الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة 201

 

وورد أنَّ عمر قال على المنبر: " أحرج بالله على رجل سأل عما لم يكن، فإن الله قد بين ما هو كائن " وقال: " لا يحل لأحد أن يسأل عما لم يكن، إن الله تبارك وتعالى قضى فيما هو كائن، وقال: أحرج عليكم أن لا تسألوا عما لم يكن، فإن لنا فيه شغلا " (1).

وجاء رجل يوما إلى ابن عمر فسأله عن شئ، لا أدري ما هو، فقال له ابن عمر:

" لا تسأل عما لم يكن، فإني سمعت عمر بن الخطاب يلعن من يسأل عما لم يكن " (2).

واستفتى رجل أبي بن كعب فقال: " يا أبا المنذر ما تقول في كذا وكذا؟ قال:

يا بني: أكان الذي سألتني عنه، قال: لا، قال: أما لا، فأحلني حتى يكون فنعالج أنفسنا حتى نخبرك " (3).

تعليق

لقد ثبت أنَّ الصحابة كانوا ينهون عن الرواية، ويقلونها، وقاموا بحرق السنن ومحوا الصحف، وحبس عمر بعض الصحابة ليمنعهم من الحديث، وكان الصحابة ينهون عن سؤال ما لم يقع.

" فهل ترى بربك ان ذلك الاتجاه الساذج - إن كانت المسألة مسألة سذاجة - الذي ينفر من السؤال عن واقعة قبل حدوثها ويرفض تسجيل سنن النبي بعد صدورها، كفوءا لزعامة الرسالة الجديدة وقيادتها في أهم وأصعب مراحل مسيرتها الطويلة... وقد أثبتت الأحداث بعد وفاة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن جيل المهاجرين والأنصار لم يكن يملك اي تعليمات محددة عن كثير من المشاكل الكبيرة التي كانت من المفروض ان تواجهها الدعوة

____________

1 - سنن الدارمي: 1/50. جامع بيان العلم: 1/141.

2 - المصدر السابق.

3 - سنن الدارمي: 1/56.


 

الصفحة 202

 

بعد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، حتى أن مساحة هائلة من الأرض التي امتد إليها الفتح الإسلامي لم يكن لدى الخليفة والوسط الذي يسنده أي تصور محدد عن حكمها الشرعي وعما إذا كانت تقسم بين المقاتلين أم تجعل وقفا على المسلمين عموما.

فهل يمكننا أن نتصور ان النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يؤكد للمسلمين انهم سوف يفتحون أرض كسرى وقيصر ويجعل من جيل المهاجرين والأنصار القيم على الدعوة والمسؤول عن هذا الفتح ثم لا يخبره بالحكم الشرعي الذي يجب أن يطبَّق على تلك المساحة الهائلة من الدنيا التي سوف يمتد إليها الإسلام " (1).

إنَّ التقليل من الرواية ومنعها وحرق السنن ومحوها ليس من صفات الدعاة إلى الله. فالمفترض بالصحابة إذا كان قد انتدبهم الله لبيان دينه: أن يقوموا بأعباء هذه المهمة خير قيام، خاصة وأنَّ أمامهم عملا شاقا وطويلا. لكننا وجدنا الصحابة قد عملوا ما يؤثر سلبا على الدعوة. إن الله يريد لدينه أن ينتشر في كل مكان، فما معنى امتناع الصحابة عن الرواية إذا كان الله قد اختارهم لتبليغ دينه؟!

هذا قرظة بن كعب لمّا قدم العراق قالوا له: حدثنا، فقال: " نهانا عمر ". عجبا كيف سيعرف هؤلاء دينهم وسنة نبيهم، وحملة الدين لا يتكلمون؟! إن الداعية يفرح إذا وجد من يصغي له. فلماذا يمتنع هذا الصحابي وغيره عن الدعوة؟ وأين ذهب قول النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: " ليبلغ الشاهد الغائب "؟ (2).

وقوله: " نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها ثم بلغها عني، فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه " (3).

إن الإسلام لا يقبل بمنع الرواية وتقليلها، بل يشجِّع على نشرها بكل الطرق حتى

____________

1 - بحث حول الولاية: ص 45 - 47.

2 - صحيح البخاري: كتاب العلم، باب يبلغ العلم الشاهد الغائب، سنن ابن ماجة: 1/85.

3 - ابن ماجة: ج 1 باب 18 حديث 236. سنن أبي داود: كتاب العلم، باب فضل نشر العلم.


الصفحة 203

 

تنتشر السنة التي تبين القرآن وتفصل مجمله وتخصص عامه وتقيد مطلقه. قال تعالى:

( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ‌ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) (1) وقال تعالى: ( وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَ‌حْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) (2) فالسنة هي المصدر الثاني بعد القرآن يقول الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معي).

فلماذا امتنع الصحابة عن الرواية واقلوها وأحرقوا السنن وهم حملة الدعوة إلى الناس؟!

إن الله يخاطب نبيه: ( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ‌ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) فمهمة الرسول البيان.

وإذا كان الصحابة خلفاءه في حمل الدعوة فمهمتهم أيضا البيان.

أما أن يقلوا الرواية وينهوا عنها ويحرقوا السنن ويحبسوا... فهذا لم يحصل في تاريخ الدعاة إلى الله!

إن الله لم يبعث أنبياءه عليهم‌السلام دعاة يحتكرون رسالات ربهم ويكتمون ما أمرهم الله بتبليغه ويحرقون السنن ويمحونها.

هذا نوح عليه‌السلام على الرغم من محدودية رسالته مكانا وزمانا ومع بقائه تسعمائة وخمسين سنة في قومه لم يتوان عن الدعوة في أي لحظة، ولم يحرق ويمح ما أمره الله بتبليغه، بل كان يدعو الناس ليلا ونهارا سرا وإعلانا، قال تعالى على لسانه:

( إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارً‌ا ) (3)، ( ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارً‌ا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَ‌رْ‌تُ لَهُمْ إِسْرَ‌ارً‌ا ) (4).

____________

1 - النحل: 44.

2 - النحل: 64.

3 - نوح: 5.

4 - نوح: 8 و 9.


 

الصفحة 204

 

وهذا يوسف عليه‌السلام لم يترك الدعوة وهو في السجن، قال تعالى على لسانه:

( يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْ‌بَابٌ مُّتَفَرِّ‌قُونَ خَيْرٌ‌ أَمِ اللَّـهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ‌ ) (1) من ذلك يتضح لنا أن الله لم يرض بتقليل العمل الرسالي في الرسالات المحددة مكانا وزمانا، فكيف يصطفي لآخر رسالاته وأخطرها، والتي ينتظرها عمل كثير، دعاة يمنعون الرواية ويحرقونها ويمحونها؟

لقد مر علينا قول ابن أبي ليلى: " أدركت في هذا المسجد مائة وعشرين من أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يسأل أحدهم عن المسألة فيردها هذا إلى هذا وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول ".

فلماذا لا يجيب هؤلاء الصحابة عن المسائل التي يسألونها؟ فإذا كانوا يجهلون فلا يصلحون لتبيين الإسلام، وإذا كانوا يعرفون فلم يردون المسائل؟ أهو الورع الذي يمنعهم؟ فهل هم أورع من النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي لم يرد سائلا في حياته؟ (2) لا أعتقد أن مسلما يقبل بهذا!

أما التعليلات التي تذكر لتبرير موقف الصحابة هذا، فهي مرفوضة.

قيل: إن الصحابة منعوا تداول السنة كيلا تختلط بالقرآن، ومعنى هذا القول: إن الله قد أنزل كتابه المعجز لقوم لا يميزون بين كلام الخالق وكلام المخلوق!! وبهذا يتبين ضعف هذا التعليل الذي نسمعه دائما!

وقيل: إن الصحابة منعوا الرواية كي ينشغل الناس بالقرآن، ولا يتكلون على الصحف.

____________

1 - يوسف: 39.

2 - قد يقال: إن الرسول معصوم ولهذا كان لا يتحرج في الجواب، أما الصحابة فكانوا يخافون الزيادة والنقص في الحديث. ولكننا نقول: أما كان الله قادرا على أن يختار شخصا معصوما بعد نبيه كي يسير بسيرة النبي في التبليغ بدلا من حرمان الناس من الحديث؟ فذلك خير ضمان لحفظ السنة بلا زيادة ولا نقصان ولا تغيير بالمعنى.


 

الصفحة 205

 

ولا أدري كيف سينشغل الناس بالقرآن ويفهمونه دون سنة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم؟!

وبناء على هذا القول يجب ألا تدون السنة مطلقا وأن لا تنشر كي لا يتكل الناس عليها!!

إن السنة موجودة الآن في كتب السنن، ولا نرى المسلمين منشغلين بها دون القرآن.

إذن فما محل هذه التعليلات من الصحة؟!

ولذلك فلابد من التأكيد على أن سيرة الصحابة في تعاملهم مع السنة من حرق ومحو ومنع انتشارها لدليل واضح على أن الله لم يختر الصحابة لبيان دينه...

 

قلة تلقّي الصحابة عن النبيّ وانشغالهم

إنَّ قلّة تلقي الصحابة عن النبيّ وانشغالهم في طلب المعاش لا يتناسب مع المهمّة الملقاة علی عاتقهم. أنكر عمر بن الخطاب على أُبيِّ قراءته وقال بأنه لم يسمع بها من قبل، فقال له أبي: " إنه كان يلهيني القرآن ويلهيك الصفق بالأسواق " (1).

وحين شهد أبو سعيد الخدري لأبي موسى الأشعري في قضية الاستئذان قال:

" قد كنا نؤمر بهذا. فقال عمر: خفي عليَّ هذا من أمر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ألهاني الصفق بالأسواق " (2).

وقال البراء بن عازب: " ما كل الحديث سمعناه من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، كانت ضيعة وأشغال، ولكن الناس لم يكونوا يكذبون يومئذ، فيحدث الشاهد الغائب ".

وورد عنه قوله: " ما كل الحديث سمعناه من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، كان يحدثنا أصحابنا عنه، كانت تشغلنا رعية الإبل " (3).

____________

1 - تاريخ ابن عساكر: 7/339.

2 - صحيح البخاري: كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الحجة على من قال إن أحكام النبي كانت ظاهرة.

3 - قال محمد زهو في الحديث والمحدثون: ص 158: " رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، ورواه الحاكم...

قال الحاكم: صحيح على شرطهما ولم يخرجاه، وأقره الذهبي ".


 

الصفحة 206

 

وقال طلحة بن عبيد الله: "... إنا كنا قوما أغنياء، لنا بيوتات وأهلون، وكنا نأتي رسول الله طرفي النهار ثم نرجع " (1).

قال ابن حزم في بيان حال الصحابة بأنهم كانوا " مشاغيل في المعاش، وتعذر القوت عليهم بجهد العيش بالحجاز، وأنه كان يفتي بالفتيا ويحكم بالحكم بحضرة من حضره من أصحابه فقط، وانه إنما قامت الحجة على سائر من لم يحضره بنقل من حضره وهم واحد أو اثنان ".

" وإذا صح هذا - أي كلام ابن حزم - وهو صحيحٌ جدا لأن التاريخ لم يحدثنا عنه انه - أي النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - كان يجمع الصحابة جميعا، ويبلغهم بكل ما يجد من أحكام، ولو تصورناه في أقواله فلا نتصوره في أفعاله وتقريراته وهي من السنة. فماذا يصنع من يريد التمسك بسنته - ولنفترضه من غير الصحابة - أيظل يبحث عن جميع الصحابة وفيهم الولاة والحكام وفيهم القواد والجنود في الثغور ليسألهم عن طبيعة ما يريد التعرف عليه من أحكام؟ أم يكتفي بالرجوع إلى الموجودين، وهو لا يجزيه لاحتمال صدور الناسخ أو المقيد أو المخصص أمام واحد أو اثنين ممن لم يكونوا بالمدينة، والحجة - كما يقول ابن حزم - لا تقوم إلا بهم، والعمل بالعام أو المطلق لا يجوز قبل الفحص عن مخصصه مادمنا نعلم من طريقة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في التبليغ هو الاعتماد على القرائن المنفصلة، فالإرجاع إلى شئ مشتت وغير مدون تعجيز للأمة وتضييع للكثير من أحكامها الواقعية.

وإذا كانت هذه المشكلة قائمة بالنسبة إلى من أدرك الصحابة وهم القلة نسبيا، فما رأيكم بالمشكلة بعد تكثر الفتوح وانتشار الإسلام ومحاولة التعرف على احكامه من قبل غير الصحابة من رواتهم، وبخاصة بعد انتشار الكذب والوضع في الحديث... " (2).

____________

1 - تاريخ ابن كثير: 4/109، قال: وقد رواه الترمذي بنحوه.

2 - الاصول العامة للفقه المقارن: محمد تقي الحكيم، 172. إن هذا الكلام الرائع كاف لإثبات أن النبي لم يفكر بأن يحمل صحابته الدعوة من بعده!


 

الصفحة 207

 

لقد مرت شهادات الصحابة بأنهم كانوا مشغولين بأعمالهم، وكانوا يأتون النبي طرفي النهار حسب قول طلحة.

ونحن نعلم أنَّ الإسلام هو خاتم الرسالات وللعالم أجمع. لذلك لا بد من القول: إنَّ هناك شخصا ممن رافق الدعوة خطوةً خطوة واستوعب الإسلام استيعابا كاملا بحيث يجسِّده في قوله وسلوكه وهذا هو الواجب، أما الصحابة فقد خفي عليهم الكثير من الرسول، وكانوا يأتون طرفي النهار ولا يحضر إلا الواحد أو الاثنان على حد تعبير ابن حزم.

ولو فكر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأن يعهد للصحابة القيادة الفكرية للامة لقام بتعبئتهم التعبئة الكاملة بالإسلام حتى ينقلوه للأجيال، وحتى لا يصطدموا بالمستجدات.

فقلة تلقي الصحابة عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تتدفعنا الى القول بأنه لم يفكر بأن يسند إليهم حمل الدعوة من بعده. وكيف يمكن لإنسان عاش مع النبي بضعة أشهر (1) أن يستوعب الإسلام الذي بقي ينزل ثلاثا وعشرين سنة؟! والذي يصعب تصديقه هو القول: إنَّ النبي قد حمله أمانته العظمى!

إن "... أي افتراض يتجه إلى القول بأن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يخطط لإسناد قيادة التجربة والقيمومة على الدعوة بعده مباشرة إلى جيل المهاجرين والأنصار يحتوي ضمنا على اتهام أكبر وأبصر قائد رسالي في تاريخ العمليات التغييرية بعدم القدرة على التمييز بين الوعي المطلوب على مستوى القاعدة الشعبية للدعوة، والوعي المطلوب على مستوى قيادة الدعوة وإمامتها الفكرية والسياسية " (2).

____________

1 - كمعاوية بن أبي سفيان وأبيه ووفود العرب الذين رأوا النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لساعات.

2 - بحث حول الولاية.


 

الصفحة 208

 

الصحابة ينقلون آخر الحديث أحياناً!

قد يسمع الصحابي طرفا من حديث النبي، ولم يكن قد حضر أوله، فيظن أنه سمع حديثا تامّاً، فيحدِّث بما سمع، وهذه واحدةٌ من أخطر علل الحديث.

حدث ابن الجوزي " أن الزبير بن العوام سمع صحابيا يحدث عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، فاستمع إليه حتى قضى حديثه، فقال له: أنت سمعت هذا من رسول الله؟ فقال الرجل: نعم، فقال الزبير: هذا وأشباهه مما يمنعانني أن أتحدَّث عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، قد لعمري سمعت هذا من رسول الله، وأنا يومئذ حاضر، ولكن رسول الله ابتدأ بهذا الحديث، فحدثناه عن رجل من أهل الكتاب حديثه يومئذ، فجئته أنت بعد انقضاء صدر الحديث وذكر الرجل الذي هو من أهل الكتاب فظننت انه من حديث رسول الله " (1).

هذا صحابي يروي حديثا على أنه من النبي مع أنَّ النبي يحكيه عن رجل من أهل الكتاب.

إنه أمر طبيعي أن يأتي بعض الصحابة والرسول يتحدَّث فلا يسمعون منه أول حديثه.

لكن المصيبة الكبرى أن يتحدث النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن أهل الكتاب، فيأتي صحابي ويروي كلامهم على أنه تعبير عن الإسلام! فهل نصدق أنَّ الله جعل كل واحد من الصحابة مرجعا لنا نأخذ عنه الدين، وهذا حالهم؟ وهل يقبل الله أن يصبح كلام أهل الكتاب جزءا من الإسلام؟! من قال هذا فهو أظلم اتهام لله بالتفريط في دينه، فالله لم يجعل الصحابة مراجع لنا لأنه يعلم أنهم قد يأخذون كلام النبي على غير حقيقته، كما حدث لهذا الصحابي السالف الذكر.

____________

1 - شبهة التشبيه: ص 38.


الصفحة 209

وعن أبي حسان الأعرج: أنَّ رجلين دخلا على عائشة (1) فقالا: إنَّ أبا هريرة يحدث عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنما " الطيرة في المرأة والدابة والدار ".

فطارت شفقا ثم قالت: كذب والذي أنزل القرآن على أبي القاسم!! من حدث بهذا؟! إنما قال رسول الله: كان أهل الجاهلية يقولون: إن الطيرة في الدابة والمرأة والدار، ثم قرأت: ( مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْ‌ضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَ‌أَهَا ) (2) (3).

انظر أيها القارئ اللبيب إلى هذا الحديث. فأبوهريرة يرويه على أنه من كلام النبي مع أن النبي كان يتكلم على لسان أهل الجاهلية كما ورد. ويعد أبوهريرة راوية الإسلام، فإذا كان هذا حال راوية الإسلام بالنقل فكيف بباقي الرواة؟!

ألا يدفع فينا هذا الحديث الشك والريبة حول الأحاديث الموجودة؟ - ولنقل الأحاديث التي تفرد بها كل صحابي - مَن يدري؟ فلعل بعض الأحاديث التي نعتقد بها، هي من كلام الجاهلية أو أهل الكتاب. ولكن خفي ذلك على الراوي كما خفي على راوية الإسلام أبي هريرة!!

قد يقال: إن أبا هريرة سمع آخر الحديث " إن الطيرة... " وظنه من كلام النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فرواه، لا أنه يتعمد الكذب.

قلنا: وما ذنبنا نحن حتى يصل إلينا الإسلام بشكل خاطئ؟

وروى الحاكم في " المستدرك " في كتاب العتق، بإسناده عن عروة بن الزبير، أنه قال: بلغ عائشة رضي الله عنها أنَّ أبا هريرة يقول: إن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: " لأن امتع بسوط في سبيل الله أحب إلي من ان أعتق ولد الزنا " وأن رسول الله قال: " ولد الزنا شر الثلاثة، وأن: الميت يعذب ببكاء الحي ".

____________

1 - الحديد: 22.

2 - تأويل مختلف الحديث: ص 126 و 127.


 

الصفحة 210

 

فقالت عائشة: رحم الله أبا هريرة، أساء سمعا فأساء إصابةً، أما قوله: " لأن أمتع بسوط في سبيل الله أحب إليَّ من أن أعتق ولد الزنا "، إنها لما نزلت ( فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَ‌اكَ مَا الْعَقَبَةُ ) (1). قيل: يا رسول الله، ما عندنا ما نعتق، إلا أن أحدنا له جارية سوداء، تخدمه وتسعى عليه. فلو أمرناهن - الجواري - فزنين، فجئن بالأولاد فأعتقناهم، فقال رسول الله: " لأن أمتع بسوط في سبيل الله، أحب إلي من أن آمر بالزنا، ثم اعتق الولد ".

وأما قوله: " ولد الزني شر الثلاثة " فلم يكن الحديث على هذا، إنما كان رجل من المنافقين يؤذي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: " ومن يعذرني من فلان؟ "، قيل: يا رسول الله مع ما به ولد زنا، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: " هو شر الثلاثة " والله (2) يقول: ( وَلَا تَزِرُ‌ وَازِرَ‌ةٌ وِزْرَ‌ أُخْرَ‌ىٰ )... " (3) (4).

هذا مثال آخر يبين لنا عدم أهلية الصحابة لنقل الإسلام لمن بعدهم. فقد أخفق أبو هريرة في نقل الحديث حتى أصلحت له عائشة خطأه. والذي ينبغي الوقوف عنده أن لأبي هريرة في كتب السنن 5374 حديثا، فمن يضمن لنا أن لا يكون أبو هريرة قد أخطأ في نقلها كما حصل له في هذا الحديث والذي قبله؟ نحن لا نقول: جميع أحاديثه بل لنقل الأحاديث التي تفرد بها. نعم، من يضمن لنا ذلك؟ وإذا لم نجد جوابا فكيف يمكن لنا أن نعتمد على أبي هريرة في نقل سنة النبي؟! إننا في حاجة لجواب يحل لنا هذه المعضلة التي تمس الإسلام أجمعه. وهل حقا أنَّ الله اختار أبا هريرة لتبليغ سنة نبيه؟ أنا لا أتصور مسلما يقول بالإيجاب بعدما عرف إخفاق أبي هريرة في النقل. والذي يقول إن الله اختار أبا هريرة لهذه المهمة متهم لله بأنه فرط في دينه، إذ رضي أن تتغير تعاليم الإسلام بمعتقدات جاهلية...

____________

1 - البلد: 1 و 12.

2 - المستدرك: 2/215 وصححه.

3 - فاطر: 18.


 

الصفحة 211

 

وقال بشر بن سعيد: " اتقوا الله وتحفظوا من الحديث، فوالله لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة فيحدث عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويحدثنا عن كعب الأحبار، ثم يقوم فأسمع بعض من كان معنا يجعل حديث رسول الله عن كعب، وحديث كعب عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " (1)!!

الصحابي يأخذ عن مخبر وينسب للنبيّ

ومن الإشكالات التي تظهر لنا في مرجعية الصحابة أنَّ هناك من الصحابة من كان يسمع الحديث من مخبر وينسبه للنبي، كأبي هريرة مثلا، يقول ابن قتيبة فيه:

" وكان مع هذا يقول: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كذا، وإنما سمعه من الثقة عنده فحكاه " (2).

أخرج البخاري: عن الزهري قال أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أنَّ أباه عبد الرحمن أخبر مروان أنَّ عائشة واُمُّ سَلَمَه أخبرتاه أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم (3). وقال مروان لعبد الرحمن بن الحارث: أقسم بالله عليك لتقرعن أبا هريرة - لأنه كان يقول: من أصبح جنبا أفطر ذلك اليوم - ومروان يومئذ على المدينة. فقال أبو بكر فكره ذلك عبد الرحمن ثم قُدِّر لنا أن نجتمع بذي الحًليفة وكانت لأبي هريرة هناك أرضٌ فقال عبد الرحمن لأبي هريرة: إني ذاكر لك أمرا ولولا مروان أقسم عليَّ فيه لم أذكره لك. فذكر قول عائشة وأم سلمه، فقال: كذلك حدثني الفضل بن عباس وهو أعلم (4).

وفي رواية معمر، عن ابن شهاب أنَّ أبا هريرة لما ذكر له عبد الرحمن قول عائشة " تلوَّن وجهه " (5).

____________

1 - البداية والنهاية: 4/109، سير أعلام النبلاء: 2/606، وليت أحدا يدلنا على هؤلاء الذين كانوا مع بشر بن سعيد، وما أسماؤهم؟ فربما وصلت لنا مروياتهم وهي من كعب!

2 - تأويل مختلف الحديث: ص 50.

3 - نحن لانقبل مانسب الى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وننزهه من هذا الفعل، ولكن نحتج بالرواية على من يثبتونها.

4 - صحيح البخاري: كتاب الصوم، باب الصائم يصبح جنبا.

5 - راجع شيخ المضيرة: ص 138.


 

الصفحة 212

 

هذه مشكلة كبيرة جدا في مرجعية الصحابة، وربما كان يأخذ الصحابي من أحد الصحابة المنافقين المتظاهرين بالتقوى الذين لا يعلمهم إلا الله ( وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَ‌دُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ) (1) وهؤلاء المنافقون يسعون لتشويه صورة الإسلام. فلعل بعض الصحابة أخذوا عنهم ونسبوا الحديث للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والنبي منه برئ. فكيف نحل هذه المعضلة؟!

وقد يأخذ الصحابي عن مخبر يهودي ممن دخلوا الإسلام ليكيدوا له ككعب الأحبار مثلا.

روى أحمد عن أبي هريرة: " إن يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس، قال الذين عليهم: ارجعوا فستحفرونه غدا فيعودون... ".

قال ابن كثير: " لعل أبا هريرة تلقاه من كعب - الأحبار -، فإنه كان كثيرا ما يجالسه ويحدثه، فحدث به أبو هريرة، فتوهم بعض الرواة عنه أنه مرفوع فرفعه... " (2).

قال يزيد بن هارون: " سمعت شعبة يقول: أبو هريرة كان يدلس، أي يروي ما سمعه من كعب وما سمعه من رسول الله ولا يميِّز هذا من هذا " (3).

قال رشيد رضا حين تكلم عن كعب الأحبار ووهب بن منبه: " وما يدرينا أن تلك الروايات المرفوعة أو الموقوفة ترجع إليهما، فإن الصحابة (4) لم يكونوا يذكرون ما يسمع بعضهم من بعض ومن التابعين على سبيل الرواية والنقل. بل يذكرونه من غير عزو غالبا، وكثير من التابعين كذلك، بل أكثر ما روي عن أبي هريرة من الأحاديث

____________

1 - التوبة: 101.

2 - تفسير ابن كثير: 3/111.

3 - رواه ابن عساكر، انظر علوم مصطلح الحديث صبحي الصالح، البداية والنهاية: 4/109، وهناك رواية قريبة منها في سير أعلام النبلاء: 2/608.


 

الصفحة 213

 

المرفوعة لم يسمعه منه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " (1).

وقال: " وأنا لا آمن أن يكون بعض أحاديث أبي هريرة المرفوعة الغريبة المتون - التي لم يصرح فيها بالسماع - مما رواه كعب الأحبار، فقد صرحوا أنه روى عنه " (2).

روى مسلم عن أبي هريرة: " أخذ رسول الله بيدي فقال: خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الأثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم عليه‌السلام بعد العصر يوم الجمعة في آخر الخلق من آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل ".

وقد قدح أئمة الحديث في هذا الحديث. قال البخاري: " الصحيح انه موقوف على كعب الأحبار " (3) ومع أنَّ هذا الحديث من كعب الأحبار إلا أن أبا هريرة ينسبه للنبي ويؤكِّد ذلك بقوله: " أخذ رسول الله بيدي "!!

وعن أبي هريرة، قال: " سمعت رسول الله يحكي عن موسى على المنبر قال: وقع في نفس موسى هل ينام الله (4)؟ فأرسل الله تعالى إليه ملكا فأرقه ثلاثا، وأعطاه قارورتين، في كل يد قارورة، وأمره أن يحتفظ بهما، فجعل ينام وتكاد يداه تلتقيان، ثم يستيقظ فيحبس إحدى القارورتين عن الأخرى، حتى نام نومه فاصطفقت يداه فانكسرت القارورتان " (5).

قال ابن كثير: " والظاهر أنَّ هذا الحديث ليس بمرفوع، بل من الإسرائيليات

____________

1 - مجلة المنار: 19/97. راجع شيخ المضيرة: ص 150.

2 - وأنا لا آمن!... راجع مجلة المنار: 27/342 وشيخ المضيرة.

3 - تفسير سوة الإخلاص لابن تيمية: ص 16.

4 - تفسير ابن كثير: 3/568.


 

الصفحة 214

 

المنكرة، فإن موسى عليه‌السلام أجل من أن يجَّوز على الله سبحانه وتعالى النوم، وقد أخبر الله (1) في كتابه العزيز بانه الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم، له ما في السموات وما في الأرض " (2).

لقد كان أبو هريرة يأخذ عن مخبرين ككعب وغيره وينسب للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دون ذكر لاسم الشخص الذي أخذ عنه، فهل يرضى الله أن نأخذ ديننا عن رواة يأخذون عمن هب ودب من اليهود والمنافقين؟ وإذا كانت أم المؤمنين كذبته في قوله عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم:

" من أصبح جنبا أفطر ذلك اليوم " فكيف نأمن أن لا تكون أحاديث أبي هريرة كهذا؟

وإذا أخطأ في هذا الحديث فهو معرَّض لأن يخطئ في غيره.

فالحق أنَّ جعل الصحابة نقلة للسنة أمرٌ خطير، وأنا لا أريد أن آخذ ديني عن مجهول قد يكون يهوديا ماكرا أو منافقا خبيثا. فعلى علماء الحديث أن يبينوا لنا هؤلاء المخبرين الذين كان يأخذ عنهم أبو هريرة حتى نطمئن بأنهم ليسوا من اليهود أو المنافقين، ثم ننظر فإن لم يقدروا على ذلك فليرحموا أنفسهم بالبحث عن مرجعيّةٍ أفضل..

 

الصحابة يخطئون بالنقل

كان هناك قسم من الصحابة يغلطون بالرواية عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، وهذا أمر خطير، فلربما نقلوا لنا الكثير من الروايات المغلوطة، ويتعبد بها الملايين، وهي ليست كما قال النبي، والأمثلة على ذلك كثيرة.

عن مطرف قال: " قال لي عمران بن حصين: أي مطرف، والله إن كنت لأرى أني لو شئت حدثت عن نبي الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يومين متتابعين لا أعيد حديثا، ثم لقد زادني بُطأً عن ذلك وكراهية له، أنَّ رجلا من أصحاب محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - أو من بعض أصحاب محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - شهدت كما شهدوا وسمعت كما سمعوا يحدثون أحاديث ما هي كما يقولون، ولقد علمت

____________

1 - تفسير ابن كثير: 3/568.

2 – البداية والنهاية 10/15.


 

الصفحة 215

 

أنهم لا يألون عن الخير، فأخاف أن يشبه لي كما شبِّه لهم... " (1).

هذه شهادة لصحابي كبير في أنَّ الصحابة كانوا يخطئون في نقل أحاديث النبي.

وقول عمران هذا يدخل علينا الشك في الأحاديث التي بين أيدينا. فلربما يكون بعضها عن هؤلاء الصحابة الذين كانوا يغلطون. إننا لو علمنا أسماءهم أو علمنا رواياتهم لربما يحل الإشكال بورود رواياتهم عن طريق آخر، ولكن للأسف لا نستطيع إحراز أسمائهم ولا رواياتهم.

فكيف يطمئن المسلم بجعل هؤلاء الصحابة همزة الوصل بينه وبين منبع تعاليم الإسلام؟! وكيف يطمئن بكل الأحاديث التي وصلت إلينا مما قد تكون من الأحاديث الخاطئة؟! وهل يمكن القول أنَّ الله (2) - وهو الحريص على إيصال دينه الى عباده بصورة صحيحة - وضع لنا بعد نبيه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مرجعية تخطئ في النقل؟! لا أعتقد أن مسلما يقول ذلك.

قال زيد بن ثابت: " لعل كل شئ حدثتكم به ليس كما حدثتكم " (3)!!!

إن زيدا يدعونا الى التشكيك في كل أحاديثه التي وصلت إلينا، فلا ندري كيف نأخذ بأحاديثه بعد هذا؟

إنني لا أستطيع أن آخذ ديني عن زيد بن ثابت بعد شهادته هذه على نفسه. كما أنَّ كل حديث مرسل يواجهنا سنفترض أنه مأخوذ عن زيد وسنشكك به لأنه قد لا يكون كما حدثهم به!!

وإنني أرى في قول زيد هذا أكبر عائق يقف أمامنا ويمنعنا عن جعل زيد والصحابة مراجعنا بعد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم. فإذا شك زيد في أحاديثه - وهو من علماء الصحابة - فهذا الشك وارد في حق الصحابة الآخرين ممن هم أقل حفظا وضبطا للحديث من زيد!!

____________

1 - مسند أحمد: 5/599، مجمع الزوائد: 1/141، تأويل مختلف الحديث: 40.

2 - جامع بيان العلم: 1/65، وذكره عجاج الخطيب في السنة قبل التدوين: 313 نقلا عن نفس المصدر.


 

الصفحة 216

 

وروي: أنه بلغ عائشة قول ابن عمر: " في القُبلةِ، الوضوء "، فقالت: كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقبل وهو صائمٌ، ثم لا يتوضأ " (1).

هذا صحابي آخر يعتبر من المكثرين، له في كتب السنن 2630 حديثا وقد أخطأ في نقل حديث النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعكس المعنى حتى أصلحت قوله أم المؤمنين. ولولاها لنقل إلينا هذا الحديث على صورته المقلوبة!!

فإذا كان ابن عمر يخطئ في الرواية عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فكيف نطمئن بالأخذ عنه؟

فربما روى أحاديث خاطئة كما فعل في الحديث السابق ووصلت إلينا رواياته على أنها من الإسلام! أليس هذا أمرا جائزا ومحتملا؟ فالأمثلة على ذلك كثيرة.

أخرج أحمد عن ابن عمر أنه قال: وقف رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على القليب يوم بدر قال: يافلان يافلان هل وجدتم ماوعدكم ربكم حقا أما والله إنهم الآن ليسمعون كلامي. قال يحيى: فقالت عائشة: غفر الله لأبي عبد الرحمن إنه وَهمٌ إنما قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: إنهم ليعلمون أن الذي كنت أقول لهم حقا (2)...

وأخرج أحمد عن عائشة أنه بلغها أنَّ ابن عمر يحدث عن أبيه عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: " الميت يعذَّب ببكاء أهله عليه ". فقالت: يرحم الله عمر وابن عمر فوالله ما هما بكاذبين (3) ولا مكذبين ولا متزيِّدين، انما قال ذلك رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في رجل من اليهود ومر بأهله وهم يبكون عليه، فقال: " إنهم ليبكون عليه وان الله (4) ليعذبه في قبره " (5).

____________

1 - الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة: الزركشي، 97، ونقله عن الدارقطني.

2 - مسند أحمد: 4/427.

3 - حتى لو كانا غير كاذبين، فالله لايعتمد لنقل شريعته من يخطئ في نقل الحديث بالشكل الذي يغير المعنى الأصيل له كله.

4 - 6/281. سنن النسائي بشرح الحافظ السيوطي: 4/18 - 19.


الصفحة 217

وفي " الانصاف " لشاه صاحب، فقضت عائشة بأنه لم يأخذ الحديث على وجهه (1).

لقد أخطأ ابن عمر في نقل حديث قليب بدر، وكذا أخطأ عمر بن الخطاب في نقل حديث " الميِّت يعذَّب ببكاء أهله " فمع أنَّ الحديث جاء في رجل من اليهود إلا أنَّ عمر حدَّث به على أنه من نصوص الإسلام، ونقله ابن عمر وحدث به عن أبيه إلى أن صححت له عائشة الحديث.

ألا ترى أن اعتماد هكذا مرجعية بعدالنبي فيه خطر على تعاليم الإسلام ونصوصه؟!

وهل يعقل أن يختار الله لتبليغ دينه من يقلب نصوصه رأسا على عقب - ولو بدون قصد؟!

من عقل ذلك فهو يتهم الله بأنه فرط في دينه، إذ رضي أن يجعل حملته قاصرين عن فهم النص وملابساته.

إنَّ هذه الإشكالات التي وقع فيها ابن عمر وأبوه تجعلنا نشك في أحاديث عمر وابنه، وإذا صححت لهم عائشة بعض أحاديثهم فلا نضمن أنها صححت لهم كل أحاديثهم. مع أنها هي أيضا عرضةٌ للخطأ والسهو فهي غير معصومة!

وقد يرد البعض علينا أمام هذه الإشكالات بقوله: إذا وردت أحاديث عمر وابنه من طرق أخرى فسيحل الإشكال. ويبدو أن هذا الحل غير مجد، فماذا نفعل بالأحاديث التي تفرد بها عمر وابنه؟! بل قل: وأحاديث بقية الصحابة التي تفرّدوا بها؟! فالذي وقع فيه عمر وابنه قد يقع فيه غيرهم.

أخرج البخاري عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: " إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم " (2).

" هذا الحديث مما استدركت به عائشة على ابن عمر وكانت تقول: غلط ابن

____________

1 - الغدير: 10/43.

2 - كتاب الأذان، باب أذان الأعمى اذا كان له من يخبره.


الصفحة 218

 

عمر، وصحيحه أنَّ ابن مكتوم ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال " (1).

وروي أن ابن عمر " كان يقول: اعتمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عمرة في رجب، فسمعت بذلك عائشة فقضت عليه بالسهو " (2)!!

وأخرج أحمد: قال عبد الله بن عمر: " قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: الشهر تسعة وعشرون، وصفق بيديه مرتين، ثم صفق الثالثة وقبض إبهامه. فقالت عائشة: غفر الله لأبي عبد الرحمن انه وهمٌ، إنما هجر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نساءه شهرا فنزل لتسعة وعشرين فقالوا: يا رسول الله إنك نزلت لتسعة وعشرين فقال: إنَّ الشهر يكون تسعة وعشرين " (3).

وهكذا لو لم تصحِّح عائشة هذا الحديث لابن عمر لحلت مشكلة الهلال في رمضان، ولكان العيد بعد اليوم التاسع والعشرين مباشرة ولصمنا تسعة وعشرين يوما لا نزيد عليها وان لم ير هلال رمضان كما كان يفعل ابن عمر (4).

إن هناك الكثير من الأحاديث التي لم تصححها عائشة لابن عمر، فماذا نفعل بها، ألا يحتمل فيها الخطأ كما حصل عنده في أحاديثه السابقة؟!

أعتقد أنَّ طريق الخلاص من هذه المشكلة واضحٌ للعيان، وهو اتباع المرجعية التي جعلها الله لنا بعد نبيه وهي ليست مرجعية الصحابة.

عن الزهري قال: كان محمد بن جبير بن مطعم يحدث أنه كان عند معاوية وفدٌ من قريش، فقام معاوية فحمد الله، ثم قال: " بلغني أن رجالا منكم يتحدثون أحاديث

____________

1 - الغدير: 10/44. قال الأميني: " وبهذا جزم الوليد، وكذا أخرجه ابن خزيمة وابن المنذر وابن حبان من طرق عن شعبة، وكذلك أخرجه الطحاوي والطبراني من طريق منصور بن زادان عن خبب بن عبد الرحمن ". وراجع الإجابة: 97 و 98.

2 - جمع الفوائد: 1/345 - 346.

3 - المسند: 2/31، وانظر الإجابة للزركشي: ص 98.

4 - راجع مسند أحمد: 2/13.


الصفحة 219

ليست في كتاب الله ولا تؤثر عن رسول الله فأولئك جهالكم " (1).

إذا كانت هذه الأحاديث التي يروونها لا تؤثر عن رسول الله، فمن يضمن لنا أن لا تكون قد وصلت إلينا؟!

فالأحرى بكل مسلم عاقل أن يترك مرجعية الصحابة التي تخطئ في نقل السنن وأن يبحث معنا عن المرجعية التي وضعتها السماء لحفظ الإسلام وإسعاد البشرية.

 

صحابة مشكوك في روايتهم

روي عن أبي حنيفة أنَّه قال: " أقلد جميع الصحابة ولا أستجيز خلافهم برأي إلا ثلاثة نفر: أنس بن مالك وأبو هريرة وسمرة. فقيل له في ذلك. فقال: أما أنس فاختلط في آخر عمره. وكان يستفتى فيفتي من عقله، وأنا لا أقلد عقله، وأما أبو هريرة، فكان يروي كل ما سمع من غير أن يتأمل في المعنى، ومن غير أن يعرف الناسخ والمنسوخ " (2).

هذا أنس قد خلط في آخر عمره وأفتى من عقله بشهادة أبي حنيفة الذي أدركه وسمع منه، فهل يستطيع أحدٌ أن يميز لنا الأحاديث التي رواها أنس قبل أن يخلط عن تلك التي رواها بعد أن خلط؟!! فلربما وصل إلينا عنه بعض من أحاديثه التي قالها بعد أن خلط ونقلها الرواة على أنها صحيحة، أليس هذا أمرا محتملا؟ فكل حديث رواه أنس، ليس له طريق آخر ينبغي لنا التوقف عنده لأنه قد يكون من عقله. وليس هذا فحسب، بل إن الأحاديث المرسلة - وهي التي كان يأخذها الصحابة عن بعضهم البعض وينسبوها للنبي دون ذكر لاسم الصحابي الذي أخذوا عنه - هذه الأحاديث المرسلة وما أكثرها نحتمل في كل حديث يواجهنا منها على أنه قد يكون مأخوذا عن أنس!!

____________

1 - ذكره ابن حزم في ملخص ابطال القياس، وراجع صحيح البخاري: كتاب المناقب، باب مناقب قريش.

2 - مرآة الاصول شرح مرقاة الوصول، محمد بن فراموز المعروف بملا خسرو الحنفي (ت/885 هـ‍) وهو مخطوط، راجع شيخ المضيرة: ص 146، وذكر ذلك أبو شامة الشافعي في مختصر المؤمل: ص 31 و 32.


الصفحة 220

وبعد هذا، هل يجيز المسلم لنفسه الاعتماد على هكذا رواة؟ وهل حدث في منطق الرسالات الإلهية أن بعث الله سفيرا قد اختلط عقله؟! فالحق أنَّ المسلم الغيور على دينه لا يلج من هذا الباب بحثا عن الإسلام!

وروي أن الشافعي " أسر إلى الربيع أن لاتقبل شهادة أربعة من الصحابة، وهم:

معاوية، وعمرو بن العاص، والمغيرة، وزياد " (1)!!

أما الصحابة المشكوك في الثقة برواياتهم فهم كُثر، ونكتفي هنا بواحد وهو أبو هريرة. وقد أنكر عليه السلف رواياته وشكّوا في صحتها. قال له عمر: " لتتركن الحديث عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو لالحقنك بأرض دوس " (2) وقال له بعد أن ضربه بالدرة: " أكثرت يا أبا هريرة، وأحرى بك أن تكون كاذبا على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " (3).

وأرسل عثمان يقول لأبي هريرة: " لقد أكثرت، لتنتهين أو لألحقنك بجبال دوس " (4).

وقال علي عليه‌السلام فيه: " ألا اكذب الناس على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أبو هريرة الدوسي " (5) وكان أبو هريرة يقول: " حدثني خليلي، ورأيت خليلي، وقال لي خليلي رسول الله، فبلغ عليا ذلك فقال له: متى كان النبي خليلك يا أبا هريرة؟! قال ابن قتيبة:

" وكان - عليٌّ - سئ الرأي فيه " (6).

وقال: خالفت عائشة أبا هريرة وأنكرت عليه في أكثر من موضع. ففي حديث مَن أصبح جنبا،كذَّبته عائشة وكذا أم سلمة ورجع أبو هريرة إلى قولهما. وروى أبو هريرة

____________

1 - تاريخ الطبري، ابن الأثير، ابن عساكر: 2/379، راجع شيخ المضيرة: ص 185.

2 - أخرجه ابن عساكر: 5/239 حديث رقم 4885 من كنز العمال، البداية والنهاية: 4/106، سير أعلام النبلاء: 2/600.

3 - رواه الإسكافي، راجع " أبو هريرة "، شرف الدين: ص 195.

4 - المحدث الفاصل، الرامهرمزي: ص 554.

5 - رواه أبو جعفر الإسكافي راجع أبو هريرة، شرف الدين: ص 195.

6 - تأويل مختلف الحديث: 41، ولم ينكر ابن قتيبة كلام علي في أبي هريرة!


الصفحة 221

حديثا في النهي عن المشي بالخف الواحد، فبلغ عائشة ذلك فمشت بخف واحد وقالت:

لاخالفن أبا هريرة " (1).

وقال إبراهيم النخعي - إمام العراق، وقيل عنه: إنه كان صيرفياً في الحديث -:

" كان أصحابنا يَدَعُون من حديث أبي هريرة. وعنه قال: ما كانوا يأخذون بكل حديث أبي هريرة. وعن الأعمش قال: كان إبراهيم صحيح الحديث فكنت إذا سمعت الحديث أتيته فعرضته عليه، فأتيته يوما بأحاديث من أحاديث أبي صالح عن أبي هريرة فقال:

دعني من أبي هريرة إنهم كانوا يتركون كثيرا من أحاديثه " (2).

وقد مرت بك أيها القارئ شهادة الإمام أبي حنيفة في أبي هريرة فلا تنسها. وأكَّد ابن قتيبة في رده على النظَّام أنَّ الصحابة والسابقين الأولين اتهموه وأنكروا عليه، وكانت عائشة أشدهم إنكارا عليه (3).

وقال الآمدي: " أنكر الصحابة على أبي هريرة كثرة روايته وذلك لأن الإكثار لا يؤمن معه اختلاط الضبط الذي لا يعرف لمن قلت روايته " (4).

وقال ابن الأثير: " أما رواية أبي هريرة فشك فيها قوم لكثرتها " (5).

وقال الأستاذ مصطفى صادق الرافعي فيه: "... كان عمر وعثمان وعلي وعائشة ينكرون عليه ويتهمونه، وهو أول راوية اتهم في الإسلام، وكانت عائشة أشدهم إنكارا عليه " (6).

____________

1 - راجع " أبو هريرة "، شرف الدين: ص 197.

2 - هذه الأخبار في سير أعلام النبلاء: 2/602، البداية والنهاية: 4/109، شرح النهج 1/340، العلل ومعرفة الرجال: أحمد بن حنبل، 1/428.

3 - تأويل مختلف الحديث: 39.

4 - الإحكام: 2/106.

5 - المثل السائر: ص 81.

6 - آداب العرب: 1/282.


الصفحة 222

وقال المحدث رشيد رضا: " لو طال عمر عمر حتى مات أبو هريرة لما وصلت إلينا تلك الأحاديث الكثيرة " (1).

وقال أحمد أمين عنه: " وقد أكثر الصحابة من نقده على الإكثار من الحديث عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وشكوا فيه... " (2).

وقد اعترف أبو هريرة بتكذيب الناس له. روى مسلم عن ابن رزين قال:

" خرج علينا أبو هريرة فضرب بيده على جبهته فقال: انكم تقولون اني اكذِّب على رسول الله لتهتدوا وأضل... " (3) فأهل القرون الأولى كذبوا أبا هريرة باعترافه بنفسه!

فبعد هذا، كيف يمكن لنا الاطمئنان بصحة روايات أبي هريرة الكثيرة؟! وكيف نجعله سفيرا بيننا وبين النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، وقد كذبه السلف الصالح باعترافه؟! وهل يعقل أن الله اختار أبا هريرة لتبليغ دينه، بعد أن طعن فيه السلف، وبعد أن نسب أقوالا للنبي هي لكعب الأحبار، وبعد أن رفع للنبي قولا هو من أقوال الجاهلية؟! أفتونا يا أولي الألباب.

 

الصحابة يروون عن أهل الكتاب

كان هناك من الصحابة من يحدِّث عن أهل الكتاب، وينقل حديثه على أنه من الإسلام، ومن هؤلاء عبد الله بن عمرو بن العاص.

قال ابن حجر عنه: " إنه قد ظفر في الشام بحمل جمل من كتب أهل الكتاب، فكان ينظر فيها ويحدث منها، فتجنب الأخذ عنه لذلك كثيرٌ من أئمة التابعين " (4).

____________

1 - مجلة المنار 10/851.

2 - فجر الإسلام: ص 262، الفصل الثاني من الباب السادس.

3 - 2/75.

4 - فتح الباري: 1/167.


الصفحة 223

 

يظهر من كلام ابن حجر هذا أنَّ ابن عمرو كان يحدِّث عن الرسول والزاملتين.

وقد التبس على السامعين مصدر كلامه، لذلك تجنب الأخذ عنه كثير من أئمة التابعين على حد تعبير ابن حجر. وكان عند عبد الله بن عمرو بن العاص مائتا زاملة وكان يحدث منها لمن نزل عليه من الناس! (1) وقال الحافظ ابن كثير في مقدمة تفسيره: " إن عبد الله بن عمرو أصاب يوم اليرموك زاملتين من كتب أهل الكتاب فكان يحدث منهما " (2). وقال ابن كثير عن الحديث الذي رواه البيهقي في بناء الكعبة عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا: " إنَّ الأشبه أن يكون موقوفا على عبد الله بن عمرو، ويكون من الزاملتين اللتين أصابهما يوم اليرموك من كلام أهل الكتاب "!

فكلام ابن كثير هذا يؤكد قولنا: إنَّ عبد الله كان يحدث عن الزاملتين وينسب حديثه للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، أو أنَّ الراوي عن عبد الله لا يميِّز مصدر كلامه، أهو من النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أم من الزاملتين؟ وفي كلا الاحتمالين ضرر فادح على نصوص الإسلام.

تأمل طويلا في هذه العقبة الجديدة؟ فهذا عبد الله بن عمرو بن العاص أحد العبادلة الأربعة وأحد علماء الصحابة الذين يعتمد عليهم في الرواية ينقل من الزاملتين!

أليس هذا هو الذي فتح باب الاسرائيليات إلى تراثنا الإسلامي وكان سلاحا بيد أعداء الإسلام؟

" والباحث المتثبّت والناقد البصير لا ينكر أنَّ الكثير من الاسرائيليات دخلت الإسلام عن طريق أهل الكتاب الذين أسلموا، وكذلك لا ينكر أثرها السئ في كتب العلوم وأفكار العوام من المسلمين وما جرته على الإسلام من طعون أعدائه " (3).

____________

1 - مستدرك الحاكم: 4/533.

2 - 1/4 وانظر شيخ المضيرة: ص 124.

3 - دفاع عن السنة، محمد أبو شهبة: ص 82.


الصفحة 224

 

 

ماذا سيفعل المسلم للتأكد من سلامة تعبده ومعرفته بدينه؟ أيعتمد في ذلك على الروايات المنقولة من زاملتي عبد الله بن عمرو؟ ومن يدري؟ فلعل قسما من أحاديثه كان من زاملتيه، إذ ثبت انه كان يتحدث منهما. إنَّ جعل عبد الله واسطةً بيننا وبين النبي تجعلنا في ريب من مروياته، فهل هي عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حقا أو من الزاملتين؟! فمن يريد لنا أن نأخذ عن عبد الله، عليه أن يفصِّل الروايات التي رواها عبد الله من أهل الكتاب عن الروايات التي رواها عبد الله عن النبي!!

لا أعتقد أنَّ أحدا يستطيع بيان ذلك، وإن فعل فستبقى محاولته ناقصة وظنية...

ولا أعتقد أنَّ الله يريد لنا أن نسلك هذا الطريق الوعر. فالله بلطفه أرسل لنا سفراء معصومين من الخطأ حتى تصل إلينا تعاليم السماء بصورة صحيحة.

فحاشاك ربي أن تترك دينك بين يدي عبد الله الذي يأخذ عن أهل الكتاب وبين يدي أبي هريرة، وأنس الذي اختلط عقله...

 

الصحابة ينسون

لقد نسي بعض الصحابة ما أخذ عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، ومن هؤلاء زيد بن أرقم، فعن يزيد بن حيان قال: " انطلقت أنا وحصين بن سبرة وعمر بن مسلم إلى زيد بن أرقم، فلما جلسنا إليه قال له حصين:... لقد لقيت يا زيد خيرا كثيرا، حدثنا يا زيد ما سمعت من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم. قال: يا ابن أخي، والله لقد كبرت سني وقدم عهدي ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم... " (1).

إنَّ زيد بن أرقم يعترف على نفسه أنه نسي بعض الذي كان يحفظه عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو معدود من كبار الصحابة، فلابد من أن مثله الكثير.

____________

1 - صحيح مسلم: كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب.


 

الصفحة 225

 

الإشكال الذي يرد الآن هو: كيف يختار الله لتبليغ دينه من ينسى ماائتمنه عليه (1).

إن نظرة واحدة إلى أنبياء الله تكفي لإعطائنا فكرة واضحة عن صفات المبلغين عن الله. فلم يحدث أن عهد الله برسالته إلى إنسان علم أنه سينسى ما هو مأمور بتبليغه، فالله (2) وحفاظاً على دينه من التغيير والنسيان اشترط العصمة في أنبيائه.

ومن يضمن لنا أن لا يكون زيد بن أرقم قد تحدث بعد أن كبر ونسي؟ أليس من الممكن    أن يتحدَّث زيد بعد نسيانه؟ إذا جاز هذا فمن يضمن لنا أن لا تكون رواياته البالغة 70 رواية من هذا القبيل؟ نحن لا نعني جميعها، ولكن كل حديث ليس له شاهدٌ نحتمل فيه أن يكون من نسيانه. فمن يستطيع أن يميز لنا روايات زيد قبل نسيانه من رواياته بعد نسيانه؟!

ولو افترضنا حل هذا الإشكال فماذا نفعل بالروايات المرسلة التي كان يأخذها الصحابة عن بعضهم البعض وينسبونها للنبي دون ذكر لاسم الصحابي الذي أخذوا عنه؟! فكل حديث مرسل - ومراسيل الصحابة حجة - نحتمل فيه أن يكون مأخوذا عن زيد بن أرقم بعد نسيانه فماذا نفعل بهذه المعضلة؟!

 

الصحابة يخطئون في الجواب

كان الصحابة يخطئون في فهم بعض الآيات القرآنية، وكانوا يخطئون في الإجابة عن المسائل الشرعية، وفي تنفيذ الحدود الشرعية. وكل هذه السلبيات مرفوعةٌ عن حملة دين الله، فمن يتصدَّى لمهمة بيان الدين عليه أن يكون عارفا بجميع أحكام الإسلام، وعدم توفر هذه الصفة في شخص المرجع بعد النبي، فيه ما فيه من الخطورة على

____________

1 - قد يقال: إنَّ النسيان أمرٌ ليس بيد الإنسان بل من الله، قلنا: هذا يعني أنَّ الله قد أنسى زيدا ما حفظ عن النبي!! فلو اختار الله زيدا لتبليغ دينه لما أنساه ما وعى من النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كما هو واضحٌ. وهذا مايدفعنا للتأكيد على أنَّ خليفة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في التبليغ منزِّهٌ عن النسيان لكيلا تنسى أحكام الإسلام. 
الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة