الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة 226

 

أحكام الإسلام وحقوق العباد. ولا يأمن المسلم - بدون هذه الصفة - من أن يأتيه الدين صحيحا، والأمثلة القادمة توضح ما قلنا خيرَ توضيح.

سئل أبو بكر عن قول الله تعالى: ( وَفَاكِهَةً وَأَبًّا ) (1) فقال: " أي سماء تظلني وأي أرض تقلني أن أقول في كتاب الله بما لا أعلم " (2).

وسئل أبو بكر عن الكلالة فقال: " إني سأقول فيها برأيي، فإن كان صوابا فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان... " (3).

قال ابن سعد: " إن أبا بكر نزلت به قضيه فلم يجد في كتاب الله منها أصلا، ولا في السنة أثرا، فاجتهد رأيه، ثم قال: هذا رأيي، فإن يكن صواباً فمن الله، وإن يكن خطأ فمنِّي واستغفر الله " (4).

وعن صفية بنت أبي عبيد أنَّ رجلاً سرق علی عهد أبي بكر مقطوعة يده ورجله، فأراد ابو بكر أن يقطع رجله ويدع يده يستطيب بها ويتطهر بها، وينتفع بها،فقال عمر: والذي نفسي بيده لتقطعنَّ يده الاخری، فأمر به أبوبكر فقطعت يده.

وورد أنَّ عمر بن الخطاب تلا هذه الآية: ( فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا ) قال: " كل هذا قد عرفناه فما الأبّ؟ ثم رفض عصاً كانت في يده، فقال: هذا لعمر الله التكلف! فما عليك أن لا تدري ما الأبّ، اتبعوا ما تبين لكم هداه من هذا الكتاب، وما لم تعرفوه فكلوه إلی ربِّه" (5).

وأخرج مسلم في صحيحه أنَّ رجلا أتى عمر، فقال: إني أجنبت فلم أجد ماء، فقال: لا تصلِّ. فقال عمار: أما تذكر يا أمير المؤمنين إذ أنا وأنت في سريَّة فأجنبنا فلم نجد ماء، فأما أنت فلم تصل، وأمّا أنا فتمعكت في التراب وصلَّيت، فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: " إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض، ثم تنفخ ثم تمسح بهما وجهك وكفيك! "

____________

1 - عبس: 31.

2 - فتح الباري: 13/230. تفسير القرطبي: 19/223. مقدمة في اصول التفسير، ابن تيمية: ص 30.

تفسير ابن كثير: 1/5.

3 - الدارمي في سننه: 2/365. تفسير ابن كثير: 1/471. إعلام الموقعين: 1/82.

4 - راجع إعلام الموقعين: ص 19. جامع بيان العلم: 2/830. تاريخ الخلفاء، السيوطي: 71.

5 - المستدرك: 2/514 وصححه وأقره الذهبي في تلخيصه. تفسير الطبري: 30/38.


 

الصفحة 227

 

فقال عمر: اتِّقِ الله يا عمار! قال: إن شئت لم أحدِّث به " (1).

وعن ابن عباس أنه قال له عمر: يا غلام، هل سمعت رسول الله (صلَّ الله عليه وآله وسلَّم) أو من أحد أصحابه إذا شكَّ الرجل في صلاته ما ذا يصنع؟ قال: فبينا هو كذلك إذ أقبل عبد الرحمن بن عوف فقال فيم أنتما؟ فقال عمر: سألت هذا الغلام هل سمعت من رسول الله (صلَّ الله عليه وآله وسلَّم) أو أحد أصحابه إذا شكَّ الرجل في صلاته ما ذا يصنع؟ فقال عبد الرحمن:سمعت رسول الله (صلَّ الله عليه وآله وسلّم) يقول إذا شكَّ أحدكم.......

وأخرج البيهقي عن الشعبي، قال: " خطب عمر بن الخطاب رضي‌الله‌عنه الناس فحمد الله وأثنى عليه، وقال: ألا لا تغالوا في صداق النساء، فانه لا يبلغني عن أحدٍ ساق أكثر من شئ ساقه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو سيق إليه، إلا جعلت فضل ذلك في بيت المال، ثم نزل، فعرضت له امرأةٌ من قريش، فقالت: يا أمير المؤمنين أكتاب الله تعالى أحق أن يتبع أو قولك؟ قال: بل كتاب الله؟ فما ذاك؟ قالت: نهيت الناس آنفا أن يغالوا في صداق النساء، والله تعالى يقول في كتابه: ( وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارً‌ا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا ) (2). فقال عمر رضي‌الله‌عنه: كل أحد أفقه من عمر. مرتين أو ثلاثا " (3).

وفي رواية قال عمر: " امرأة أصابت ورجل أخطأ " (4).

وفي رواية أخرى قال: " كل أحد أعلم من عمر " (5).

وفي أخرى قال: " إن امرأة خاصمت عمر فخصمته " (6).

وأتي عمر بن الخطاب بامرأة حامل قد اعترفت بالفجور فأمر برجمها فتلقاها عليٌّ فقال: ما بال هذه؟ فقالوا: أمر عمر برجمها فردَّها عليٌّ وقال: هذا سلطانك عليها فما سلطانك على ما في بطنها؟ ولعلك انتهزتها أو أخفتها؟ قال: قد كان ذلك. قال: أوما سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: " لا حدَّ على معترف بعد بلاء ". انه من قيد أو حبس أو

____________

1 - صحيح مسلم: كتاب الحيض، باب التيمم.

2 - النساء: 20.

3 - السنن الكبرى: 7/233، وذكره السيوطي في جمع الجوامع كما في الكنز: 8/298 نقلا عن سنن سعيد بن منصور والبيهقي، ورواه السندي في حاشية السنن لابن ماجة: 1/583، والعجلوني في كشف الخفاء: 1/269 و 2/118.

4 - تفسير ابن كثير: 1/478. تفسير القرطبي: 5/99.

5 - شرح صحيح البخاري، القسطلاني: 8/57. الكشاف: 1/357.

6 - إرشاد الساري: 8/57، تفسير ابن كثير: 1/478.


الصفحة 228

 

تهدد فلا إقرار له ". وخلى سبيلها، ثم قال: عجزت النساء أن تلدن مثل علي بن أبي طالب، لولا علي لهلك عمر " (1).

وفي حادثة مشابهة لهذه، قال عمر: كل أحد أفقه مني، ثلاث مرات (2).

وعن مجاهد قال: قدم عمر بن الخطاب الشام فوجد رجلا من المسلمين قتل رجلا من أهل الذمة فهم أن يقيده، فقال له زيد بن ثابت: أتقيد عبدك من أخيك فجعله عمر دية " (3).

وأخرج البيهقي " إن عثمان بن عفان رضي‌الله‌عنه أتى بإمرأة قد ولدت في ستة أشهر فأمر بها أن ترجم، فقال علي بن أبي طالب رضي‌الله‌عنه: " ليس ذلك عليها قال الله تبارك وتعالى ( وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ) (4) وقال ( وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ ) وقال ( وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ) فالرضاعة أربعة وعشرون شهر والحمل ستة أشهر، فأمر بها عثمان أن ترد فوجدت قد رجمت " (5) (6).

وهكذا كان الحال مع بقية الصحابة إلا من جعل منهم امناء على الشريعة، وكانوا يصححون أخطاء الخلفاء بعدما أقصوا عن مراتبهم التي وضعهم الله فيها.

وبعد هذا فلنتأمل في هذه المعضلات. إن أبا بكر لم يعرف معنى كلمة " الأب " مع

____________

1 - الرياض النضرة: 2/196. ذخائر العقبى ص 80. مطالب السؤول ص 13. مناقب الخوارزمي ص 48. الأربعين، الفخر الرازي: ص 66.

2 - الرياض النضرة: 2/196. ذخائر العقبى: ص 81. الكفاية، الكنجي: ص 105.

3 - أخرجه عبد الرزاق وابن جرير الطبري، كنز العمال: 7/304.

4 - الأحقاف: 15.

5 - لقد قلنا من قبل: إذا لم يكن خليفة النبي على علمٍ تام بجميع الأحكام الإسلامية فانَّ الأنفس وحقوق العباد ستتعرض للخطر، وما حدث لهذه المرأة خير دليل على مانقول، وحاشا لله أن يضع لعباده خلفاء لايعرفون أحكام الإسلام الشرعية.

6 - السنن الكبرى: 7/442، وابن كثير في تفسيره: 4/169، وابن الديبع في تيسير الوصول: 2/9، والعيني في عمدة القاري: 9/642، والسيوطي في الدر المنثور نقلا عن ابن المنذر وابن أبي حاتم.


الصفحة 229

أنَّ الآية نفسها تفسِّر هذه الكلمة، قال تعالى: ( وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ) (1)! فالفاكهة طعام للإنسان، والأب طعام للأنعام، فهل ترى في هذا أي غموض؟

ويسأل أبو بكر عن الكلالة، فلا يدري ما إذا كان قد أصاب القول فيها أم لا. ولم يعرف أبو بكر حد السرقة بعد قطع اليد والرجل حتى أعلمه عمر بذلك، مع علمنا في أن من المفترض، أن تكون هذه الأمور من البديهيات عند خلفاء المسلمين، فهم المخولون في القضاء بالدماء والأنفس والأعراض.

لقد أشكلت على عمر بن الخطاب كلمة " الأبّ " ومات عمر وفي نفسه أن يعرف معنى الكلالة. كما خفي عليه حكم الجنب فاقد الماء، وبعد أن ذكره عمار بالتيمم، قال:

اتق الله يا عمار. وكأن عمارا ارتكب جرما!

فهل في حكم التيمم غموض ما، حتى يخفى على من لازم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم؟! فلا أدري كيف يصدق المسلم بأن الله حمل أمانته العظمى - التي لم يحملها إلا أفضل الخلق - من لا يعرف أوليات الإسلام من التيمم...

أما عثمان فقد أمر برجم أمرأة بدليل أنها وضعت لستة أشهر، وهذا غير جائز شرعا. وقصة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع المرأة الغامدية معروفة. فقد تركها النبي حتى بلغ ابنها سنتين ثم رجمها. وتكررت هذه الحادثة في عهد عمر بمحضر الصحابة وعثمان، فلماذا لم يمهلوا المرأة حتى يبلغ ابنها سنتين - هذا مع أنها بريئة -. فهل خفيت هذه الحوادث على عثمان والصحابة؟!

هذه الحقائق لا يستطيع أحد إنكارها؟ إن الصحابة أنفسهم يحتاجون إلى من يدلهم، فهم يفتقرون إلى الجواب في المسائل الواضحة!! وإذا أجابوا قد يخطئون، فكيف يفتون الناس وهم لا يعلمون؟ وكيف يسقون غيرهم وهم عطشى؟

____________

1 - عبس: 31 - 32.


 

الصفحة 230

 

إن الله لا يقبل بهكذا سفراء. ولم يحدث في تاريخ الرسالات الإلهية: أن بعث الله نبيا لا يدري ما يجيب به اتباعه. أو يجيبهم بشكل خاطئ كما كان يفعل الصحابة. ولو قلنا: إن الله رضي أن يبين الصحابة دينه للناس لكان مجيزا أن يأخذ الناس أحكامهم بشكل خاطئ، وهذا هو الباطل عينه.

فعلى المسلم أن يبحث عن قناة سليمة تربطه بالنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والإسلام، أما أن يجعل بينه وبين ربه من لايعرف التيمم وحكم الأرنب و الشك في الصلاة والبديهيات، فلن يؤول أمره الی خيرٍ،لأنَّ من لا يعرف القشور لا يستطيع أن يوصلنا إلی اللُّب!!!

بين الصحابة منافقون ومرتدّون

مما لايخفى على كل مسلم أنَّ النفاق انتشر في عهد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، وكان يزداد قوةً بازدياد قوة المسلمين. والقسم الأكبر من هؤلاء المنافقين لا يعلمهم إلا الله، قال تعالى:

( وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ) (1)، وقال تعالى:

( وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ ) (2).

بالاضافة الى أن هناك عددا غير قليل من الصحابة كانوا قد ارتدوا بعد وفاة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم. فالإشكال الذي يرد إلينا هنا هو: إنَّ كل صحابي من هؤلاء المنافقين والمرتدين سمع من النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شيئا لم يسمعه صحابي غيره، ولهذا فالسنن التي تفرَّد بها هؤلاء الصحابة قد لا تصل إلينا بسبب حقدهم على الإسلام، فربما حدث أن تعرَّض الصحابة لمسألة مّا، فطرحوها على مسامع الناس لعل عند أحدهم نصّاً من النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، فكان النص عند صحابي منافق أو مرتد ولكنه اسره في نفسه ولم يخرجه، أليس هذا من المحتمل حصوله؟!

وكذلك قد لا تصل إلينا بعض السنن التي تفرد بها بعض الصحابة بسبب انشغالهم بالحروب أو بسبب قلة الرواية عنهم، يقول محمد زهو في كتابه الحديث والمحدثون:

" الاشتغال بالخلافة والحروب عاقَّ كثيرا من الصحابة من تحمّل الحديث وروايته، كما

____________

1 و 2 - التوبة: 101.


الصفحة 231

في الخلفاء الأربعة وطلحة والزبير " (1).

إنَّ هذه السنن التي نحتمل بقاءها في صدور المنافقين والمرتدين والمنشغلين بالحروب، قد يكون فيها الناسخ والمقيد والمخصص والمفسر، وهذا يوقعنا في مشكلة كبيرة. فمن يدري؟ فلعلنا نمارس بعض الأحكام المنسوخة أو المخصصة أو المقيدة بالسنن التي بقيت في صدور هؤلاء الصحابة (2).

فهل يقبل الله بهذا؟ هل يرضى أن نمارس حكما منسوخا أو مقيدا أو مخصصا؟

ولعل بعض هذه السنن التي بقيت مع الصحابة المذكورين تعكس جوانب إسلامية مهمة. فكيف يرضى الله بأن يحمل سنة نبيه لكل الصحابة، وفيهم المنافق الذي لا يظهرها أو يزورها وفيهم من سيرتد ويدفن السنن في صدره، وفيهم وفيهم...؟!

لذلك وجب القول في أن الله (3) حفاظا على دينه وسنة نبيه اتخذ اجراء مناسبا لتلافي هذه الإشكالات التي قد تحدث مستقبلا. والذي ظهر لي: أنَّ الله عهد إلى نبيه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأن يجعل سنته عند شخص يتعهدها ويفهمها، وهذا الشخص ومن خلال موقعه السياسي والديني يقوم بتبليغ السنة للناس. هذا الاحتمال هو الذي يرتضيه العقل والنقل، أما توزيع السنة على مائة وأربعة عشر ألف صحابي ليبلغوها للناس ففيه خطر عظيم على السنة، وحسبك دليلا على ذلك أن هناك مائة وعشرة آلاف صحابي لم يصل إلينا منهم شئ.

أضف إلى ما سبق وجود المنافقين الذين يسعون لهدم الإسلام فكريا وسياسيا... فنسبوا للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أحاديث مكذوبة في حياته وبعد مماته، وهذا ممكن حدوثه، فالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد مات وهم مؤمنون في ظاهرهم فليس هناك ما يمنع الأخذ عنهم ( وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ) (4)!

____________

1 - ص 147.

2 - أو الصحابة الذين تفردوا ببعض السنن وماتوا في حياة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبل الحاجة إلى تبليغها!!

3 - المنافقون: 4.


الصفحة 232

ربما تكون بعض الأحاديث المرسلة المبثوثة في كتب الحديث مأخوذة عن هؤلاء المنافقين الماكرين (1)!! وهذه الفجوة التي تصدعت فيها أحقية مرجعية الصحابة بعد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يستطيع المحدثون ردمها وإن اجتمعوا على ذلك، لأن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نفسه لم يكن يعلم هؤلاء المنافقين ( وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ) (2).

ولا يمكن التخلص من هذه المعضلة إلا بالتأكيد على أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - ولكي يقطع الطريق على هؤلاء الدجالين - جعل سنته بأيدٍ أمينة، أليس هذا هو الحق المبين؟!

 

صحابة يساقون إلى النار

أخرج مسلم عن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: " أنا فرطكم على الحوض، ولاُنازَعَنَّ أقواما ثم لاُغْلَبَنَّ عليهم، فأقول: يا رب أصحابي أصحابي: فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك " (3).

وأخرج البخاري عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: " بينما أنا قائم فإذا زُمرةٌ، حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، قال: هلم، قلت: أين؟ قال: إلى النار والله، قلت: وما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى، فلا أراه يخلَّص منهم إلاّ مثل همل النعم " (4).

____________

1 - يقول السيوطي في تدريب الراوي: " وفي الصحيحين من ذلك - مراسيل الصحابة - ما لا يحصى "!

تدريب الراوي: 1/207، وعلى هذا فكل حديث مرسل سنشك فيما اذا كان قد رواه الصحابي عن صحابي عادل أو صحابي منافق لا يعلمه إلا الله!!!

2 - التوبة: 101.

3 - كتاب الفضائل، باب اثبات حوض نبينا صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وصفاته.

4 - كتاب الرقاق، باب في الحوض. وهمل النعم: ضوَّال الإبل، قال ابن الأثير: " أي أنَّ الناجي منهم قليل في قلة النعم الضالة " النهاية في غريب الحديث: 5/247.


الصفحة 233

 

 

لقد ثبت في الصحيحين وغيرهما أنَّ من الصحابة من يدخل النار. ولهذا لا نستطيع أن نجعل الصحابة قَناةً تربطنا بالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم. إذ كيف نأخذ ديننا عن أهل النار؟!

فلابد من تمييز الصحابة المساقين إلى النار من الناجين، ثم نفكِّر في مَن يصح الأخذ عنهم. فإن قيل إنَّ المساقين إلى النار هم المنافقون والمرتدون، قلنا: إنَّ القسم الأكبر من المنافقين لا يعلمهم إلا الله. فلا يمكن إحرازهم. فعدم إحرازنا للصحابة المساقين إلى النار يوجب علينا التوقّف في الأخذ عن الصحابة. وليس في هذا تعطيل للإسلام. بل إنَّ البديل موجود. فليحذر العقلاء من أن يجعلوا أهل النار أدلاء لهم في دين الله.

 

طريقة تلقّي الصحابة

يقول ابن تيمية: " وقد كان النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يحدث، أو يفتي أو يقضي، أو يفعل الشئ، فيسمعه أو يراه من يكون حاضرا، ويبلغه اولئك - أو بعضهم - لمن يبلغونه فينتهي علم ذلك إلى من شاء الله من العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. ثم في مجلس آخر قد يحدث، أو يفتي، أو يقضي، أو يفعل شيئا، ويشهده بعض من كان غائبا عن ذلك المجلس، ويبلغونه لمن أمكنهم، فيكون عند هؤلاء من العلم ما ليس عند هؤلاء، وعند هؤلاء ماليس عند هؤلاء " (1).

الإشكال الذي يرد هنا أنّ الصحابي قد يسمع حديثا فيرويه فيما بعد ويعمل به الناس، ولنفترض أنَّ هذا الصحابي في الشام، ولكن بما أنه " عند هؤلاء من العلم ما ليس عند هؤلاء، وعند هؤلاء ما ليس عند هؤلاء "، فقد يكون لهذا الحديث الذي رواه الصحابي للناس في الشام ناسخ مع صحابي آخر، ولنفترضه رواه لأهل العراق، فيصيب

____________

1 - رفع الملام: ص 6.


الصفحة 234

 

أهل العراق الحكم الإسلامي الصحيح ويخطئه أهل الشام!! وقد يكون للحديث الذي رواه الصحابي في العراق مخصص أو مقيد ولكنه لا يعلم بذلك، فيفتي للناس هناك بما عنده فيعمل الناس بالعام والمطلق، بينما المخصص أو المقيد للحديث نفسه عند الصحابي الذي في الشام مثلا! وهكذا.

إنَّ الله (1) ليس عاجزا عن اختيار طريقة أمثل لتبليغ سنة نبيه. أما نسبة اختيار هذه الطريقة في التبليغ لله ففيها ما فيها من نسبة الظلم والجهل إلى الله، تعالى عن ذلك علوا كبيرا، فهذه الطريقة قد تمنع المسلم من إصابة الواقع الشرعي، والله قادر على إيصال سنة نبيه بصورة صحيحة بدلا من أن يترك عباده يبحثون في البلدان وفي جبهات القتال عن الناسخ إذا احتمل وجوده أو المقيد أو المخصص منه، وقد يقطعون مسافات طويلة في سبيل الحصول على جواب فيموتون وفي أنفسهم من ذلك شئ.

لذلك نحن نقول: إنَّ هناك شخصا أخذ السنة عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كاملة، وهو الذي يقوم ببيانها للناس بسهولة ودون عَناء، بعيدا عن الإشكالات السابقة.

 

الصحابة والرواسب الجاهلية

لقد عاش عددٌ كبير من الصحابة أكثر حياتهم في المجتمع الجاهلي، وشاركوا أهل الجاهلية في جميع أعمالهم، من وَأد البنات وشرب الخمر وأكل الربا و... إلى غير ذلك من المحرمات التي حاربها الإسلام. وهذه الملاحظة وحدها تكفي لأن تجعلنا نقول: إنَّ الله لم يخترهم لبيان دينه.

 

فالله منذ أوجد الإنسان لم يبعث له نبيا ولا سفيرا قد شارك قومه عاداتهم المنحرفة، بل كان يختار أناسا هم أكمل الناس، خالين من أية رواسب بيئيَّة منحرفة.

هذه سنة الله في خلقه ( وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّـهِ تَبْدِيلًا ) (1).

____________

1 - الأحزاب: 62.


الصفحة 235

 

فالسلوكيات التي مارسها الصحابة في الجاهلية لا توجد في القادة الرساليين، ولم يحدث في تاريخ الرسالات الإلهية أن اختار الله مبلِّغا عنه بعد أن غرق في سلوكيات قومه المنحرفة.

يروي أهل السنة أنَّ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقبل بعثته أراد أن يلتحق بإحدى احتفالات قريش ليشاركهم الشرب واللهو... فأنامه الله في الطريق (1)!

ويروون أنَّ الله بعث ملكين لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو صبي فاستخرجا عُلقة سوداء من قلبه وغَسَّلاه ونَقَّياه حتى يكون في أعلى درجات الكمال وخاليا من أية رواسب، وتعرف هذه بحادثة شقُّ الصدر (2). قال طه عبد الرؤوف سعد في تعليقه على هذه الحادثة: " إنَّ هذا التقديس وهذا التطهير كان مرتين، الأولى في حالة الطفولة لينقى قلبه من مغمز الشيطان، وليطهر ويقدس من كل خُلق ذميم حتى لا يلتبس بشئ مما يعاب عليه الرجال، وحتى لا يكون في قلبه شئ... " (3).

ومع موقفنا الرافض لامكانية حصول وصحة وقوع هاتين الحادثتين إلاّ أننا نتساءل: لماذا هذا الاهتمام من الله برسوله وحرصه أن لا يمارس سلوكا جاهليا ولو لمرة واحدة؟!

الجواب واضحٌ، فالرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمامه عملية تغيير كبرى، فحتى ينجح في تنفيذها ويتقبلها الناس: لابد أن يكون خاليا من أية أفكار مخالفة لها وحتى يكون مهيّأً لاستقبال الوحي...

وهذ سنة إلهية اتبعها الله مع جميع رسله وسفرائه، فكيف يمكن أن يختار الله لتبليغ دينه أناسا جسدوا الجاهلية قولا وسلوكا، حتى تشبّعت أجسامهم ونمت على الربا وشرب الخمر؟...!

____________

1 - راجع مستدرك الحاكم: 4/245.

2 - راجع سيرة ابن هشام: ص 152.

3 - المصدر السابق: ص 153.


 

الصفحة 236

 

قد يقال: إنَّ الإسلام يجبُّ ما قبله. فنقول: صحيح هذا، ولكن هذا القول مخالف لسنة الله في اختيار رسله ( وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّـهِ تَبْدِيلًا ) (1) فلو اختار الله الصحابة لبيان دينه لكان - والعياذ بالله - مخالفا لسنته في اختيار الإنسان الطاهر من أي انحراف في سلوكه وقوله، كالأنبياء عليهم‌السلام تماما. فكيف يقول الله: ( وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّـهِ تَبْدِيلًا ) ثم يخالف سنته في اختيار سفرائه ممن عاشوا في مستنقع المحرمات لعشرات السنين؟!!

إن من يستقرئ حياة الصحابة يجد كثيرا من الرواسب الجاهلية قد عاشت معهم بعد الإسلام، كشرب الخمر والزنا وأكل الربا (2)، وهذا الأمر يسلب منهم خاصية القيمومة على الدعوة. فالرواسب الجاهلية تؤثر سلبا على الداعية.

أخرج البخاري أنَّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: " من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي " فقام سعد بن معاذ فقال: يا رسول الله، أنا والله أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك، فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج، وكان قبل ذلك رجلا صالحا ولكن احتملته الحميَّة، فقال:

كذبت لعمر الله، لا تقتله ولا تقدر على ذلك، فقام اسيد بن الحضير، فقال: كذبت لعمر الله، والله لنقتلنَّه فإنك منافقٌ تجادل عن المنافقين، فثار الحيّان الأوس والخزرج حتى همّوا أن يقتتلوا ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على المنبر فلم يزل يخفضهم حتى سكتوا وسكت (3).

وأخرج البخاري " أنَّ رجلا من المهاجرين كسح (4) رجلا من الأنصار، فقال الأنصاري: ياللأنصار، وقال المهاجري: ياللمهاجرين، فسمع ذلك رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

____________

1 - الأحزاب: 62.

2 - وهذا أمر قد وثقناه في مبحث عدالة الصحابة.

3 - 3/156، و 6/8.

4 - كسح: بمعنى ضرب.


الصفحة 237

فقال: " ما بال دعوى أهل الجاهلية؟! " قالوا: يا رسول الله كسح رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار فقال: " دعوها فإنها منتنةٌ "... " (1).

نستخلص من هذا " أنَّ من أوليات ما يقتضيه ضمان التطبيق أن يكون القائم على تطبيقها - أي الفكرة - شخصا تتجسَّد فيه مبادئ فكرته تجسُّدا مستوعبا لمختلف المجالات التي تكفَّلت الفكرة تقويمها من نفسه. ولا نريد من التجسُّد أكثر من أن يكون صاحبها خليَّا عن الأفكار المعاكسة لها من جهة، وتغلغلها في نفسه كمبدأ يستحق من صاحبه التضحية والفناء فيه من جهة أخرى، ومتى كان الإنسان بهذا المستوى استحال في حقِّه من وجهة نفسية أن يخرج على تعاليمها بحال. وإذا لم يكن القائم بالحكم بهذا المستوى من الإيمان بها وكانت لديه رواسب على خلافها، لم يكن بالطبع أمينا على تطبيقها مائة بالمائة، لاحتمال انبعاث إحدى تلكم الرواسب في غفلة من غفلات الضمير، واستئثارها في توجيهه الوجهة المعاكسة التي تأتي على الفكرة في بعض مناحيها وتعطلها عن التأثير ككل، وربما استجاب الرأي العام له تخفيفا لحدة الصراع في أعماقه بين ما جدَّ من تعاليم هذه الفكرة وما كان معاشا له ومتجاوبا مع نفسه من الرواسب.

على أن الناس - كل الناس - لا يكادون يختلفون - إلا نادرا - في قدرتهم على التفكيك بين الفكرة وشخصية القائم عليها... وبما أنَّ الإسلام يعالج الإنسان علاجا مستوعبا لمختلف جهاته - الداخلية والخارجية -، احتجنا لضمان تبليغه وتطبيقه إلى العصمة في الرسول، ثم العصمة في الذي يتولى وظيفته بعده... " (2).

____________

1 - ج 6 باب قوله: سواء عليهم استغفرت لهم.

2 - الاصول العامة للفقه المقارن: 185 - 186.


 

الصفحة 238

 

الصحابة يفتون بآرائهم

كان الصحابة يفتون بآرائهم في الوقائع الشرعية إذا لم يجدوا نصا في كتاب الله أو سنة نبيه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم. ونحن نعلم أنَّ الدين قد كمُل على عهد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، وبيَّن الله كل شئ يحتاجه الناس. قال تعالى: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) (1) وقال تعالى: ( مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ) (2)، ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ ) (3).

فكل شئ حسب منطوق هذه الآيات فيه نص. فإذا كان الله قد أكمل الدين وبين كل شئ فلماذا يفتي الصحابة بآرائهم؟!

فهم لم يحرزوا جميع النصوص الصادرة عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإلا لما أفتوا بآرائهم. من هنا نعلم أنَّ الصحابة غير مخوَّلين: بنقل وبيان الدين للناس. فالمفترض بمن يخلف النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يكون لديه من النصوص ما يكفي لمعرفة أحكام الوقائع الشرعية كلها.

 

الصحابة يعترفون بأنهم ليسوا نَقَلَةَ الإسلام!!

إنَّ الصحابة لم يكونوا يرون أنفسهم في مرتبة القيمومة على الدعوة التي جعلها أهل السنة لهم.

قال أبو مجلز: شهدت ابن عمر والناس يسألونه، فقال: إيَّاكم عنّي، فإني كنت مع من هو أفقه منّي، ولو علمت أني أبقى حتى يفتقد إليَّ لتعلَّمت لكم!!! " (4).

____________

1 - المائدة: 3.

2 - الأنعام: 38.

3 - النحل: 89.

4 - تذكرة الحفاظ: 1/40.


 

الصفحة 239

 

فعبارة ابن عمر: " ولو علمت أني أبقى حتى يفتقد لي لتعلمت لكم " أصرح دليل في الرد على الذين جعلوا ابن عمر والصحابة بمرتبة سفراء الله لعباده بعد نبيه الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، فأهل السنة أوجبوا للصحابة ما لم يوجبوه هم لأنفسهم!!

وذكر المناوي  أنَّ ابن عمر كان إذا سئل قال: اذهب إلى هذا الأمير الذي تولَّى أمر الناس، فضعها في عنقه.

وقال: " يريدون أن يجعلونا جسرا يمرون علينا على جهنم " (1).

( يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا ) (2).

____________

1 - فيض القدير شرح الجامع الصغير: 1/158. إحياء علوم الدين: 1/23.

2 - النساء: 174.


 

الصفحة 240

 

الفصل الرابع

عدالة الصحابة


 

الصفحة 241

 


 

الصفحة 242

 

بادئ ذي بدء:

لقد جعل أهل السنة كل الصحابة عدولا لأنهم كما يقولون حملة الشريعة للناس.

يقول ابن الصلاح: " ثم إنَّ الأمة مجمعة على تعديل جميع الصحابة... وكأنَّ الله سبحانه وتعالى أتاح الإجماع على ذلك لكونهم نقلة الشريعة " (1).

وقال الجويني: " والسبب في عدم الفحص عن عدالتهم، انهم حملة الشريعة، فلو ثبت توقف في رواياتهم لانحصرت الشريعة على عصره صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولما استرسلت إلى سائر العصور " (2).

وقال القرشي: " إنَّ حفظ الدين يقتضي عدالة الصحابة، إذ كيف يعِدُ الله سبحانه بحفظ دينه ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (3) بينما حملته ونقلته عن نبيه مطعون في عدالتهم ونزاهتهم " (4).

نعم، لقد قرر هؤلاء عدالة جميع الصحابة لأنهم نقلة الشريعة. ونحن في بحثنا هذا سنتناول عدالة الصحابة، فإن كانوا عدولا فسنتنازل عن كل ما كتبناه، ونقول: إنهم حملة الشريعة حقا، ولكن إذا لم يكونوا عدولا فلا يجوز لنا أن نأخذ عنهم الشريعة. وإلا فكيف نأخذ ديننا عنهم " بينما حملته ونقلته عن نبيه مطعون في عدالتهم ونزاهتهم " على حد تعبير القرشي!!

____________

1 - مقدمة ابن الصلاح.

2 - فتح المغيث: 3/103. تدريب الراوي: 2/214.

3 - الحجر: 9.

4 - تنبيه ذوي النجابة إلى عدالة الصحابة: ص 25.


 

الصفحة 243

 

تعقيبٌ:

قلنا: إنَّ أهل السنّة ادّعوا عدالة جميع الصحابة لأنهم حملة الشريعة، ولكننا وجدنا أنَّ أكثر من مأة الف من الصحابةلم يصلنا عنهم شيءٌ. فتعديل جميع الصحابة بناءً على أنهم نقلة الدين لايصح؛ لأنَّ غالبيّة الصحابة لم ينقلوا لنا شيئاً من الشريعة!!!  

يقول ابن خلدون: " إنَّ الصحابة كلهم لم يكونوا أهل فتيا ولا كان الدين يؤخذ عن جميعهم، وإنما كان ذلك مختصا بالحاملين للقرآن، العارفين بناسخه ومنسوخه، ومتشابهه ومحكمه وسائر دلالته، بما تلقّوه من النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو ممن سمعه، منهم ومن عليتهم، وكانوا يسمّون لذلك " القُرَّاء " أي: الذين يقرأون الكتاب، لأن العرب كانوا أمَّةً اُمية، فاختص مَن كان منهم قارئا للكتاب بهذا الاسم لغرابته يومئذ وبقي الأمر كذلك صدر الملة " (1).

هذه شهادة من ابن خلدون تؤكد لنا " إنَّ الصحابة لم يكونوا كلهم أهل فتيا ولا كان الدين يؤخذ عن جميعهم... " فلماذا نعدلهم جميعا إذا كان الدين لا يؤخذ عن جميعهم؟! وكيف نعدلهم ونحن نجهل أكثرهم؟! وهل يليق بالعاقل أن يحكم على مايجهله؟!

 

تعريف الصحابي:

قال ابن حجر: " كل من روى عن النبيّ حديثا أو كلمة، أو رآه وهو مؤمن به، فهو من الصحابة، ومن لقي النبي مؤمنا به ومات على الإسلام، طالت مجالسته معه أو قصرت، روى عنه أو لم يرو، غزا أو لم يغز. من رآه ولم يجالسه ومن لم يره لعارض " (2).

وقال النووي في تعريف الصحابي: " فأما الصحابي فكل مسلم رأى

____________

1 - المقدمة: 563، الفصل السابع من الباب الرابع.

2 - الإصابة: 1/10.


 

الصفحة 244

 

رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولو للحظة، هذا هو الصحيح في حده، وهو مذهب ابن حنبل وأبي عبد الله البخاري في صحيحه والمحدثين كافة " (1).

 

عطفاً على ما تقدم آنفا:

قال ابن حجر: " اتفق أهل السنة على أن الجميع عدولٌ، ولم يخالف في ذلك إلاّ شذوذ من المبتدعة " (2).

وقال الذهبي: " من الكبائر سب أحد من الصحابة، فمن طعن فيهم أو سبهم فقد خرج من الدين ومَرق من ملّة المسلمين " (3). هذا هو حكم أهل السنة على الصحابة، فالكل عدول. ولكن ما هو حكم الله ورسوله فيهم، هل يعدّلونهم جميعا أم لا؟ فلنرَ حكم الله ورسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيهم ( وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّـهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) (4).

الصحابة في القرآن

الصحابة والنفاق:

ظهر المنافقون في زمن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قوة لا يستهان بها، وقد نزلت الآيات الكريمة كاشفة عنهم ومحذّرةً منهم ومبيِّنة لصفاتهم، قال تعالى: ( وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ) (5)، ( وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلَا تَفْتِنِّي ) (6)، ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّـهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ ) (7)، ( يَحْلِفُونَ

____________

1 - صحيح مسلم شرح النووي: 1/35 - 36.

2 - الإصابة: 1/6.

3 - الكبائر: ص 233.

4 - المائدة: 50.

5 - البقرة: 14.

6 - التوبة: 49.

7 - البقرة: 8.


 

الصفحة 245

 

بِاللَّـهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ ) (1).

وهناك الكثير من الآيات التي تتحدّث عنهم، حتى أنَّ سورة التوبة سميت بالفاضحة. وقلَّما يجد قارئ القرآن سورةً تخلو من ذكر المنافقين، وإن شئت فاقرأ سور: الأحزاب، والنساء، والأنفال، والحشر، والمنافقين، والبقرة، وآل عمران، والمجادلة... وقد جمع بعض المحققين الآيات الخاصة بالمنافقين فبلغت ما يقرب من عشر القرآن (2)!

ومع بيان الآيات هذه لهم فقد بقي الكثير من المنافقين مجهولين عند المسلمين، قال تعالى: ( وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ) (3).

ونحن نسأل: من هؤلاء الذين نزل فيهم عشر القرآن؟ أليسوا هم ممن صحب رسول الله؟ بلى، هم كذلك بشهادة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

أخرج البخاري أنَّ عمر بن الخطاب طلب من النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يضرب عنق عبد الله بن أبيّ، فقال: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم:

" دعه، لا يتحدّث الناس بأنَّ محمدا يقتل أصحابه " (4)!!

ومرّة أشار الصحابة على النبي بقتل ابن أبي، فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: (فلعَمري، لنحسننَّ صحبته ما دام بين أظهرنا) (5).

يقول النووي: " ولم يقتل - النبي - المنافقين لهذا المعنى ولإظهارهم الإسلام، وقد أُمر بالحكم بالظاهر، والله يتولّى السرائر، ولأنهم كانوا معدودين في أصحابه " (6).

____________

1 - التوبة: 74.

2 - النفاق والمنافقون، الاستاذ إبراهيم علي سالم المصري.

3 - التوبة: 101.

4 - كتاب تفسير القرآن، حديث رقم: 4525، صحيح مسلم: كتاب البر والصلة والآداب، باب نصر الأخ ظالما أو مظلوما.

5 - طبقات ابن سعد: 2/56.

6 - صحيح مسلم بشرح النووي: 16/139.


 

الصفحة 246

 

إذن كيف يصح القول: بأنَّ كل الصحابة عدولٌ، وفيهم المنافقون؟! أما عدد المنافقين فلا نستطيع إحرازه بالدقّة، ولكننا سنقترب من الحقيقة إذا رجعنا إلى غزوة أحد، فقد كان عدد جيش المسلمين في هذه الغزوة ألفا كما نص على ذلك أرباب السير، وأثناء مسير المسلمين تخلف ثلث الجيش بقيادة عبد الله بن أبي زعيم المنافقين أي قرابة 300 صحابي (1)!!

كل هذا العدد كان بين الألف ذاك!! وليس في هذا الأمر غَرابةٌ، فكلما قوي المسلمون ازدادت شوكة النفاق وانتشار المنافقين بينهم.. ومن ذلك يمكن أن نستنتج حجم عدد المنافقين بين الصحابة بعد أن اكتسح الإسلام جزيرة العرب؟! فإذا كان بين الألف صحابي قرابة ثلاثمائة منافق، فكم سيكون عدد المنافقين بين مائة وأربعة عشر ألف صحابي؟!

____________

1 - صحيح البخاري: كتاب المغازي، باب غزوة احد، والتصريح برجوع ثلث الناس في سنن البيهقي: 9/31.


 

الصفحة 247

 

الصحابة الأعراب:

يمثل الأعراب نسبة كبيرة من صحابة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم. قال أبو زرعة الرازي:

" توفي النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومن رآه وسمع منه زيادة على مائة ألف إنسان من رجل وامرأة وهذا لا تحديد فيه، وكيف يمكن الاطلاع على تحرير ذلك مع تفرق الصحابة في البلدان والبوادي والقرى " (1). فأهل البوادي - وهم الأعراب – صحابة.

وروى الساجي في المناقب بسند جيد عن الرافعي، قال: قبض رسول الله والمسلمون ستون ألفا، ثلاثون ألفا في المدينة وثلاثون ألفا في قبائل العرب... " (2) فعدد الصحابة الأعراب ثلاثون الفا.

وحين أشرف عمر بن الخطاب على الموت أوصى للخليفة من بعده بقوله:

" وأوصيه بالأعراب خيرا، فإنهم أصل العرب ومادّة الإسلام " (3).

هؤلاء الأعراب الذين يشكّلون ثلاثين ألفا: حكم أهل السنة عليهم جميعا بالعدالة. ولكن أين هذا الحكم من حكم الله؟

قال تعالى: ( الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّـهُ

____________

1 - تدريب الرواي: 2/221.

2 - المصدر السابق.

3 - صحيح البخاري: كتاب المناقب، حديث رقم 3424.


 

الصفحة 248

 

عَلَىٰ رَسُولِهِ وَاللَّـهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) (1)!!

( وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ ) (2).

( وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ ) (3).

( سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ) (4).

( قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَـٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ) (5).

فأين حكم أهل السنة من حكم الله؟ ومن أولى بالاتباع؟ ( وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّـهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) (6) وأين أتباع الكتاب والسنة في وصفهم لجميع الأعراب من الصحابة بالعدالة من هذه الآيات البينات؟ نحن لاننكر وجود المؤمنين من الأعراب، فالله عزوجل قال في كتابه العزيز: ( وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللَّـهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّـهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) (7).

ولكن الأعراب المنافقين - كما يظهر هنا - أكثر من هؤلاء الأعراب، المؤمنين لأن " من " في الآية الأخيرة: تبعيضية عند العلماء. ومع ذلك، فان الآيات التي جاءت تذم

____________

1 - التوبة: 97.

2 - التوبة: 101.

3 - التوبة: 98.

4 - الفتح: 11.

5 - الحجرات: 14.

6 - المائدة: 50.

7 - التوبة: 99.


 

الصفحة 249

 

الأعراب وتوبخهم أكثر من الآيات التي تزكيهم من النفاق.

فهل نسي، أو تناسى أهل السنة حين حكموا على الصحابة الأعراب بالعدالة:

الآيات السابقة! فمن الواجب أن يقرأ القرآن وحدة واحدة.

ويمكننا أن نكتفي بهذا الدليل القرآني لنقض نظرية عدالة الصحابة من اسسها الواهية!

 

الصحابة والصلاة:

عن جابر بن عبد الله قال: " بينما نحن نصلي مع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذ أقبلت عيرٌ تحمل طعاما فالتفتوا إليها حتى ما بقي مع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلا اثنا عشر رجلا، فنزلت هذه الآية: ( وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ) " (1) (2).

إنه لأمرٌ عجيب أن يترك العبد صلاته خلف نبيه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليلتفت إلى العير والطعام!

والأعجب منه، كل من يقرأ هذه الحادثة ولا يتملكه الغضب من موقف هؤلاء الصحابة!!

فما هو عذرهم في فعلهم هذا؟ هل فعلوا ذلك لأنهم جياع؟ ألا يبدو في هذا الفعل:

استخفاف هؤلاء " الصحابة " بالصلاة وبالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نفسه؟

وبماذا نفسر فعلهم هذا؟ أفتونا يا أيها الملأ.

أهذه هي " العدالة " التي حملتهم على هذا الفعل؟ إنَّ العدالة بعيدة كل البعد عن هذا التصرف القبيح.

ولقد رأيت مصلين في عصرنا إذا وقف أحدهم بين يدي ربه ارتجف جسمه وعلا صوته بالبكاء وسالت دموعه، فما بال أهل القرون الأولى؟!

____________

1 - الجمعة: 11.

2 - صحيح البخاري: كتاب الجمعة، باب إذا نفر الناس عن الإمام في صلاة الجمعة فصلاة الإمام ومن بقي جائزة.


 

الصفحة 250

 

الصحابة والزكاة:

قال تعالى: ( وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّـهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّـهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ) (1).

هذه الآيات نزلت بالصحابي ثعلبة (2). الذي حكم الله تعالى بنفاق قلبه، وحكم أهل السنة بطهارة قلبه وعدالته!!

 

مسجد ضرار:

في غزوة تبوك تخلف اثنا عشر رجلا من الصحابة عن الرسول وبنوا مسجدا كفرا وتفريقا بين المسلمين. قال تعالى: ( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَىٰ وَاللَّـهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ) (3).

هذا حكم الله فيهم، فكيف يعطون صفة العدالة؟!

 

عدالة الصحابة في القرآن:

في بحثنا عن عدالة الصحابة وجدنا القرآن ينقض نظرية " عدالة الصحابة " هذه.. ففي الصحابة كثيرٌ من المنافقين، وفيهم الأعراب الذين هم أشد كفرا ونفاقا.

وفيهم من يترك الصلاة لينظر للعير، وفيهم وفيهم... وهناك المؤمنون وهم الذين مدحهم

____________

1 - التوبة: 75 و 76.

2 - راجع: تفسير الطبري: 6/130. تفسير ابن كثير: 2/388. تفسير فتح القدير: 2/385. تفسير الخازن: 2/125. تفسير البغوي بهامش تفسير الخازن: 2/125.

3 - التوبة: 107.

 
الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة