الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة 82

حديثاً آخر عن أسماء أيضاً.

محبّ الدّين الطبريّ، المتوفّى سنة 694 ذكره في الرّياض النضرة 2: 179 طبعة محمد أمين الخانجيّ - مصر. ذكر حديث أسماء بنت عميس بروايتين.

القاضي عياض اليحصبيّ المتوفّى سنة 544، في الشفا بتعريف حقوق المصطفى ص 240. ذكره من طريق الطحاويّ بسنديه المذكورين في مشكل الآثار.

أبو هريرة روى حديثه في ردّ الشمس لعليّ عليه‌السلام جمع من الحفّاظ نعرضهم عند ذكر نصّ الحديث.

أحمد بن زيني دحلان الشّافعي مفتي مكة المكرّمة، روى حديث أسماء عن مشكل الآثار في السيرة النبويّة المطبوع بهامش السيرة الحلبيّة 3: 126.

وممّن روى الحديث: أمّ سلمة، وجابر بن عبد الله الأنصاريّ، وأبو سعيد الخدريّ رضوان الله عليهم. انظر ينابيع المودّة ص 138.

فاطمة بنت عليّ عليه‌السلام، عن أسماء بنت عميس. انظر فرائد السّمطين لإبراهيم بن محمد الحمّوئيّ الجوينيّ الشّافعيّ، المتوفّى سنة 730، ج 1 ص 183، الباب السّابع والثلاثون حديث 146».

الحسين بن عليّ عليهما‌السلام انظر ينابيع المودّة ص 138.

الحافظ عبيد الله بن عبد الله الحسكانيّ الحنفيّ. له رسالة مسألة في تصحيح ردّ الشّمس وترغيم النّواصب الشّمس. ذكر بعضاً منها ابن كثير في البداية والنهاية ج 6: 80، والذهبيّ في التذكرة 3: 368.

محمد مؤمن الشبلنجي في نور الأبصار ص 28، وعدّ ذلك من معجزات النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله.

 

تعقيب

إذا كان رواة حديث ردّ الشّمس لعليّ عليه‌السلام كلّهم روافض، سواء أزواج النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، أو الصّحابيّات المبايعات من ذوات الهجرتين، أو أصحاب الفضل من صحابة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله؛ أو أهل البيت عليهم‌السلام، أو أصحاب السيرة والتاريخ، أو المحدّثون من أصحاب السّنن

 


الصفحة 83

والمفسّرين المالكيّ منهم أو الحنفيّ والشّافعيّ والحنبليّ - إذا كان كلّ أولئك روافض يجوّزون الكذب، وقد افتروا على الله الكذب في ترويجهم هذا الحديث وحملوا بشدّة على من كذّبه ورفضه، بل وجعلوه من علامات النبوّة... فبعد كلّ هذا لا نجد بأسا أن يقال لنا روافض! بل ونعم النّعت ذلك! وبعد: فمن هو أولى بمورد الإدانة: هذا الجمهور الواسع من المسلمين، أم ابن قيّم الجوزيّة؟! وإذا كان الّذين تيّسر لنا لاوقوف علىتصريحاتهم في الحديث المذكور ليس فيهم مغمز ولا يصحّ القول في أحدهم إنّه من أهل التشيّع والرفض فما بال الشّيعة يرمون بالكذب وكأنّه المبدأ الّذي يقيمون عليه مذهبهم؟!

وهو بهذا تعمّد الكذب وبهت المؤمنين. والشّيعة تعدّ الكذب والبهتان من الكبائر، كما هو مقرّر في كتبهم الفقهيّة.

كما إنّه تعمّد الكذب بقوله في حديث ردّ الشّمس: «ولا يعرفه إلاّ أسماء بنت (1) عميس»! ولقد وجدنا للحديث طرقا كثيرة من غير أسماء، منها عن أمير المؤمنين عليه‌السلام.

(سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ) (2).

____________________

(1) لو افترضنا صدق قوله هذا، فما هو العيب في أسماء هذه حتّى يردّ روايتها ابن القيّم؟ ذكر أبو نعيم في ترجمة أسماء بنت عميس في حلية الأولياء ج 2: 74، قال: أسماء بنت عميس مهاجرة الهجرتين، ومصلّية القبلتين، أليفة النّجائب، وكريمة الحبائب. عقد عليها جعفر الطيّار، وخلف عليها بعده الصدّيق سابق الأخيار، ومات عنها الوصيّ عليّ سيّد الأبرار. وكانت تعرف بالبحريّة الحبشيّة؛ لأنّها هاجرت إلى الحبشة وعادت منها مع المهاجرين إليها بطريق البحر. ولما عادت من الحبشة قال لها عمر: هذه الحبشيّة البحريّة؟ قالت أسماء: نعم، فقال عمر: سبقناكم بالهجرة، نحن أحق برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، فغضبت «وأسمعته كلاماً»، ثمّ قالت: وأيم الله لا أطعم طعاما ولا اشرب شرابا حتّى أذكر ما قلت لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله. فلمّا جاء النبيّ أخبرته، فقال: «ليس بأحقّ بي منكم، له هجرة واحدة، ولكم أنتم يا أهل السّفينة هجرتان».

وأسماء بنت عميس أخت ميمونة بنت الحارث زوج النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، وأخت لبابة أمّ الفضل زوجة العبّاس بن عبد المطّلب. ذكر ابن عبد البرّ في الاستيعاب 4: 236 وابن حجر في الاصابة 4: 231 فيمن روى عن أسماء بنت عميس، قالا: عمر بن الخطّاب، وأبو موسى الأشعريّ، وعروة بن الزّبير، وسعيد بن المسيّب، وعبد الله بن عبّاس، وابنها عبد الله بن جعفر، وحفيدها القاسم بن محمّد، وعبد الله بن شدّاد بن الهاد....

(2) هود / 93.

 


الصفحة 84

لفظ الحديث

عند التحقيق في حديث ردّ الشّمس لعليّ عليه‌السلام، وجدنا أنّه يرد من غير أسماء بنت عميس أيضاً وإنّ ردّ الشّمس له عليه‌السلام قد حدث مرّتين: في حياة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، وأخرى بعد وفاته صلى‌الله‌عليه‌وآله.

 

حديث أسماء بنت عميس

حفلت المصادر الموثّقة الّتي هي موضع الاعتماد والتحقيق بذكر حديث أسماء، وهذا الذي أغاظ أولئك النفر الشاذّ على إنكاره.

ذكر السيوطي في الخصائص الكبرى 2: 137 قال: أخرج ابن منده وابن شاهين والطّبرانيّ بأسانيد بعضها على شرط الصحيح، عن أسماء بنت عميس، قالت: كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يوحى إليه وراسه في حجر عليّ، فلم يصل العصر حتى غربت الشمس، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «اللّهمّ إنّه كان في طاعتك وطاعة رسولك فاردد عليه الشّمس». قالت أسماء: فرأيتها غربت، ثمّ رأيتها طلعت بعد ما غربت. وفي لفظ للطبرانيّ: فطلعت عليه الشّمس حتّى وقفت على الجبال وعلى الأرض، وقام عليّ فتوضأ وصلّى العصر، ثمّ غابت. وذلك بالصّهباء، منزل بين المدينة وخيبر.

وذكره سبط ابن الجوزيّ بلفظ مقارب في تذكرة الخواصّ ص 53، والطحاويّ أبو جعفر أحمد بن محمّد في «مشكل الآثار 2: 8 و 4: 388، عن أسماء مع مغايرة وإضافة. قالت: كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يوحى إليه ورأسه في حجر عليّ، فلم يصلّ العصر حتّى غربت الشّمس، فقال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: صلّيت يا عليّ؟ فقال: لا، فقال النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله: اللّهمّ إنّه كان في طاعتك وطاعة رسولك، فاردد عليه الشّمس، قالت أسماء: فرأيتها قد غربت ثمّ رأيتها قد طلعت بعد ما غربت.

رواه ابن عساكر بنفس اللّفظ، عن أسماء بنت عميس، في تاريخه «حديث 807»، وكذلك ابن المغازليّ في مناقب الإمام عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام ص 96 حديث 140، والقاضي عياض في الشفا بتعريف حقوق المصطفى ص 240، والگنجيّ الشّافعيّ في

 


الصفحة 85

كفاية الطالب ص 388، والعيني في عمدة القاري شرح صحيح البخاري 7: 146، وابن حجر العسقلاني في الصواعق المحرقةص 76، وفتح الباري 6: 186. وأخرجه محب الدين الطبري في الرياض النضرة 2: 179 عن أسماء، ولفظه: كان رأس رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في حجر علي، فكره أن يتحرك حتى غابت الشمس فلم يصل العصر، ففرغ النبي، وذكر له علي أنه لم يصل العصر، فدعا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله الله عزّ وجلّ أن يردّ الشّمس عليه، فأقبلت الشّمس لها خوار حتّى ارتفعت قدر ما كانت في وقت العصر؛ فصلّى ثمّ رجعت.

وخرّج عنها أيضاً: أن عليّ بن أبي طالب دفع إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وقد أوحي إليه أن يجلّله بثوب، فلم يزل كذلك إلى أن أدبرت الشّمس. قال: غابت أو كادت تغيب، ثمّ إنّ النبيّ سرّي عنه، فقال: أصلّيت يا عليّ؟ قال: لا. قال النبيّ: اللّهمّ ردّ الشّمس على عليّ. فرجعت حتّى بلغت نصف المسجد». وبسنده احمد بن صالح المصريّ، عن أمّ جعفر، عن أسماء بنت عميس أن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله صلّى الظهر بالصّهباء، ثمّ أرسل علياً في حاجة، فرجع وقد صلّى النبيّ العصر، فوضع النبيّ راسه في حجر عليّ فلم يحرّكه حتّى غابت الشّمس، فقال النبيّ: اللّهمّ إنّ عبدك عليّاً احتبس بنفسه على نبيّك فردّ عليه شرقها. قالت أسماء: فطلعت الشمس حتى وقعت على الجبال وعلى الأرض، ثم قام فتوضّأ وصلّى العصر، ثمّ غابت وذلك في الصهباء. مشكل الآثار 4: 388.

وذكره القندوزيّ الحنفيّ في ينابيع المودة ص 138، وقال: هذان الحديثان - أي شقّ القمر وردّ الشّمس - ثابتان، رواتهما ثقات. وذكره الخوارزميّ في مناقبه ص 307.

وذكر القندوزيّ في ينابيع المودّة 138، جماعة من الصحابة ممّن روى الحديث فيهم أسماء، فقال: قال جماعة من الصحابة منهم أمّ سلمة وأسماء بنت عميس وجابر بن عبد الله وأبو سعيد الخدريّ: إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله كان في منزل فلمّا تغشّاه الوحي توسّد فخذ عليّ، فلم يرفع رأسه حتّى غابت الشّمس، وصلّى عليّ صلاة العصر بالإيماء. فلمّا أفاق صلى‌الله‌عليه‌وآله قال: «اللهمّ اردد الشّمس لعليّ»، فردّت حتّى صارت في السّماء وقت العصر، فصلّى عليّ العصر ثمّ غربت، فأنشأ حسّان بن ثابت:

يا   قوم  من  مثل  عليّ  iiوقد      ردّت عليه الشّمس من غائب
 

 


الصفحة 86
أخو  رسول الله iiوصهره      والأخ لا يعدل بالصّاحب

وذكره أحمد زيني دحلان الشّافعيّ في هامش السّيرة الحلبيّة ج 3: 126 على نحو ما في مشكل الآثار، وزاد فيه: ووقعت على الجبال والأرض، وذلك بالصّهباء في خيبر.

وقال: في المواهب في حديث ردّ الشمس: قد صحّحه الطحاويّ والقاضي عياض. قال الزرقانيّ: وناهيك بهما. وأخرجه ابن منده وابن شاهين من حديث أسماء بنت عميس رضي الله عنها بإسناد حسن، ورواه ابن مردويه من حديث أبي هريرة بإسناد حسن أيضا. ورواه الطّبرانيّ في معجمه الكبير بإسناد حسن، كما حكاه شيخ الإسلام قاضي القضاة.

وفي ص 127: ورواه الطّبرانيّ أيضاً عن أسماء رضي الله عنها بلفظ آخر، قالت: اشتغل عليّ مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في قسمة الغنائم يوم خيبر حتّى غابت الشمس، فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله: يا عليّ أصلّيت العصر؟ قال: لا يا رسول الله، فتوضّأ وجلس في المجلس، فتكلّم بكلمتين أو ثلاثة، فارتجعت الشّمس كهيئتها في العصر، فقام عليّ فتوضّأ وصلّى العصر، ثمّ تكلّم صلى‌الله‌عليه‌وآله بمثل ما تكلّم به قبل ذلك، فرجعت الشّمس إلى مغربها، فسمعت لها صريراً كالمنشار في الخشبة، وطلعت الكواكب.

وطويلة هي قائمة أسماء الثّقات ممّن روى حديث أسماء بنت عيمس، وأسماء موثّقة بذاتها، فماذا بعد ذلك إلاّ الإخبات للحقّ وتصديق الصدق؟

 

حديث أبي هريرة

ولم يكن الأمر كما زعم ابن القيم من أن حديث ردّ الشّمس لا يعرفه إلا أسماء بنت عميس، فللحديث طرق أخرى ورواة آخرون، منهم: أبو هريرة. ذكر السيوطي في الخصائص الكبرى 2: 137 قال: وأخرج ابن مردويه، عن ابي هريرة، قال: نام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ورأسه في حجر عليّ، ولم يكن صلّى العصر حتّى غربت الشّمس. فلمّا قام النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله دعا له، فردّت عليه الشّمس حتّى صلّى، ثمّ غابت ثانية. ورواه السخاويّ في المقاصد الحسنة ص 226، وذكره الحسكانيّ في رسالة ردّ الشّمس، حديث 9.

 


الصفحة 87

حديث جابر

وقد ذكر الحديث الصحابيّ الجليل جابر بن عبد الله الأنصاريّ؛ ففي الخصائص الكبرى 2: 137، قال: وأخرج الطّبرانيّ بسند حسن، عن جابر: أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله أمر الشّمس فتأخّرت ساعةً من نهار. وذكره الهيتميّ في مجمع الزوائد ج 8: 296، وقال: رواه الطّبرانيّ في الأوسط، وإسناده حسن.

 

حديث أبي رافع

وبسندٍ عن أبي رافع قال: رقد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله على فخذ عليّ وحضرت صلاة العصر، ولم يكن عليّ صلّى، وكره أن يوقظ النبيّ، حتّى غابت الشّمس. فلمّا استيقظ، قال: ما صلّيت أبا الحسن؟ قال: لا يا رسول الله. فدعا النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، فردّت الشّمس على عليّكما غابت، حتّى رجعت لصلاة العصر في الوقت، فقام عليّ فصلّى العصر، فلمّا قضى صلاة العصر غابت الشّمس، فإذا النّجوم مشتبكة.

أخرجه ابن المغازليّ الشافعيّ في مناقب الإمام عليّ بن أبي طالب ص 98 حديث 141. وسلف أن ذكرنا حديث الصحابيّ عامر بن واثلة، وحديث الصحابيّ ابن عبّاس.

وعن عمرو بن ثابت، قال: سألت عبد الله بن حسن بن حسن بن عليّ بن أبي طالب عن حديث ردّ الشّمس على عليّ بن ابي طالب: هل ثبت عندكم؟ فقال لي: ما أنزل الله في عليّ في كتابه أعظم من ردّ الشّمس! قلت: صدقت، جعلني الله فداك. ولكنّي أحبّ أن أسمعه منك، فحدّثه. (رسالة ردّ الشّمس للحسكانيّ، حديث 8).

 

ردّ الشّمس لأمير المؤمنين مرّتين

ثبت بالبرهان الجليّ أنّ الشّمس قد ردّت لأمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام، وأنّ ذلك حصل في موضعين وزمانين ن وبهقال ابن عبّاس لما سئل عن أمير المؤمنين، فقال: «وردّت عليه الشّمس مرّتين» الحديث.

وفي «كتاب الفضائل، لأبي الفضل شاذان بن جبرائيل، المتوفّى سنة 660 هـ، صفحة

 


الصفحة 88

88 - 69، خبر ردّ الشّمس لأمير المؤمنين عليه‌السلام. قال: وهو مشهور عند جميع الرّواة، قالوا: إنّه لما رجع أمير المؤمنين من قتال أهل النّهروان - الخروارج - أخذ عليّ النّهروانات وأعمال العراق، ولم يكن يومئذ بني بيت ببغداد، فلمّا وافى ناحية براثا صلّى بالنّاس الظّهر، فرحلوا ودخل أرض بابل وقد وجبت صلاة العصر، فصاح النّاس: يا أمير المؤمنين هذا وقت العصر، فقال امير المؤمنين: هذه أرض مخسوف بها، وقد خسف بها ثلاث مرّات ويخشى عليها تمام الرّابعة فلا يحلّ لنبي ولا لوصي أن يصلي بها، فمن أراد منكم أن يصلّي فليصل. فقال المنافقون منهم: نعم! هو لا يصلّي ويقتل من يصلّي! يعنون بذلك أهل النّهروان. قال جويريّة (1) بن مهران العبديّ: فتبعته في مائة فارس، وقلت: والله لا اُصلّي أو يصلّي هو وإلا قلّدته صلاتي اليوم. فقال امير المؤمنين: (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (2). فسارع إلى أن قطع أرض بابل وقد تدلّت الشّمس للغروب ثم غابت واحمر الافق، قال: فالتفت إلي وقال: يا جويرية: هات الماء. قال: فقدمت إليه الإناء فتوضّأ، ثم قال: أذن يا جويرية. فقلت: يا أمير المؤمنين! ما وجب وقت العشاء بعد. قال عليه‌السلام: قم وأذّن للعصر، فقلت في نفسي: كيف يقول أذّن للعصر وقد غربت الشمس؟! ولكن عليّ الطّاعة. فأذّنت، فقال لي: أقم، ففعلت. فبينما أنا في الإقامة إذ تحركت شفتاه بكلام كأنّه منطق خطاطيف لا يفقه، فرجعت الشّمس بصرير عظيم، حتّى وقفت في مركزها من العصر. فقام عليه‌السلام وكبّر وصلّى وصلّينا وراءه ن فلمّا فرغ من صلاته وقعت الشّمس كأنّها في وسط ماء وغابت، واشتبكت النّجوم وأزهرت. فالتفت إليّ وقال: أذّ الآن للعشاء، يا ضعيف اليقين! (3)

____________________

(1) في كتاب خصائص امير المؤمنين، للشريف الرضيّ ص 24: جويرة من غير ياء بين الرّاء والتاء. وفي رجال ابن داود ص 93: جويريّة بن مسهر العبديّ، ممدوح. وفي رجال البرقيّ ص 5: من خواصّ أصحاب امير المؤمنين عليه‌السلام؛ من ربيعة: جويرية بن مسهر العبديّ، شهد مع امير المؤمنين. وذكره الطوسيّ في أصحاب أمير المؤمنين عليه‌السلام، وقال: شهد معه. (رجال الطوسي 37 / 4). وذكره له الكشي حديثاً في حبّ وبغض آل محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله. (اختيار معرفة الرجال 106 / 169).

(2) فصلّت / 40.

(3) ذكر الخبر الشريف الرضيّ في كتابه خصائص أمير المؤمنين عليه‌السلام: 24 - 25، مع اختلاف في بعض =

 


الصفحة 89

قال: وردّت له عليه‌السلام في حياة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله بمكّة، وقد كان النبيّ قد غشيه الوحي، فوضع رأسه في حجر امير المؤمنين، وحضر وقت العصر فلم يبرح من مكانه وموضعه حتّى غربت الشّمس  فاستيقط النّبيّ، وقال: «اللّهمّ إنّ عليّاً كان في طاعتك فردّ عليه الشّمس ليصلّي العصر» فردّها الله عليه بيضاء نقيّة، حتّى صلّى ثمّ غابت. وقال السيّد الحميريّ في ذلك قصيدته المعروفة بالمذهّبة، ومنها:

ردّت   عليه   الشّمس   لما  فاته      وقت  الصلّاة، وقد دنت iiللمغرب
حتّى   تبلّج   نورها   في  iiوقتها      للعصر  ثمّ  هوت هويّ iiالكوكب
وعليه  قد حبست (1) ببابل مرّةً      أخرى، وما حبست لخلقٍ معرب
إلاّ  ليوشع  أو له، (2) iiولحبسها      ولردّها    تأويل    أمر   iiمعجب

(قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصّدُورِ) آل عمران: 119.

____________________

= العبارات، قال: خبر ردّ الشّمس وإن كان من الأخبار المشهورة، روى محمّد بن الحسين، عن أحمد بن عبد الله، عن الحسين بن المختار، عن أبي بصير بن عبد الواحد بن المختار الأنصاريّ، عن أبي المقدام الثقفيّ، قال قال جويرة بن مسهر: قطعنا مع أمير المؤمنين عليه‌السلام جسر الصراة في وقت صلاة العصر فقال: إنّ هذه أرض معذّبة لا ينبغي لنبيّ ولا وصي أن يصلّي فيها، فمن أراد منكم أن يصلّي فليصلّ. قال: فتفرّق النّاس يمنة ويسرة، وقلت أنا: لأقلدنّ هذا الرّجل ديني ولا أصلّي حتّى يصلّي. قال: فسرنا وجعلت الشّمس تنتقل، وجعل يدخلني من ذلك أمر عظيم، حتّى وجبت الشّمس وقطعت الأرض. قال: فقال: يا جويرة أذّن، فقلت: تقول لي أذّن وقد غابت الشّمس؟! قال: فأذّنت. ثمّ قال لي: أقم، فأقمت. فلمّا قلت: قد قامت الصّلاة رايت شفتيه تتحرّكان، وسمعت كلاما كأنّه كلام العبرانيّة. قال: الشّمس حتّى صارت في مثل وقتها في العصر، فصلّى. فلمّا انصرف هوت إلى مكانها واشتبكت النّجوم. قال: فقلت أنا: أشهد أنّك وصيّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله. فقال: يا جويرة أما سمعت الله يقول: (فَسَبّحْ بِاسْمِ رَبّكَ الْعَظِيمِ)؟ [الواقعة / 96] فقلت: بلى، فقال: إنّي سألت ربّي باسمه العظيم، فردّها عليّ.

(1) في ترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق 2: 301: ردّت...، وما ردّت لخلق المغرب.

(2) في المصدر المذكور:

إلاّ  ليوشع  وله من بعدها      وبردّها تأويل أمر معجب

 


الصفحة 90

نقد سند الحديث:

إنّ الآفة في تكذيب حديث ردّ الشّمس: أبو الفرج ابن الجوزيّ ومنه سرت إلى ابن تيمية فتبعه حذو القذّ بالقذّة، قال ابن تيمية: وحديث ردّ الشّمس قد ذكره طائفةٌ كالطحاويّ، والقاضي عياض وغيرها.

وعدوّا ذلك من معجزات النبيّ، ولكن المحقّقون من أهل العلم والمعرفة بالحديث يعلمون أنّ هذا الحديث كذب موضوع كما ذكره ابن الجوزيّ في:

«الموضوعات». فرواه من عبيد الله بن موسى عن فضيل بن مرزوق، عن إبراهيم بن الحسن، عن فاطمة بنت الحسين، عن أسماء بنت عميس، قالت: - ثمّ ذكر الحديث -.

قال: قال أبو الفرج: هذا الحديث موضوع بلا شكّ.

قال أبو الفرج: وفضيل بن مرزوق ضعّفه يحيى، وقال أبو حاتم بن حبّان: يروي الموضوعات ويخطئ على الثّقات. قال: وهذا الحديث مداره على عبيد الله بن موسى، عنه. وقال: وقد روى هذا الحديث ابن شاهين: حدّثنا عبد الرحمن بن شريك، حدّثني أبي، عن عروة، عن عبيد الله بن قيس قال: دخلت على فاطمة بنت عليّ فحدّثتني أنّ عليّ ابن أبي طالب، وذكر حديث رجوع الشّمس.

قال أبو الفرج: وهذا حديث باطل. أما حديث عبد الرحمن بن شريك فقال أبو حاتم هو واهي الحديث. قال: وأنا لا أتّهم بهذا الحديث إلاّ ابن عقدة، فإنّه كان رافضيّاً يحدّث بمثالب الصّحابة. (1)

قال أبو الفرج: وقد رواه ابن مردويه، من حديث: داود بن فراهيج، عن أبي هريرة. قال: وداود ضعيف ضعّفه شعبة. فليس في هؤلاء من يحتجّ به. (2)

قال: وأمّا الثاني: ببابل، فلا ريب أنّ هذا كذب، وإنشاد الحميريّ لا حجّة فيه لأنّه لم يشهد ذلك. (3)

____________________

(1) منهاج السّنة: ابن تيمية 4: 186.

(2) نفس المصدر.

(3) نفس المصدر 187.

 


الصفحة 91

قال: وأما إسناد الثاني فمداره على فضيل بن مرزوق، وهو معروف بالخطأ على الثّقات وإن كان لا يتعمّد الكذب. قال فيه يحيى بن معين مرّة. هو ضعيف، وهذا لا يناقضه قول أحمد بن حنبل فيه: لا أعلم إلا خيرا. وقول سفيان: هو ثقة. ويحيى مرّة - اُخرى -: هو ثقة، فإنّه ليس ممّن يتعمّد الكذب ولكنّه يخطئ؛ وإذا روى له مسلم، ما تابعه غيره عليه، لم يلزم أن يروى ما انفرد به!

قال: وروى من طريق أبي العبّاس بن عقدة، وكان مع حفظه جماعا لأكاذيب الشّيعة!

قال: قال ابن عقدة: حدّثنا يحيى بن زكريّا، أخبرنا يعقوب بن معبد، حدّثنا عمرو بن ثابت، قال: سألت عبد الله بن حسن بن حسن بن علي عن حديث رد الشمس إلى علي...، فذكر حديث أسماء بنت عميس. (1)

قال: وهذا الحديث إن كان ثابتا عن عمرو بن ثابت، فهو الذي اختلقه، فإنّه كان معروفا بالكذب. (2) قال أبو حاتم بن حبّان: يروي الموضوعات عن الأثبات. وقال يحيى ابن معين: ليس بشيء، وقال مرّة: ليس بثقة ولا مأمون. وقال النّسائيّ: متروك الحديث. (3)

قال: وأمّا رواية أبي هريرة: اسناده مظلم... بل يعرف كذبه من وجوه فإنّه وإن كان داود بن عبد الملك النّوفليّ، وهو الذي رواه، قال البخاريّ: احاديثه شبه لا شيء. وذكر ابن الجوزيّ أنّ ابن مردويه رواه من طريق داود بن فراهيج، وذكر ضعف ابن فراهيج. (4)

قال: وأمّا رواية جويرية بنت مسهر... وبمثل هذا الإسناد عن هذه المرأة، ولا يعرف حال هذه المرأة!! (5)

قال: وقد حكى أبو جعفر الطحاويّ، عن عليّ بن عبد الرحمن، عن أحمد بن صالح المصريّ: أنّه كان يقول: لا ينبغي لمن كان سبيله العلم التخلّف عن حفظ حديث أسماء

____________________

(1) منهاج السنّة 4: 192.

(2) نفس المصدر.

(3) نفس المصدر 4: 192 - 193.

(4) نفس المصدر 193.

(5) نفس المصدر 4: 194.

 


الصفحة 92

بنت عميس من ردّ الشمس الأنه من علامات النبوة. قلت - ابن تيمية -: أحمد بن صالح رواه من الطريق الأوّل ولم يجمع طرقه وألفاظه الّتي تدلّ من وجوه كثيرة على أنذه كذب. وتلك الطريق راويها مجهول عنده. والطحاوي ليست عادته نقد الحديث كنقد أهل العلم! فإنه لم تكن معرفته بالأسناد كمعرفة أهل العلم به، وإن كان كثير الحديث عالما. (1)

وجواب ذلك: أنّ حديث أسماء، يرد من أكثر من طريق ليس فيها فضيل بن مرزوق، ولا عبيد الله بن موسى. والحديث يرد عن غير أسماء فهو يرد عن ابن عبّاس، وأبي هريرة، وجابر، وأبي رافع، وكلّها ناهضة بصحّة الحديث معضّدة له.

ورفض ابن القيّم، وابن تيمية الحديث إنما مداره على أبي الفرج. إذ لم أجد في أهل العلم من كذّب الحديث ووهّنه غير هذا الرجل. وبين وفاة ابن تيمية ووفاة الجوزيّ (131 سنة). وبين وفاة ابن الجوزيّ ووفاة عبيد الله بن موسى (384 سنة). وبينه وبين وفاة فضيل بن مرزوق (437 سنة). فهما أقرب عهدا بالتّابعين وأتباعهم، وعاشا ومات في عصر ازدهار تدوين الحديث ونقده، وجرح الرّجال وتقويمهم فإنّ فضيل مات قبل سنة (170  هـ)، وعبيد الله مات سنة (213  هـ) والحكم عليهما لمن عاصرهما أو كان قريب عهد بذلك، فإن عدم حالهما، جاز للمتأخّر التفتيش. وقبل أن ننظر في حاليهما نذكر رجلا تشدّد على من توقّف وتخلّف عن حفظ حديث أسماء، ليس نكرة ولا مجهول الحال ذلك هو: أحمد بن صالح المصريّ، شيخ البخاريّ، والمتوفّى سنة (246  هـ)، وروى له البخاريّ في صحيحه، وسنقف على كلامه.

ترجمة عبيد الله بن موسى:

عبيد الله بن موسى بن أبي المختار، با ذام، أبو محمّد العبسيّ، مولاهم الكوفيّ الحافظ المقرئ.(2)

____________________

(1) منهاج السنّة 4: 194.

(2) طبقات ابن سعد 6: 400، 6: 368 / 2748؛ التاريخ لابن معين - برواية الدّوريّ - 1: 309 / 2062، 1: 381 / 258، طبقات خليفة 292 / 1321؛ تاريخ خليفة: 54؛ التاريخ الكبير للبخاريّ 5: 401؛ المعارف 519، 532، 624؛ المعرفة والتاريخ 1: 198؛ تاريخ الثّقات للعجليّ 319 / 1070؛ الكامل لابن عديّ 327؛ =

 


الصفحة 93

ولد بعد العشرين ومائة، وتوفّي بالكوفة في آخر شوّال سنة ثلاث عشرة ومائتين في خلافة المأمون.

روى عن: الأعمش، وهشام بن عروة والأوزاعيّ، وغسماعيل بن أبي خالد، ومحمّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وأسامة بن زيد اللّيثي....

روى عنه: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وأبوبكر بن أبي شيبة، وابن راهويه، وعبّاس الدّوري، والدّارميّ، ويعقوب بن سفيان الفسويّ وقد أكثر في الرّواية عنه، وابن نمير، والحارث بن اسامة، ومحمّد بن سليمان الباغنديّ.

 

أقوال العلماء فيه:

ابن سعد: عبيد الله بن موسى ثقة صدوق حسن الهيئة، وكان يتشيّع ويروي أحاديث في التشيّع فضعّف بذلك عند كثير من النّاس. وكان صاحب قرآن. (1)

يحيى بن معين: عبيد الله بن موسى ثقة. (2) سمعت جامع سفيان - الثوريّ - من عبيد الله بن موسى قرأه عليّ من صحيفته. (3) وقد ذكره في مواضع كثيرة من كتابه «التاريخ» بجزءيه، في من روى عنه، أو من روى عنه عبيد الله بن موسى، ولم يضعّفه في أيّ مورد.

الحافظ العجلي: عبيد الله بن موسى العبسيّ، يكنّى أبا محمّد: صدوق، وكان يتشيّع، وكان صاحب قرآن رأسا فيه، شجيّ القراءة. ما رأيت عبيد الله رافعا بصره إلى السماء، وما رؤي ضاحكاً. (4)

الحافظ ابن حبّان: ذكره في الثّقات من أهل الكوفة. قال: مات سنة ثنتي عشرة أو ثلاث

____________________

= تاريخ أسماء الثقات لابن شاهين 239 / 910؛ الجرح والتعديل للرازيّ 4: 1 / 496؛ الثّقات لابن حبّان 4: 92 / 2961؛ الكنى والأسماء للدولابيّ 2: 221 / 2504: الكاشف للذهبيّ 2: 234؛ رجال الطوسيّ 111 /311؛ تهذيب الكمال 7: 50.

(1) الطبقات الكبرى: ابن سعد 6: 368/ 2748.

(2) الجرح والتعديل للرازيّ 5: 334؛ تاريخ أسماء الثّقات لابن شاهين 239 / 910.

(3) تاريخ ابن معين 1: 381 / 2580.

(4) تاريخ الثّقات للعجليّ 319 / 1070.

 


الصفحة 94

عشرة ومائتين، وكان يتشيّع. (1)

الحافظ ابن شاهين: عبيد الله بن موسى: ثقة. (2)

خليفة بن خيّاط: ذكره في الطبقة التاسعة. يروي عن عمر بن صهبان الأسلميّ التابعيّ. (3) وحدّث عنه في تاريخه، عن غزوة الطّائف، عنه عن طلحة بن جبر عن المطّلب بن عبد الله عن مصعب بن عبد الرحمن عوف عن أبيه - (4) وكذلك عن مسعر عن عمرو بن مرّة عن الحارث بن جمهان الجعفيّ، عن صفة معركة الجمل. (5)

النّسائيّ: ولم يذكره النّسائيّ في كتابه: «الضّعفاء والمتروكين» ممّا يدلّ على حسن حاله عنده.

الطوسيّ: عدّه في أصحاب الصادق عليه‌السلام. (6)

الدّولابيّ: ذكره في ترجمة أبيه أبي المختار موسى بن باذام، قال: وابنه عبيد الله بن موسى سم الثّوريّ. (7)

أبو حاتم الرّازيّ: قال ابن معين وغيره ك ثقة. (8)

قال أبو حاتم: ثقة صدوق. (9)

الذهبيّ: هو من كبار شيوخ البخاريّ. كان صاحب تعبّد وزهادة. (10)

ابن حجر: عبيد الله بنموسى بن باذام الكوفيّ: ثقة. (11)

____________________

(1) الثّقات لابن حبّان 4: 92 / 2961.

(2) تاريخ أسماء الثقات لابن شاهين 239 / 910.

(3) طبقات خليفة بن خيّاط: 292 / 1321.

(4) تاريخ خليفة: 54.

(5) نفس المصدر 143.

(6) رجال الطوسيّ 111 / 311.

(7) الكنى والأسماء للدّولابي 2: 221 / 2504.

(8) الجرح والتعديل للرازيّ 5 / 334.

(9) نفس المصدر 5: 335.

(10) تاريخ الإسلام 15: 283 / 285.

(11) تحرير تقريب التهذيب لابن حجر 2: 415 / 4345.

 


الصفحة 95

فالإجماع منعقد على توثيق عبيد الله بن موسى وتصديقه وحسن سيرته وعبادته، وهو بذلك أحرى أن يؤخذ عنه إذ صار مدار الحديث بزعم ابن الجوزيّ عليه، عن فضيل ابن مرزوق.

وحان أن ننظرفي سيرة الثاني وأقوال العلماء فيه:

 

فُضَيْل بن مَرْزُوق:

فُضَيْل بن مَرْزُوق الأغَر الرَّقاشيُّ، ويُقال: الرُّؤاسيُّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ مولى عنزة. (1)

روى عن: حسن بن حسن بن عليّ بن أبي طالب، وسليمان الأعمش، وعديّ بن ثابت، وعطيّة العوفيّ، وأبي إسحاق السبيعيّ، ومحمّد بن سعيد صاحب عكرمة، وأبي عمر صاحب عكرمة.

روى عنه: عبيد الله بن موسى، وسفيان الثّوريّ، وعبد الله بن صالح العجليّ، وأبو أسامة حمّاد بن أسامة، ووكيع بن الجرّاح، وأبو نعيم الفضل بن دكين، ويزيد بن هارون، ويحيى بن آدم، وعليّ بن الجعد، وعبد الله بن المبارك، وأبو أحمد الزّبيريّ، ومحمّد بن يوسف الفريابيّ... توفي فضيل بن مرزوق سنة مائة وستّين.

 

أقوال العلماء فيه:

يحيى بن معين: فضيل بن مرزوق ثقة. (2) وحدّث عن وكيع عن فضيل عن عطيّة عن عائشة.(3) وروى له في غير هذا الموضع ممّا يعني وثاقته عنده.

____________________

(1) تاريخ يحيى بن معين 1: 200 / 1298 ومواضع اُخرى؛ تاريخ الثِّقات للعجليّ 384 / 1359؛ كتاب الثّقات لابن حبّان 4: 195 / 3778 ح المعرفة والتاريخ 3: 207، تاريخ البخاريّ الكبير 7 ترجم 547؛ الكامل لابن عدي 2: 338، تاريخ أسماء الثقات لابن شاهين 263 / 1068؛ الجرح والتعديل 7 ترجمة 423، موضّح أوهام الجمع والتفريق للخطيب 2: 322؛ تهذيب الكمال للمزّيّ 23: 305؛ الكاشف للذهبيّ 2: 486؛ تهذيب التهذيب 8: 298.

(2) تاريخ يحيى بن معين 1: 200 / 1298.

(3) تاريخ يحيى 226 / 1462.

 


الصفحة 96

ابن سعد: روى عنه حديث المنزلة، قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: فضيل بن مرزوق، عن عطيّة، حدّثني أبو سعيد... وذكر حديث المنزلة. (1)

وذكر خبر مقتل الزبير بن العوّام يوم الجمل. قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا فضيل بن مرزوق قال: حدّثني سفيان بن عقبة عن قرّة بن الحارث عن جون بن قتادة قال: كنت مع الزبير بن العوّام يوم الجمل وكاوا يسلّمون عليه بالإمرة،... الخبر. (2)

الفسويّ: قال يعقوب بن سفيان الفسويّ: فضيل بن مرزوق كوفيّ ثقة. (3)

العجليّ: فضيل بن مرزوق، جائز الحديث، ثقة، وكان فيه تشيّع، وهو كوفيّ. (4)

ابن حبّان: ذكره في الثّقات وقال: فضيلبن مرزوق الرؤاسيّ، كنيته أبو عبد الرحمن، من أهل الكوفة، يروي عن أبي إسحاق، و عطيّة. روى عنه عبد الله بن المبارك. كان ممّن - يخطئ. (5)

ابن شاهين: فضيل بن مرزوق: وثّقه يحيى مرّةً، وضعّفه اُخرى. (6)

سفيان الثّوريّ: قال المثنّى بن معاذ العنبريّ، عن أبيه: سألت سفيان الثّوريّ عنه؟فقال: ثقة. (7)

أحمد بن حنبل: قال أبوبكر الأثرم، عن أحمد بن حنبل: لا أعلم إلاّ خيراً. (8)

سفيان بن عيينة: قال الحسن بن عليّ الحلوانيّ، عن الشّافعيّ: سمعت ابن عيينة يقول: فضيل بن مرزوق ثقة. (9)

____________________

(1) الطبقات الكبرى: ابن سعد 3: 24.

(2) طبقات ابن سعد 3: 82.

(3) المعرفة والتاريخ 3: 133.

(4) تاريخ الثّقات 384 / 1359.

(5) الثّقات: ابن حبّان 4: 195 / 3668. وقوله: يخطئ، فسبحان من لا يخطئ، لا سيّما وقد ذكره في الثّقات.

(6) تاريخ أسماء الثّقات 263 / 1068. والذي وجدته في تاريخ يحيى: التوثيق!

(7) الجرح والتعديل للرازيّ 7، ترجمة 423.

(8) نفس المصدر 7، ترجمة 423.

(9) تاريخ ابن معين 2: 476؛ تهذيب الكمال 23: 307؛ تاريخ الإسلام 1: 396 / 321.

 


الصفحة 97

الهيثم بن جميل: قال الحسين بن الحسن المروزيّ: سمعت الهيثم بن جميل يقول: فضيل بن مرزوق: كان من أئمّة الهدى زهداً وفضلاً. (1)

عبّاس الدّوريّ: عن عبد الرحمن بن يوسف بن خراش أنّه قال:

فضيل بن مرزوق ثقة. (2)

الخطيب البغداديّ: عن عبد الرحمن بن يوسف بن خراش أنّه قال: فضيل بن مرزوق ثقة. (3)

وقال ابن محرز: قال يحيى بن أيّوب: حدّثنا حميد الرؤاسيّ، قال: حدّثنا فضيل بن مرزوق، وكان أصدق من رأينا من النّاس. (4)

وقال البخاريّ: مقارب الحديث. (5) روى له البخاريّ في كتاب «رفع اليدين في الصلاة»، والباقون. (6)

عبد الرحمن بن أبي حاتم: سألت أبي عنه؟ فقال: صدوق. (7) الدّارميّ: صالحُ الحديث، لا بأس به. (8)

الذهبيّ: كان معروفاً بالتشيّع من غير سبّ.

 

خلاصة الأقوال في فضيل بن مرزوق:

إنّ فضيل بن مرزوق توفّي أوائل النّصف الثاني من القرن الثاني الهجريّ فالحكم عليه هو في عهدة رجال الحديث والجرح وتراجم الرجال المتقدّمين، وممّا تقدّم وجدنا الإجماع على توثيقه ابتداءً بابن سعد (168 - 230  هـ) ومروراً بابن معين (ت 233  هـ) و

____________________

(1) تهذيب الكمال 23: 308.

(2) تاريخ الدّوريّ 2: 476.

(3) الموضّح للخطيب 2: 323.

(4) تهذيب الكمال 23: 309.

(5) علل الترمذيّ: 76.

(6) تهذيب الكمال 23: 309.

(7) الجرح والتعديل للرازيّ 7، ترجمة 423.

(8) تاريخ الدّارميّ 698.

 


الصفحة 98

الذي اعتبره ابن تيمية عمدته في رفض وقبول كثير، فالعجليّ (ت 261 هـ)... وهكذا الرجال المتقدّمون ممّن بعدت الشّقّة بينهم وبين أبي الفرج وابن تيمية. وقد تراوحت أقوال العلماء في فضيل بين: ثقة، وأنّه من أئمّة الهدى، وأصدق النّاس، وصدوق صالح الحديث... وروى له البخاريّ ومسلم والباقون ولم يذكر في الضّعفاء. ولم يكن رافضيّاً كما نصّ عليه الذهبيّ. وتعلّل ابن تيمية بانفراد مسلم بروايات منها ردّ الشّمس ولم يتابعه عليه البخاريّ، فلذا لا يلزم! و نقول: إن لم يكن مسلم صاحب الصحيح حجّةً؛ فمن باب أولى أن لا يكون قول ابن الجوزيّ أبو الفرج ملزماً، بل ويكون مرفوضاً إزاء أقوال أئمّة الحديث والجرح والتعديل المتقدّمين. والتعلّل بانفراد مسلم بروايات، ليس أمراً مستهجناً، فقد انفرد هو برواياتٍ لم يذكرها البخاريّ في صحيحه، كما ذكر البخاريّ روايات لم يذكرها مسلم. وعلّل بعضهم ذلك أنّ وثاقة رواة ثبتت عند مسلم ولم تثبت عند البخاريّ، وبالعكس، وغير ذلك من الأسباب.

ذكر الحاكم النيسابوريّ في المدخل إلى معرفة المستدرك: عدد من خرّج لهم البخاريّ في الجامع الصحيح ولم يخرّج لهم مسلم أربعمائة وأربعة وثلاثون شيخاً، وعدد من احتجّ بهم مسلم في المسند الصحيح ولم يحتجّ بهم البخاريّ في الجامع الصحيح ستّمائة وخمسة وعشرون شيخاً والله أعلم. (1)

فإذا كان هذا هو عدد من أعرض عنه مسلم ولم يذكر روايته، وكذلك فعل البخاريّ؛ فكم هو عدد الأحاديث الّتي يجب أن لا يحتجّ بها وفقاً لقاعدة ابن تيمية؟!

ولقد استدرك الحاكم النّيسابوريّ على البخاريّ ومسلم أحاديث لم يذكراها وهي على شرطيهما في تخريج الأحاديث، وقد وافقه الذهبيّ في كتابه: التلخيص، على كثيرٍ منها. وإنّ ما استدركه الحاكم عليهما تجاوز الثمانية آلاف حديث ورواية.

قال النّوويّ: ألزم الإمام الدارقطنيّ، وغيره البخاريّ ومسلماً إخراج أحاديث تركا أخراجها مع أنّ أسانيدها أسانيد قد أخرجا لرواتها في صحيحيهما بها وذكر البيهقيّ: أنّهما

____________________

(1) مقدّمة النوويّ لصحيح مسلم 1: 16.

 


الصفحة 99

اتّفقا على أحاديث من صحيفة همّام بن منبّه، (1) وأنّ كلّ واحد منهما انفرد عن الآخر بأحاديث منها، مع أنّ الإسناد واحد. (2)

قال النوويّ في تعليل ذلك: أنّهما لم يلتزما استيعاب الصحيح، بل صحّ عنهما تصريحهما بأنّهما لم يستوعباه وإنّما قصدا جمع جمل من الصحيح.

وقال ابن الصلاح: ما وقع في صحيحي البخاريّ ومسلم ممّا صورته المنقطع! وهو في كتاب البخاريّ كثير جدّاً وفي كتاب مسلم قليل جدّاً. كذلك ما روياه عمّن ذكراه بلفظ مبهم لم يعرف به وأورداه أصلاً محتجّين به وذلك مثل:

حدّثني بعض أصحابنا. (3)

هذا هو حال الصحيحين ممّا يلوذ بهما ابن تيمية وتابعه عليه ابن القيّم في قبول أو إنكار الأحاديث.

 

ابن عقدة:

وأمّا تعليقه الحديث على ابن عقدة، وقوله: إنّه كان رافضيّا يحدّث بمثالب الصّحابة. فقبل الشروع بترجمته وقول العلماء فيه، فقد ذكر إنّه كان زيديّا جاروديّا وعلى هذا مات. (4) وقد روى للسّنّة كما روى للإماميّة. روى الخطيب، وتبعه الذهبيّ، عن ابن عقدة الحديث: «إنّ أبابكر، وعمر سيّدا كهول أهل الجنّة». و رويا عنه عن سفيان قوله: «لا يجتمع حبّ عليّ وعثمان إلاّ في قلوب نبلاء الرجال». (5) وهو ينافي قولهم إنّه كان رافضيّاً يكتب في مثالب الصحابة.

وأمر آخر مهمّ هو أنّ الزيديّ الجاروديّ من كان عقيدته أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله نصّ على عليّ عليه‌السلام بالوصف دون التسمية، والإمام بعد النبيّ عليّ، والنّاس قصّروا حيث لم يتعرّفوا

____________________

(1) همّام بن منبّه الصنعانيّ. قال العجليّ: تابعيّ ثقة. «تاريخ الثّقات 461 / 1750».

(2) مقدّمة النوويّ لصحيح مسلم 1: 24.

(3) نفس المصدر 1: 16.

(4) رجال النجاشيّ: 94، الفهرست: 73.

(5) تاريخ بغداد 5: 15؛ سير أعلام النبلاء 15: 343.

 


الصفحة 100

الوصف ولم يطلبوا الموصوف. (1)

وهذا التعريف ينافي ما ذكره الشّيخ في الفهرست والنجاشيّ في رجاله في ذكر كتبه، قالا: كتاب الولاية ومن روى غدير خمّ. (2)

وذكر السيّد ابن طاووس أنّ كتاب الولاية لابن عقدة في حوزته. (3)

وذكر الكتاب المذكور جمع من مصنّفي السنّة والشيعة، وقد ذكره ابن تيمية ولأجل كتابه المذكور وما نقله من أحاديث في شأن أهل بيت النبيّ، رمي بالتشيّع! وضعّف عند البعض كما حصل لغيره. وكأنّ أهل بيت الوحي خصّوا بالشيعة وخصّ الشّيعة بهم؛ في حين أنّهم موضع احترام المسملين جميعاً ومهوى أفئدتهم، وببغضهم يعرف النّاصبيّ.

قال الذهبيّ فيه: مقت لتشيّعه. (4) وقال ابن عديّ: كان مقدّماً في الشيعة. (5)

وقال ابن حجر: كان يزنّ بالتشيّع والنّاس يختلفون في أمانته فمن راض ومن ساخط به. (6)

حقيقة الأمر: والواقع أنّ ابن عقدة لم يكن رافضيّاً بالمعنى الذي قاله ابن الجوزيّ، إلاّ أنّه أثبت في كتبه كثيراً من الأحاديث الثابتة عنده بشأن أهل بيت الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله.

قال الدار قطني: سمعت أبا العباس بن عقدة يقول: أنا أجيب في ثلاثمائة ألف حديث من حديث أهل البيت خاصّة. (7).

ذكر ذلك الدار قطنّي، ولم يقع فيه ويتّهمه لما يذكره من هذا العدد من الأحاديث الخاصّة بأهل البيت!

وقال أحمد بن الحسن بن هرثمة: كنّا بحضرة أبي العبّاس بن عقدة الكوفيّ المحدّث

____________________

(1) الملل والنّحل: الشهرستانيّ 1: 157.

(2) الفهرست للطوسيّ 72؛ رجال النجاشيّ 94.

(3) الطرائف: ابن طاووس 1: 111.

(4) تذكرة الحفّأظ، الذهبيّ 3: 839.

(5) الكامل، ابن عديّ 1: 206؛ لسان الميزان 1: 264.

(6) لسان الميزان 1: 263. ويزنّ أي يتّهم.

(7) تاريخ بغداد 5: 16.

 


الصفحة 101

نكتب عنه وفي المجلس رجل هاشميّ إلى جانبه، فجرى حديث حفّاظ الحديث فقال أبو العبّاس: أنا اُجيب في ثلاثمائة ألف حديث من حديث هذا سوى غيرهم. وضرب بيده على الهاشميّ. (1)

وذكر مثل ذلك أبوبكر بن أبي دارم الحافظ. (2)

فإذا تقرّر شيعيّة ابن عقدة بسبب ذكره فضائل أهل البيت، ومن غير تعرّض للصّحابة بالسبّ كما زعم أبو الفرج وابن تيمية...، فهل تترك روايته حتّى لوورد لها شاهد من غيره؟

إنّ الجرح على المذهب باطل، وإلاّ لقال الشيعيّ فلان عاميّ فروايته باطلة، وقال الآخر: فلان شيعيّ فروايته باطلة، فترك لذلك أكثر الأحاديث والروايات وعطّلت كثير من الأحكام الشرعيّة. قال الإمام مسلم: «وإنّما ألزموا أنفسهم الكشف عن معايب رواة الحديث وناقلي الأخبار، وأفتوا بذلك حين سئلوا، لما في ذلك من عظيم الخطر...، فإذا كان الرّاوي لها ليس بمعدن للصدق والأمانة، ثمّ أقدم على الرّواية عنه من قد عرفه ولم يبيّن ما فيه لغيره، ممّن جهل معرفته، كان آثماً بفعله ذلك...، إذ إنّ بعض تلك الأخبار أو أكثرها أكاذيب لا أصل لها، مع أنّ الأخبار الصّحاح من رواية الثّقات أكثر من أن يضطرّ إلى نقل من ليس بثقة». (3) فمسلم لم يعلّق الرّواية على المذهب وإنّما جعل مدار ذلك هو صدق وأمانة ووثاقة الرّاوي. ولذلك ميزانهم في الرّاوي: ثقة، صدوق يحتجّ به وفيه تشيّع. فهم ناظرون إلى عدالته ووثاقته لا إلى مذهبه.

قال الخطيب: ذهب جماعة من أهل الحديث والمتكلّمين إلى أنّ أخبار أهل الأهواء كلّها مقبولة وإن كانوا كفّاراً أو فسّاقاً بالتأويل. (4) قال ابن القيّم الحنبليّ: الفاسقُ باعتقاده إذا كان متحفّظاً في دينه فإنّ شهادته مقبولة وإن حكمنا بفسقه كأهل البدع والأهواء

____________________

(1) تاريخ بغداد 5: 16.

(2) نفس المصدر.

(3) صحيح مسلم 1: 14.

(4) الكفاية في علم الرواية: الخطيب البغداديّ 335.

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة