الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة 122

كرامات أحمد بن حنبل (1): لقد حاول هؤلاء أو يستروا أنفسهم بدعوى التّسنّن، وكأنّ

____________________

(1) أحمد بن محمّد بن حنبل، مروزيّ الأصل، قدمت أمّه بغداد وهي حامل فولدته ونشأ بها. تاريخ بغداد 4: 412.

قال صالح بن أحمد بن حنبل: ولد - يعني أباه - في سنة أربع وستّين ومائة، وجيء به من ومرو حملاً. مناقب أحمد بن حنبل لابن الجوزيّ ص 13.

وقد ولي جدّه حنبل بن هلال سرخس، وكان من أبناء الدعوة، أي العبّاسيّة.

سمع من إسماعيل بن عليّة، ويحيى بن سعيد القطّان، وأبي داود الطيالسيّ، ووكيع بن الجرّاح، وسفيان بن عيينة، ومحمّد بن إدريس الشّافعيّ، وابراهيم بن سعد الزّهريّ، وعبد الرزّاق بن همام، وأبي مسهر الدمشقيّ، وعليّ بن عيّاش، وبشر بن شعيب الحمصيّين... وآخرين.

وروى عنه ابناه: صالح، وعبد الله، وابن عمّه حنبل بن إسحاق، والبخاريّ، ومسلم، وإبراهيم الحربيّ، وموسى بن هارون، وأبو بكر المروزيّ، ويعقوب بن شيبة، وأبو داود السجستانيّ؛ وأبو حاتم الرازيان. تاريخ بغداد 4: 412 - 413؛ مناقب أحمد 33 - 106.

توفّي أحمد بن حنبل سنة إحد وأربعين ومائتين. قال عبد الوهّاب الورّاق: ما بلغنا أنّه كان للمسلمين جمع أكثر منهم على جنازة أحمد بن حنبل إلاّ جنازة في بني إسرائيل. تاريخ بغداد 4: 422؛ مناقب أحمد: 416.

وفي عدد من صلّى على أحمد يقول أبو زرعة: إنّ المتوكّل أمر أن يمسح الموضع الّذي وقف عليه النّاس حيث صلّى على أحمد بن حنبل، فبلغ مصلّى ألف ألف وخمس مائة ألف. وعن الحسن المقانعيّ، قال: كنت ببغداد فإذا بشيخ وشاب وعليهما طمران من شعر، فسلّمت عليهما، وقلت لهما: أراكما من غير هذا البلد! قالا: نعم، نحن من جبل اللكام، حضرنا جنازة أحمد بن حنبل، وما بقي أحد من الأولياء إلاّ شاهد هذا المكان، مناقب أحمد: 417.

قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: لما حضرت أبي الوفاة جلست عنده، فجعل يغرق ثمّ يفيق ثمّ يفتح عينيه ويقول بيده هكذا: لا بعد، لا بعد، ثلاث مرّات. فلمّا كان في الثالثة قلت: يا أبه أيّ شيء هذا؟ فقال: غبليس لعنه الله قائم حذائي عاضّ - في مختصر تاريخ دمشق 3: 253: قائماً بحذائي عاضّاً - على أنامله يقول لي: يا أحمد فتّني، وأنا أقول له: لا بعد، حتّى أموت. مناقب أحمد: 408.

ولعلّه يعني أنّ إبليس كان يلتمس من أحمد أن يطلق أساره فيأبى أحمد! قال الوركانيّ جار أحمد بن حنبل: يوم مات أحمد بن حنبل وقع المأتم والنّوح في أربعة أصناف من النّاس: المسلمين، واليهود، والنّصارى، والمجوس. وأسلم يوم مات عشرون ألفاً من اليهود والنّصارى والمجوس. تاريخ بغداد 4: 423؛ مناقب أحمد: 420؛ مختصر تاريخ دمشق 3: 255. =

 


الصفحة 123

____________________

= وقال أبو بكر المروزيّ: قال رجل بطرسوس: أنا من اليمن، وكانت لي بنت مصابة، فجئت بالعزّامين فعزموا عليها، ففارقها الجنّيّ على أن لا يعاود. فعاود بعد سنة فقلت: أليس قد فارقت على أن لا تعاود؟ قال: بلى، ولكن مات اليوم رجل بالعراق يقال له أحمد بن حنبل، فذهبت الجنّ كلّها تصلّي عليه إلاّ المردة وأنا منهم، ولست أعود بعد يومي هذا، فما عاد مناقب أحمد 420.

جملة من اعتقاداته: كان أحمد بن حنبل يقول: من قال القرآن مخلوق فهو كافر.

أمّا مذهبه في الصّفات قال عبد الله بن أحمد: قال أبي هذه الأحاديث - أي أحاديث الصّفات - نرويها كما جاءت. وإنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله قال: إنّ أهل الجنّة يرون ربّهم. مناقب أحمد: 156؛ تاريخ الإسلام للذهبيّ 18: 87؛ وقال: إنّ النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله: قد رأى ربّه. مناقب أحمد: 172.

قال أحمد: أصول السّنّة عندنا التمسّك بما كان عليه الصّحابة، وترك البدع، وليس في السّنّة قياس، والقرآن كلام الله غير مخلوق، والإيمان بالرؤية - أي رؤية الله سبحانه - يوم القيامة، والحديث عندنا على ظاهره كما جاء عن النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، والكلام فيه بدعة - أي الكلام في تأويل الأحاديث بما يناسب ذات الله المقدّسة من غير تمسّك بالظّاهر الّذي يفضي إلى التجسيم والتبعيض والتحديد - ولكن نؤمن به على ظاهرة ولا نناظر فيه أحداً، وإنّ الله يكلّم العباد يوم القيامة، ليس بينهم وبينه ترجمان. مناقب أحمد 173؛ تاريخ الإسلام للذهبيّ 18: 87.

قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألت أبي عن قوم يقولون: لما كلّم الله موسى لم يتكلّم بصوت. فقال أبي: بلى تكلّم بصوت. هذه الأحاديث نرويها كما جاءت، أي من غير تأويل.

قال: غذا تكلّم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء، فيخرّون سجّداً (تاريخ الإسلام 18: 88). وقال: حديث ابن مسعود «إذا تكلّم الله سمع له صوت كمرّ السّلسلة على الصّفوان» قال: وهذا الجهميّة تنكره، وهؤلاء كفّار يريدون أن يموّهوا على النّاس (تاريخ الإسلام 18: 88).

لقد حكم أحمد على من ينزّه الله تعالى عن صفات البشر بالكفر! وكان أحمد شديداً على الجهميّة على ما رأينا من نعتهم بالكفر. ومن أقواله فيهم: إذا صلّيت وبجنبك جهميّ فأعد! مناقب أحمد 157. وهو إذ يدعو إلى الإرجاء فيما غاب من الأمور، فإنّه يحكم بالكفر على الواقفة - أي الّذين يقولون: القرآن كتاب الله، ويتوقّفون عن القول إنذه غير مخلوق - ففي الإرجاء قال: من صفة المؤمن من أهل السّنّة والجماعة إرجاء ما غاب عنه من الأمور إلى الله (مناقب أحمد 156). وفي الواقفة قال سلمة بن شبيب: دخلت على أحمد بن حنبل فقلت: ما تقول فيمن يقول القرآن كلام الله؟ فقال أحمد: من لم يقل كلام الله غير مخلوق فهو كافر. وقال سلمة: قلت لأحمد: الواقفة كفّار؟ فقال: كفّار «نفس المصدر». وقال أحمد: افترقت الجهميّة على ثلاث فرق، فرقة قالوا: القرآن مخلوق، وفرقة قالوا: كلام الله، وسكتوا، وفرقة قالوا: لفظنا بالقرآن مخلوق. ثمّ قال: لا يصلّى خلف مَن =

 


الصفحة 124

____________________

= قال القرآن مخلوق، ولا خلف واقفيّ ولا خلف لفظيّ.

(نفس المصدر 159).

مهاجمة أحمد للفرق الإسلاميّة: ولم يقف أحمد في حملته الشديدة على من ذكرنا. فلقد أشعل فتيل المعركة الكلاميّة مع المعتزلة والشّيعة، إلاّ أنّ حملته كانت أشد على الشّيعة الّذين نعتهم بالرّوافض. وهو ما يفسّر حماسة ابن تيميّة في حربه الكلاميّة مع هؤلاء. في المعتزلة قال أحمد: علماء المعتزلة زنادقة. (مناقب أحمد 158). وفي الشّيعة قال: إنّهم قالوا: إنّ عليّاً أفضل من أبي بكر، وإنّ إسلام عليّ أقدم من إسلام أبي بكر. فمن زعم أنّ عليّا أفضل من أبي بكر فقد ردّ الكتاب والسّنّة. ومن زعم أنّ إسلام عليّ كان أقدم من إسلام أبي بكر فقد أخطأ؛ لأنّ أبا بكر أسلم وهو يومئذ ابن خمس وثلاثين سنة، وعليّ يومئذ ابن سبع سنين لم تجر عليه الأحكام والحدود والفرائص! (مناقب أحمد 169).

إنّ الّذي أجرى الأحكام والحدود والفرائض على عليّ عليه‌السلام هو الله ورسوله، لا أحمد وغيره. فمن ردّ ذلك فقد ردّ الكتاب والسّنّة! ولقد نطق عيسى عليه‌السلام بالنبوّة وهو في المهد صبيّ! والكلام مبسوط في كتب أئمّة المذاهب، ولم يختلفوا في أنّ عليّاً ليس أوّل من أسلم فحسب، وإنّما لم يكفر يوما لكي يسلم، ولم يسجد قطّ لصنم من أصنام قريش ولا غيرها، ولذا قالوا فيه: كرّم الله وجهه. أمّا مسألة التفضيل فليس هذا محلّ الكلام فيها، إلاّ أنّه لابدّ من القول وجازة: إنّ عليّاً نفس رسول الله قرآنا وسنّة - وقد عرضنا لهذه القضيّة في كتابنا هذا - ولا يعدل رسول الله أحد، فكيف يفضله؟!

وقال صالح بن أحمد بن حنبل: كان أبي يقول: لا تصلّي خلف رافضيّ (مناقب أحمد 159). وأحمد إذ ينعت الشيعيّ بالرّفض، فإنّه ينفي عنه صفة الإسلام! مناقب أحمد 165.

أحمد وأئمّة المذاهب: تنقّص أحمد من أئمّة المذاهب، إلاّ أستاذه الشّافعيّ. قال إبراهيم الحربيّ: سمعت أحمد بن حنبل - وسئل عن مالك - فقال: حديث صحيح ورأي ضعيف. وسئل عن الأوزاعيّ، فقال: حديث ضعيف ورأي ضعيف. وسئل عن أبي حنيفة، فقال: لا رأي ولا حديث. وسئل عن الشّافعيّ، فقال: حديث صحيح ورأي صحيح (تاريخ بغداد 13: 416).

وكان أحمد يقول: كان أبو حنيفة يكذب (نفس المصدر). وقال يوسف بن الحسين: سألت أحمد بن حنبل عن شيوخ الرّيّ، فقال: خمسة أدعو لهم في دبر كلّ صلاة: أبواي، والشّافعيّ، وأبو زرعة، وآخر ذهب عنّي اسمه. (مناقب أحمد 286). وقال القاضي محمّد بن محمّد بن إدريس الشّافعيّ: قال لي أحمد بن حنبل: أبوك أحد الستّة الّذين أدعو لهم سحراً (مناقب أحمد 286).

وكان الشّافعيّ يطري أحمد بن حنبل. من ذلك: إنّ الشّافعيّ قال عند قدومه إلى مصر من العراق: ما خلّفت =

 


الصفحة 125

____________________

= أحداً بالعراق يشبه أحمد بن حنبل. المصدر السابق 107. وله فيه أقوال كثيرة، انظر المصدر.

قوله بالعرش: ومن معتقداته أنّ الله تعالى كائن على عرشه، وهذا ما خالفته فيه المعتزلة والشّيعة؛ لأنّه عندهم يعني تحديد ذات الله تعالى في حيّز يشار إليه.

قال حنبل بن إسحاق: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ربّنا تبارك وتعالى على العرش بلا حدّ ولا صفة (تاريخ الإسلام للذهبيّ 18: 88).

قال الذهبيّ: معنى قوله بلا صفة أي بلا كيفيّة ولا وصف (نفس المصدر).

وقال محمّد بن إبراهيم القيسيّ: قلت لأحمد بن حنبل: يحكى عن ابن المبارك أنّه قيل له: كيف نعرف ربّنا؟ قال: في السّماء السّابعة على عرشه. قال أحمد: هكذا هو عندنا. (نفس المصدر).

عقيدته في أفعال العباد: ويبدو أنّ أحمد بن حنبل يذهب مذهب الجبريّة في تفسير أفعال العباد. قال في صفة المؤمن: يؤمن بالقضاء والقدر خيره وشرّه، وحلوه ومرّه من الله، وأنّ الله خلق الجنّة قبل خلق الخلق؛ وخلق للجنّة أهلاً، وخلق للنّار أهلاً (مناقب أحمد 169).

قال إسحاق بن إبراهيم: حضرت رجلا سأل أبا عبد الله - أحمد بن حنبل - فقال: يا أبا عبد الله، إجماع المسلمين على الإيمان خيره وشرّه؟ قال أبو عبد الله: نعم. قال: ولا نكفّر أحداً بذنب؟ فقال أبو عبد الله: اسكت، من ترك الصّلاة فقد كفر، ومن قال القرآن مخلوق فهو كافر (تاريخ الإسلام 18: 88).

من خلال المحاورة الأخيرة تتجلّى عقيدة أحمد بن حنبل في أفعال العباد، وأنّه يأخذ بمبدأ مدرسة أهل الجبر. فإنّ الرجل قد رتّب أثراً على جواب أحمد لسؤاله أنّ الخير والشرّ مقدّران من الله تعالى على عباده! فأشكل عليه أن لا يمكن والحال هذه تكفير أحد بذنب، وهو النتيجة المنطقيّة، ممّا أثار حفيظة أحمد الّذي يعتقد أنّ القول بخلق القرآن ذنب ما بعده ذنب، ومن قال به فقد كفر! ولتسويغ القول مازج بينه وبين ترك الصّلاة.

وقد أرتج باب لم، وكيف؟ وعطّل العقل عن الجواب عن ذلك وعن غيره. قال: «ومن السّنّة اللاّزمة الّتي من ترك منها خصلة ولم يقبلها ويؤمن بها لم يكن من أهلها: الإيمان بالقدر خيره وشرّه، والتصديق بالأحاديث فيه والإيمان بها، لا يقال لم ولا كيف؟ إنّما هو التصديق والإيمان بها، ومن لم يعرف تفسير الحديث وبلغه عقله فقد كفى ذلك، فعليه الإيمان والتسليم له، مثل حديث الصادق المصدوق، ومثل ما كان مثله في القدر، ومثل أحاديث الرؤية كلّها. وإن نبت - أي نفرت - عن الأسماع، واستوحش منها المستمع، فإنّما عليه الإيمان بها وأن لا يردّ منها حرفا واحداً؛ فإنّ الكلام في القدر والرؤية والقرآن وغيرها من السّنن مكروه منهيّ عنه لا يكون صاحبه - وإن أصاب بكلامه السّنّة - من أهل السّنّة (مناقب أحمد 171 - 172).

وكان من معتقد أحمد بن حنبل: وجوب لزوم جانب السلطان ومؤازرته، برّاً كان أم فاجراً «والسّنّة الّتي =

 


الصفحة 126

السّنّة تكون في اختلاق الكرامات لرفع شأن أشخاص! ولما كانت الأرض الّتي نبت فيها هؤلاء حنبليّة، فقد ذكروا لأحمد بن حنبل شمائل هي أشرف من الشّمس وأسنى من كرامة ردّها. وكذلك لما كان عصرهم يمور بالفتن والصراعات المذهبيّة، يغذّي ذلك

____________________

= توفّي عليها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أوّلها: الرّضى بقضاء الله والتسليم لأمره، والإيمان بالقدر خيره وشرّه، والجهاد مع كلّ خليفة برّ وفاجر، والصّبر تحت لواء السّلطان على ما كان منه من عدل أو جور، ولا يخرج على الأمراء بالسّيف وإن جاروا. ومن خرج على إمام من أئمّة المسلمين وقد كان النّاس اجتمعوا عليه وأقرّوا له بالخلافة بأيّ وجه كان، بالرّضى أو بالغلبة، فقد شقّ هذا الخارج عصا المسلمين، وخالف الآثار عن رسول الله، فإن مات الخارج عليه مات ميتة جاهليّة» (مناقب أحمد 175 - 176).

مذهبه في الصّحابة: بالغ أحمد بن حنبل في تعريف الصّحابيّ وتبجيله، فخلط حقّاً بباطل! وظهر أثر ذلك جليّاً في أتباعه: أبو الفرج بن الجوزيّ، وابن تيميّة، وابن القيّم... حتّى جعلوا عليّاً عليه‌السلام، ومعاوية، ويزيد، وابن النّابغة عمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة في كفّتي ميزان متعادل! فالصّحابي عنده هو من صحب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، سنّة، أو شهراً، أو يوماً، أو ساعةً، أو رآه، فهو من أصحابه (مناقب أحمد 161).

ورتّب على ذلك أثراً عظيماً، ذلك أنّ الصّحابيّ أفضل من التّابعيّ ولو كان الأخير أعظم في عمل الخير من الأوّل، وأن الصّحابيّ مصون غير مسؤول! ولا يرتضى عمل حتّى يقترن بالرضى عن كلّ الصّحابة! قال: «له - أي الصّحابيّ - من الصّحبة على قدر ما صحبه، فأدناهم صحبة هو أفضل من القرن الّذين لم يروه. ولو لقوا الله بجميع الأعمال كان هؤلاء الّذين صحبوا النبيّ ورأوه وسمعوا منه أفضل؛ لصحبتهم، من التابعين ولو عملوا كل أعمال الخير. ومن انتقص أحدا من أصحاب رسول الله، أو أبغضه لحدث كان منه، أو ذكر مساويه، كان مبتدعاً حتّى يترحم عليهم جميعاً، ويكون قلبه لهم سليماً (مناقب أحمد: 161).

وحين سئل عن عليّ عليه‌السلام، ومعاوية، قال: ما أقول فيهم إلاّ الحسنى، وقال: رحمهم الله أجمعين - أي الصحابة. ومعاوية، وعمرو بن العاص، وأبو موسى الأشعريّ، والمغيرة كلّهم وصفهم الله تعالى في كتابه فقال: ( سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ) نفس المصدر 164.

مذهبه في تفضيل الصّحابة: قال يعقوب بن إسحاق: سمعت أحمد بن حنبل - وسئل عن التفضيل - فقال على حديث ابن عمر: أبو بكر وعمر وعثمان. والخلافة، على حديث سفينة: أبو بكر وعمر و عثمان وعليّ نفس المصدر 159.

وقال محمّد بن عوف: سألت أحمد بن حنبل: ما تقول في التفضيل؟ فقال: من فضّل عليّاً على أبي بكر فقد طعن على رسول الله! ومن قدّم عليّاً على عمر فقد طعن على رسول الله وعلى أبي بكر! ومن قدّم عليّاً على عثمان فقد طعن على رسول الله وأبي بكر وعمر و على المهاجرين! ولا أحسب يصلح له عمل! نفس المصدر 162.

 


الصفحة 127

السّلطان الحاكم - وقد برزت وقتئذ ظاهرة التصوّف وأدعياء الزّهد - راح كلّ فريق يتغنّى بليلاه!

 

أحمد في ضيافة الله

قال ابن القيّم: قال عاصم الجزريّ: «رأيت في المنام كأنّي لقي بشر بن الحارث - الصوفيّ المعروف ببشر الحافي - فقلت: من أين يا أبا نصر؟ قال: من علّيّين. قلت: فما فعل أحمد بن حنبل؟ قال: تركته السّاعة مع عبد الوهّاب الورّاق بين يدي الله عزّ وجلّ، يأكلان ويشربان. فقلت له: فأنت؟ قال: علم قلّة رغبتي في الطّعام، فأباحني النّظر إليه» (1).

إنّ نسك بشر الحافي وزهده بلذائذ الدّنيا قد صحباه إلى الجنّة ونعيمها، فزهد بها فعوّضه الله تعالى النظر إليه جلّ وعلا، فيما كانت كرامة أحمد، وعبد الوهّاب أن يكونا في أعلى المراتب: يأكلان ويشربان بين يدي الله تعالى. وكلّ ذلك من التحيّز والتجسيم الّذي حوقق عليه ابن تيميّة، وابن القيّم.

 

حلية أحمد

ليست الشّمس بأشرف قدراً عند الله تعالى من الملائكة المقرّبين، إلاّ أنّ ابن القيّم قد أعظم ردّ الشّمس لعليّ عليه‌السلام فأنكره، فيما صدّق الطّرسوسيّ في رؤياه أنّ الملائكة منشغلة بتحلية أحمد!

قال: قال أبو بكر أحمد بن محمّد بن الحجّاج: حدّثني رجل من أهل طرسوس، قال: دعوت الله عزّ وجلّ أن يريني أهل القبور حتّى أسألهم عن أحمد بن حنبل ما فعل الله به؟ فرأيت بعد عشر سنين في المنام كأنّ أهل القبور قد قاموا على قبورهم، فبادروني بالكلام فقالوا: يا هذا! كم تدعو الله عزّ وجلّ أن يريك إيّانا، تسألنا عن رجل لم يزل منذ فارقكم تحلّيه الملائكة تحت شجرة طوبى؟! (2)

____________________

(1) الرّوح: 41.

(2) نفس المصدر 40.

 


الصفحة 128

والسؤال: ألم يكن من الأولى لهذا الطّرسوسيّ أن يسأل الله تعالى ليريه منزلة أحمد، من غير أن يجعل بينه وبين الله سبحانه واسطة، فيستغني بذلك عن أهل القبور الّذين أبطأوا عنه في الجواب كلّ تلكم السنين؟! وما هذه القيامة من أهل القبور، أهي القيامة الصّغرى أم نفخ الصّور ففزعوا من دون الأحياء؟! علماً أنّ ابن القيّم يؤكّد في كتابه «الرّوح» أنّ الأجساد تبلى، وتبقى الأرواح! وأيّ حلية هذه الّتي أضنى بها الملائكة أنفسهم على مدار عشر سنين ولم يفرغوا من تجهيز أحمد بها؟!

 

ثمن الولاء

ما أرخص التضحية إذا كان الثمن هو الكيل بالميزان الأوفى! وما أحلى لسع السّياط إن كان في كلّ سوط ما يقرّب إلى الله تعالى درجة، حتّى إذا مات رأى الله تعالى جهرة، وذلك قبل يوم الحساب، ولا ندري ماذا أعدّ له الله سبحانه يومئذ من النّعيم! قال ابن القيّم قال أحمد بن محمّد اللبدي: رأيت أحمد بن حنبل في النّوم، فقلت: يا أبا عبد الله! ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي، ثمّ قال لي: يا أحمد! ضربت فيّ ستّين (1) سوطاً؟ قلت: نعم يا رب، قال: هذا وجهي قد أبحتك فانظر إليه. (2)

ولم يكن ابن القيّم بدعاً فيما ذكره في روحه «كتاب الرّوح» من الغلوّ في إمامه؛ فقد سبقه إلى ذلك شيوخه: ابن تيميّة وابن الجوزيّ، ونعق بها بعدهم أعراب جفاة. وهذه أمثلة وشواهد.

 

الله سبحانه وتعالى يزور أحمد بن حنبل

إذا كان ابن القيّم قد رضي لنفسه تصديق ما قد سلف من منامات تعرب عن علوّ شأن أحمد - ومنها الجلوس إلى مآدب الله تعالى، وتنعّمه بالنّظر إليه تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً - فإنّ مدرسة التجسيم ذهبت إلى أنّ الله تعالى يبادل أحمد الزيارة. رو ابن الجوزيّ في

____________________

(1) إشارة إلى إمتناع أحمد بن حنبل من القول بخلق القرآن، فجلده المعتصم لذلك.

(2) الرّوح: 40.

 


الصفحة 129

مناقب أحمد، قال: حدّثني أبو بكر بن مكارم بن أبي يعلى الحربيّ وكان شيخاً صالحاً ن قال: قد جاء في بعض السنين مطر كثير جدّا قبل دخول رمضان بأيّام، فنمت ليلة في رمضان فأريت في منامي كأنّي قد جئت على عادتي إلى قبر الإمام أحمد بن حنبل أزوره، فرأيت قبره قد التصق بالأرض مقدار ساف أو سافين، فقلت: إنّما تمم هذا على قبر الإمام أحمد من كثرة الغيث، فسمعته من القبر وهو يقول: لا، بل هذا من هيبة الحقّ عزّ وجلّ، قد زارني فسألته عن سرّ زيارته إيّاي في كلّ عام، فقال عزّ وجلّ: يا أحمد، لأنّك نصرت كلامي فهو ينشر ويتلى في المحاريب. (1)

فما أحرى العلماء أن ينهجوا مذهب أحمد بن حنبل، فلعلّ الباري سبحانه ينعم عليهم بمثل ذلك!

وابن تيميّة، وابن الجوزيّ، وابن القيّم، وأصحاب الفتنة الإرهابيّة: أشياع ابن عبد الوهّاب الّذين انطلقوا من نجد، وحذّر منهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، وما زالوا يمارسون جرائمهم على خطى الخوارج، حذو النّعل بالنّعل، يرتضون الكافر ويحاربون المسلم، وذريعتهم أنّه - أي المسلم - قبوريّ وثنيّ يشدّ الرّحال لزيارة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، وزيارة مراقد أهل بيته عليهم‌السلام، والأولياء والصالحين، ويحكمون بالشّرك على من يقبّل مرقد أشرف بني آدم مطلقاً: رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، لكنّهم قد خصّوا قبر أحمد بفضيلة التقبيل!

وإذا كانت قدرة الله تعالى قد تجلّت للجبل فاندكّ الجبل وخرّ موسى صعقاً، فإنّ الله تعالى بذاته يزور قبر أحمد فلا يتحفض إلاّ هذا المقدار اليسير «ساف أو سافين»، وذلك لأنّه يضمّ أحمد الّذي لا ندري أهو في علّيّين كما زعموا، أم في قبره كما ذكروا؟!

لقد جعل الأبناء: ابن حنبل، وابن الجوزيّ، وابن عبد الوهّاب النّجديّ الله تعالى محلاًّ للحوادث، فأحمد يرفع إلى حضرة الربّ يزور الله سبحانه، يحاوره ويتنعّم بالنّظر إليه، ويأكل ويشرب بين يديه. وهذا يعني أنّه جلّ وعلا في جهة يشار إليها، وينطق بحرف وصوت، وله وجه يرى. وهذه كما ترى أبعاض. وهو تعالى ينزل من عند جهته العلويّة إلى حيث أحمد، تكريماً له ومبادلة لزيارته. إنّ النزول والارتفاع وما إليهما... كلّ ذلك

____________________

(1) مناقب أحمد بن حنبل، ابن الجوزيّ: 454.

 


الصفحة 130

حوادث، وجميعها جائز في حقّ إمام هذا المذهب لتكريمه؛ أمّا أن تقع كرامة إلهيّة في شأن مخلوق من مخلوقات الله تعالى، بدعاء من نبيّه فهو منكر لا يجوز!

 

أحمد أعلى من النبيّ منزلة

رفع هؤلاء مقام أحمد على مقام النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، إذ جوّزوا تقبيل قبره وشدّ الرّحال لزيارته، ومن تخلّف عن ذلك فقد جفاه، ومن زاره وتشفّع به عند قبره غفر الله ذنبه. وقد عمّت بركته أهل القبور، فأضاء الله تعالى لهم وغفر لهم، وذلك لمجاورتهم أحمد! ففي الخبر الّذي ذكره ابن الجوزيّ عن الحربيّ، قال: «فأقبلت على لحده - أي أحمد اُقبّله، ثمّ قلت: يا سيّدي! ما السّرّ في أنّه لا يقبّل قبر إلاّ قبرك؟ فقال لي: يا بنيّ ليس هذا كرامة لي، ولكن هذا كرامة لرسول الله؛ لأنّ معي شعرات من شعره. ألا ومن يحبّني يزورني في شهر رمضان، قال ذلك مرّتين (1).

صحيح أنّه استدرك فجعل ذلك كرامة لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، بأثر الشّعرات الّتي عنده، إلاّ أنّه قد خصّ بالتقبيل قبر أحمد من دون قبر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ولم يذكر لنا كيف انتقلت الشعرات إليه؟!

وذكروا عن أبي الفرج الهندبائي أنّه قال: كنت أزور قبر أحمد بن حنبل، فتركته مدّة، فرأيت في المنام قائلاً يقول لي: تركت زيارة قبر إمام السنّة؟!. (2)

 

رسول الخضر إلى أحمد

قال سلمة بن شبيب: كنّا مع أحمد بن حنبل جلوساً إذ جاءه رجل، فقال: من منكم أحمد بن حنبل؟ فسكتنا فلم نقل شيئاً، فقال: أنا أحمد بن حنبل، ما حاجتك؟! قال: ضربت إليك من أربعمائة فرسخ برّها وبحرها، جاءني الخضر ليلة الجمعة وقال لي: لم لا تخرج إلى أحمد بن حنبل؟! فقلت: لا أعرفه، فقال تأتي بغداد وتسأل عنه، وقل له: إنّ

____________________

(1) مناقب أحمد بن حنبل لأبي الفرج بن الجوزيّ: 454.

(2) نفس المصدر: 481؛ تاريخ بغداد للخطيب 4: 423.

 


الصفحة 131

ساكن السّماء الّذي على عرشه راض عنك، وسائر الملائكة راضون عنك بما صبّرت نفسك لله عزّ وجلّ. (1)

أترى إذن كيف جعلوا لله تعالى سكناً يأوي إليه هو السّماء، وهو على عرش له هناك! ولأجله كفّروا من تأوّل العرش فقال بأنّه قدرة الله المطلقة العلويّة المسيطرة!

 

زيارة أحمد حطّة الذنوب

قال ابن الجوزيّ: في صفر سنة 542 رأى رجل في المنام قائلاً يقول له: من زار أحمد ابن حنبل غفر له! قال: فلم يبق خاصّ ولا عامّ إلاّ زاره. وعقدت يومئذ ثمّ مجلساً، فاجتمع فيه ألوف من النّاس. (2)

 

عوائد زوّار أحمد

وعن جوائز زائري أحمد السّنيّة، ذكر ابن الجوزيّ عن أحمد بن الحسين عن أبيه، قال: قال الشيخ أبو طاهر ميمون: يا بنيّ، رأيت رجلاً بجامع الرّصافة في شهر ربيع الأوّل من سنة ستّين وأربعمائة، فسألته فقال: قد جئت من ستّمائة فرسخ. فقلت: في أيّ حاجة؟ قال: رأيت وأنا ببلدي في ليلة جمعة كأنّي في صحراء أو في فضاء عظيم، والخلق قيام وأبواب السّماء قد فتحت، وملائكة تنزل من السّماء تلبس أقواماً ثياباً خضراً ويطير بهم في الهواء، فقلت: من هؤلاء الذين اختصّوا بهذا؟! فقالوا لي: هؤلاء الّذين يزورون أحمد ابن حنبل. فانتبهت، ولم ألبث أن أصلحت أمري، وجئت إلى هذا البلد وزرته دفعات، وأنا عائد إلى بلدي إن شاء الله. (3)

إنّ الشّيخ ميمون هذا لم يذكر لنا ما الّذي حلّ بهؤلاء الّذين طير بهم في الهواء: أعادوا إلى الأرض أم دخلوا الفردوس قبل الموت، ومن ثمّ قيام السّاعة؟!

____________________

(1) مناقب أحمد 459؛ مختصر تاريخ دمشق 3: 251.

(2) البداية والنهاية لابن كثير 12: 323.

(3) مناقب أحمد لابن الجوزيّ: 481.

 


الصفحة 132

ولم لم تشمل الشّيخ تلك المكرمة الحلميّة العجيبة؟!

 

بركة أحمد تعمّ أهل القبور

أحمد بن حنبل محض بركة وخير، في حياته ومماته، لزائريه وجيرانه من الموتى! ذكر ابن الجوزيّ في مناقب أحمد، قال: لما مات أحمد بن حنبل راى رجل في منامه كأنّ على كلّ قبر قنديلاً. فقال: ما هذا؟ فقيل له: أما علمت أنّه نور لأهل القبور ينوّرهم بنزول هذا الرّجل بين أظهرهم، وقد كان فيهم من يعذّب فرحم. (1)

قال: «مات رجل مخنّث فرئي في النّوم، فقال: قد غفر لي! دفن عندنا أحمد بن حنبل فغفر لأهل القبور» (2)!

إنّهم بهذا قد أقرّوا لأحمد بن حنبل من الشرف والمكانة الرفيعة ما لم يقرّوا بأقلّ القليل منها لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله! وأحمد إنّما يستمدّ الشّرف بقدر اتّباعه للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله. فهم ينكرون الاستشفاع بالميّت نبيّاً كان أم غيره، ويحملون على الّذين ينقلون جنائز موتاهم ليجعلوها بجوار النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، والأولياء. إلاّ أنّهم قد منحوا أحمد الشفاعة جميعها! فسعيد حظّ من دفن بجواره، لتشمله بركته وشفاعته، وتغفر له ذنوبه فيصبح من أهل الجنّة بعد أن كان من أهل النّار!

قال: وحكى أبوظاهر الجمّال، قال: قرأت ليلة وأنا في مقبرة أحمد بن حنبل قوله تعالى: (فَمِنْهُمْ شَقِيّ وَسَعِيدٌ). ثمّ حملتني عيني فسمعت قائلاً يقول: ما فينا شقيّ والحمد لله - ببركة أحمد! (3)

وما حكاه الجمّال ليس من شأن أهل القبور وعالم البرزخ، إنّما هو عن حال الإنسان يوم القيامة! والآية بتمامها: (يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلّمُ نَفْسٌ إِلّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيّ وَسَعِيدٌ) (4). وممّا

____________________

(1) مناقب أحمد: 482.

(2) نفس المصدر.

(3) نفس المصدر.

(4) سورة هود / 105.

 


الصفحة 133

يؤكّد ذلك أنّ الآية الشريفة مسبوقة بقوله تعالى: (إِنّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ) (1)، ثمّ قوله تعالى: (وَمَا نُؤَخّرُهُ إِلّا لاَِجَلٍ مَعْدُودٍ) (2). إلى قوله تعالى: (فَمِنْهُمْ شَقِيّ وَسَعِيدٌ ) (3). وعقّب بعد ذلك بشرح حال أصحاب النّار، وأصحاب الجنّة، فظهر من ذلك باطل ما يفترون وزيف ما يبالغون!

 

حداد الملائكة على موت أحمد

أنكروا أشدّ الإنكار منقبة لأمير المؤمنين عليه‌السلام، وهي هتاف جبرئيل يوم أحد، وذلك لما قتل عليّ عليه‌السلام أصحاب الألوية وصناديد المشركين، فسمعوا هاتفاً يقول:

لا سيف إلاّ ذو iiالفقار      ولا فتى إلاّ عليّ (4)

إلاّ أنّ ابن تيميّة الذي وظّف قلمه وجعله وقفاً على إنكار الحقّ وقلب الحقائق، وناضل مستميتاً لإنكار وتكذيب ما لأمير المؤمنين عليه‌السلام من الفضائل، قد عمد إلى هذه الفضيلة فقال فيها: «كذب مفترى» (5)! وهم مثلما كذبوا حينما كذّبوا حديث ردّ الشّمس أو حبسها، وجعلوا ذلك من مفتريات الرّوافض ولم يقولوا: إنّه من مفتريات المسلمين حنبليّهم ومالكيّهم وحنفيّهم وشافعيّهم، وصحابيّهم وتابعيّهم، وأمّهات المؤمنين؛ قد ذكروا لرجال فضائل تضاهي الشّمس في علاها، وردّها وتكوير سناها! معيارهم في ذلك أحلام ومنامات يروونها على لسان رجل مجهول أو امرأة نكرة؛ بيد أنّهم رفضوا حديث الهتاف

____________________

(1) هود: 103.

(2) نفس المصدر 104.

(3) نفس المصدر 105.

(4) السّيرة النّبويّة لابن هشام 3: 106؛ تاريخ الطبريّ 2: 197؛ الروض الأنف 2: 143؛ شرح نهج البلاغة للمعتزليّ 1: 9، ونفس المصدر عن أحمد بن حنبل عن ابن عباس 2: 236؛ المناقب للخوارزميّ: 104؛ الفصول المهمّة لابن الصبّاغ المالكيّ: 55 - 56؛ التذكرة لسبط بن الجوزيّ: 16؛ مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ: 197؛ كفاية الطّالب للگنجيّ الشافعيّ: 277؛ ذخائر العقبى: 74؛ الرياض النضرة 2: 190؛ المستدرك على الصحيحين 2: 385؛ سنن البيهقيّ 3: 276؛ لسان الميزان 4: 406؛ ميزان الاعتدال 3: 324....

(5) علم الحديث لابن تيميّة 503.

 


الصفحة 134

يوم أحد - على اشتهاره في كتب التاريخ والحديث عند المذاهب جميعاً، إلاّ مذهب ابن تيميّة ومن نعق معه - وارتضوا أنّ الملائكة قد أقامت مجلس عزاء في السماوات العلى يوم مات أحمد بن حنبل! قال ابن الجوزيّ: «بلغني عن بعض السّلف القدماء، قال: كانت عندنا عجوز من المتعبّدات قد خلت بالعبادة خمسين سنة، فأصبحت ذات يوم مذعورة، فقالت: جاءني بعض الجنّ في منامي فقال: إنّي قرينك من الجنّ، وإنّ الجنّ استرقت السّمع بتعزية الملائكة بعضها بعضا بموت رجل صالح يقال له أحمد بن حنبل، وتربته في موضع كذا، وإنّ الله يغفر لمن جاوره، فغن استطعت أن تجاوريه في وقت وفاتك فافعلي، فإنّي لك ناصح، وإنّك ميّتة بعده بليلة. فماتت كذلك، فعلمنا أنّه منام حقّ» (1).

والسؤال: من أين علمت الجنّ بيوم وفاة هذه العجوز الصّالحة؟! وكان من بركة هذا الجوار: غرق قبرها بفيض المطر، إذ ذكروا في حوادث سنة 725: ومن الآيات أنّ مقبرة الإمام أحمد بن حنبل غرقت سوى البيت الذي فيه ضريحه؛ فإنّ الماء دخل في الدّهليز علوّ ذراع ووقف بإذن الله، وبقيت البواري عليها غبار حول القبر. صحّ هذا عندنا. (2)

 

الشّهداء يشيّعون أحمد

وكما أقامت الملائكة مجالس العزاء على موت أحمد، فإن الشّهداء أيضا قد تشرّفوا بتشييع أحمد! قال ابن مجمّع بن مسلم: كان لناجار قتل بقزوين، فلمّا كان اللّيلة الّتي مات فيها أحمد بن حنبل خرج إلينا أخوه [أي أخو الجار المقتول] في صبيحتها، فقال: إنّي رأيت رؤيا عجيبة: رأيت أخي اللّيلة في أحسن صورة راكباً على فرس، فقلت له: يا أخي أليس قد قتلت؟ فما جاء بك؟! قال: إنّ الله أمر الشّهداء وأهل السماوات أن يحضروا جنازة أحمد بن حنبل، وكنت فيمن أمر بالحضور. فأرّخنا تلك الليلة، فإذا أحمد بن حنبل مات فيها. (3)

____________________

(1) مناقب أحمد: 483.

(2) شذرات الذهب 6: 66؛ مرآة الجنان 4: 273.

(3) تهذيب الكمال: المزيّ 1: 468.

 


الصفحة 135

زلزلة عبّادان بموت أحمد

قال أبوبكر النّجاحيّ: لما كان في تلك الغداة الّتي ضرب فيها أحمد بن حنبل - من قبل المعتصم - زلزلنا ونحن بعبّادان» (1)!

وقد ذكروا في كتب السّيرة أنّه لما مات إبراهيم ابن النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، كسفت الشّمس، فقال النّاس في ذلك شيئاً، فأوضح النبيّ لهم أنّ الشّمس والقمر من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد، والأرض من آيات الله، فلم الزلزلة لما ضرب أحمد؟!

 

الجنّ تقيم مآتم الحزن على أحمد

شارك صالحو الجنّ الطبيعة اضطرابها، والملائكة حزنها على أحمد! قال صالح بن أحمد بن حنبل: كان أهلنا يذكرون أنّهم يسمعون رنّة لا تشبه رنّة الإنس من دار أبي عبد الله - أحمد - إذا هدأت العيون، بعد وفاته بأربعين صباحاً. (2)

وقال أحمد بن محمّد الخلاّل: حدّثني أحمد بن محمّد بن محمود، قال: كنت في البحر مقبلاً من ناحية السّند، فقمت في اللّيل فإذا هاتف من ناحية البحر يقول: مات العبد الصالح أحمد بن حنبل! فقلت لبعض من كان معنا: من هذا؟ فقال: هذا من صالحي الجنّ. ومات أحمد تلك الليلة وقال أبو زرعة: كان يقال عندنا بخراسان إنّ الجنّ نعت أحمد بن حنبل قبل موته بأربعين صباحاً!(3)

 

أحمد ملك أهل الجنّة

بلغ من علوّ شأن أحمد وخطر منزلته أنّ الله تعالى يقرّبه إلى نفسه ويضع بيده تاج الوفاء على رأسه! والخبر في ذلك يرد من طرق كثيرة من الحنابلة الأوفياء ممّن رأى أحمد في النّوم على تلك الحال! من ذلك: قال زكريّا بن يحيى السّمسار: رأيت أحمد بن حنبل

____________________

(1) تهذيب الكمال: المزيّ 1: 461.

(2) مناقب أحمد بن حنبل 422.

(3) نفس المصدر 421. ولكن كيف علمت الجنّ علم ما هو آتٍ؟!

 


الصفحة 136

في المنام على رأسه تاج مرصّع بالجوهر، في رجليه نعلان وهو يخطر بهما. فقلت: أبا عبد الله ماذا فعل الله بك؟ قال: غفر لي، وأدناني من نفسه، وتوّجني بيدهبهذا التّاج. وقال لي: هذا بقولك: القرآن كلام الله غير مخلوق، قلت: فما هذه الخطرة الّتي لم أعرفها لك في دار الدّنيا؟ قال: هذه مشية الخدّام في دار السّلام (1)!

 

أحمد قسيم الجنّة

قال عليّ بن الموفّق: «رأيت كأنّي أدخلت الجنّة، فإذا أنا بثلاثة نفر: رجل قاعد على مائدة قد وكّل الله به ملكين، فملك يطعمه وملك يسقيه. وآخر واقف على باب الجنّة ينظر إلى وجوه قوم فيدخلهم الجنّة. وآخر واقف في وسط الجنّة، شاخص ببصره إلى العرش ينظر إلى الرّب. فجئت إلى رضوان، فقلت: من هؤلاء؟ فقال: أما الأوّل فبشر الحافي وأمّا الواقف في وسط الجنّة فمعروف الكرخيّ وأمّا الواقف على باب الجنّة فأحمد بن حنبل قد أمره الجبّار أن ينظر إلى وجوه أهل السّنّة، فيأخذ بأيديهم فيدخلهم الجنّة» (2)!

وفي رؤيا عبد الرحمن بن يونس: إنّ الله تعالى أعطاه - أحمد - جنّة عدن لا يدخلها إلاّ من أحبّه. (3)

 

غضب جهنّم لمعاقبة أحمد

وكما مادت الأرض فزلزلت بأهل عبّادان يوم ضرب أحمد. كذلك غضبت جهنّم.

قال عثمان بن أحمد: حدّثني من أثق به أنّ امرأة رأوها في النّوم وقد شاب صدغها، فقيل لها ما هذا الشّيب؟ قالت: لما ضرب أحمد بن حنبل زفرت جهنّم زفرة لم يبق منّا أحد إلاّ شاب! (4)

____________________

(1) مناقب أحمد: 436.

(2) نفس المصدر 443.

(3) نفس المصدر 447.

(4) نفس المصدر 471.

 


الصفحة 137

الملائكة تعتذر من أحمد

وأحمد مستثنى من سنّة الله تعالى في سؤال الملكين الكريمين للميّت في القبر. ذكر ابن الجوزيّ في ذلك: عن عبد الله بن أحمد، يقول: رأيت أبي في المنام، فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي. قلت: جاءك منكر ونكير؟ قال: نعم، قالا لي: من ربّك؟ قلت سبحان الله! أما تستحيان منّي؟! فقالا لي: يا أبا عبد الله أعذرنا! بهذا أمرنا (1).

ألا يعلم أحمد أنّهما مأموران من الله جلّ شأنه؟! وأنّ سؤال القبر حقّ لا يستثنى منه أحد؟! ولم يعتذر الملكلان من وظيفتهما الّتي أمرهما الله تعالى بها؟! وهل في غير الدنيا ألقاب وكنى، وإنّما بعدها الاسم والعمل وحسب؟!

 

بركة قلم أحمد

كنّا نقرأ في الأحاديث الشريفة أنّ «مداد العلماء أفضل من دماء الشّهداء». ونفيد من ذلك أنّ نفحات العلماء العاملين الصّادقين، منار هداية للأمّة.. أمّا أن يتحوّل قلم العالم ذاته إلى وسيلة تلقيح فهو بعيد يصعب تصديقه. ولو فرض علينا ذلك فبشرط تصديق حديث ردّ الشّمس! قال أبو طالب عليّ بن أحمد: دخلت يوماً على أبي عبد الله - أي أحمد بن حنبل - وهويملي وأنا أكتب، فاندقّ قلمي، فأخذ قلماً فأعطانيه، فجئت بالقلم إلى أبي عليّ الجعفريّ، فقلت: هذا قلم أبي عبد الله أعطانيه. فقال لغلامه: خذ القلم فضعه في النّخلة عسى تحمل. فوضعه فيها فحملت! (2)

 

ملك البحر يبعث سلامه إلى أحمد

وجد ملك البحر في مصيبة هنديّ فرصة له ليبلّغ سلامه إلى أحمد بن حنبل. عن أبي حفص القاضي، قال: قدم على أبي عبد الله أحمد بن حنبل رجل من بحر الهند، فقال: إنّي

____________________

(1) مناقب أحمد 454.

(2) نفس المصدر 296.

 


الصفحة 138

رجل من بحر الهند خرجت أريد الصّين فأصيب مركب، فأتاني راكبان على موجة من أمواج البحر، فقال لي أحدهما: أتحبّ أن يخلّصك الله على أن تقرئ أحمد بن حنبل منّا السّلام؟ قلت: ومن أحمد؟ ومن أنتما؟ قال: أنا إلياس وهذا الملك الموكّل بجزائر البحر، وأحمد بن حنبل بالعراق. قلت: نعم. فنفضني البحر نفضةً، فإذا أنا بساحل الأبلّة، فقد جئتك أبلّغك منهما السّلام (1)!

 

رسالة الله تعالى إلى أحمد

وليس بدعاً أن يبعث ملك البحر سلامه إلى أحمد، والله تعالى يكاتبه برقّ مسطور! قالوا: مرض بشر بن الحارث - الحافي - وعادته آمنة الرّمليّة، فبينما هي عنده إذ دخل الإمام أحمد بن حنبل يعوده كذلك، فنظر إلى آمنة وقال لبشر: اسألها تدعو لنا. فقال لها بشر: ادعي الله لنا. فقالت: اللّهمّ إنّ بشر بن الحارث وأحمد بن حنبل يستجيران بك من النّار فأجرهما يا أرحم الرّاحمين. قال الإمام أحمد رضى الله عنه: فلمّا كان من اللّيل طرحت إليّ رقعة من الهواء مكتوب فيها: بسم الله الرحمن الرّحيم، قد فعلنا ذلك، ولدينا مزيد! (2)

لسنا ننكر لأحمد علمه وفضله، وإنّما ننكر على هؤلاء حشدهم الأفائك الّتي يرفضها أحمد ولا تسيء إلاّ إلى قائلها. ولقد ذكروا من عظيم المفاخر ومن جنس ما سلف، لمن هو دون أحمد منزلة وأقلّ خطراً؛ فعن أحمد بن الحكم الصاغانيّ، قال: جاء رجل إلى ابن حميد. قال: إنّي اغتبت أسود بن سالم، فأتيت في منامي فقيل لي: تغتاب وليّاً من أولياء الله لو ركب حائطاً ثمّ قال له: سر، لسار؟! (3)

ولم يكن أسود هذا إلاّ من طبقة معروف الكرخيّ، وكلاهما لاحظّ لهما إلاّ ما ذكره الخطيب البغداديّ في نعتهما بالعبادة وحبّ الخير، وإطراء أحمد بن حنبل على معروف.

____________________

(1) مناقب أحمد: 143.

(2) صفة الصفوة لابن الجوزيّ 4: 278.

(3) تاريخ بغداد 7: 37. وأسود بن سالم، أبو محمّد، مات سنة 213. قال الخطيب البغداديّ: يذكر مع معروف الكرخيّ، لأنّه كان بينهما مؤاخاة ومودّة (نفس المصدر).

 


الصفحة 139

كرامات معروف الكرخيّ (1)

انّ لمعروف الكرخيّ من الكرامات ما لو ثبت صحّة بعضها كان حقيقاً أن يتبرّك به، وحقّ لابن القيّم أن يطريه!

 

كرامة ما أعظمها!

قال محمّد بن منصور (2): مضيت يوما إلى معروف الكرخيّ، ثمّ عدت إليه من غد، فرأيت في وجهه أثر شجّة، فهبت أن أسأله عنها، وكان عنده رجل أجرأ عليه منّي، فقال له: يا أبا محمّد كنّا عندك البارحة ومعنا محمّد بن منصور فلم نر في وجهك هذا الأثر! فقال: مضيت البارحة إلى بيت الله الحرام، ثمّ صرت إلى زمزم فشربت منها، فزلّت رجلي فبطح

____________________

(1) في تاريخ بغداد 13: 199: معروف بن الفيرزان، ابو محفوظ العابد المعروف بالكرخيّ. منسوب إلى كرخ بغداد. كان أحد المشتهرين بالزّهد والعزوف عن الدنيا، يغشاه الصّالحون ويتبرّك بلقائه العارفون. وكان يوصف بأنّه مجاب الدّعوة، ويحكى عنه كرامات. وفي ص 200: قال إدريس بن عبد الكريم: هو معروف بن الفيرزان وبيني وبينه قرابة، وكان أبوه صابئاً من أهل نهربان من قرى واسط. جاء يحيى بن  معين وأحمد بن حنبل يكتبان عنه. وقال عبد العزيز بن منصور: سمعت جدّي يقول: كنت عند أحمد بن حنبل فذكر في مجلسه أمر معروف الكرخيّ، فقال بعض: هو قصير العلم. فقال أحمد: أمسك عافاك الله! وهل يراد من العلم إلاّ ما وصل إليه معروف؟! مات معروف سنة 204.

(2) في تاريخ بغداد 3: 247: محمّد بن منصور بن داود بن إبراهيم، أبو جعفر العابد المعروف بالطّوسيّ سمع إسماعيل بن عليّة، وسفيان بن عيينة، وعفّان بن مسلم، ومات ببغداد سنة أربع وخمسين ومائتين. قال أبو بكر المروزيّ: سألت أحمد بن حنبل عن محمّد بن منصور الطّوسيّ، قال: لا أعلم إلاّ خيراً، صاحب صلاة. قلت له: كان يختلف معك إلى عفّان؟ قال: وقبل ذلك.

وقد عدّوا له كرامت منها: إنّ قوماً قالوا له: أيش اليوم عندك؟ قد شكّ النّاس فيه! فقال: اصبروا فدخل البيت ثمّ خرج، فقال: هو عندي يوم عرفة. فعدّوا الأيّام والليالي فكان كما قال. فسئل: من أينعلمت أنّهيوم عرفة؟ قال: دخلت البيت فسالت ربّي، فأراني النّاس في الموقف! (تاريخ بغداد 3: 249).

ومنها: إنّ الطّوسيّ قال: نازلت قوماً من أصحاب الفضيل بن عياض فيما يذكرونه من كرامة المؤمن على الله. فقلت عند ذكر الصالحين تنزل الرّحمة، فمطرنا في تلك السّاعة (نفس المصدر).

ومنها: إنّه قال: رأيت النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله في النّوم، فقلت: مرني بشيء حتّى ألزمه. فقال: عليك باليقين (نفس المصدر 3: 250).

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة