الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة 251

 

الله في كتابه. هكذا قال القرآن في الصحابة، فأي القولين أولى أن يتبع قول أهل السنة في صحة عدالتهم أم.. قول الله عزوجل في نفي العدالة عن الكثير منهم، وقوله الحق؟!

 

الصحابة في السنّة

الصحابة والارتداد:

أخرج البخاري " عن أبي وائل، قال: قال عبد الله: قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: " أنا فرطكم على الحوض، ليرفعنَّ إليَّ رجالٌ منكم حتى إذا أهويت لأُناولهم اختلجوا دوني، فأقول:

أي ربَّ أصحابي، فيقول: لا تدري ما أحدَثوا بعدَك (1).

وعن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: " بينما أنا قائم فإذا زمرة، حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، قال: هلُّم، قلت: أين؟ قال: إلى النار والله، قلت: وما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدّوا بعدك على أدبارهم القهقرى، فلا أراه يخلَّص منهم إلاّ مثل همل النعم " (2).

وأخرج مسلم عن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: " أنا فرطكم على الحوض ولأنازعنَّ أقواما ثم لاغلبنَّ عليهم، فأقول: يارب أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك " (3).

وفي تاريخ ابن كثير قال: أخرج البيهقي عن أبي الدرداء، قال: " قلت:

يارسول الله بلغني إنك تقول: (ليرتدن أقوام بعد إيمانهم) قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: " أجل ولست منهم ".

وقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: " إنَّ من أصحابي من لا يراني بعد أن افارقه " (4).

هذه الأحاديث تعرَف بأحاديث الحوض، وهي متواترةٌ ولها طرقٌ أخرى

____________

1 - كتاب الفتن، ماجاء في قوله تعالى: * ( وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً ) *.

2 - المصدر السابق: كتاب الرقاق، باب في الحوض.

3 - كتاب الفضائل، باب اثبات حوض نبينا صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وصفاته.

4 - سلسلة الأحاديث الصحيحة: 6/1202، رقم الحديث 2982.


 

الصفحة 252

 

لا يتَّسع المقام هنا لعرضها. وقد صرَّحت هذه الأحاديث بأنَّ الصحابة سيدخلون النار ولا يبقى منهم إلا القليل، كما يتضح لنا ذلك في تشبيههم بهمل النعم.

ويبدو لنا أنَّ هذه الأحاديث أقلقت مضاجع أهل السنة، ففسَّروها بالمنافقين والمرتدِّين، ولكن هذا التفسير بعيدٌ عن معطيات الأحاديث، ولا يصح، وذلك لأسباب نذكر منها:

أولا: إنَّ المنافقين قليلون، لايزيد عددهم على عدد أصابع اليدين، عند أهل السنة، وهو يناقض قول الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حديث الحوض: (فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم) وهو قول يؤكد على نجاة القليل منهم، وفي رواية: قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم:

(ولأنازعن أقواما ثم لأغلبن عليهم)، فتأمل كلمة " أقواما "، ليسوا عشرة ولا مائة، إنما هم أقوامٌ!

وحتى إذا فسرنا الحديث الشريف هذا بأنه يشير الى المنافقين والمرتدين، فهو يعني أنَّ كثيرا من الصحابة منافقون ومرتدون. وهذا ما ينطق به ماجاء في نص الحديث:

(فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم)!! وكفى بقول الرسول حجةً. فأين أهل السنة من هذه الحقيقة؟ وهل سيسلمون بها؟ إنَّ التأويل غير مجد هنا، بل يوقع صاحبه في مطبات لا تحمد عقباها. فمن فسر الذين ورد ذكرهم في الحديث بالمنافقين والمرتدين، فهو كالذي اختبأ من المطر، ولكنه وقف تحت الميزاب!!

ثانيا: هناك أحاديث مفسرةٌ لهذا الحديث بما لا يبقى معه مجال لتأويل الحديث بالشكل الذي يؤدّي الى غرضهم في الحفاظ على نزاهة الصحابة. والأحاديث يفسر بعضها بعضا.

روى البخاري بسنده عن العلاء بن المسيب عن أبيه، قال: لقيت البراء بن عازب (رضي الله عنهما)، فقلت: طوبى لك صحبت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبايعته تحت الشجرة.

فقال: يابن أخي، إنك لا تدري ما أحدثنا بعده " (1)!!

____________

1 - كتاب المغازي: رقم الحديث 3852.


الصفحة 253

وأخرج الحاكم أنَّ عائشة قالت: " إني قد أحدثت بعد رسول الله " (1).

وروى ابن حجر " عن العلاء بن المسيب عن أبيه عن أبي سعيد، قلنا له: هنيئا لك برؤية رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وصحبته. فقال: إنك لا تدري ما أحدثنا بعده " (2).

وروى مالك في الموطأ عن مولى عمر بن عبيدالله: انه بلغه أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لشهداء أحد: (هؤلاء أشهد عليهم). فقال أبو بكر الصديق: ألسنا يارسول الله إخوانهم، أسلمنا كما أسلموا وجاهدنا كما جاهدوا؟ فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: (بلى، ولكن لا أدري ما تحدثون بعدي) فبكى أبو بكر، ثم بكى، ثم قال: " أئنا لكائنون بعدك؟ " (3).

وقال أنس بن مالك: ما أعرف شيئا مماكان على عهد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم! قيل: الصلاة، قال: أليس ضيَّعتم ما ضيعتم فيها (4)؟

وأخرج البخاري عن الزهري قال: " دخلت على أنس بن مالك بدمشق وهو يبكي فقلت: ما يبكيك؟ فقال: لاأعرف شيئا مما أدركت إلا هذه الصلاة وهذه الصلاة قد ضيِّعت " (5).

وأخرج البخاري قال: سمعت سالما قال: سمعت أم الدرداء تقول: دخل عليَّ أبو الدرداء وهو مغضب، فقلت: ما أغضبك؟ فقال: والله ما أعرف من أمة محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شيئا إلا انهم يصلّون جميعا (6).

____________

1 - مستدرك الحاكم: 4/6، وصححه وكذا الذهبي في تلخيص المستدرك.

2 - الإصابة: 3/84.

3 - 2/462 كتاب الجهاد - باب الشهداء في سبيل الله. وقال ابن عبد البر عن الحديث: " مرسل عند جميع الرواة لكن معناه يستند من وجوه صحاح كثيرة " ذكر ذلك فؤاد عبد الباقي راجع الموطأ: 2/4.

4 - صحيح البخاري: كتاب مواقيت الصلاة، باب تضييع الصلاة.

5 - المصدر السابق.

6 - صحيح البخاري: كتاب الأذان، رقم الحديث 613.


 

الصفحة 254

 

وأخرج البخاري عن أبي سعيد الخدري " قال: كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، فأول شئ يبدأ به الصلاة، ثم بعد ذلك يعظ الناس، فلم يزل الناس على ذلك، حتى خرجت مع مروان وهو أمير المدينة في أضحى أو فطر، فأراد أن يرتقي المنبر قبل أن يصلي، فجذبت بثوبه، فجذبني فارتفع، فخطب قبل الصلاة.

فقلت له: غيرتم والله، فقال: يا أبا سعيد قد ذهب ما تعلم... " (1).

ومن حديث لجابر بن عبد الله رضي‌الله‌عنه: " ما منا أحد إلا غير " (2).

وقال أعين ابن امرأة الفرزدق لعثمان: " يا نعثل بدَّلتَ " (3).

كل هذه النصوص تؤكِّد على أنَّ الذين أحدثوا، هم من صحابة رسول الله من غير المنافقين والمرتدين. ففي حديث الحوض يقال للنبي: (انك لا تدري ما أحدثوا بعدك)، والبراء يقول: إنك لا تدري ما أحدثناه (4) بعده، وعائشة تقول: إني قد أحدثت بعده، وقال أبو سعيد الخدري غيرتم والله، والرسول نفسه لم يشهد لأبي بكر ومَن قاتل في أحد ويقول: (ولكن لا أدري ما تحدَثون بعدي)!

وهذا أنس يقول: ما أعرف شيئا مما كان على عهد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، وقوله هذا يدل على أنَّ كل شئ تغير وبدل، وحتى الصلاة ضيعت!!

وهذا أبو الدرداء يقول: والله ما أعرف من أمة محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شيئا إلا أنهم يصلون جميعا. وهو اصرح قول في أنَّ أهل القرون الأولى تركوا من السنة أشياء كثيرة، واحدثوا بدلا منها بدعا. وجابر يقول: ما منا أحد إلا غيّرَ...

____________

1 - المصدر السابق: ج 2 - باب الخروج إلى المصلى بغير منبر.

2 - مستدرك الحاكم: 3/560.

3 - مجمع الزوائد: 7/463.

4 - إن البراء يتكلم عن الإحداث بعد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بتعبير الجمع " أحدثناه " فشمل قوله هذا إخوانه من الصحابة " العدول "..


 

الصفحة 255

 

ثالثا: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: (لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضَبِّ لسلكتموه)، قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال:

فمن؟ " (1).

يؤكد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في هذا الحديث على أنَّ كثيرا من الصحابة - وهم الموجه لهم الخطاب قبل غيرهم - سيتبعون سنن اليهود والنصارى. وإحداث أهل الكتاب بعد أنبيائهم عليهم‌السلام يعرفه القاصي والداني. فالصحابة - مما نستنتجه من قول النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - سيحدَثون أمورا كبني إسرائيل. وإن لم يحدَثوا مثلهم لكان كلام النبي كذبا - والعياذ بالله - فهم إذن، مثل اليهود والنصارى، قد أحدثوا أشياء استحقّوا بها دخول النار.

رابعا: إذا قلنا: إن المقصود بحديث الحوض هم المرتدون، فهذا أسوأ، إذ كيف يرتد الصحابي الذي شاهد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، وتبرك برؤيته فتطهر قلبه وعدله الله في القرآن؟!

فإذا جاز ارتداد الصحابي بعد صحبته للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلاعبرة بالصحبة ولاقيمة لها (2)!!

فأحاديث الحوض هذه، تنقض نظرية عدالة جميع الصحابة دون شك، لأن العادل لا يدخل النار!

 

الصحابة يتنزَّهون عن فعل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم!!

قالت عائشة: صنع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شيئا فرخص فيه: فتنزَّه عنه قومٌ، فبلغ ذلك النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فخطب فحمد الله، ثم قال: " ما بال أقوام يتنزهون عن الشئ أصنعه؟!

فوالله إني لأعلمهم بالله، وأشدّهم له خشية " (3).

____________

1 - صحيح البخاري: كتاب الأنبياء، باب ماذكر عن بني اسرائيل.

2 - والرسول يقول: (لاترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض) صحيح البخاري: كتاب الفتن، باب قول النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض. هل قال كلامه هذا عبثا، والعياذ بالله!!

3 - صحيح البخاري: كتاب الأدب، رقم الحديث 5636.


 

الصفحة 256

 

وقال ابن حجر في فتحه: " نقل ابن التين على الداودي أنَّ التنزه عما ترخص فيه النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من أعظم الذنوب، لأنه يرى نفسه أتقى لله من رسوله. قلت: لا شك في إلحاد من اعتقد ذلك " (1).

فكيف يمكن لنا أن نعتقد بعدالة هؤلاء الذين يتنزهون عن صنع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم؟!

هذا ابن حجر قد سمَّى فعلهم إلحادا!! وشتَّان ما بين العدالة والإلحاد!

 

أولئك هم العصاة:

عن جابر " إن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خرج إلى مكة عام الفتح في رمضان وصام حتى بلغ كراع الغميم يعني (2) وصمنا معه، فقيل: إن الناس قد شق عليهم الصيام وإنما ينتظرون ما تفعل، فدعا بقدح من ماء بعد العصر فشرب والناس ينظرون فافطر الناس وصام بعض، فبلغه أن ناسا صاموا، فقال: " اولئك هم العصاة " مرتين " (3).

لقد قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في اولئك الصحابة: أولئك هم العصاة، ولكن أهل السنة يقولون: أولئك هم العدول!

 

الصحابة في غزوة أحد:

أول حدث يهمنا في غزوة أحد، هو تخلف ثلث الجيش عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم. وثاني حدث هو هروب الصحابة من المعركة، وتركهم النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بين سيوف المشركين ورماحهم، ولم يبق مع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلا أربعةٌ، ويقال أثنا عشر رجلا، على رأسهم علي بن أبي طالب، فكسرت رُباعيَّة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، وشُجَّ في رأسه (4).

____________

1 - فتح الباري: 13/216 - 217.

2 - هكذا في سنن البيهقي والظاهر أنها بمنى.

3 - السنن الكبرى، البيهقي: 4/246، قال: رواه مسلم في الصحيح. إمتاع الأسماع، المقريزي 1/365.

4 - صحيح مسلم: كتاب الجهاد والسير، باب غزوة أحد 5/175.


الصفحة 257

 

وثالث حدث في هذه الغزوة هو ترك الرماة لمواقعهم. فالرسول جعل خمسين من الرماة يحمون ظهور المسلمين، ولكنهم بعد انهزام المشركين، تركوا أمكانهم طمعا في الغنائم التي أسرعوا إليها بالرغم من تشديد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليهم بالبقاء في مواقعهم، وإن كانت الدائرة للمسلمين.

وفي غزوة حنين، فرَّ عشرة آلاف صحابي، وبقي مع النبي سبعة على رأسهم عليٌّ، ونزل القرآن يوبخهم. وشارك عمر بن الخطاب الناس في الفرار (1)!

إنه حقا لأمر عجيب: أن لا يبقى من العشرة آلاف إلا سبعة! فمن لا يصدق بأن الصحابة لا يبقى منهم مع النبي في الجنة إلا مثل همل النعم، فليسأل أحداً وحنينا، ففيهما الخبر اليقين!

 

عدالة الصحابة في السنة:

إن القرآن ينقض نظرية عدالة الصحابة، والسنة النبوية: لم تبق من الصحابة مع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الجنة إلا مثل همل النعم. لكن أهل السنة أدخلوا الصحابة كلهم في الجنة، فتأمل المفارقة بين حكم الله ورسوله وحكم أهل السنة!

وأضف لما سبق تنزه قسم من الصحابة عن فعل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، وهذا كما قال ابن حجر إلحاد،! ووصف الرسول قسما منهم بأنهم عصاة...

وأن ماعز بن مالك الأسلمي، زنى ورجمه النبي، ولم أسمع أحدا يحسب الزنى من العدالة!! وجلد عمر قدامة بن مضعون لأنه شرب الخمر (2)، وشرب الخمر ليس من العدالة. ألا يكفي كل ذلك، لنقضي نظرية عدالة الصحابة، عند أهل السنة؟! بلى يكفي.. ومع هذا سنلقي المزيد من الضوء على تهافت هذه النظرية؟

____________

1 - صحيح البخاري - كتاب المغازي: 5/101، مع أن الشيطان يهرب من عمر!!

2 - راجع ترجمة ماعز وقدامة في الإصابة: 5/233 و 6/16.


 

الصفحة 258

 

الفصل الخامس

الصحابة في حياة النبي


 

 


الصفحة 259

 

الصفحة 260

 

الصحابة يقتلون رجلاً في الحرم!

عن أبي شريح بن عمر: " إنَّ أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قتلوا رجلا من هذيل كانوا يطلبونه بذحل في الجاهلية في الحرم - وهو - يؤم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ليبايعه على الاسلام فقتلوه، فلما بلغ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قتله، غضب أشدُّ الغضب، فسعت بنو بكر إلى أبي بكر وعمر (1) وأصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يستشفعون بهم إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله وسلم) فلما كان العشي قام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الناس فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: أمَّا بعدُ فإنَّ الله عز وجل حرم مكة ولم يحرمها الناس وإنما أحلها لي ساعة من النهار ثم هي حرام كما حرمها الله أول مرَّةٍ، وإنَّ أعتى الناس على الله ثلاثةٌ: رجل قتل فيها، ورجل قتل غير قاتله، ورجل طلب بذحل الجاهلية، وإني والله لأدين هذا الرجل الذي أصبتم " (2).

هؤلاء بعض الصحابة، لم يصغوا لنداء السماء الذي حرم هذا النوع من القتل، بل تعدّوا ذلك وقتلوا رجلا داخل الحرم، فأين عدالة هؤلاء وأمثالهم الذين كانوا يغضبون الله ورسوله؟!

 

سلَّم رجل على الصحابة فقتلوه!

عن ابن عباس (3) قال: " مر رجل من بني سليم على نفر من أصحاب النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومعه غنم له فسلم عليهم، فقالوا: ما سلَّم عليكم إلا ليتعوَّذ منكم فعمدوا اليه فقتلوه واخذوا غنمه... " (4).

____________

1 - سنن البيهقي: 8/71 و 9/123.

2 - مستدرك الحاكم: 3/235، قال: هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه، سنن الترمذي: 4/307.

سنن البيهقي: 9/115.


الصفحة 261

هؤلاء الصحابة سَلَّم عليهم رجل فقتلوه، فهل هذا من أخلاق ردِّ التحية في الإسلام، والتي نزل بها القرآن وعلمهم إياها النبي؟

 

صحابي يحب وفاة النبيّ!!

عن ابن عباس رضي‌الله‌عنه قال: " قال رجل من أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم): لو قد مات رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لتزوَّجت عائشة أو أم سلمة فأنزل الله عز وجل ( وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّـهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّـهِ عَظِيمًا )!! (1) ".

نفهم من كلام الصحابي هذا أنه كان يتمنى أو ينتظر وفاة النبي كي يتزوج من نسائه، ولكن الله أحبط أمانيه حين حرم الزواج من نساء النبي، فكيف تمَّ تعميم العدالة على جميع الصحابة مع وجود هذا وأمثاله؟

 

صحابةٌ ينتحرون!

جاء في سنن البيهقي من حديث أحمد بن يونس قال: مرض رجل فصيحَ عليه، فجاء رجل إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: إنه مات، قال: (وما يدريك؟) قال: إنه صِيحَ عليه، قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: (إنه لم يمت) ثم انطلق الرجل فرآه قد نحر نفسه بمشاقص!

فانطلق إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فاخبره انه مات، فقال: (ما يدريك؟) قال: رأيته نحر نفسه بمشاقص، قال: (اذن لا أصلِّي عليه) (2).

وعن سعيد بن المسيب: " إنَّ أبا هريرة قال: شهدنا مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خيبر، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لرجل ممن يدَّعي الإسلام: " هذا من أهل النار "، فلما حضر

____________

1 - سنن البيهقي: 7/69، والآية في سورة الأحزاب: 53.

2 - 4/19، وقال: رواه مسلم في الصحيح عن عون بن سلام مختصرا، وقريب من هذا النص في سنن ابن ماجة: 1/488.


 

الصفحة 262

 

القتال، قاتل الرجل أشد القتال حتى كثرت به الجراح فاثبته، فجاء رجل من أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت الرجل الذي ذكرت أنه من أهل النار قد والله قاتل في سبيل الله أشدَّ القتال وكثرت به الجراح، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: " أما إنه من أهل النار "، وكاد بعض الناس يرتاب، فبينا هو على ذلك وجد الرجل ألم الجراح فأهوى بيده إلى كنانته فاستخرج منها سهما فانتحر به!... " (1).

وهكذا يلقي العدول بأنفسهم الى التهلكة!!

 

رزية الخميس

أخرج البخاري بالأسناد إلى ابن عباس، قال: " يوم الخميس، وما يوم الخميس، اشتد برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وجعه. فقال: ائتوني اكتب لكم كتابا لن تضلِّوا بعده أبدا، فتنازعوا، ولا ينبغي عند نبيّ تنازع. فقالوا: ما شأنه أهجر؟ استفهموه فذهبوا يردون عليه، فقال: " دعوني فالذي أنا فيه خيرٌ مما تدعونني إليه " (2).

وفي رواية أخرى للبخاري، إنَّ الذي ردَّ على رسول الله طلبه، عمر بن الخطاب، حيث قال: " إنَّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن، حسبنا كتابَ الله " (3).

وفي صحيح مسلم كان ردهم: إنَّ رسول الله يَهجُر (4).

إنَّ أول من رد على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ورفض طلبه عمر بن الخطاب كما في رواية البخاري وغيرها مما لم نذكر، ولم يكتف برفض طلبه بل اتَّهمه بالهجران، وقد اختلفت

____________

1 - السنن الكبرى، البيهقي: 8/197، صحيح مسلم: كتاب الإيمان، باب غلظ تحريم قتل الانسان نفسه...

2 - كتاب المغازي - باب مرض النبي ووفاته.

3 - كتاب المرض - باب قول المريض قوموا عني. طبقات ابن سعد: 2/37.

4 - كتاب الوصية - باب ترك الوصية.


الصفحة 263

الكلمة التي قيلت في الروايات: غلبه الوجع، أهجر، يهجر... ولا يهمّ اختلافها فكلها ذات معنى واحد وهو الهذيان - والعياذ بالله منها.

تأمل أيها الغيور على الإسلام ونبيِّه هذه الرزية وأمعن فكرك فيها. ألا تجد أنَّ هذه الحادثة هي التي رسمت مستقبل الإسلام والمسلمين؟! فالنبي نبي الرحمة، بعدما أخرج الناس من ضلال الجاهلية أراد أن يطمس هذا الضلال إلى الأبد، (لن تضلِّوا أبدا). والصحابة " العدول! " بقيادة عمر رفضوا هذه النعمة وحكموا على هذه الأمة بالضلال، حين منعوا النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من طلبه، إذن فهم المسؤولون عمَّا جرى لهذه الأمة منذ تلك الرَزيَّة وحتى قيام الساعة. وهذا كلام يقبله كل من كشف الله عن عينيه العَمى، فكيف ستضل الامة الاسلامية وتتفرَّق بعد قول النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (لن تضلوا أبدا)؟!

إنَّ الله قبل أن يقبض روح نبيه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعث جبرائيل عليه‌السلام يخيره بين الموت والخلود ويستأذنه في ذلك، لكن الصحابة يواجهون النبي - وهو يودعهم - بكلمة موجعة حتى طردهم، فأين فعلهم هذا من الأدب الرباني؟

وما لنا نرى الوجوه تنقبض أمام هذا الكلام؟ أليس هو الحق الذي يجب أن نعترف به؟!

وبإمكاننا أن نسأل الآن: أين حرص الصحابة على تنفيذ أوامر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، ذلك الحرص الذي يطبل له أهل السنة ليل نهار ويزرعونه في نفوس الكبار والصغار؟!

أما قال الله ( مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ ) (1) ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) (2) ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ) (3)؟ وهناك المزيد من الآيات

____________

1 - النجم: 2 - 4.

2 - الحشر: 7.

3 - الحجرات: 7.


 

الصفحة 264

 

التي تندد بمن يعترض على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويجعل لنفسه الخيرة من أمره من دون أمر الله ورسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

وهنا ينبري علماء أهل السنة للدفاع، ولكن ليس عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم! فنراهم يقولون إنَّ الصحابة فعلوا ذلك إشفاقا على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم!! ولسان حالهم يقول كما قال الصحابة: إنه يهجر!!

وهذه الحجة تضحك الثكلى. فلم نر شخصا يشفق على آخر بكلمة مؤذية كهذه.

وكيف علم أهل السنة قصد الصحابة في موقفهم هذا، ولم يعلمه النبي؟! فلو كان قولهم شفقةً، لعلم ذلك رسول الله، ولشكرهم بدلا من أن يطردهم؟

وأهل السنة بتبريرهم هذا جعلوا الصحابة أشفق على الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من ربه (1) الذي أمره بكتابة الكتاب. فالرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يأتي بشئ من عنده ( إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ ) (2).

إن الذي يرضى بفعل الصحابة هذا، ويهب للدفاع عنهم، فهو شريكهم في مقولتهم: " إنه يهجر " لأن من رضي بفعل قوم فقد شاركهم. فهل نرضى أن نشارك هؤلاء الصحابة مقولتهم... أم إن الحق يدفعنا الى أن نقف مع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ونغضب لغضبه؟

فليختبر كل واحد منا محبته للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، في موقفه من هذه الحادثة!

 

سريَّة أُسامة

نوجز هذه الحادثة بأنَّ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جهَّز جيشا لغزو الروم وأمَّر عليه أسامة بن زيد، وعمره آنذاك لم يتجاوز السبعة عشر عاما، والتحق بالجيش كل وجوه المهاجرين والأنصار كأبي بكر وعمر. قال الشيخ محمد أبو زهرة: " وقد أجمع الرواة على أنه عليه الصلاة والسلام جعل في إمرته، الشيخين أبا بكر وعمر " (3).

____________

1 - الأحقاف: 9.

2 - سيرة خاتم النبيين: 2/1215.


 

الصفحة 265

 

وفي الملل والنحل، إنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: " جَهزوا جيش أسامة، لعن الله من تخلَّف عنه " (1)، وشدَّد النبيُّ على الجيش بالذهاب، لكن الصحابة العدول تثاقلوا عن المسير وطعنوا في تأمير أسامه، فغضب النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقام في الصحابة خطيبا وقال: " إن تطعنوا في إمرته فقد كنتم تطعنون في إمرة أبيه!! وايم الله إن كان لخليقا للإمرة، وإن كان لمن أحب الناس إليَّ، وإنَّ هذا لمن أحب الناس إلي بعده "، فذهبوا إلى المعسكر، ثم رجعوا والنبي يجود بنفسه، فتوفي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ورجع الجيش إلى المدينة (2).

في هذه الرزية رفض الصحابة أوامر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رغم تشديده عليهم بالذهاب. ولم يكتفوا بذلك، بل طعنوا في تأمير أسامة الذي هو طعنٌ بالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، الذي أمَّره!

وعلماء أهل السنة وقفوا موقف المدافع عن الصحابة وبدلا من مواساتهم للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، وشاركوا الصحابة مقالتهم ضد أسامة، فشاركوهم في عصيان الرسول!

قالوا: إنَّ الصحابة خافوا على الرسول المرض... والحق، أنَّ أي تبرير لموقف الصحابة هذا لا يصح، لأن النص صريح في وجوب الذهاب عليهم، والقرآن يناديهم ليلا ونهارا: ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّـهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ) (3)، ( أَطِيعُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ... ) (4) وهناك غيرها الكثير من الآيات المماثلة. فطاعة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم واجبة عليهم مهما كانت الظروف.

____________

1 - المقدمة الثالثة: 1/29.

2 - راجع سرية أسامة وهذه التفصيلات في صحيح البخاري: 5/96. السيرة الحلبية: 3/207. طبقات ابن سعد: 3/19. تاريخ الطبري: 3/226. الكامل في التاريخ: 2/317. تهذيب تاريخ دمشق: 1/22.

المغازي للواقدي: 2/1119. تاريخ ابن خلدون: 2/484. فتح الباري: 8/152. حياة محمد: حسنين هيكل. رجال حول الرسول خالد محمد خالد، وكل كتب السير.

3 - الأحزاب: 36.

4 - النساء: 59.


 

الصفحة 266

 

وراحة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كانت في ذهابهم مع سرية اسامة. وهل كان رجوعهم سيدفع المرض عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أم يزيده ألما؟!

لقد عقد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اللواء لأسامة بيده وخرج وهو مريض فخاطب الصحابة وعاتبهم وأمرهم بالمسير، لكنهم عصوه وأغضبوه..

لقد غضب الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لفعل الصحابة هذا، وإذا غضب غضب الله لغضبه.

والمسلم الرسالي يغضب لغضب الله ورسوله ولا يدافع عن الصحابة في عصيانهم لله ولرسوله. فالصحابة ليسوا سوى أتباع، وهم مأمورون وليسوا آمرين، ولا خيرة لهم من أمرهم مع اختيار الله ورسوله.

 

صلح الحُديبيَّة

خرج الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للعمرة مع أصحابه فأحرموا بذي الحليفة، لكن قريشا بعثت سهيل بن عمرو وطلبوا من الرسول أن يرجع هذه المرة، على أن يتركوا له مكة في العام القادم ثلاثة أيام، واشترطوا عليه شروطا قاسية، قبلها الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأنه يعلم بأنَّ نتائجها لصالح المسلمين.

قال عمر: " فأتيت نبي الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقلت: " ألست نبي الله حقا؟!! قال: (بلى)، قلت: ألسنا على الحق وعدوّنا على الباطل؟ قال: (بلى)، قلت: فلم نعطي الدَنيَّة في ديننا إذن؟ قال: " إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري "، قلت: أوليس كنت تحدِّثنا أنَّا سنأتي البيت فنطوف به (1)؟ قال: " بلى، فأخبرتك أنَّا نأتيه العام!؟ " قلت: لا، قال:

" فإنك آتيه ومطوف به " ثم سأل عمر أبا بكر نفس الأسئلة، وأجابه نفس أجوبة الرسول.

____________

1 - انظر أخي المسلم، كيف جعل عمر من نفسه محقِّقا والنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مُستجوبا وكأنه شريكه في رسالته!


 

الصفحة 267

 

ولما فرغ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من كتابة الصلح، قال لأصحابه: " قوموا فانحروا ثم احلقوا "، فوالله ما قام منهم رجل، حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحدٌ، دخل خباه ثم خرج فلم يكلم أحداً منهم بشئ حتى نحر بُدنةً بيده، ودعا حالقه فحلق رأسه، فلما رأى أصحابه ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضا " (1).

قال ابن حزم في معرض كلامه عن آراء الصحابة الخاطئة: " وأعظم من هذا كله، تأخر أهل الحديبية عن الحلق والنحر والإحلال، إذ أمرهم بذلك صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتى غضب وشكاهم إلى أم سلمة أم المؤمنين " (2).

في هذه الحادثة لم يلتزم الصحابة بأوامر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على الرغم من تأكيده عليها ثلاث مرات، وعمر يعترض على أوامر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هذه ويخاطبه بأسلوب ما سبقه إليه أحدٌ من المسلمين!

وهنا يأتي تبرير علماء أهل السنة لموقف عمر في قولهم: إنَّ عمر فعل هذا من باب غيرته وحرصه على الإسلام!! ومعنى هذا أنَّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يكن غيورا على الإسلام ولا حريصا عليه، أو أنَّ عمر كان أكثر حرصا منه على الإسلام!!

وليت أهل السنة يقولون لنا: لماذا لم يغر عمر على الإسلام حين هرب في أحد وحنين وفي خيبر، رجع يجبن أصحابه ويجبنونه (3)؟! ولماذا لم يغر على الإسلام عندما أمره النبي بالمسير تحت لواء أسامة فعصاه وعاد الى المدينة؟! ولماذا لم يغر على الإسلام يوم الخميس فيلبي طلب النبي؟!...

____________

1 - راجع هذه الحادثة في صحيح البخاري: كتاب الشروط، باب الشروط: في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط، بتصرف منا واختصار.

2 - الإحكام: 6/246.

3 - انظر النص في المستدرك: 3/37، وصححه وكذا الذهبي.


الصفحة 268

 

 

وإني لأعجب من هؤلاء العلماء الذين يدافعون عن عمر والصحابة دون رسول الله. وهم بدفاعهم هذا يجعلون النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مخطئا وإن لم يصرِّحوا بهذا.

فإمَّا أن يكون النبيّ محقا وعمر مبطلا، وهو الصحيح - أو أن يكون عمر محقا والنبي مبطلا - والعياذ بالله.. إذن فليعترفوا بأنَّ عمر والصحابة أخطأوا وعصوا الرسول وليس في هذا ضَير. بل هو الحق الذي يجب أن نذعن له ونعترف به، والاعتراف بالحق فضيلة.

التفتازاني يعترف!

لقد اعترف التفتازاني - وهو من علماء أهل السنة - بأنَّ بعض الصحابة قد حادَّ عن طريق الحق. قال: " ما وقع بين الصحابة من المحاربات والمشاجرات على الوجه المسطور في كتب التواريخ والمذكور على ألسنة الثقات يدّل بظاهره على أنَّ بعضهم قد حادَّ عن طريق الحقّ!، وبلغ حد الظلم والفسق وكان الباعث له الحقد والعناد والحسد واللداد وطلب الملك والرئاسة والميل إلى اللذات والشهوات، إذ ليس كل صحابي معصوما ولا كل من لقي النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالخير موسوما إلا أنَّ العلماء لحسن ظنهم بأصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، ذكروا لها محامل وتأويلات بها تليق...

وأمَّا ما جرى بعدهم من الظلم على أهل بيت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فمن الظهور بحيث لا مجال للإخفاء ومن الشناعة بحيث لا اشتباه على الآراء، إذ تكاد تشهد به الجماد والعَجماء، ويبكي له مَن في الأرض والسماء وتنهد منه الجبال وتنشق الصخور، ويبقى سوء عمله على كرّ الشهور، ومرِّ الدهور، فلعنة الله على مَن باشر أو رضي أو سعى، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى... " (1).

« وشهد شاهدٌ من أهلها »

____________

1 - شرح المقاصد: 2/306 - 307.


الصفحة 269

 

الخلاصة

إنَّ الصحابة لم يكونوا رهن إشارة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، فقد طعنوا في تأميره لاسامة على الجيش الذي هيأه لمقاتلة الروم، وعادوا إلى المدينة متخلِّفين عنه، وفعلوا ما فعلوه بما آذاه حين أعلنوا عصيانهم له وهو يودِّعهم - في يوم الخميس - وما أدراك ما يوم الخميس!!

وتطاول عليه بعضهم بالكلام، مثل عمر عندما قال للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حين أراد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الصلاة على ابن أبيّ، أليس نهاك ربك أن تصلي على المنافقين؟ وكأنه أعلم من النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالقرآن الذي نزل عليه، بالرغم من أنه لايعرف حكم الجنب فاقد الماء، ومعنى كلمة أبّ، والكلالة...!!

واعتراضاتهم ومخالفاتهم له صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، تربو على المائة مخالفة تجدها في كتاب النص والاجتهاد لشرف الدين، والغدير، وغيرهما (1).

فبعد هذا، كيف يصح القول: إنَّ الصحابة ( لَّا يَعْصُونَ اللَّـهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ )؟!

( فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) (2).

____________

1 - وسنتطرق لموضوع اجتهاد الصحابة أمام المحكمات قريبا.

2 - النساء: 65.


الصفحة 270
 

 

الفصل السادس

صور من حياة الصحابة

 

 


الصفحة 271

 

 


الصفحة 272

أبو بكر وميراث الزهراء

فاطمة الزهراء بنت رسول الله، من الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهَّرهم تطهيرا، مودَّتها فرضٌ على كل مسلم، يغضب الله ورسوله لغضبها، وهي سيِّدة نساء هذه الأمَّة وسيدة نساء العالمين.

أخرج مسلم أنَّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: " يا فاطمة أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة " (1). وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: " فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني " (2). وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: " إنما فاطمة مضغة مني فمن آذاها فقد آذاني " (3).

هذه وديعة رسول الله، التي يغضب الله لغضبها ويرضى لرضاها، ماتت غاضبةً على أبي بكر!

أخرج البخاري بسنده عن عروة بن الزبير " إن عائشة أم المؤمنين أخبرته أنَّ فاطمة عليها‌السلام ابنة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سألت ابا بكر الصديق بعد وفاة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يقسم لها ميراثها مما ترك رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مما أفاء الله عليه فقال لها ابو بكر: إنَّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: لا نورِّث، ما تركناه صدقة، فغضبت فاطمة بنت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، فهجرت أبا بكر، فلم تزل مهاجرته حتى توفِّيت، وعاشت بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ستة أشهر. قالت: وكانت فاطمة تسأل أبا بكر نصيبها مما ترك رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من خيبر

____________

1 - كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل فاطمة بنت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

2 - صحيح البخاري: كتاب المناقب، باب مناقب قرابة الرسول ومنقبة فاطمة عليها‌السلام.

3 - مستدرك الحاكم: 3/158 و 159، وصححه وكذا الذهبي.


الصفحة 273

 

وفدك وصدقة بالمدينة، فأبى أبو بكر عليها ذلك... " (1).

وفي رواية قالت الزهراء عليها‌السلام لأبي بكر: (أفي الله أن ترث أباك، ولا أرث أبي؟ أما قال رسول الله: المَرء يحفظ في ولده) (2).

وذكر ابن قتيبة أنَّ أبا بكر وعمر جاءا يوما يلتمسان رضاها فقالت لهما:

(نشدتكما الله، ألم تسمعا رسول الله يقول: رضا فاطمة من رضاي، وسخط فاطمة من سخطي، فمن أحب فاطمة ابنتي فقد أحبني ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني، ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني). قالا: نعم سمعناه من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قالت: (فإني أشهد الله وملائكته أنكما أسخطتماني وما أرضيتماني، ولئن لقيت النبي لأشكونَّكما إليه) (3).

لقد رحل رسول الله عن هذه الدنيا حزينا على أمَّته، حين كتبت على نفسها الضلال على يد الصحابة، وها هم الصحابة بالرغم من أمر الله لهم بمودَّة قربى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلا أنهم عملوا العكس فأغضبوا الزهراء حين حرَّموها من ميراثها وأخذوا منها فدكا - قطعة أرض في خيبر - التي منحها إياها رسول الله.

وفي النصوص السابقة نرى أنَّ الله ورسوله يغضبان لغضب الزهراء.

وفاطمة ماتت غاضبة على أبي بكر، والنتيجة نتركها للقارئ!

لقد ثبت أنَّ فاطمة عليها‌السلام ماتت غاضبة على أبي بكر، ومتى ما غضبت، غضب الله ورسوله لغضبها. فلو كان حديث أبي بكر صحيحا لكان غضب فاطمة بغير حق، وبالتالي يكون غضب الله ورسوله بغير حق، ولذلك يكون حديث أبي بكر غير صحيح!!

وهناك سؤال مثير للحيرة، وهو: كيف علم أبو بكر بأنَّ الأنبياء لا يورِّثون ولم

____________

1 - (كتاب الخمس) باب الفرائض.

2 - تاريخ اليعقوبي: 2/12.

3 - الإمامة والسياسة: 1/13. أعلام النساء: 4/123 - 124.


الصفحة 274

 

تعلم فاطمة بذلك وهي صاحبة الشأن المتميز عنده صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم؟! وهل يعقل أنَّ رسول الله أخبر أبا بكر بهذا الأمر، ولم يخبر فاطمة به؟!

والعجب أن أبا بكر يرِّد شهادة سيدة النساء  وعليِّ، باب مدينة علم رسول الله، والحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة، وأم أيمن التي شهد لها الرسول بالجنة، يرد شهادة هؤلاء جميعا، ويقبل بشهادة رجل من المسلمين في قضية مشابهة لهذه!

عن جابر بن عبد الله رضي‌الله‌عنه قال: " لما مات النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جاء أبا بكر مالٌ من قبل العلاء بن الحضرمي، فقال أبو بكر: من كان له على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دين أو كانت له قبلهُ عدةٌ فليأتنا "، قال جابر: في رواية اخرى: " فقمت فقلت: إن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: " لو قد جاءنا مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا " فحثى أبو بكر مرة، ثم قال لي: عدها.

فعددتها فإذا هي خمسمائة. فقال: خذ مثليها " (1)، فلماذا لم يطلب أبو بكر من جابر شاهدين ويطلب من فاطمة؟!!

وقبل عمر برواية الضحاك بن سفيان عن " أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كتب إليه أن ورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها " ولم يطلب منه بيِّنة على ذلك (2).

ففي عقيدة عمر: تجوز شهادة شخص عادي، فلماذا لم نره يدافع عن عقيدته هذه في قضية الزهراء عليها‌السلام؟!

والذي يدهش المرء أن أبا بكر نفسه قال: " لا تحدِّثوا عن رسول الله شيئا، فمن سألكم فقولوا بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلِّوا حلاله وحرِّموا حرامه " (3). يقول هذا ويتحدَّث عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقول انفرد هو بروايته عن دون باقي الصحابة!

لقد احتجت الزهراء عليها‌السلام على أبي بكر بكتاب الله، فقالت: " أفعلى عمد تركتم

____________

1 - صحيح مسلم: كتاب الفضائل، باب ما سئل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شيئا قط فقال لا، وكثرة عطائه.

2 - رواه ابن ماجة: 2/883، الترمذي: 4/27، وقال حديث حسن صحيح.

3 - تذكرة الحفاظ: 1/3.


 

الصفحة 275

 

كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم؟ إذ يقول: (وورث سليمان داود) (1) وقال فيما اختص من خبر يحيى بن زكريا عليهما‌السلام إذ قال (فهب لي من لدنك وليا * يرثني ويرث من آل يعقوب) (2)... ". بهذه الآيات وغيرها احتجت الزهراء على أبي بكر (3) فلماذا لم يجعل كتاب الله حكما بينه وبينها مع قوله "... فقولوا بيننا وبينكم كتاب الله... "؟!

أجل، لقد غضب الله ورسوله لغضب فاطمة. والمؤمن الغيور على دين الله يغضب لغضب الله ورسوله، لا أن يقف قبالهما. فمن وافق أبا بكر على فعله فهو شريكه في إغضاب الزهراء ويكون عرضةً لغضب الله ورسوله.

فالحذر.. الحذر..!

ولأي الأمور تدفن ليلا
 

 

بضعة المصطفى ويُعفّى ثراها؟!
 

محاولة حرق بيت الزهراء

بعد وفاة الرسول تفقَّد أبوبكر قوما تخلفوا عن بيعته عند علي كرم الله وجهه، فبعث إليهم عمر، فجاء فناداهم وهم في دار عليِّ، فأبوا أن يخرجوا، فدعا بالحطب وقال:

والذي نفس عمر بيده، لتخرجنَّ أو لأحرقنَّها على مَن فيها فقيل له: يا أبا حفص إن فيها فاطمة، فقال: وإن.... ثم قام عمر، فمشى معه جماعة، حتى أتوا باب فاطمة، فدَقّوا الباب فلما سمعت أصواتهم، نادت بأعلى صوتها: " يا أبت، يا رسول الله، ماذا لقينا بعدك

____________

1 - النمل: 16.

2 - مريم: 5 و 6.

3 - راجع خطبتها الرائعة في الاحتجاج: 1/253 - 274. بلاغات النساء، أبي الفضل أحمد بن أبي طيفور البغدادي: ص 4، وقال رشيد رضا أثناء كلامه عن هذا الكتاب: " وفيه خطبة السيدة فاطمة الزهراء عليها‌السلام لما منعها أبو بكر ميراثها " مجلة المنار: 11/303، شرح النهج، ابن أبي الحديد: 4/78 - 79 و 93. أعلام النساء لعمر رضا كحالة: 3/1219.

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة