الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة 140

وجهي للباب، فهذا الذي ترى من ذلك. (1)

 

سفرجلة معروف الكرخيّ

في المأثور عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه إذا وضع أصابعه في طعام قوم وقال: بسم الله الرّحمن الرّحيم، ودعا بالبركة، أكل القوم وشبعوا وفضل من الطّعام؛ وذلك ببركته وتوكيداً لنبوّته. إلاّ أنّ آثار أسنان معروف تصيّر اللّون الواحد من الطعام مائدة فيها كلّ ما لذّ وطاب! قال سعيد بن عثمان: كنّا عند محمّد بن منصور الطّوسيّ يوماً - وعنده جماعة من أصحاب الحديث، وجماعة من الزهّاد - فسمعته يقول: صمت يوماً وقلت: لا آكل إلاّ حلالاً. فمضى يومي ولم أجد شيئاً فواصلت اليوم الثاني، والثالث، والرابع، حتّى إذا كان عند الفطر قلت: لأجعلنّ فطري اللّيلة عند من يزكّي الله طعامه. فصرت إلى معروف الكرخيّ، فسلّمت عليه وقعدت، حتّى صلّى المغرب وخرج من كان معه في المسجد، فما بقي إلاّ أنا وهو ورجل آخر، فالتفت إليّ، فقال: يا طوسيّ! قلت: لبّيك، فقال لي: تحوّل إلى أخيك فتعشّ معه. فقلت في نفسي: صمت أربعة وأفطر على ما لا أعلم! فقلت: ما بي من عشاء. فسكت عنّي ساعة، ثمّ قال لي: تقدّم إليّ. فتحاملت، وما بي - من شدّة الضّعف - من تحامل، فقعدت عن يساره. فأخذ كفّي اليمنى، فأدخلها إلى كمّه الأيسر، فأخذتُ من كمّه سفرجلةً معضوضة، فأكلتها فوجدت فيها طعم كلّ طعام طيّب، واستغنيت بها عن الماء.

قال: فسأله رجل معنا: حاضراً أنت يا أبا جعفر؟ قال: نعم، وأزيدك أنّي ما أكلت منذ ذلك حلواً ولا غيره إلاّ أصبت فيه طعم تلك السفرجلة. (2)

____________________

(1) تاريخ بغداد 13: 202.

(2) نفس المصدر 13: 201 - 202 و 3: 248 - 249.

 


الصفحة 141

معروف يمشي على الماء ويطير في الهواء

إنّ عبادة معروف وزهده وعرفانه كلّ ذلك هيّأه أن يتربّع ذروة سنام الكرامات، ويشاطر أولي العزم المعجزات! فموسى عليه‌السلام قد فلق الله تعالى له البحر ليجوزه بمن تبعه من بني إسرائيل، ومعروف يجمع الله له طرفي الماء ليتخطّاها!

قال ابن شيرويه: كنت أجالس معروف الكرخيّ كثيراً، فلمّا كان ذات يوم رأيت وجهه قد خلا، فقلت له: يا أبا محفوظ! بلغني أنّك تمشي على الماء! فقال لي: ما مشيت على الماء، ولكن إذا هممت بالعبور جمع لي طرفاها، فأتخطّاها. (1)

وعن محمّد بن مخلّد قال: قرئ على الحسن بن عبد الوهّاب - وأنا أسمع - قال: سمعت ابي يقول: قالوا إنّ معروفاً الكرخيّ يمشي على الماء، لو قيل لي إنّه يمشي في الهواء لصدّقت. (2)

 

معروف يمطر السّماء

بلغت كرامة معروف عند الله تعالى: أن تتغيّر الأنواء بفضل دعائه فيأمر السّماء في الصّيف فتمطر. عن يعقوب ابن أخي معروف، قال: قالوا لمعروف: يا أبا محفوظ، لو سألت الله أن يمطرنا! قال: وكان يوماً صائفاً شديد الحرّ. قال: ارفعوا إذاً ثيابكم. فما استتمّوا رفع ثيابهم حتّى جاء المطر. (3)

 

في ضيافة كليم الله

قال أبو جعفر السّقّاء صاحب بشر بن الحارث: رأيت بشراً الحافي ومعروف الكرخيّ وهما جائيان - أي قادمان - فقلت: من أين؟ فقالا: من جنّة الفردوس، زرنا كليم الله

____________________

(1) تاريخ بغداد 3: 206.

(2) نفس المصدر 13: 207.

(3) نفس المصدر.

 


الصفحة 142

موسى. (1)

 

كرامات بشر الحافي

بشر الحافي، من طبقة معروف الكرخيّ، وأحمد بن حنبل. (2) وقد ذكروا لبشر كرامات

____________________

(1) الرّوح / 41.

(2) عاش ثلاثتهم وماتوا في النّصف الأوّل من القرن الثالث الهجريّ، ببغداد. مع جامعة في المشيخة والتلمذة ووحدة الأصول والمبادئ.

وفي ترجمة بشر جاء: هو بشر بن الحارث بن عبد الرّحمن بن عطاء بن هلال بن ماهان، مروزيّ من مرو، موطن ولادة أحمد. وسكن الحافي بغداد، وتوفّي بها سنة 227. يعرف بالحافي ويكنّى أبا نصر. سمع شريك، ومالك بن أنس، وإبراهيم بن سعد الزّهريّ، وحمّاد بن زيد. روى عنه أحمد بن حنبل، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، ويحيى بن أكثم القاضي، وإبراهيم بن إسحاق الحربيّ (الطبقات الكبرى لابن سعد 7: 342؛ المعارف لابن قتيبة: 392؛ تاريخ الطّبريّ 9: 118؛ تاريخ بغداد 7: 67؛ وفيات الأعيان 1: 32؛ تاريخ الإسلام للذهبيّ 16: 105؛ تهذيب الكمال للمزّيّ 4: 99).

وقيل: كان بشر يلحن ولا يعرف العربيّة (تاريخ الإسلام للذهبيّ 16: 108).

ولم يكن بشر في أوّل أمره حسن السّيرة، فقد ذكروا: كان بشر بن الحارث شاطراً (وجمعه شطّار، وهي جماعة ظهرت وانتشرت ببغداد وغيرها، ويعرفون في مصر الفتوّة كانوا يمارسون إيذاء النّاس والتعدّي عليهم) يجرح بالحديد. وكان سبب توبته أنّه وجد قرطاساً في أتون حمّام فيه: «بسم الله الرّحمن الرّحيم». فعظم ذلك عليه، ورفع طرفه إلى السّماء، وقال: سيّدي، اسمك هاهنا ملقىً! فرفعه من الأرض، وقلع عنه السحاة - أي قشر موضع الاسم - الّتي هو فيها، وأتى عطّاراً، فاشترى بدرهم غالية - أي طيباً - ولطخ تلك السحاة بالغالية، فأدخله شقّ حائط وانصرف إلى زجّاج كان يجالسه، فقال له الزجّاج: والله يا أخي لقد رأيت لك في هذه الليلة رؤيا ما رأيت أحسن منها، ولست أقول لك، حتّى تحدّثني ما فعلت في هذه الأيّام فيما بينك وبين الله تعالى. فقال: ما فعلت شيئاً أعلمه، غير أنّي أجتزت اليوم بأتون حمّام، فذكره. فقال الزجّاج: رأيت كأنّ قائلاً يقول لي في المنام: قل لبشر: ترفع اسماً لنا من الأرض إجلالاً أن يداس! لننوّهنّ باسمك في الدنيا والآخرة (المصادر السابقة).

ولقد كان أحمد يطريه كثيراً، قال محمّد بن المثنّى: قلت لأحمد بن حنبل: ما تقول في هذا الرجل؟ فقال لي: أيّ الرجال؟ فقلت له: بشر، فقال لي: سألتني عن رابع سبعة من الأبدال (تاريخ بغداد 7: 72).

ويبدو من سيرة أحمد، وبشر أنّهما مولعان بسفيان الثوريّ، قال أحمد: إن كان رجل تأدّب بمذهب رجل - يعني سفيان الثوريّ - ففاقه، لقلت بشر، لو لا ما سبق لسفيان الثوريّ من السنّ والعلم (تاريخ بغداد 7: 72).

 


الصفحة 143

من جنس كرامات معروف، وأحمد، وطبقتهما وكلّها يحوم في دائرة الرؤية - رؤية الله تعالى - وتكليمه سبحانه لهم في اليقظة والمنام، وخرق العادة ممّا يباهي الشّمس وحبسها.

 

نصف الجنّة لبشر الحافي

قال أبو جعفر السّقّاء: رأيت بشر بن الحارث في النّوم، فقلت: أبا نصر، ما فعل الله بك؟ قال: ألطفني ورحمني، وقال لي: يا بشر! لو سجدت لي في الدّنيا على الجمر، ما أدّيت شكر ما حشوت قلوب عبادي منك. وأباح لي نصف الجنّة فأسرح فيها حيث شئت، ووعدني أن يغفر لمن تبع جنازتي. (1)

لعلّ هذه النّعم والمنازل الرّفيعة لبشر، مقابل العمل الصالح الّذي لم يفعله لا نبيّ ولا وصيّ نبيّ! ذلك حينما رفع الحافي تلك الورقة الّتي وجدها في أتون الحمّام وفيها اسم الله تعالى، فرفع الله ذكره!

 

رسول الله إلى الحافي

تثبيتاً من الله تعالى لوليّه الحافي، وكيما يطمئنّ قلبه، بعث إليه رسولاً يبلّغه رسالة من لدنه تعالى: عبد الله بن حنبل قال: حدّثني أبو حفص عمر بن أخت بشر بن الحارث، قال: حدّثتني أمّي قالت: جاء رجل إلى الباب فدّقه، فأجابه بشر: من هذا؟ قال: أريد بشراً فخرج إليه، فقال له: حاجتك، عافاك الله! فقال له: أنت بشر؟ فقال: نعم، حاجتك؟ فقال: إنّي رأيت ربّ العزّة تعالى في المنام وهو يقول لي: اذهب إلى بشر، فقل له: يا بشر لو سجدت لي على الجمر ما أدّيت شكري فيما قد بثثت لك في النّاس. فقال له: أنت رأيت هذا؟! فقال: نعم، رأيته ليلتين متواليتين. فقال: لا تخبر به أحداً. (2)

____________________

(1) الروح / 41.

(2) تاريخ بغداد 7: 78؛ تهذيب الكمال في أسماء الرجال 4: 108؛ المنتظم لأبي الفرج 11: 124، ولم يقل عنه موضوع كما قال عن ردّ الشمس لعليّ بدعاء النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله.

 


الصفحة 144

إنّهم يزعمون أنّ الله تعالى يرى يوم القيامة! فكيف رآه هذا الرّجل، وعلى أيّ صورة تمثّل له - جلّ وعلا عن ذلك -؟ أم أنّ الشّيطان كان من وراء ذلك؟! ولم يجعل الله سبحانه واسطة بينه وبين أوليائه من نظراء الحافي، ألم يكن حريّاً أن يتجلّى للفاضل دون المفضول؟!

 

الجنّ تنوح على بشر

لقد كان خبر وفاة الحافي صاعقاً! ليس على المؤمنين البشر ممّن سحرتهم شخصيّة بشر وإنّما حلّت المصيبة لذلك بساحة الجنّ. قال أبو حفص ابن أخت بشر بن الحارث: كنت أسمع الجنّ تنوح على خالي في البيت الّذي كان يكون فيه غير مرّة. (1)

 

حبّ الحافي شفاعة

ولمن فاته أجر تشييع الحافي غدت محبّته شفاعة تغفر معها الذّنوب، وذلك لخطر منزلة الحافي عند الله تعالى! قال القاسم بن منبّه: رأيت بشر بن الحارث في النّوم، فقلت: ما فعل الله بك يا بشر؟ قال: قد غفر لي، وقال لي: يا بشر! قد غفرت لك ولمن تبع جنازتك. فقلت: يا ربّ ولكلّ من أحبّني؟! قال: ولكلّ من أحبّك إلى يوم القيامة. (2)

 

عوج بن عنق

كان الحافي قليل الرّواية للغاية في الحديث. قال الخطيب: وكان - الحافي - كثير الحديث، إلاّ أنّه لم ينصب نفسه للرّواية، وكان يكرهها، ودفن كتبه لأجل ذلك، وكلّ ما سمع منه فإنّما هو على سبيل المذاكرة. (3)

وفي الحلية: قال رجل لبشر: يا أبا نصر! ما تقول لله غداً إذا لقيته وسألك لم لا تحدّث؟

____________________

(1) تاريخ بغداد 7: 80؛ تهذيب الكمال 4: 109.

(2) نفس المصدر.

(3) تاريخ بغداد 7: 67؛ تهذيب الكمال 4: 102.

 


الصفحة 145

قال: أقول يا ربّ، كانت نفسي تشتهي أن تحدّث، فامتنعت من أن أحدّث ولم أعطها شهوتها.(1)

فقد صرف بشر همّته للزّهد والعبادة ومعرفة ما يقرّبه إلى الله سبحانه، فتحرّز من رواية الحديث، إلاّ أنّه لم يتحرّج من الحديث عن: «عوج بن عنق»! قال جعفر البردانيّ: سمعت بشر بن الحارث يقول: إنّ عوج بن عنق، كان يأتي البحر فيخوضه برجله، ويحتطب السّاج. وكان أوّل من دلّ على السّاج وجلبه. وكان يأخذ من البحر حوتاً بيده، فيشويه في عين الشّمس. (2)

بيد أنّ بشراً لم يذكر نسب عوج بن عنق، أجنّيّ هو أم من الإنس؟ أعجميّ أم عربيّ؟ من ولد سام أم من ولد حام؟ أين ولد وفي أيّ بلد مات؟ وهل ترك من بعده خلفاً، أم أنّهم بادوا؟!

ولعلّه من قوم عاد. أخرج ابن عساكر عن الزّهريّ أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله سأل ربّه أن يريه رجلاً من قوم عاد، فأراه رجلاً رجلاه في المدينه ورأسه بذي الحليفة! (3)

 

أثقال الجرّاح تفزع أهل الجنّة

قال ابن القيّم: لما مات رجاء بن حيوة (4) رأته امرأة عابدةٌ، فقالت: يا أبا المقدام، إلام

____________________

(1) حلية الأولياء لأبي نعيم 8: 355.

(2) تاريخ الإسلام للذهبيّ 16: 112؛ حلية الأولياء لأبي نعيم 8: 351.

(3) الخصائص الكبرى للسيوطيّ 2: 152. وذو الحليفة: موضع بينه وبين المدينة ستّة أميال. وفي كتاب العرائس للثّعلبيّ ص 136 قال: قال ابن عمر: كان طول عوج بن عنق ثلاثة وعشرين ألف ذراع وثلاثمائة وثلاثة وثلاثون ذراعاً بالذراع الأوّل! وكان عوج يحتجز السّحب، ويشرب منه الماء، ويتناول الحوت من قرار البحر فيشويه بعين الشّمس، يرفعه إليها ثمّ يأكله.

(4) هو رجاء بن حيوة بن جرول - وقيل: جندل، وخنزل - بن الأحنف بن السّمط بن المرئ القيس الكنديّ يكنّى أبا المقدام. عداده في أهل الشّام، مات سنة 113 هـ. روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الرّحمن بن غنم الأشعري، وعبد الملك بن مروان، وعمر بن عبد العزيز، ومعاذ بن جبل، ومعاوية بن أبي سفيان، وورّاد كاتب المغيرة بن شعبة، وأبي الدّرداء. الطبقات الكبرى لابن سعد 7: 454؛ طبقات خليفة بن =

 


الصفحة 146

صرتم؟ قال: إلى خير، ولكن فزعنا بعدكم فزعةً ظننّا أنّ القيامة قد قامت. قالت: قلت: وممّ ذلك؟ قال: دخل الجرّاح وأصحابه الجنّة بأثقالهم، حتّى ازدحموا على بابها. (1) جنّة عرضها السماوات والأرض؛ هلاّ جعل بابها مناسباً لها في السّعة كيما يدخلها الجرّاح وفيلقه من غير جلبة؟! وهل خلت الجنّة ممّا تشتهي الأنفس وتلذّ الأعين، حتّى يحمل الجرّاح وأصحابه أثقال دنياهم يستعينوا بها في حياتهم الجديدة؟! ثمّ كيف وصل ذلك الحطام إلى الجنّة - الّتي لم تفتّح أبوابها بعد، وإنّما ما بعد البعث - أتراه قد دفن معهم؟!

 

ضيغم يزور الله

ومن وحي روحه قال: «لما ماتت رابعة، رأتها امرأة فقالت: ما فعل أبو مالك؛ تعني ضيغماً؟ فقالت: يزور الله تبارك وتعالى متى شاء. (2)

 

ضيوف الرّحمن

وقال ابن القيّم: وكان شعبة (3) بن الحجّاج، ومسعر (4) بن كدام، حافظين جليلين. قال أبو أحمد البريديّ: فرأيتهما بعد موتهما، فقلت: أبا بسطام، ما فعل الله بك؟ فقال: وفّقك الله

____________________

خيّاط 566؛ المعارف 472؛ حلية الأولياء 5: 170؛ وفيات الأعيان 2: 60؛ شذرات الذّهب 1: 145؛ تهذيب التهذيب لابن حجر 3: 265؛ تاريخ الإسلام للذهبيّ 4: 249؛ تهذيب الكمال 9: 151.

(1) الرّوح: 34.

(2) نفس المصدر 35.

(3) شعبة بن الحجّاج بن الورد، أبو بسطام العتكيّ، مولاهم. واسطيّ الأصل بصريّ الدّار. ولد سنة ثلاث وسبعين، ومات سنة ستّين ومائة. قال أحمد بن حنبل: كان شعبة أمّة وحده في هذا الشأن - يعني علم الرّجال - وبصره في الحديث وتثبّته، وتنقيته للرّجال، وكان شاعراً. قال يزيد بن زريع: قدم علينا شعبة البصرة ورأيه رأي سوءٍ خبيث، يعني الترفّض! فما زلنا به حتّى ترك قوله وصار معنا. تاريخ بغداد 9: 255 - 266.

(4) مسعر بن كدام الهلاليّ العامريّ، أبو سلمة الكوفيّ، مات سنة ثلاث وخمسين ومائة. تهذيب الكمال للمزّيّ 27: 461؛ طبقات ابن سعد 6: 364؛ حلية الأولياء 7: 210.وكان السليمانيّ يقول: كان من المرجئة (الميزان للذهبي جـ 4، رقم 8470).

 


الصفحة 147

لحفظ ما أقول:

حباني    إلهي    في    الجنان    iiبقبّة      لها   ألف   باب  من  لجين  iiوجوهراً
وقال   لي   الرّحمن:  يا  شعبة  iiالّذي      تبحّر    في    جمع    العلوم   iiفأكثرا
تنعّم  بقربي،  إنّني  عنك  ذو  iiرضى      وعن  عبدي  القّوام  في اللّيل iiمسعرا
كفى   مسعراً   عزّاً   بأن  سيزورني      وأكشف  عن  وجهي  الكريم  iiلينظرا
وهذا      فعالي      بالّذين     iiتنسّكوا      ولم يألفوا في سالف الدّهر منكرا (1)

إذا كان شعبة قد نال قصب السّبق هذا لعلمه ولتركه الترفّض فصار من القوم، فما بال مسعر يتنعّم بنفس الحظوة، وهو من المرجئة؟!

ويجد المطالع والباحث في أصول ومعتقدات ومؤلّفات ابن القيّم إصراراً واضحاً على الأخذ بمبدأ التجسيم والتشبيه والرؤية، ولذا أين وجد ضالّته المنشودة في هذا الباب: عند شعبة أو مسعر أو غيرهما، إلاّ وجمعه من غير رويّة!

 

مناقب إبراهيم (2) بن أدهم

ذكروا لإبراهيم بن أدهم كرامات ومناقب، كلّ واحدة منها تبزّ رواة ردّ الشّمس ويباريهم في حقل التحدّي! وتصكّ الآذان وتقرع القلوب فتأخذ بمجامعها؛ فأيّها أوقع في النّفوس وأبلغ: رواية الرّوافض أم هذا الحقل اليانع من فواضل ابن أدهم الزّاهي؟!

____________________

(1) الروح: 40.

(2) إبراهيم بن أدهم بن منصور بن يزيد بن جابر العجليّ، وقيل: التّميميّ، أبو إسحاق البلخيّ. هرب من أبي مسلم الخراسانيّ فجاء إلى الشّام. قال خلف بن تميم: سألت إبراهيم بن أدهم: منذكم قدمت الشّام؟ قال: منذ أربع وعشرين سنة، وما جئت لرباط ولالجهاد. فقلت: لم جئت؟ قال: جئت أشبع من خبز الحلال.

روى عن سفيان الثّوري، وسليمان الأعمش، وشعبة بن الحجّاج، والأوزاعيّ، ومقاتل، ومنصور بن المعتمر، وموسى بن عقبة. وروى عنه: سفيان الثّوريّ، وهو من أقرانه، والأوزاعيّ، وقطن بن صالح الدّمشقيّ. قال في الميزان 3: 391: أحد الكذّابين ومات إبراهيم بن أدهم سنة 162. حلية الأولياء 7: 367؛ معجم البلدان لياقوت 3: 196؛ تهذيب الكمال للمزّيّ 2: 27 - 37؛ والوافي بالوفيات للصّفديّ 5: 318.

 


الصفحة 148

مائده المسيح

قال عديّ الصيّاد - من أهل جبلة -: سمعت يزيد بن قيس، يحلف بالله أنّه كان ينظر إلى إبراهيم بن أدهم، وهو على شطّ البحر في وقت الإفطار، فيرى مائدة توضع بين يديه لا يدري من وضعها، ثمّ يراه يقوم فينصرف حتّى يدخل جبلة وما معه شيء (1)!

هنيئاً للزهّاد أن تخدمهم ملائكة الرّحمن بموائد الجنان في الدّنيا ولهم في الآخرة مزيد، في حين يظلّ عليّ وآله ثلاثة أيّام سغباً خمص البطون لا يفطرون إلاّ على الماء، فهلاّ نزلت عليهم مائدة ابن أدهم؟!

 

أبو قبيس في طاعة ابن أدهم

كنّا نقرأ في كتب التاريخ والسّيرة أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، وقف على جبل أحد، ومعه أبو بكر، وعثمان، فتحرّك الجبل، فقال له النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله: اسكن فما عليك إلاّ نبيّ وصدّيق وشهيد، فسكن الجبل. ولم يدر في خلدنا ولا طرأ في خلجات خواطرنا أن يرث أحد من النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله كراماته ومعاجزه، مثلما لم يرثه أحد في تركته، ولأجله كذّبوا بضعته الطّاهرة الزّهراء عليها‌السلام في دعواها بأنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله قد وهبها «فدكاً». إلاّ أنّ إبراهيم بن أدهم وأمثاله من المتزهّدين قد آتاهم الله تعالى من الفضل أنّهم ورثة الأنبياء. فالجبل والبحر دائبان في طاعة ابن أدهم.

قال عيسى بن حازم: حدّثني إبراهيم بن أدهم، قال: لو أنّ مؤمناً قال لذاك الجبل زل لزال. قال فتحرّك أبو قبيس، فقال: اسكن، إنّي لم أعنك. قال: فسكن. (2)

 

البحر مسخّر لابن أدهم

قال خلف بن تميم: كان إبراهيم بن أدهم في البحر، فعصفت الرّيح واشتدّت، وإبراهيم

____________________

(1) حلية الأولياء 8: 3.

(2) نفس المصدر 8: 4.

 


الصفحة 149

ملفوف في كسائه، فقال له رجل: يا هذا! ما ترى ما نحن فيه من هذا الهول، وأنت نائم في كسائك؟! قال: فكشف إبراهيم رأسه ثمّ رفع رأسه إلى السّماء، فقال: اللّهمّ قد أريتنا قدرتك فأرنا عفوك. قال: فسكن البحر حتّى صار كالدّهن. (1)

 

ملك الغاب

قال خلف بن تميم: كنّا مع إبراهيم بن أدهم في سفر له، فأتاه النّاس فقالوا: إنّ الأسد قد وقف على طريقنا. قال: فأتاه، فقال: يا أبا الحارث! إن كنت أمرت فينا بشيء فامض لما أمرت به، وإن لم تكن أمرت فينا بشيء فتنحّ عن طريقنا. قال: فمضى وهو يهمهم. (2)

إنّ الجبل له أذن واعية، يسمع كلام ابن أدهم فيزول من مكانه ويعود إليه بدعائه! والأسد يفهم كلام هذا الرّجل فيتنحّى بعيداً، والله تعالى يجيب دعائه، فيسكن البحر بعد هيجانه وتهدأ الرّيح من بعد عصف شديد، وتنزل عليه مائدة من السّماء لتكون عيداً له ولمن سلك سبيله. لكن إذا دعا النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله الله تعالى ليحبس الشّمس أو يردّها من بعد مغيب فهذا ممّا لا يعقل، وإن هذا إلاّ اختلاق!

 

غاية الزهد

ما أكثر قصص انقلاب الأشياء وتحوّلها إلى اُخر، تكريماً لفلان أو فلان، بما يقضي حاجته، وربّما حدثت معجزة في صدق سيرته.

قال عيسى بن حازم: إنّ إبراهيم بن أدهم خرج في غزاة، فحدّثته نفسه أن يقترض من أحد أصحابه، ثمّ ناب إلى الله واعتذر وطلب حاجته منه سبحانه، فإذا أربعمائة دينار، فتناول منها ديناراً فقط. (3)

____________________

(1) حلية الأولياء 8: 5.

(2) نفس المصدر 8: 4.

(3) نفس المصدر 8: 6.

 


الصفحة 150

البلّوط يصير رطباً

قال محمّد بن منصور الطّوسيّ: حدّثنا أبو النضر، قال: كان إبراهيم بن أدهم يأخذ الرّطب من شجرة البلّوط. (1)

ومن قبل، أوحى سبحانه إلى مريم عليها‌السلام أن تهزّ جذع النّخلة فتساقط عليها الرّطب جنيّاً، فأكلت مريّاً!

 

كرامة معلّم الغناء

يبدو أنّ لأصحاب الرذائل منازل وفواضل كما هو للأتقياء والأفاضل! فهذا مثلاً الماجشون (2) الّذي لا حظّ له من العلم إلاّ أنّه كان معلّماً للغناء، واتّخاذ القيان.

أمّا الكرامة الّتي أثبتوها للماجشون فهي من جنس ذلك الهذيان والغثيان الذي شاع في تلك العهود، ولا تسيغها أذن إلاّ من فم قينة على ضرب طبل وعود!

____________________

(1) حلية الأولياء 8: 3.

(2) أبو يوسف يعقوب بن أبي سلمة، واسم أبي سلمة: دينار، وقيل ميمون. ويلقّب: الماجشون، القرشيّ التّيميّ، مولى آل المنكدر. سمع عبد الله بن عمر بن الخطّاب، وعمر بن عبد العزيز، ومحمّد بن المنكدر، وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج، وأبا هريرة. روى عنه ابناه: عبد العزيز، ويوسف، وابن أخيه عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة. مات سنة أربع وستّين ومائة. قال مصعب الزّبيريّ إنّما سمّي الماجشون للونه. وقال البخاريّ: الماجشون بالفارسيّة: المورّد.

قال مصعب: وكان يعلّم الغناء ويتّخذ القيان ظاهراً أمره في ذلك. وكان يجالس عروة بن الزّبير، وعمر بن عبد العزيز في إمرته. وكان الماجشون أوّل من علّم الغناء من أهل المروءة بالمدينة، وكان يكون مع عمر بن عبد العزيز في ولاية عمر على المدينة، وكان يأنس إليه. وكان الماجشون يعين ربيعة على أبي الزّناد، لأنّ أبا الزّناد يعادي ربيعة.

وكان أبو الزناد يقول: مثلي ومثل الماجشون مثل ذئب كان يلحّ على أهل قرية فيأكل صبيانهم، فاجتمعوا له وخرجوا في طلبه، فهرب منهم وانقطع عنهم، إلاّ صاحب فخّار، فإنّه ألحّ في طلبه، فوقف له الذئب، فقال: هؤلاء أعذرهم، فأنت مالي ولك؟! ما كسرت لك فخّارةً قطّ. والماجشون ما كسرت له كبراً (أي طبلاً) ولا بربطاً (أي عوداً للغناء). وفيات الأعيان لابن خلّكان 6: 376؛ تاريخ الإسلام 5: 19؛ سير أعلام النبلاء 5: 370؛ شذرات الذهب 1: 259؛ تهذيب التهذيب 11: 389.

 


الصفحة 151

«أخرج الحافظ يعقوب بن أبي شيبة بالإسناد عن ابن الماجشون، قال: عرج بروح الماجشون، فوضعناه على سرير الغسل، فدخل غاسل إليه يغسّله فرأى عرقاً في أسفل قدمه يتحرّك، فأقبل علينا وقال: أرى عرقاً يتحرّك ولا أرى أن أعجّل عليه! فاعتللنا على النّاس بالأمر الّذي رأيناه وفي الغدجاء النّاس، وغدا الغاسل عليه فرأى العرق على حاله، فاعتذرنا إلى النّاس فمكث ثلاثاً على حاله والنّاس يتردّدون إليه ليصلّوا عليه، ثمّ استوى جالساً وقال: ايتوني بسويق، فأتي به فشربه فقلنا له: خبّرنا، ما رأيت؟ فقال: نعم عرج بروحي فصعد بي الملك، حتّى أتى سماء الدّنيا، فاستفتح ففتح له، ثمّ عرج هكذا في السّموات حتّى انتهى إلى السّماء السّابعة، فقيل له: من معك؟ قال: الماجشون. فقيل له: لم يأن له بعد، بقي من عمره كذا وكذا سنةً، وكذا وكذا شهراً، وكذا وكذا يوماً، وكذا وكذا ساعة ثمّ هبط فرأيت النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، وأبا بكر عن يمينه، وعمر عن يساره، وعمر بن عبد العزيز بين يديه، فقلت للملك الّذي معي: من هذا؟ قال: عمر بن عبد العزيز. قلت: إنّه لقريب من رسول الله! فقال: إنّه عمل بالحقّ في زمن الجور، وإنّهما عملا بالحقّ في زمن الحقّ». (1)

ليس من إشكال أن ينال الماجشون هذه المنزلة الرفيعة والكرامة العظيمة جزاءً وثواباً للبرّ الّذي كان يقوم به والعمل الصالح الّذي ضرب به القدح المعلّى ألا وهو اقتناء القيان وتعليم أهل المروءة (كذا) الغناء والضرب بالعود والطنبور فلا عدم الشيطان أولياءً!

إلاّ أنّ الإشكال هو: هل إنّ ملك الموت مستقلّ في عمله وحركته، فاشتبه عليه أوان قبض روح الماجشون؟ أم إنّ الاشتباه من الآمر وهو الله؟! تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً.

____________________

(1) نفس المصدر، ومرآة الجنان لليافعيّ 1: 351؛ تهذيب الكمال للمزيّ 32: 338، وقال: روى له مسلم، وأبو داود، والتّرمذيّ، والنّسائيّ. وله ترجمة في الكاشف للذهبيّ 3: رقم 6499؛ الجرح والتعديل 9 رقم 863؛ تاريخ البخاريّ الكبير 8 رقم 3447؛ طبقات خليفة 467 وقال: الماجشون - بضمّ الجيم والشين.

 


الصفحة 152

جيوش الخليفة تسير على صفحة الماء

تتكرّر أخبار الّذين يمطرون السّماء، وتعبر جيوشهم على صفحة الماء مثل سيرها على أديم الأرض المعبّدة. عن أبي هريرة، وأنس، قالا: «جهّز عمر بن الخطّاب جيشاً واستعمل عليهم العلاء (1) بن الحضرميّ، وكنت في غزاته، فوجدنا القوم قد بدروا بنا فعفّوا آثار الماء - أي درسوا آثار الماء ومحوها - والحرّ شديد، فجهدنا العطش ودوابّنا وذلك يوم الجمعة، فلمّا مالت الشّمس لغروبها صلّى بنا ركعتين، ثمّ مدّيده إلى السّماء، وما نرى في السّماء شيئاً، قال: فو الله ما حطّ يده حتّى بعث الله ريحاً وأنشأ سحاباً، وأفرغت حتّى ملأت الغدر والشّعاب، فشربنا وسقينا ركابنا واستقينا، ثمّ أتينا عدوّنا وقد جاوزوا خليجاً في البحر إلى جزيرة، فوقف على الخليج وقال: يا عليّ يا عظيم يا حليم يا كريم. ثمّ قال: أجيزوا باسم الله. قال: فأجزنان ما يبلّ الماء حوافر دوابّنا...»(2).

لا ينبئك مثل خبير، ولكن: لم القسم سواء من أبي هريرة خليفة الحضرميّ في ولاية البحرين، أو أنس وما أدراك ما أنس؟!، وكلاهما ثقة وأيّ ثقة! - وكفى بهما أن تغطّي أحاديثهما صفحة السّيرة والفقه لكثرتها الكاثرة. وإذا كان الحضرميّ مجاب الدّعوة حتّى يركم سحاباً ويمطره! ويخرج البحر عن طوره فتجتازه تلك الجموع بخيلها وجمالها وأحمالها، فلم لا تبتلّ حوافر دوابّهم كما بتلّت أجساد المجاهدين مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بدماء نحورهم وكسرت رباعيّة النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، واستجاب الله تعالى دعاء نبيّه فحقّق له النّصر

____________________

(1) العلاء بن الحضرميّ، من حضرموت؛ واسم الحضرميّ: عبد الله بن عباد، ويقال ابن عماد، وقيل غير ذلك؛ حليف بني أميّة. توفّي والياً على البحرين فاستعمل عمر بعده أبا هريرة.

أخته الصعبة بنت الحضرميّ، تزوّجها أبو سفيان وطلّقها فخلف عليها عبيد الله بن عثمان التيميّ، فولدت له طلحة بن عبيد الله التيميّ، قتله مروان بن الحكم يوم الجمل في عسكر عائشة! وأخو العلاء هو عامر بن الحضرميّ قتل يوم بدر كافراً، وأخوهما عمرو بن الحضرميّ أيضاً قتل مشركاً. الاستيعاب 3: 146 - 147، الإصابة 2: 498؛ المحبّر لابن حبيب 126؛ طبقات خليفة 42؛ طبقات ابن سعد 4: 359؛ أسد الغابة 4: 74 - 75؛ سيرة ابن هشام 2: 275، 311، 365.

(2) البداية والنهاية 6: 155، وفي الاستيعاب، والإصابة، وأسد الغابة أوجزوا الخبر قالوا: خاض البحر بكلمات قالها ودعا بها. قالوا: وكان مجاب الدّعوة.

 


الصفحة 153

ولكن بعد أن صدّق المسلمون الجهاد وقدّموا قرابين الشّهادة؟! اللّهمّ إلاّ أن يكون ابن الحضرميّ أفضل عند الله من نبيّه! فصدّقوا استجابة دعائه على نحو ما تقدّم، ولم يصدّقوا استجابة دعاء النّبيّ في حبس الشّمس!

 

قصّة أخرى

ورووا مثل ذلك عن سعد بن أبي وقّاص الذي نعتوه كذلك أنّه مجاب الدّعوة. قالوا: أرسل عمر بن الخطّاب جيشاً إلى مدائن كسرى، فلمّا بلغوا شاطئ الدّجلة لم يجدوا سفينةً، فقال سعد بن أبي وقّاص وهو أمير السريّة، وخالد بن الوليد: يا بحر! إنّك تجري بأمر الله، فبحرمة محمّد وعدل عمر إلاّ ما خلّيتنا والعبور. فعبروا هم وخيلهم وجمالهم فلم تبتلّ حوافرها (1)!

قد يكون تخلّف سعد بن ابي وقّاص عن بيعة امير المؤمنين عليّ عليه‌السلام عن اجتهاد منه، والمجتهد يخطئ ويصيب - كذا - وأنّه كان بعيداً عن مجلس النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، فلم يكن يسمع منه أحاديثه في منزلة عليّ عليه‌السلام وتفضيله وأنّه الوصيّ والخليفة بعده، ولم يحضر بيعة الغدير ولا سمع بها!. ولكن ما هذه الاثنينيّة: المستشفع: سعد أحد العشرة المبشّرة بالجنّة! وخالد صاحب البوائق وعلى رأسها قتله المسلمين من بني يربوع وفيهم مالكبن نويرة الصحابيّ الجليل، ودخوله بزوجة مالك عنوة في اللّيلة ذاتها! وكان عمر يطالب أبا بكر أن يوقع القصاص فيه فيمتنع اجتهاداً ببسالة خالد؛ وكان عليّ يقول لو أنّ لي سلطاناً لقتلت خالداً.

والمستشفع به: رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وحرمته عند الله سبحانه، وعدل عمر! ولا نعلّق هنا إلاّ نقول: أيجوز جعل النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله المعصوم سيّد ولد آدم مطلقاً، وعمر في كفّتي ميزان متعادلة!

وإذا جاز عندهم هذا، وجاز أن يجيب الله سبحانه بحقّهما دعاء سعد وخالد فيبطل مفعول الماء وطبيعته: وهي غرق من يدخل أعماقه ويبلّل ما يلامسه، فهلاّ استجاب سبحانه دعاء نبيّه في ردّ الشمس ليكون أحد معاجزه وكرامةً لوليّه؛ أم ينغضون رؤوسهم

____________________

(1) نزهة المجالس للصفّوريّ 2: 191.

 


الصفحة 154

عتوّاً واستكباراً!

 

كرامة أخرى لسعد

أخرج ابن الجوزيّ من طريق لبيبة، قال: دعا سعد فقال: يا ربّ إنّ لي بنين صغاراً فأخّر عنّي الموت حتّى يبلغوا، فأخّر عنه الموت عشرين سنة. (1)

ما أعظمها من كرامة لسعد إذ شبّ ابنه عمر بن سعد وبلغ مبلغ الرّجال ليأتمر بأمر يزيد ابن معاوية فيقود الجيش الذي قتل سبط النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وريحانته الحسين بن عليّ عليهما‌السلام وأهل بيته! ولا ندري هل يتحمّل سعد بعض وزر ابنه عمر هذا غداً يوم الحساب لدعائه المستجاب وما ترتّب عليه من جريمة شنعاء؟!

 

دلائل النّبوّة عند ابن كثير

ابن كثير أحد الأبناء الّذين زامنوا الفتن العاصفة فتأثّروا بها وأثّروا، وهم ابن حنبل، وابن الجوزيّ، وابن تيميّة، وابن القيّم، وابن كثير، وخاتمة العقد: ابن عبد الوهّاب التميميّ النّجديّ، وكلّهم يصدرون من مذهب واحد في العقيدة وأصول الدّين وفروعه.

أمعن ابن كثير في ذكر الأخبار الغريبة والشاذّة وأقام من بعضها دلائل على نبوّة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله.

روى ابن كثير عن أبي منظور أنّه قال: «لما فتح الله على نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله خيبر، أصابه من سهمه حمار أسود، فكلّم النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله الحمار فقال له: ما اسمك؟ قال: يزيد بن شهاب، أخرج الله من نسل جدّي ستّين حماراً كلّهم لم يركبهم إلاّ نبيّ، لم يبق من نسل جدّي غيري، ولا من الأنبياء غيرك، وقد كنت أتوقّعك أن تركبني. قد كنت قبلك لرجل يهوديّ، وكنت أعثربه، وكان يجيع بطني ويضرب ظهري. فقال له النّبيّ: سمّيتك يعفور، يا يعفور! قال: لبّيك. قال: أتشتهي الإناث؟

قال: لا. فكان النّبيّ يركبه لحاجته فإذا نزل عنه بعث به إلى باب الرّجل، فيأتي الباب

____________________

(1) صفة الصفوة لابن الجوزيّ 1: 140.

 


الصفحة 155

فيقرعه برأسه، فإذا خرج إليه صاحب الدّار أومأ إليه أن أجب رسول الله. فلمّا قبض النّبيّ جاء إلى بئر كانت لأبي الهيثم بن التّيّهان فتردّى فيها فصارت قبره، جزعاً منه على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله. (1)

ليس العجب في رفضهم ما بلغ التواتر حتّى أصبح حقيقةً مسلّماً بها، إنّما العجب تصديقهم وتناقلهم لمثل هذه الترّهات التافهة، فهل هو قصد متعمّد للانتقاص من مقام النّبوّة وفتح باب لكلّ عدوٍّ وجاهل ينفذان منه لخوض الجدال والتشكيك، أم ران على أفئدة فهم لا يفقهون؟!

 

كرامة شيبان

وذكر ابن كثير كرامةً لرجل سمّاه شيبان ومن كرامته أنّ الله تعالى استجاب له دعاءه فأحيا له حماره الميّت. «روى إبراهيم الحربيّ - صاحب أحمد بن حنبل - من طريق مجالد عن الشعبيّ، قال: خرج رجل من النّخع يقال له: شيبان، في جيش على حمار له في زمن عمر، فوقع الحمار ميّتاً، فدعاه أصحاب ليحملوه ومتاعه فامتنع، فقام فتوضّأ ثمّ قام

____________________

(1) البداية والنهاية لابن كثير 6: 150. ولم أجد له ذكراً في كتب السّيرة المعتبرة مثل سيرة ابن اسحاق. وغاية ما ذكر الطّبريّ في تاريخه 2: 422 - ذكر أسماء بغال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله - قال: وحماره يعفور أهداه له المقوقس، وكذلك في مختصر تاريخ دمشق 2: 255. ولم أجد فيما حضرني من مصادر شيئاً يركن إليه في ترجمة «أبي منظور» فإنّ كتب النّسب المعتمدة القديمة مثل «جمهرة النّسب للكلبيّ» و «طبقات خليفة بن خيّاط» و «المحبّر» لابن حبيب، و «كتاب النّسب» لابن سلام، تسكت عنه تماماً. في حين تذكره بعض المصادر على نحو يؤكّد كذب الرواية. ذكر ابن حجر في الإصابة 4: 186، قال: «أبو منظور» غير منسوب جاء ذكره في خبر واه أورده أبو موسى من طريق أبي حذيفة عبد الله بن حبيب الهذليّ، عن أبي عبد الله السلميّ، عن أبي منظور قال: لما فتح رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أظنّه - خيبر أصاب حماراً أسود فكلّمه فتكلّم فقال: ما اسمك؟ قال: يزيد ابن شهاب.. فذكر الحديث بطوله وأن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله سمّاه يعفوراً، قال أبو موسى بعد تخريجه: هذا حديث منكر جدّاً إسناداً ومتناً لا أحلّ لأحد أن يرويه عنّي إلاّ مع كلامي عليه، ومثله في أسد الغابة 6: 304. إنّ الحديث ساقط من ناحية السند فكلّ رجاله مجهولون لا ترجمة لهم ولا وجود! وأحسنهم حالاً «أبو منظور» إذ ذكروه ولكنّه غير منسوب وليس له حديث غير هذا! ولم يسلم إلاّ أبو موسى الّذي أورده، ولكنّه ضعّف الحديث ووصفه على ما سمعناه، مع اضطراب متنه. إلاّ أنّ ابن كثير أطلقه وأطال، فلماذا؟!

 


الصفحة 156

عند رأسه فقال: اللّهمّ إنّي أسلمت لك طائعاً، وهاجرت في سبيلك مختاراً ابتغاء مرضاتك، وإنّ حماري كان يعينني ويكفيني عن النّاس، فقوّني به ولا تجعل لأحد عليّ منّة غيرك. فنفض الحمار رأسه وقام فشدّ عليه ولحق بأصحابه» (1).

لا نكذّب ابنكثير ولا غيره ممّن أثبتوا هذه الحادثة، وذلك من خلال الاعتراض على هذا الولع الشديد عند شيبان بحماره، وتعفّفه المفرط عن أن يكون رديف اصحابه وقد خرج معهم غازياً، ولكن مثلما استجاب الله تعالى له دعاءه فأحيا له حماره، فما وجه الغرابة في عودة الشّمس كرامةً لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله؟! أم أنّ شيبان هذا أعظم عند الله منزلةً من نبيّه؟!

 

كرامة معاوية

عن أبي الفتح القوّاس (2) «أنّه وجد في كتبه جزءاً له في فضائل معاوية وقد قرضته الفأرة، فدعا الله تعالى على الفأرة الّتي قرضته فسقطت من السّقف، ولم تزل تضطرب حتّى ماتت» (3)!

لم يثبت عندنا صحّة إسلام معاوية بن أبي سفيان، ولا أبيه أبي سفيان؛ إنّما هو الفتح المبين وتحرير بيت الله الحرام من آسار الوثنيّة والشّرك وتحطيم الأصنام، فتحطّمت بذلك العزّة الوهميّة لطواغيت قريش، وعلى رأسهم أبو سفيان الّذي أخذ له العبّاس بن عبد المطّلب أماناً من النّبيّ، وحتّى اللحظة الحرجة هذه فإنّه أجاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله حين سأله: تشهد أنّي رسول الله؟ قال: أمّا هذه فمنها في القلب شيء!

وكان النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله إذا رأى أبا سفيان يقوده ابنه، لعنهما وحذّر ممّا سيكون منهما.

____________________

(1) البداية والنهاية 6: 153؛ الإصابة 2: 169.

(2) ترجم له الخطيب البغداديّ في تاريخه، قال: يوسف بن عمر بن مسرور، أبو الفتح القوّاس. سمع البغويّ، وأبابكر بن أبي داود، ومحمّد بن يوسف القاضي وتوفّي سنة 385، وحمل إلى قبر أحمد بن حنبل. وكان ثقة صالحاً مأموناً صادقاً زاهداً مستجاب الدّعوة، من الأبدال! قال الدار قطنيّ: كنّا نتبرّك بأبي الفتح القوّاس وهو صبيّ! تاريخ بغداد 14: 325 - 327.

(3) تاريخ بغداد 14: 327.

 


الصفحة 157

ولم يثبت لمعاوية فضيلة إلاّ دعاء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فيه: «لا أشبع الله بطنه»! فكان يأكل ولا يشبع. وكان كريماً بالمال بخيلاً بالطّعام يقعد بطنه على فخذيه وفضيلة اُخرى هي خذلانه لعثمان ثمّ خروجه مطالباً بدمه؛ فكانت وقعة صفّين، وما أدراك ما صفّين؟! ومن فضائله: سنّته في سبّ امير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام وجعل ذلك متمّماً للصّلاة وخطبتها! وقتله الصّالحين مثل حجر بن عديّ الكنديّ وإخوانه ممّا أوجر عليه قلوب أمّهات المسلمين! وتنصيبه ابنه يزيد وليّاً للعهد مع معرفته بحاله. وشتم عليّ عليه‌السلام شتم لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، ومن ثمّ شتم لله تعالى، كما في أحاديث النّبيّ، ولأنّ عليّاً نفس رسول الله، كما في آية المباهلة وحديث النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله في ذلك ومن أين علم القوّاس أنّ الفأرة هي سبب تلف تلك الأوراق العزيزة؟! وهل هلاك الفأرة كرامة لمعاوية أم للقوّاس؟

 

معاجز يهوديّ!

عن الأوزاعيّ (1)، قال: أردت بيت المقدس فرافقت يهوديّاً، فلمّا صرنا إلى طبرية نزل فاستخرج ضفدعاً، فشدّ في عنقه خيطاً فصار خنزيراً! فقال: أذهب فأبيعه من هؤلاء النّصارى، فذهب فباعه وجاء بطعام. فركبنا فما سرنا غير بعيد حتّى جاء القوم في الطّلب، فقال لي: أحسبه صار ضفدعاً في أيديهم! قال: فحانت منّي التفاتة فإذا بدنه ناحية ورأسه ناحية. قال فوقفت فجاء القوم فلمّا نظروا إليه فزعوا من السّلطان ورجعوا عنه. قال تقول لي الرأس: رجعوا؟ قال قلت: نعم، قال فالتأم الرأس إلى البدن وركبنا وركب. قال: فقلت:

____________________

(1) عبد الرّحمن بن عمرو يحمد الشّامي روى عن عطاء، وعكرمة، وابن سيرين، والأعمش، وابن حزم، ومكحول الشاميّ، ونافع مولى ابن عمر، ومحمّد بن مسلم بن شهاب الزّهريّ. روى عنه: سفيان الثّوريّ، وشعبة ابن الحجّاج، وعبد الله بن المبارك، ووكيع، والطّبرانيّ، ويحيى القطّان. ولد سنة 88، وكان مكتبه باليمامة، فلذلك سمع من مشايخ أهل اليمامة، وسكن الشّام ومات سنة 157. عن عبد الرّحمن بن مهدي: الأئمّة في الحديث أربعة: الأوزاعيّ، ومالك، وسفيان الثّوريّ، وحمّاد بن زيد، طبقات ابن سعد 7: 488؛ تهذيب الكمال 17: 307؛ طبقات خليفة 315؛ حلية الأولياء 6: 135؛ تاريخ الإسلام للذهبيّ 6: 225؛ وفيات الأعيان 3: 127.

 


الصفحة 158

لا رافقتك أبداً، اذهب عنّي!» (1).

هذا هو إمام الحديث: الأوزاعيّ - ولم يكن رافضيّاً - يروي مثل هذه الحكاية!

لعلّ في صحبة الأوزاعيّ لليهوديّ أمراً ليس من شأننا ولا نستطيع استقصاءه؛ فقد يكون لإقامة الدليل له على صحّة الإسلام أو لاتخاذه دليلاً له يوصله إلى بيت المقدس! ولكن ما هذا الّذي ذكره من سلوك صاحبه - اليهوديّ - والذي يرقى إلى معاجز نبيّ الله موسى عليه‌السلام؟!

 

معاجز القاسطين

وإذا كان للأولياء من عظيم الشأن عند الله تعالى، فيمطر السماء استجابةً منه سبحانه لدعاء فلان الوليّ، ويجمع ضفتى النهر لوليّه فلان ليعبره من غير عناء... فما بال النّواصب الخوارج لهم من تلكم الرفعة وأعظم؟!

معاجز أبي مسلم (2) الخولانيّ: جنديّ في عسكر معاوية بن أبي سفيان، ورسوله في حرب صفّين إلى امير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام؛ فلمّا قطعه امير المؤمنين بالحجّة البالغة، خرج وهو يقول: «الآن طاب الضِّراب»!

فهل كرامات هذا الخارجيّ النّاصبيّ القاسط والّتي تبلغ المعجز، من مبالغته في

____________________

(1) تاريخ بغداد 6: 295.

(2) اسمه عبد الله بن ثوب، ويقال: ابن ثوّاب...، ويقال: ابن عوف، ويقال: ابن مشكم، ويقال: اسمه يعقوب ابن عوف. الاستيعاب 4: 192؛ أسد الغابة 6: 288؛ طبقات ابن سعد 7: 448؛ تهذيب الكمال 34: 290 - 293 أدرك الجاهلية ولم يلق النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله؛ ولقي أبا بكر، فعداده في التّابعين، يعدّ في أهل الشّام. روى عن عمر ابن الخطّاب، ومعاذ بن جبل، ومعاوية بن أبي سفيان، وأبي عبيدة بن الجرّاح، وأبي مسلم الجليليّ معلّم كعب الأحبار؛ تهذيب الكمال 34: 290. روى عنه إبراهيم بن أبي عبلة، وشرحبيل بن مسلم الخولانيّ، وعبد الله بن عروة بن الزّبير، وعطاء الخراسانيّ، وعطاء بن أبي رباح، ومكحول الشّاميّ، وأبو العالية الرّياحيّ وأبو عثمان الخولانيّ؛ تهذيب الكمال 34: 290 - 291.

قال: «روى له الجماعة سوى البخاريّ»؛ تهذيب الكمال 34: 291. مات الخولانيّ أيّام يزيد بن معاوية. له حديث حسّنه التّرمذيّ، وقال صحيح: 0 قال الله تعالى: المتحابّون في جلالي لهم منابر من نور يغبطهم النّبيّون والشّهداء»؛ الترمذي 2390 ولا ندري لم يغبطهم الأنبياء وهم دليل الهداية لهذه المحبّة!

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة