صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يجيز الله له تغيير شئ ولا تبديله، وعلماء أهل السنة السالفون جوزوا لأنفسهم ما لم يجوزه الله لنبيه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم!!

أنت ترى أخي المسلم أنَّ هؤلاء العلماء بأقوالهم هذه خرجوا على النص وقدموا آراءهم عليه.

 

النتيجة

لقد أثبتنا أنَّ كثيرا من الصحابة لم يكونوا يسلمون للنص كما يزعم السلفية وأنهم تركوا السنة وقدَّموا آراءهم على النص واجتهدوا فيما لا يجوز فيه الاجتهاد، وتبعهم السلفية في ذلك وشاركوهم في هذا المضمار، وهذا أمر أثبتناه بالأرقام والحروف ولا يستطيع أحدٌ أن يماري فيه.

ولهذا نجد أنَّ الدعامة الأساسية للفكر السلفي - التسليم للنص - هذه الدعامة لا وجود لها في واقع الأمر عندهم، وهم يعلمون هذا ولكنهم يصرون على ما يقولون.

أما أولئك الذين لم يكونوا على علم بهذه الحقائق ممن صلحت سرائرهم وأحبوا دينهم، فنسأل الله لهم الهداية إنه نعم المولى ونعم النصير.

____________

1 - يونس: 15.


 

الصفحة 371

 

مناقشة أدلة السلفية على صحّة منهجهم

ما أنا عليه وأصحابي:

يستدل السلفية على صحة مذهبهم بما يروون عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: " ستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدةٌ في الجنة، قالوا: ومن هي يا رسول الله؟

قال: ما أنا عليه وأصحابي " (1).

يصح هذا الحديث إذا عرفنا أنَّ الصحابة المقصودين في الحديث، هم الذين اتبعوا النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حياته وبعد مماته، ولم يبدلوا ويحدثوا. فهؤلاء ومن اتبعهم هم الفرقة الناجية، ولكن كيف نتمكن من معرفتهم بعد ما روى لنا البخاري أنَّ القسم الأكبر من الصحابة يساقون إلى النار ولا يبقى منهم إلا القليل؟! (2) فحديث " ما أنا عليه وأصحابي " مخصص بحديث الحوض المتواتر. فبينوا لنا الصحابة الناجين من الصحابة الهالكين، حتى نتّبع الناجين ونسير على نهجهم. فعدم

____________

1 - قال أحمد سعد حمدان في هذا الحديث: " سنده ضعيف " فيه عبد الرحمن بن زياد وهو " ضعيف "، راجع:

التهذيب: 6/173. شرح أصول اعتقاد أهل السنة: ص 80.

وقد وجدنا النبي في روايات أهل السنة يحدِّد الناجية: " بالجماعة " ومرة " بالسواد الأعظم " ولم يرتق من هذه الروايات حديث إلى درجة الصحة، راجع شرح أصول اعتقاد أهل السنة، تحقيق أحمد سعد حمدان: ص 84 - 92.

ولا يعني بالجماعة على افتراض صحة الروايات التي تحدد الناجية بالجماعة، الكثرة.

قال عمرو بن ميمون لعبدالله بن مسعود: أو كيف لنا بالجماعة؟! فقال: يا عمرو بن ميمون... إنما الجماعة ما وافق طاعة الله وإن كنت وحدك، المصدر السابق: ص 109.

2 - راجع مبحث عدالة الصحابة.


الصفحة 372

 

إحرازنا معرفة الناجين من الصحابة يوجب علينا التوقف عن الأخذ عنهم.

ولكنَّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يخفى عليه هذا الإشكال فجعل لنا معياراً لمعرفة الصحابة المؤمنين - الناجين - فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: " يا علي لا يحبك إلاّ مؤمن ولا يبغضك إلاّ منافق " وقال: " حب علي إيمان وبغضه نفاق ".

فحب علي بن أبي طالب عليه‌السلام، علامة الإيمان والنجاة، فلينظر كل مسلم إلى محبي علي، ويتجنب أعداءه ومقاتليه!!

( وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ )

" وإنما نجا من نجا، وينجو من هذه الأمة بسبب كونه على ما عليه النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولا عبرة بكونه على ما عليه غيره كائنا من كان، وإن كان من أهل النجاة، لأنه أيضا إنما نجا بكونه على ما عليه النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، فما معنى قوله وأصحابي؟ " (1).

والصحابة اختلفوا فيما بينهم، بعد وفاة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، فإذا بكل واحد منهم له مذهبٌ ورؤى معينة، حتى صاروا أكثر من سبعين مذهبا. فهل مذاهبهم هذه، هي ما كان عليه النبي؟!

 

(إنَّ هذه تذكرة)

ومن يشاقق الرسول:

ويستدلون دائما بقول الله تعالى: ( وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ) (2).

قالوا: سبيل المؤمنين، هو سبيل الصحابة.

ونحن نقول: نعم، من يتَّبع غير سبيل الصحابة المؤمنين الثابتين الذين لم يبدِّلوا ولم يرتدّوا، فمصيره إلى جهنم وساءت مصيرا.

ولكن حدثنا البخاري أنه لا يبقى من الصحابة مع الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلاّ مثل همل النعم.

____________

1 - لطف الله الصافي، لمحات في الكتاب والمذهب.

2 - النساء: 115.


 

الصفحة 373

 

فكيف يمكن لنا أن نفرز الصحابة المؤمنين من الصحابة الهالكين؟! فالإشكال في الدليل السابق يرد على هذا الدليل، فعدم إحرازنا الصحابة الناجين، يوجب علينا التوقف عن اتّباعهم، ولكن كما قلنا نستطيع أن نحرز المؤمنين ونميّزهم عن غيرهم، وهم الذين وقفوا مع علي عليه‌السلام وأحبّوه. وكفى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي تكفَّل بإعطائنا الحل حكما، ومن الذي يرفض كلام النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم؟!

ولكي يلجأ المسلم إلى ركن وثيق، فعليه أن يتَّبع أقوال الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في جعل عليِّ فاصلا بين المؤمنين وغيرهم، ويريح نفسه من التأويلات!

 

خلاصة الأبحاث السابقة

نستطيع أن نقول اعتمادا على ماسبق: إنَّ هذا المنهج - منهج أهل السنة والجماعة - ليس هو المنظومة الإلهية التي وضعها الله بعد نبيه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، فكثرة الثغرات التي فيه والإشكالات التي تعرَّض لها تخرجه عن كونه أطروحة الإسلام الصحيحة.

فلقد قلنا في بداية الكتاب، إنَّ الأطروحة الإلهية كاملة لا نقص بها ولا إشكالات واقعية ولا مطبات، وما مر عليك خير دليل على احتواء هذا المنهج لهذه السلبيات.

فاكمل معنا مشوارك - قارئي العزيز - لنرى بوّابة الإسلام الصحيحة التي رسمها الله لنا فنطرقها وندخل منها إلى سماء الإسلام الذي نزل على محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

( ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ) (1).

( فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) (2).

( وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّـهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ ) (3).

( وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ).

____________

1 - الجاثية: 8.

2 - هود: 112.

3 - الرعد: 37.


الصفحة 374

 

الباب الثالث

مدرسة آل البيت عليهم‌السلام

 

الفصل الأول

شهادات


 

الصفحة 375
 
الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة