الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة 102

الذين لا نكفّرهم كالرّافضة والخوارج والمعتزلة ونحوهم، هذا منصوص الأئمّة ولم يزل السلف والخلف على قبول شهادة هؤلاء وروايتهم. (1) وقال الذهبيّ: فلو ردّ حديث الشيعة لذهب جملة من الآثار النبويّة، وهذه مفسدة بيّنة. (2)

وليس ثمّة غرابة أن يطعن على ابن عقدة، فقد تعرّض جهابذة العلم للنقد من علماء زمانهم فما بعد. فهذا يحيى بن معين وهو هو في ميدانه، قال أبو زرعة فيه: ولم ينتفع به - أي بيحيى - لأنّه كان يتكلّم في النّاس. ويروى هذا عن عليّ - ابن المدينيّ - من وجوه (3).

وقال أبو زرعة: كان أحمد بن حنبل لا يرى الكتابة عن أبي نصر التّمّار، ولا عن يحيى بن معين، ولا عن أحد ممّن امتحن فاجاب. (4) وقال إبراهيم بن هانئ: رأيت أبا داود يقع في يحيى بن معين، فقلت: تقع في مثل يحيى بن معين؟ فقال: من جرّ ذيول النّاس جرّوا ذيله. (5)

وقد تحدّث يحيى عن نفسه وجرحه لأناس يبدو أنّه تعجّل الحكم عليهم. قال محمّد ابن الفضل البلخيّ: سمعت محمّد بن مهرويه يقول: سمعت عليّ بن الجنيد يقول: سمعت يحيى بن معين يقول: إنّا لنطعن على أقوام لعلّهم قد حطّوا رحالهم في الجنّة من أكثر من مئتي سنة... (6)

هذا بعض شأن يحيى قدوة الأبناء: ابن الجوزيّ، وابن تيمية وابن القيّم. وهذا البخاريّ أخرج لجماعة رموهم بالقدر مثل هشام بن عبد الله الدستوائيّ؛ والقدريّة ممّن يحمل عليهم ابن تيمية ويكفّرهم! كما أخرج لعمران بن حطان الخارجيّ. وذكر ابن حجر في ترجمة الحجّاج بن يوسف الثّقفيّ: «الأمير الشهير، الظالم المبير، وقع ذكره وكلامه في

____________________

(1) الطرق الحكميّة، ابن القيّم: 173.

(2) ميزان الاعتدال 1: 5 «ترجمة أبان بن تغلب».

(3) تاريخ يحيى بن معين 1: 8.

(4) تهذيب الكمال 31: 564.

(5) نفس المصدر.

(6) نفس المصدر.

 


الصفحة 103

الصحيحين وغيرهما، وليس بأهل أن يروى عنه». (1) ولما سئل مالك: كيف رويت عن داود بن الحصين، وثور بن يزيد، ولقد كانوا يرون القدر؟ قال: كانوا لإن يخرّون من السماء على الأرض أسهل من أن يكذبوا. (2)

فالقاعدة عندهم: بعد تحقّق الإيمان، صدق الرّاوي وضبط روايته. وعلى هذا النهج العلميّ، فإنّ ابن عقدة لو كان رافضيّاً، وهو غير رافضيّ على ما مرّ بنا، فلا يردّ حديث أسماء الّذي في طريقه ابن عقدة، والّذي بينه وبين أبي الفرج (265) سنة.

ترجمة ابن عقدة: أحمد بن سعيد بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن زياد بن عبد الله بن عجلان، يعرف بابن عقدة.

قدم بغداد فسمع من أحمد بن أبي خيثمة، ومحمّد بن عبيد الله المنادي، وعليّ بن داود القنطريّ، والحسن بن مكرم، وعبد الله بن روح المدائنيّ، ويحيى بن أبي طالب. حدّث عن هؤلاء الشيوخ وعن إبراهيم بن أبي بكر بن أبي شيبة، وعبد الله بن المستورد، وعبد العزيز بن زبالة المدينيّ، وعبد الله بن أبي ميسرة المكّيّ، والحسن بن عتبة الكنديّ. (3)

ولادته ووفاته: ولد ابن عقدة سنة تسع وأربعين ومائتين في الكوفة. (4) وتوفّي لسبع خلون من ذي القعدة سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة. (5) عقدة: هو والد أبي العبّاس، وإنّما لقّب بذلك لعلمه بالتصريف والنّحو، وكان يورّق بالكوفة ويعلِّم القرآن والأدب. (6)

الرّواة عنه: قال الخطيب: كان حافظاً عالماً مكثراً؛ جمع التراجم والأبواب والمشيخة، وأكثر الرواية، وانتشر حديثه روى عنه الحفّاظ والأكابر مثل أبي بكر الجعابيّ، وعبد الله

____________________

(1) تقريب التهذيب ترجمة 1141.

(2) إرشاد النقّاد: محمّد بن إسماعيل الصنعانيّ 19.

(3) تاريخ بغداد 5: 22؛ الأنساب للسمعانيّ 4: 214؛ تذكرة الحفّاظ 3: 839.

(4) تاريخ بغداد، الأنساب، تذكرة الحفّاظ.

(5) تاريخ بغداد، تذكرة الحفّاظ؛ البداية والنهاية 11: 236؛ الوافي بالوفيات 7: 395.

(6) فهرست الطوسيّ 73؛ رجال الجاشيّ 94؛ رجال ابن داود 229؛ خلاصة الأقوال للعلاّمة الحلّي 303.

 


الصفحة 104

بن عديّ الجرجانيّ، وأبي القاسم الطبرانيّ، وأبي الحسن الدار قطنيّ، وأبي حفص بن شاهين، وعبد الله بن موسى الهاشميّ، ومحمّد بن المظفّر... ومن في طبقتهم. (1)

حفظه وإتقانه: بلغ ابن عقدة من الحفظ للحديث، بمتونه وضبط أسانيده شأوا بعيداً. قال ابن داود. روى جميع كتب أصحابنا وصنّف لهم وكان حفظةً يقول: أحفظ مائة وعشرين ألف حديث بأسانيدها وأذاكر بثلاث مائة ألف حديث. وأمره في الجلالة أشهر من أن يذكر. قال النجاشيّ: هذا رجل جليل القدر في أصحاب الحديث إلاّ أنّه كان زيديّاً جاروديّاً حتّى مات سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة. (2) محمّد بن عبد الله النّيسابوريّ: قال: سمعت أبا عليّ الحافظ يقول: ما رأيت أحداً أحفظ لحديث الكوفيّين من أبي العبّاس بن عقدة. (3)

عليّ بن عمر - وهو الدار قطنيّ - قال: أجمع أهل الكوفة أنّه لم ير من زمن عبد الله بن مسعود إلى زمن أبي العبّاس بن عقدة أحفظ منه!. (4)

قال محمّد بن عمر بن يحيى العلويّ: حضر أبو العبّاس بن عقدة عند أبي في بعض الأيّام، فقال له: يا أبا العباس قد أكثر النّاس عليّ في حفظك الحديث فأحبّ أن تخبرني بقدر كا تحفظ، فامتنع أبو العبّاس أن يخبره وأظهر كراهة ذلك، فأعاد المسألة وقال: عزمت عليك إلاّ أخبرتني. فقال: أحفظ مائة ألف حديث بالإسناد والمتن، وأذاكر بثلاثمائة ألف حديث. (5)

أبو الحسن الدار قطنيّ قال: كان أبو العبّاس بن عقدة يعلم ما عند النّاس ولا يعلم الناس ما عنده. (6)

وبغية الإختصار: فقد أطراه ابن عديّ، وأبو عليّ الحافظ، والنعمانيّ (ت 380 هـ)،

____________________

(1) تاريخ بغداد 5: 16.

(2) رجال ابن داود 422 / 38. وقد تكلّمنا بشأن مذهب ابن عقدة.

(3) تاريخ بغداد 5: 16.

(4) تاريخ بغداد 5: 17؛ ميزان الاعتدال 1: 136؛ سير أعلام النبلاء 15: 346.

(5) نفس المصدر 5: 16.

(6) نفس المصدر 5: 16.

 


الصفحة 105

والشيخ الطوسيّ، وابن شهر آشوب، والسّبكيّ... (1) وخلق كثير.

منزلته عند رجال الجرح والتعديل:

والّذي وجدناه عند هؤلاء مضادّ لما ادّعاه أبو الفرج وتناقله ابن تيمية وابن القيّم، فهو عند الآخرين معتمد القول في جرحه وتعديله لغيره! انظر في ذلك (من يعتمد قوله في الجرح والتعديل للذهبيّ 171 - 207) و (المتكلّمون في الرجال: محمّد بن عبد الرحمن السخاويّ 93 - 145).

 

عبد الرحمن بن شريك:

وأمّا تضعيفه لعبد الرحمن بن شريك، فقد جاء في ترجمته مختصراً: عبد الرحمن بن شريك بن عبد الله النّخعيّ الكوفيّ. روى عن أبيه شريك بن عبد الله. روى عنه البخاريّ في كتاب «الأدب»، وأبو شيبة إبراهيم بن أبي بكر بن أبي شيبة، وأحمد بن عثمان بن حكيم الأوديّ، وأحمد بن يحيى الصّوفيّ....

قال أبو العبّاس بن عقدة: مات سنة سبع وعشرين ومئتين. (2)

قال ابن حبّان: عبد الرحمن بن شريك، من أهل الكوفة، يروي عن أبيه، روى عنه أبو شيبة بن أبي بكر بن أبي شيبة والكوفيّون، ربّما أخطأ. (3)

 

داود بن فراهيج:

ذكره ابن حبّان في كتابه «الثّقات» قال: داود بن فراهيج، مولى قيس بن الحارث بن فهر، أصله من المدينة، قدم البصرة وحدّثهم بها. يروي عن أبي هريرة، وأبي سعيد. روى عنه شعبة والنّاس. (4)

____________________

(1) لسان الميزان 1: 263؛ الغيبة للنعمانيّ: 25؛ الفهرست للطوسيّ 73؛ معالم العلماء: ابن شهر آشوب 16: 77؛ طبقات الشافعيّة الكبرى: تاج الدين السبكيّ 1: 314 - 317.

(2) تهذيب الكمال 17: 17.

(3) الثّقات: ابن حبّان 5: 264 / 1935. وقوله: ربّما أخطأ لا أثر له في جرح الرجل بعد أن أنزله منزلة الثّقات، إذ سبحان من لا يخطأ! وقد استعمل لفظ ربّما الّتي تفيد التقليل غالباً.

(4) كتاب الثّقات 2: 127 / 985.

 


الصفحة 106

قال ابن شاهين: داود بن فراهيج: روى عنه شعبة، ليس به بأس قاله يحيى. (1) وقال ابن أبي حاتم: صدوق. (2)

 

عمرو بن ثابت

قال الفسويّ: أبو عمرو ثابت بن أبي المقدام، روى عنه الحكم والأعمش وشعبة؛ ثقة كوفيّ.

وذكره في مواضع كثيرة من كتابه ممّا يشير إلى وثاقته عنده. (3)

ووثّقه النجاشيّ، قال: عمرو بن ثابت بن هرمز الحدّاد مولى بني عجل.

روى عن عليّ بن الحسين وأبي جعفر - الباقر - وأبي عبد الله - الصادق عليه‌السلام. له كتاب لطيف. (4)

قال أبو داود: عمرو بن ثابت بن هرمز الحذّاء، مولى بني عجل، ممدوح. وروى أنّ أبا عبد الله عليه‌السلام شهد له بأنّه أمير الحجّاج. (5)

قال: هو ثقة. (6)

وذكره البرقيّ في أصحاب الإمامين الباقر، والصادق عليهما‌السلام. (7)

 

جويريّة بنت مسهر!

قال: وهذا الإسناد أضعف ممّا تقدّم وبمثل هذا الإسناد عن هذه المرأة ولا يعرف حال هذه المرأة!

ونحن مثله لا نعلم شيئاً عن هذه المرأة ولا ندري خلقت أم لم تخلق بعد؟! إلاّ أنّنا

____________________

(1) تاريخ أسماء الثّقات 123 / 335.

(2) الجرح والتعديل 1: 2 / 422.

(3) المعرفة والتاريخ للفسويّ 3: 180.

(4) رجال النجاشيّ 206.

(5) رجال ابن داود 256 / 1089.

(6) نفس المصدر 487 / 350.

(7) رجال البرقيّ 11.

 


الصفحة 107

نعلم ما غاب عنه - هذا في أحسن أحوال الظنّ إن لم نقل إنّه أراد تضليل القارئ - وهو أنّ جويريّة المذكور في هذا الموضع رجل لا امرأة!

ذكره الشريف الرضيّ فقال: جويرة - من غير ياء بين الرّاء والتاء. (1)

ذكره الطوسيّ في أصحاب أمير المؤمنين عليه‌السلام. (2)

وذكره الكشّيّ في رجاله، قال: حدّثنا جعفر بن معروف، قال: أخبرني الحسن بن عليّ ابن النعمان، قال: حدّثني أبي عليّ بن النعمان، عن محمّد بن سنان، عن أبي الجارود، عن جويريّة بن مسهر العبديّ، قال: سمعت عليّاً عليه‌السلام يقول: أحبّ محبّ آل محمّد ما أحبّهم فإذا أبغضهم فأبغضه، وابغض مبغض آل محمّد ما أبغضهم فإذا أحبّهم فأحبّه. وأنا أبشّرك وأنا أبشّرك ثلاث مرّات. (3)

وقال البرقيّ: ومن أصحاب امير المؤمنين عليه‌السلام، من ربيعة: جويريّة بن مسهر العبديّ، شهد مع امير المؤمنين عليه‌السلام. (4)

وقال ابن داود: جويريّة بن مسهر العبديّ، ممدوح. (5)

وذكره الفضل بن شاذان في خبر ردّ الشّمس ببابل (6) - نذكرها في محلّها -.

 

أحمد بن صالح

قال ابن تيمية: وقد حكى أبو جعفر الطحاويّ عن عليّ بن عبد الرحمن عن أحمد بن صالح المصريّ أنّه كان يقول: لا ينبغي لمن كان سبيله العلم التخلّف عن حفظ حديث أسماء من ردّ الشّمس لأنّه من علامات النبوّة.

قال ابن تيمية: أحمد بن صالح رواه من الطريق الأوّل ولم يجمع طرقه وألفاظه التي

____________________

(1) خصائص أمير المؤمنين: الشريف الرضيّ 24.

(2) رجال الطوسيّ 37 / 4.

(3) اختيار معرفة الرجال 106 / 169.

(4) رجال البرقيّ 37 / 4.

(5) رجال ابن داود 93 / 347.

(6) الفضائل لابن شاذان 88 - 89.

 


الصفحة 108

تدلّ من وجوه كثيرة على أنّه كذب، وتلك الطريق راويها مجهول عنده.

وقوله في أحمد بن صالح كان على نحو المداراة، لمنزلته عند العلماء وهومن شيوخ البخاريّ. ومع ذلك فقد غمزه بجهالة طريقه إلى الحديث.

وقوله: لم يجمع طرقه وألفاظه، فليس من شأنه ذلك وإنّما أن يذكر الحديث الّذي وقع له وصحّ عنده سنده وكفاه عن غيره ممّا هو في معناه.

وقد تكلّمنا على الطريق الأوّل الذي أشار إليه بما فيه كفاية، وهو الطريق الذي أخذ عنه أحمد بن صالح.

 

ترجمة أحمد بن صالح

أبو جعفر أحمد بن صالح المقرئ المصريّ. طبريّ الأصل. ولد سنة سبعين ومائة وتوفّي سنة ثمان وأربعين ومائتين للهجرة.

سمع عبد الله بن وهب المصريّ، وسفيان بن عيينة، وعبد الرزّاق الصنعانيّ وعنبسة ابن خالد، وعبد الله بن نافع، وابن أبي فديك.

حدّث عنه: سفيان بن عيينة، ومحمّد بن إسماعيل البخاريّ، ويعقوب بن سفيان الفسويّ، وأبو إسماعيل التّرمذيّ، وعثمان الدارميّ، وأبو زرعة الدمشقيّ، وأبو داود السجستانيّ، ومحمّد بن يحيى الذّهليّ وصالح جزرة. ومن الشيوخ المتقدّمين: محمّد بن عبد الله بن نمير، ومحمّد بن غيلان، وغيرهما.

ومثلما قلنا في عبيد الله بن موسى، وفضيل بن مرزوق، فكذلك نقول بشأن أحمد بن صالح، فالفاصلة الزمنيّة بينه وبين ابن تيمية وابن القيّم (460) سنة، ولو لم نعرف من سيرة الرجل والطبقة التي أخذ عنها، والطبقة التي أخذت عنه، لقلنا بجهالة أحمد وما رواه عنه الطحاويّ المتوفّى سنة (321 هـ) أي بعد وفاة أحمد بـ (73) سنة.

 

منزلته العلمييّة:

قال ابن حبّان: كان أحمد هذا في الحديث وحفظه ومعرفة التاريخ وأسباب المحدّثين عند أهل مصر كأحمد بن حنبل عند أصحابنا بالعراق. وهو مقارن يحيى بن معين في الحفظ والإتقان، وكان أحفظ من يحيى بن معين بحديث المصريّين

 


الصفحة 109

والحجازيّين. (1)

ومن هذا شأنه في الحفظ والإتقان، لا تطاله يد رجل انبعث بعده بخمسة قرون لتجرحه وتصفه بأنّه يأخذ من المجاهيل.

وقال الفسويّ: كتبت عن ألف شيخ وكسر، ما أحد منهم أتّخذه عند الله حجّة إلاّ أحمد ابن حنبل، وأحمد بن صالح. (2)

وقال العجليّ: ثقة صاحب سنّة. (3)

قال أبو زرعة: سألني أحمد بن حنبل: من بمصر؟ قلت: أحمد بن صالح: فسرّ بذلك ودعا له. (4)

وقال الفضل بن دكين: ما قدم علينا أحد أعلم بحديث أهل الحجاز من هذا الفتى - يعني أحمد بن صالح -. (5)

وسئل عنه أبو حاتم فقال: ثقة كتبت عنه بمصر، ودمشق، وأنطاكية. (6)

قال البخاريّ صاحب الصحيح: أحمد بن صالح أبو جعفر المصريّ ثقة صدوق، ما رأيت أحداً يتكلّم فيه بحجّة، كان أحمد بن حنبل وعليّ - المدينيّ - وابن نمير وغيرهم يثبتون أحمد بن صالح، كان يحيى يقول: سلوا أحمد فإنّه أثبت. (7)

قال محمّد بن عبد الرحمن الغزّال: أحمد بن صالح من حفّاظ الحديث، واعياً،رأساً في علم الحديث وعلله،وكان يصلّي بالشافعيّ، ولم يكن في أصحاب ابن وهب - عبد الله بن وهب المصريّ - 125 - 197 هـ أعلم منه بالآثار. (8)

____________________

(1) الثّقات: ابن حبّان 5: 17.

(2) المعرفة والتاريخ: الفسويّ 3: 361.

(3) تاريخ الثّقات: العجليّ 48.

(4) الكامل لابن عدي 1: 184؛ تاريخ بغداد 4: 196.

(5) تاريخ بغداد 4: 199؛ الكامل لابن عديّ 1: 184.

(6) الجرح والتعديل 2: 56.

(7) تاريخ بغداد 4: 201.

(8) تهذيب الكمال 1: 345؛ تاريخ بغداد 4: 199.

 


الصفحة 110

خلاصة الأقوال في أحمد:

أجمعت كلمة العلماء الذين يأتمّ ابن تيمية ويقتدي بهم: أنّ أحمد بن صالح حافظ متقن، حجّة ثقة، صدوق صاحب سنّة، واع رأس في علم الحديث وعلله، بصير باختلافه، هو وأحمد بن حنبل سواء، متقدّم على يحيى بن معين في معرفة حديث المصريّين والحجازيّين، حكم البخاريّ بثقته وصدقه وأن لا حجّة لمن يتكلّم فيه.

إذن: بأيّ حجّة تكلّم فيه ابن تيمية وتابعه عليه ابن القيّم وحكموا عليه بأنّه أخذ حديث ردّ الشّمس من مجهول؟!

 

أبو جعفر الطّحاويّ

لم يبق في قائمة الذين نال مهم قلم ابن تيمية وتابعه ابن القيّم في سند حديث أسماء في ردّ الشّمس إلاّ الطّحاويّ: أحمد بن محمّد بن سلامة بن سلمة الأزديّ المصريّ الحنفيّ المتوفّى سنة 321 هـ فبين وفاته ووفاة أحمد بن صالح (73) سنة. وليس بينه وبين وفاة ابن تيمية إلاّ (407) سنوات!

قال بشأنه: والطّحاويّ ليست عادته نقد الحديث كنقد أهل العلم! فإنّه لم تكن معرفته بالاسناد كمعرفة أهل العلم به [ مثل مَن؟! ] وإن كان كثير الحديث فقيهاً عالماً!

وللوقوف على سعة افق هذا العالم وتضلّعه، نذكّر بكتابه «مشكل الآثار» بأربعة أجزاء في مجلّدين ليدرك علميّة الرجل. وكما صنع الأبناء إذ جعلوا مدار حديث ردّ الشّمس على عبيد الله بن موسى عن فضيل بن مرزوق. فكذلك نقول نحن: إنّ مدار الحديث على الطّحاويّ عن أحمد بن صالح؛ فإن سلم أحمد بن صالح من الجرح وثبت الحديث الذي ألزم العلماء عدم تجاوز حديث أسماء في ردّ الشّمس؛ فليس على الطحاويّ شيء لأنّه أخذه عن عالم جهبذ.

ثمّ ما ذنب العلاّمة الحلّيّ يرمى بالكذب! وقد أخذ الحديث من رجال ثبتت وثاقتهم وعدالتهم وصدقهم وحجّيّتهم فيما يروون؟!

 


الصفحة 111

عود الشّمس بعد مقيبها لنبيّ الله سليمان عليه‌السلام:

جرى الحديث مع المنكر وفق دعواه في تكذيب ردّ الشّمس والطعن برواته مع جلالتهم ووثاقتهم وتقدّمهم على ما ظهر لنا، فسقط بذلك أقوى ركني تلك الدعوى.

وتمسّك مضطرّاً بحديث ردّ الشّمس ليوشع النبيّ عليه‌السلام، إلاّ انّه قال: لم تردّ له الشّمس ولكن تأخّر غروبها، طوّل له النّهار، وأغمض عمّا أخرجه العلماء من ردّ الشّمس على يوشع ليالي سار غلى بيت المقدس، وأيضاً عود الشّمس لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بعد غروبها، في خيبر وقد ذكرنا ذلك فيما مضى من البحث. وحان الكلام عن ردّ الشّمس على نبيّ الله سليمان بن داود عليهما‌السلام، وصرّح القرآن بذلك، ممّا يعني أنّ ردّ الشّمس بعد غروبها جرى أكثر من مرّة، زيادةً في إعجاز أنبيائه وكرامةً لأوليائه. ثمّ إنّ بين يوشع بن نون، وسليمان عليهما‌السلام، فاصلة زمنيّة ليست بالقليلة. فمن بعد يوشع كان إسماعيل عليه‌السلام ومن بعده استخلف الله داود عليه‌السلام، فخلف سليمان أباه داود عليهما‌السلام. القصّة في القرآن: (وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنّهُ أَوّابٌ ) (1) (إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيّ الصّافِنَاتُ الْجِيَادُ ) (2) (فَقَالَ إِنّي أَحْبَبْتُ حُبّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبّي حَتّى‏ تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ ) (3) (رُدّوهَا عَلَيّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسّوقِ وَالْأَعْنَاقِ). (4)

قال مقاتل: يعني بالصفن إذا رفعت الدّابّة إحدى يديها فتقوم على ثلاث قوائم. والجياد، يعني السراع؛ وذلك أنّ سليمان صلّى الأولى، ثمّ جلس على كرسيّه لتعرض عليه الخيل، فغابت الشّمس، ولم يصلّ العصر، فذلك قوله (فَقَالَ إِنّي أَحْبَبْتُ حُبّ الْخَيْرِ ) يعني المال، وهو الخيل الذي عرض عليه (عَن ذِكْرِ رَبّي ) يعني صلاة العصر. (حَتّى‏ تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ ) يعني غربت الشّمس.

ثمّ قال: ( رُدّوهَا عَلَيّ) يعني كرّوها عليّ (فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسّوقِ وَالْأَعْنَاقِ ) يقول: فجعل يمسح بالسيف سوقها وأعناقها. (5)

____________________

(1 - 4) سورة ص 330 - 333.

(5) تفسير مقاتل بن سليمان الأزديّ (ت 150 هـ) 3: 118. وأيضاً تفسير مقاتل 3: 8 ( وَعَشِيًّا ) - الرّوم: 18 - قال: صلاة العصر.

 


الصفحة 112

وبسنده أخرج عبد الرزّاق قال: أنبأنا معمر، عن الحسن، وقتادة والكلبيّ: «مثل ما في تفسير مقاتل» قال: فشغلته الخيل عن صلاة العصر. (1)

تفسير الطبريّ: (فَقَالَ إِنّي أَحْبَبْتُ حُبّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبّي حَتّى‏ تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ). قال: و في هذا الكلام محذوف استغنى بدلالة الظاهر عليه من ذكره فلهي عن الصلاة حتّى فاتته فقال: إنّي أحببت حبّ الخير، أي أحببت حبّاً للخير، ثمّ أضيف الحبّ إلى الخير. وعني بالخير في هذا الموضع الخيل، والعرب فيما بلغني تسمّي الخيل الخير، والمال أيضاً يسمّونه الخير.

وقوله: (عَن ذِكْرِ رَبّي) يقول: إنّي أحببت حبّ الخير حتّى سهوت عن ذكر ربّي وأداء فريضة. وقيل إنّ ذلك كان صلاة العصر. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل: عن قتادة، وعن السدّيّ (عَن ذِكْرِ رَبّي) عن صلاة العصر. (2)

وأخرج بسنده عن أبي صخر، أنّه سمع أبا معاوية البجليّ من أهل الكوفة يقول: سمعت أبا الصّهباء البكريّ يقول: سألت عليّ بن أبي طالب، عن الصلاة الوسطى؟ فقال: هي العصر، وهي الّتي فتنبها سليمان بن داود. (3)

وقوله: (حَتّى‏ تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ) يقول: حتّى توارت الشّمس بالحجاب، يعني تغيّبت في مغيبها. ذكر ذلك عن ابن مسود، وعن السدّيّ. (4) وفي قوله: (فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسّوقِ وَالْأَعْنَاقِ): عن قتادة قال قال الحسن: قال لا والله لا تشغليني عن عبادة ربّي آخر ما عليك. وعن السدّيّ: فضرب سوقها وأعناقها. (5)

الفخر الرازيّ: ذكر وجوها لحبّ داود للخيل منها: إنّ هذه المحبّة الشديدة إنّما حصلت

____________________

(1) تفسير عبد الرزّاق الصنعانيّ (ت 211 هـ) 2: 133 ح 2588. وأيضاً تفسير عبد الرزّاق 2: 85: «وعشيّاً» - الرّوم: 18 -: العصر.

(2) تفسير الطبريّ 23: 182.

(3) نفس المصدر.

(4) نفس المصدر.

(5) نفس المصدر.

 


الصفحة 113

عن ذكر الله وأمره، لا عن الشهوة والهوى، وهذا الوجه أظهر الوجوه. (1)

قال: والضمير في قوله: (حَتّى‏ تَوَارَتْ) و في قوله: (رُدّوهَا) يحتمل أن يكون كلّ واحد منهما عائرا إلى الشّمس، لأنّه جرى ذكر ما له تعلّق بها وهو العشيّ. (2)

تفسير السّلميّ: قال أبو سعيد القرشيّ: من غار الله وتحرّك له فإنّ الله يشكر له ذلك، ألا ترى سليمان لما شغلته الأفراس عن الصلوات حتّى توارت الشّمس بالحجاب، قال: ردّوها عليّ فطفق مسحا بالسّوق والأعناق. فشكر الله له صنيعه فقال: (فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ) أبدله مركبا أهنى منهم وأنعم. (3)

ابن عطية الأندلسيّ: قال: اختلف النّاس في قصص هذه الخيل المعروضة، فقال الجمهور: إنّ سليمان عليه‌السلام عرضت عليه آلاف من الخيل تركها له أبوه، فأجريت بين يديه عشاء، فتشاغل بجنسها وجريها ومحبّتها حتّى فاتته صلاة العشاء. (4)

قال: قال قتادة: صلاة العصر، ونحوه عن عليّ بن أبي طالب، فأسف لذلك وقال: ردّوا عليّ الخيل. قال الحسن: فطفق يضرب أعناقها وعراقيبها بالسيف عقراً لما كانت سبب فوت الصلاة، فأبدله الله أسرع منها.

قال: والضمير في ( تَوَارَتْ ) للشّمس، وإن كان لم يجر لها ذكر صريح، لأنّ المعنى يقتضيها. وأيضاً فذكر العشيّ يقتضي لها ذكراً ويتضمّنها، لأنّ العشيّ إنّما هو مقدّر متوهّم بها. (5)

وفي تفسير ابن العربيّ: ( بِالْعَشِيّ ): من زوال الشّمس إلى الغروب، كما أنّ الغداة من

____________________

(1) التفسير الكبير: الفخر الرازيّ 26: 204.

(2) التفسير الكبير.

(3) تفسير السّلميّ محمّد بن الحسين الأزديّ السلميّ (ت 412 هـ) 2: 186.

(4) إنّ قوله: فاتته صلاة العشاء، غير دقيق، إذ الّذي في الآية: «العشيّ» وهو ما بعد الزوال كما في المعاجم والتفاسير على ما مرّ بنا وما سيأتي. ونسبة قوله غلى الجمهور ليس صحيحاً، فقد ذكرنا بعض أقوالهم وسنذكر أخرى وكلّها تقول «العصر». وهو بعد قوله: فاتته صلاة العشاء، ذكر قول قتادة أنّها صلاة العصر، ومثله نسبه إلى عليّ عليه‌السلام.

(5) المحرّر الوجيز: عبد الحقّ بن غالب بن عطيّة الأندلسيّ (ت 546 هـ) 4: 503.

 


الصفحة 114

طلوع الشّمس إلى الزوال. (1)

الجياد: هي الخيل، وكلّ شيء ليس برديء يقال له جيّد، عرضت الخيل على سليمان عليه‌السلام فشغلته عن صلاة العشيّ. قال المفسّرون: هي العصر.

قال: وكان لهميدان مستدير يسابق بينها فيه، فنظر فيها حتّى غابت الشمس خلف الحجاب، وهو ما كان يحجب بينه وبينها.

وفي قول من قال: إنّ الشمس لم يجرلها ذكر. قال: وهذا فاسد بل تقدّم عليها دليل، وهو قوله: ( بِالْعـَشِيّ )، كما تقول: سرت بعد العصر حتّى غابت، يعني الشمس، وتركها لدلالة السامع عليها بما ذكر ممّا يرتبط بها، وتعلّق بذكرها، والغداةُ والعشيّ أمر مرتبط بمسير الشمس، فذكره ذكر لها. (2)

نظم الدّرر: ( عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيّ ) أي فيما بعد زوال الشمس (الصّافِنَاتُ) أي الخيول العربيّة الخالصة الّتي لا تكاد تتمالك بجميع قوائمها الاعتماد على الأرض اختيالا بأنفسها وقربا من الطيران بلطافتها وهمّتها وإظهاراً لقوّتها ورشاقتها وخفّتها، ( الْجِيَادُ ) الّتي تجود في جريها بأعظم ممّا تقدر عليه، جمع جواد، فلم تزل تعرض عليه حتّى فاتته صلاة آخر النّهار، وكان المفروض على من تقدّمنا ركعتين أوّل النّهار وركعتين آخره، فانتبه في الحال.

ولما كان بيان ضخامة ملكه وكثرة هيبته وعزّته مع زيادة أوبته، لتحصل التأسية به في حسن ائتماره وانتهائه بقوله: (فَقَالَ) ولما كان اللائق بحاله والمعروف من فعاله أنّه لا يؤثر على ذكر الله شيئاً، فلا يكاد أحد ممّن شاهد ذلك يظنّ به ذلك - أي التسلية واللّهو - بل يوجّهون له في ذلك وجوهاً ويحملونه على محامل تليق بما يعرفونه من حال من الإقبال على الله والغنى سواه، أكّد قوله تواضعاً لله تعالى، ليعتقدوا أنّه بشريجوز عليهم لو لاعصمة الله. (إِنّي) ولما كان الحبّ أمراً باطناً لا يظهر في شيء إلاّ بكثرة الاشتغال به، وكان الاشتغال لغير الحبّ، فهو غير دالّ عليه إلاّ بقرائن، قال اعترافاً: (أَحْبَبْتُ) أي

____________________

(1) أحكام القرآن: أبو بكر محمد بن عبد الله المعروف بابن العربيّ 4: 50.

(2) نفس المصدر.

 


الصفحة 115

أوجدت وأظهرت بما منّي من الاشتغال بالخيل مقروناً بذلك بأدلّة الودّ ( حُبّ الْخَيْرِ ) وهو المال، بل خلاصة المال وسبب كلّ خير دنيويّ وأخرويّ «الخيل معقود بنواصيها الخير». (1) أظهرت ذلك بغاية الرّغبة، غافلاً ( عَن ذِكْرِ رَبّي ) المحسن إليّ بهذه الخيل الّتي شغلتني، فلم أذكره بالصلاة الّتي كانت وئيفة الوقت، وإن كان غرضي لها لكونه في طاعته ذكراً له. ولم يزل ذلك بي ( حَتّى‏ تَوَارَتْ ) أي الشّمس المفهومة من «العشيّ»، ( بِالْحِجَابِ )، وهي الأرض الّتي حالت بيناوبينها فصارت وراءها حقيقةً. (2) ولما اشتدّ تشوّف السامع إلى الفعل الّذي أوجب له الوصف بأوّاب، بعد سماع قوله في لومه نفسه ليجمع بين معرفة القول والفعل...، ( فَطَفِقَ ) أي أخذ يفعل ظافراً بمراده لازماً له مصمّماً عليه واصلا له معتمدا على الله في التقوية على العدوّ، لا على الأسباب الّتي من أعظمها الخيل، مفارقاً ماكان سبب ذهوله عن الذكر، معرضاً عمّا يمكن أن يتعلّق به القلب، متقرّباً به إلى الله تعالى، كما يتقرّب في هذه الملّة - أي ملّة الإسلام - بالضّحايا.

( مَسْحاً ) أي يوقع المسح فيها بالسيف إيقاعاً عظيماً. (3)

المفردات: العشيّ: من زوال الشمس إلى الصباح. والعشاء: من صلاة المغرب إلى العتمة. (4)

تاريخ دمشق: قال الحسن: (إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيّ ) قال الحسن: كانتخيلا بلقا جياداً، وكانت أحبّ الخيل إليه البلق، فعرضت عليه فجعل ينظر إليها (حَتّى‏ تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ) يعني الشمس، فغفل عن صلاة العصر.

وعن عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه: أنّه سئل عن صلاة الوسطى؟ فقال: هي الّتي غفل عنها نبيّ الله سليمان بن داود، حتّى توارت بالحجاب. يعني العصر. (5)

____________________

(1) أخرجه البخاريّ برقم 2849 و 3624؛ مسلم 1871؛ النّسائيّ 221؛ البيهقيّ 6: 329؛ البغويّ 2644.

(2) نظم الدّرر في تناسب الآيات والسّور: إبراهيم بن عمر البقاعيّ (ت 885 هـ) 6: 383.

(3) نفس المصدر.

(4) المفردات في غريب القرآن: الراغب الإصفهانيّ (ت 502 هـ) 338.

(5) مختصر تاريخ دمشق 10: 125.

 


الصفحة 116

الكشّاف: إنّ سليمان قعد يوما بعدما صلّى الأولى على كرسيّه واستعرض الخيل فلم تزل تعرض عليه حتّى غربت الشمس وغفل عن العصر أو عن وردٍ من الذكر كان له وقت العشيّ، وتهيّبوه فلم يعلموه فاغتمّ لما فاته، فاستردّها وعقرها مقرّباً لله. وقيل: لما عقرها أبدله الله خيراً منها، وهي الريح تجري بأمره. (1)

قال: والتواري بالحجاب: مجاز في غروب الشمس عن تواري الملك، أو المخبأة بحجابها. والذي دلّ على أنّ الضمير للشمس مرور ذكر العشيّ. ولابدّ للمضمر من جري ذكر أو دليل ذكر. (2)

ابن كثير: ذكر غير واحد من السّلف والمفسّرين أنّه اشتغل بعرضها حتّى فات وقت صلاة العصر، والّذي يقطع به أنّه لم يتركها عمداً بل نسياناً كما شغل النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله عن صلاة العصر يوم الخندق حتّى صلاّها بعد الغروب. ويحتمل أنّه كان سائغاً في ملّتهم تأخير الصّلاة لضرر الغزو والقتال، والخيل تراد للقتال. (3)

النهاية: (4) في حديث الصلاة «حين توارث بالحجاب» الحجاب هاهنا الأفق، يريد حين غابت الشّمس في الأفق واستترت به. ومنه قوله تعالى: (حَتّى‏ تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ).

الثعالبيّ: قال: المتأوّلون في قصص هذه الخيل المعروضة على سليمان عليه‌السلام، فقال الجمهور: إنّ سليمان عرضت عليه آلاف الخيل تركها له أبوه. فتشاغل بجريها ومحبّتها حتّى فاته وقت صلاة العشيّ، فأسف لذلك يمسح سوقها وأعناقها بالسيف.

قال الثعالبيّ وغيره: وجعل ينحرها تقرّبا إلى الله تعال حيث اشتغل بها عن طاعته، وكان ذلك مباحا لهم كما ابيح لنا بهيمة الأنعام، فروي أنّ الله تعالى أبدله منها أسرع منها وهي الريح.

والضمير في ( تَوَارَتْ ) للشمس، وأن كان لم يتقدّم لها ذكر، لأنّ المعنى يقتضيها،

____________________

(1) تفسير الكشّاف: محمود بن عمر الزمخشريّ (ت 538 هـ) 4: 91 - 92.

(2) نفس المصدر 4: 93.

(3) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (ت 774 هـ) 7: 56.

(4) النهاية في غريب الحديث والأثر: ابن الأثير الجزريّ (ت 606 هـ) 1: 340.

 


الصفحة 117

وأيضاً فذكر العشيّ يتضمّنها. (1)

ابن وهب: قال عبد الله بن وهب: سألت اللّيث عن قول الله: (بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ) (2) فقال: الآصال العشيّ. (3)

ولا يخفى: أنّ الأصيل هو الوقت بين العصر والمغرب، فهو العشيّ.

هود الهوّاريّ: ذكر في تفسيره: (فَقَالَ إِنّي أَحْبَبْتُ حُبّ الْخَيْرِ ) أي: حبّ المال، يعني الخيل، وهي في قراءة عبد الله بن مسعود (حبّ الخيل)، ( عَن ذِكْرِ رَبّي حَتّى‏ تَوَارَتْ ) أي غابت، يعني الشمس ( بِالْحِجَابِ ) ففاتته صلاة العصر. (4)

القرطبيّ: ( تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ ) يعني الشمس، كناية عن غير مذكور وتركها لدلالة السامع عليها بما ذكر ممّا يرتبط بها. (5)

الجصّاص: وذكر الآيات ثمّ قال عن ابن مسعود: حتّى توارت الشمس بالحجاب. (6)

الطريحيّ: ( تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ ) يعني الشمس، أضمرها ولم يجر لها ذكر، والعرب تقول ذلك إذا كان في الكلام ما يدلّ على المضمر. (7) الصدوق: (8) ذكر رواية عن الصادق عليه‌السلام، هي: إنّ سليمان بن داود عليهما‌السلام عرض عليه ذات يوم بالعشيّ الخيل، فاشتغل بالنظر إليها حتّى توارت الشمس بالحجاب. فقال للملائكة: ردّوا الشمس عليّ حتّى اصلّي صلاتي في وقتها، فردّوها فقام فمسح ساقيه وعنقه، وأمر أصحابه الّذين فاتتهم الصلاة معه بمثل ذلك. وكان ذلك وضوءهم للصّلاة. ثمّ قام فصلّى، فلمّا فرغ غابت الشمس وطلعت

____________________

(1) تفسير الثعالبي عبد الرحمن بن محمّد المالكيّ (ت 875 هـ) «الجواهر الحسان في تفسير القرآن» 5: 66.

(2) الأعراف: 205، الرعد: 15، النور: 36.

(3) الجامع: عبد الله بن وهب المصريّ (ت 197 هـ) 2: 165.

(4) تفسير كتاب الله العزيز: هود بن محكّم الهوّاريّ (ت منتصف القرن الثالث الهجريّ» 4: 16.

(5) الجامع لأحكام القرآن: محمّد بن أحمد القرطبيّ الأنصاريّ 15: 195.

(6) أحكام القرآن: الجصّاص أحمد بن عليّ الرازيّ (ت 370» 3: 502.

(7) مجمع البحرين: فخر الدين الطريحيّ (ت 1085 هـ).

(8) من لا يحضره الفقيه: الصدوق محمّد بن عليّ بن بابويه القمّيّ (ت 381 هـ) 1: 129.

 


الصفحة 118

النجوم. وذلك قول الله عزّ وجلّ: ( وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنّهُ أَوّابٌ * إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيّ... ).

الطبرسيّ: المراد بالخير الخيل هنا، فإنّ العرب تسمّي الخيل الخير، عن قتادة والسّدّيّ. فالمعنى آثرت حبّ الخيل عن ذكر ربّي، وقيل: غنّ هذه الخيل كانت شغلته عن صلاة العصر حتّى فات وقتها، عن عليّ عليه‌السلام، وقتادة والسّدّيّ. وفي روايات أصحابنا أنّه فاته أوّل الوقت. (1)

وقوله تعالى: (رُدّوهَا عَلَيّ) قال: قيل معناه أنّه سأل الله تعالى أن يردّ الشمس عليه فرّدها عليه حتّى صلّى العصر. فالهاء في ردّوها كناية عن الشمس، عن عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام. (2)

وفي رواية عن ابن عبّاس: سألت عليّاً عليه‌السلام عن هذه الآية فقال ما بلغك فيها يا ابن عبّاس؟ قلت: سمعت كعباً يقول: اشتغل سليمان بعرض الأفراس حتّى فاتته الصلاة، فقال: ردّوها عليّ يعني الأفراس، كانت أربعة عشر فأمر بضرب سوقها وأعناقها فقتلها، فسلبه الله ملكه أربعة عشر يوماً، لأنّه ظلم الخيل بقتلها. فقال عليّ عليه‌السلام: كذب كعب، لكن أشتغل سليمان بعرض الأفراس ذات يوم، لأنّه أراد جهاد العدوّ حتّى توارت الشمس بالحجاب، فقال: بأمر الله تعالى للملائكة الموكّلين بالشمس: ردّوها عليّ فردت فصلّى العصر في وقتها، وإنّ أنبياء الله لا يظلمون ولا يأمرون بالظّلم، لأنّهم معصومون مطهّرون. (3)

ابن شهر آشوب: ذكر في مناقبه عن ابن عبّاس بطرق كثيرة أنّه لم تردّ الشمس إلاّ لسليمان وصيّ داود، وليوشع وصيّ موسى، ولعليّ بن أبي طالب وصيّ محمّد صلوات الله عليهم أجمعين.(4) الكلينيّ:بسنده عن أبي جعفر عليه‌السلام في قول الله عزّ وجلّ: (إِنَّ الصَّلَاةَ

____________________

(1) مجمع البيان: الفضل بن الحسن الطبرسيّ (ت 548 هـ) 8: 740.

(2) نفس المصدر 8: 741.

(3) مجمع البيان 8: 741؛ انظر تفسير الصافيّ 4: 299؛ الميزان للطباطبائي 17: 206؛ كنز الدقائق للمشهديّ 11: 233.

(4) مناقب آل أبي طالب: ابن شهر آشوب محمّد بن عليّ المازندرانيّ (ت 588 هـ) - المطبعة الحيدريّة.

 


الصفحة 119

كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا ) (1) قال: يعني مفروضاً وليس يعني وقت فوتها إذا جاز ذلك الوقت ثمّ صلاّها، فلم تكن هذه مودّاة. ولو كان ذلك كذلك لهلك سليمان بن داود عليهما‌السلام حين صلاّها لغير وقتها. ولكنّه متى ذكرها صلاّها. (2)

القمّيّ: ذكر في تفسيره: أنّ سليمان عليه‌السلام كان يحبّ الخيل ويستعرضها، فعرضت عليه يوما إلى أن غابت الشمس وفاتته صلاة العصر، فاغتمّ من ذلكغماً شديداً، فدعا الله أن يردّ عليه الشمس حتّى يصلّي العصر... (3).

ابن أبي جامع العامليّ: ذكر في تفسيره: (رُدّوهَا) أي الشمس (عَلَيّ) أيّها الملائكة الموكّلون بها. طلب منهم ردّها بأمر الل غيّاه بذلك، فردّت، فصلّى كما ردّت ليوشع وعليّ عليهما‌السلام (4).

شبّر: (حَتّى‏ تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ) أي الشمس، بدلالة العشيّ عليها. والحجاب: حجاب الأفق، أي غربت. أو حتّى غابت الخيل عن بصره حين اُجريت. (رُدّوهَا) أي الشمس (عَلَيّ) أيّها الملائكة الموكّلون بها، فردّت فصلّى، كما ردّت ليوشع وعليّ عليهما‌السلام. (5)

العلاّمة الطباطبائيّ ك «إنّي شغلني حبّ الخيل حين عرضت عليّ عن الصلاة حتّى فات وقتها بغروب الشمس. وإنّما كان يحبّ الخيل ليتهيّأ به للجهاد في سبيل الله، فكان الحضور عبادة منه فشغلته عبادة عن عبادة، غير أنّه يعدّ الصّلاة أهم». (6) ثمّ ذكر الرواية الّتي ذكرها الطبرسيّ في دعاء سليمان عليه‌السلام واستجابة الله تعالى له، فردّ عليه الشمس حتّى

____________________

وانظر من لا يحضره الفقيه للصدوق 1: 129.

(1) النساء: 103.

(2) الكافي: محمّد بن يعقوب الكلينيّ الرازيّ (ت 328 هـ) 3: 294.

(3) تفسير القمّيّ: عليّ بن إبراهيم القمّيّ «القرن الثالث والرابع الهجريّ» 2: 234.

(4) الوجيز في تفسير القرآن العزيز: عليّ بن الحسين بن أبي جامع العامليّ «1070 - 1135 هـ) 3: 101.

(5) تفسير القرآن الكريم: عبد الله شبّر (ت 1242 هـ): 429.

(6) الميزان في تفسير القرآن: محمّد حسين الطباطبائيّ «1321 - 1402 هـ) 17: 203.

 


الصفحة 120

صلّى. (1)

الفيض الكاشانيّ: (رُدّوهَا عَلَيّ) الضمير للشمس...، ثمّ ذكر تمام الرواية الّتي ذكرها الصدوق عن ابن عبّاس. (2)

المرتضى: ذكر الشريف المرتضى: أنّها الشمس... وفاتته صلاة مستحبّة. (3)

غريب الحديث: ( تَوَارَتْ ): الشّمس. (4)

الفخر الرازيّ: يعني الشمس. (عصمة الأنبياء: 83).

تأويل الآيات لعليّ الحسينيّ (ت 965 هـ) 2: 552: الشمس.

لسان العرب: ابن منظور 1: 299: الشمس.

البرهان في علوم القرآن: محمّد بن عبد الله الزركشي (ت 794 هـ) 4: 26: الشمس.

 

النتيجة:

1 - إنّ الشمس ردّت ليوشع وسليمان وعليّ عليهم‌السلام.

2 - بطل الإشكال الّذي ذكره الأبناء! في أنّ الشمس لو ردّت حقيقةً لعليّ، لم تكن له فضيلة! لأنّه يكون قد أدّى صلاته في غير وقتها، فهو إمّا مقصّر والمقصّر عليه أن يتوب، وإمّا غير مقصّر فلا ذنب عليه ولا حاجة لردّ الشمس.

وجوابه: لقد أدّاها عليه‌السلام في وقتها بدليل رجوع الشمس إلى وقت العصر. ولو لم يكن لرجوعها فضيلة لما دعا النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، واستجاب الله له فردّها، ولما دعا سليمان عليه‌السلام، فردّها سبحانه عليه.

وليس تقصير في البين، لا من سليمان النبي، ولا من عليّ الوصيّ عليهما‌السلام، فكلاهما كان في عبادة شغلته عن عبادة، مع الموقع المهمّ للصلاة في العبادات.

____________________

(1) الميزان في تفسير القرآن:محمّد حسين الطباطبائيّ «1321 - 1402 هـ) 17: 203.

(2) تفسير الصافي: الفيض الكاشانيّ (ت 1091 هـ) 40: 298.

(3) تنزيه الأنبياء: الشريف المرتضى: 135.

(4) غريب الحديث: ابن سلام (ت 224 هـ) 3: 79.

 


الصفحة 121

الفصل الثالث

ابن القيِّم وعالم الأرواح

إذا كبر على ابن القيّم ردّ الشّمس لعليّ عليه‌السلام، فافترى على الشّيعة إذ جعل الحديث خاصّاً بهم ورماهم بالكذب لذلك، فإنّه ولج عالم الأرواح.. ذلك العالم المجهول، فألّف فيه كتاباً سمّاه «الرّوح»، حشاه من الخرافات الّتي اعتبرها كرامات مسلّمات! فهذا له نصف الجنّة ثمناً لزهده وعبادته، والأنبياء والنّاس جميعاً لهم النّصف الآخر منها! وآخر يجالس الله تعالى، يأكل ويشرب بين يديه! وثالث أشغل الملائكة سنيناً في نسج حلّته، وإنّ الله تعالى قد انتقم لأحد عباده لأنّ فلاناً شتمه، فسخّر روح فلان وهو نائم لتحمل سكّيناً فتذبح الشّاتم من الأذن إلى الأذن.

ويمضي مكبّاً على وجهه يسرد القصص ويؤسّس عليها ما يراه علماً؛ ففلان ينتقل من بغداد إلى بيت الله الحرام، ويشرب من ماء زمزم، ثمّ يعود بنفس اللّيلة إلى بغداد، وكأنّه عفريت الجنّ الّذي جاء بعرش بلقيس فوضعه بين يدي سليمان نبيّ الله. وفلان العابد يمشي على الماء ويطير في الهواء من غير جناحين. وفلان العابد استجابة دعائه أسرع من البرق الخاطف، يغيّر الأنواء وأحوال الطّبيعة ويحيي الموتى!

وهو إذ يرفض حديث ردّ الشّمس، لم ينكر هذا الحشد الهائل من الخرافات ممّا لم يجر به قلم رافضيّ! وإنّما هي من هملجات مشيخة ابن القيّم وأبناء جلدته، وكلّ واحد منها يضاهي ردّ الشّمس أو حبسها. وهذه نظرة في كتابات هؤلاء وأخبارهم:

 
الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة