الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة 22

____________________

= وكفى بهؤلاء ومن ذكرنا سابقاً شهادة حقّ وصدق في سابقته عليه السلام.

وقال ابن إسحاق: أوّل مَن آمن باللهِ ورسوله محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله من الرجال: عليّ بن أبي طالب - ذكرناه -، وهو قول ابن شِهاب إلاّ أنّه قال: من الرجال بعد خديجة، وهو قول! الجميع في خديجة رضي الله عنها. «تهذيب الكمال 20: 480». وابن عبد البرّ عالم زمانه وهو مالكيّ فهو غير متّهم في قوله في عليّ؛ إذ هو ليس برافضيّ!

وروى بإسناده عن عكرمة عن ابن عبّاس، قال: لعليّ أربع خصال ليست لأحدٍ غيره: هو أوّل عربيّ وعجميّ صلّى مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، وهو الذي لواؤه معه في كلّ زحفٍ، وهو الذي صبر معه حين فرّ عنه غيره، و هو الذي غسله وأدخله قبره. (الاستيعاب، وتهذيب الكمال، عنه 20: 480). والمِزّيّ صاحب التهذيب سلفيّ العقيدة معاصر لابن تيميّة والذهبيّ! شافعيّ المذهب، فقولنا فيه مثل قولنا في المالكيّ ابن عبد البرّ.

قال: وروى بإسناده عن أبي عوانة عن أبي بلج عن عمرو بن ميمون عن ابن عبّاس، قال: كان عليّ أوّل من آمن من النّاس بعد خديجة، وقال: هذا إسناد لا مطعن فيه لأحدٍ لصحّته وثقة نقلته. (تهذيب الكمال 20: 481) وروى بإسناده عن عبد السلام بن صالح عن الدّراورديّ، عن عمر مولى غفرة، قال: سئل محمّد بن كعب القرظيّ عن أوّل من أسلم عليّ أو أبوبكر؟ قال: سبحان الله! أوّلهما إسلاماً عليّ. (تهذيب الكمال 20: 481). الذهبيّ (ت 748  هـ): بسنده عن القرظيّ: أوّل من أسلم عليّ. (تاريخ الإسلام: الذهبيّ 3: 624).

وفي المنتظم لأبي الفرج ابن الجوزيّ 2: 359؛ المستدرك على الصحيحين للحاكم 3: 147 / 466 ووافقه الذهبيّ في التلخيص؛ السيرة النبويّة لابن كثير 1: 429 - 432؛ الصواعق المحرقة لابن حجر 72: عليّ أوّل من أسلم. والأحاديث كثيرة ومصادرها جمّة في زواج الصدّيقة الطّاهرة فاطمة عليها‌السلام من الصدّيق الطّاهر عليّ عليه‌السلام، ويرد فيها سابقته إلى الإسلام: أخرج عبد الرزّاق عن وكيع بن الجرّاح قال: «أخبرني شريك عن أبي إسحاق: أنّ عليّاً لما تزوّج فاطمة قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لها: «لقد زوّجتكه وإنّه لأوّلُ أصحابي سلماً، وأكثرهم علماً، وأعظمهم حلماً». (المصنّف: عبد الرزّاق 5: 341 / 9846). ومن خطبة الحسن بن عليّ عليهما‌السلام، ليلة شهادة أبيه أمير المؤمنين عليّ: «عن جابر، عن أبي الطفيل، وزيد بن وهب، وعبد الله بن نُجي، وعاصم بن ضمرة، عن الحسن بن عليّ، قال: لقد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه أحد كان قبله، ولم يخلف بعده مثله وهو عليّ بن أبي طالب، حبيب رسول الله وأخوه» (الذّرّيّة الطّاهرة: الدّولابيّ، 109 - 110 ح 114). وأيضاً الدّولابيّ، بسنده عن جابر، قال: لما قتل عليّ بن أبي طالب قام الحسن خطيباً فقال: لقد قتلتم رجلاً في ليلةٍ نزل فيها القرآن، وفيها رفع عيسى بن مريم، وفيها قتل يوشع فتى موسى؛ والله ما سبقه أحد كان قبله، ولا يدركه أحد يكون بعده» الحديث. (الذّرّيّة الطّاهرة: 115 / 124). مقاتل بن سليمان الأزديّ (ت 150  هـ): قوله تعالى: (وَالسّابِقُونَ الْأَوّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالّذِينَ اتّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدّ لَهُمْ =

 


الصفحة 23

عبّاس، قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «صلّت الملائكة عليّ وعلى عليّ بن أبي طالب سبع سنين، قالوا: ولم ذلك يا رسول الله؟ قال: لم يكن معي من أسلم من الرّجال غيره، وذلك أنّه لم ترفع شهادة أن لا إله إلاّ الله إلى السماء إلاّ منّي ومن عليّ». (1)

____________________

= جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدَاً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) - التوبة: 100.

قال: ( السّابِقُونَ) إلى الإسلام، (الْأَوّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ) الّذين صلّوا إلى القبلتين، عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام، وعشر نفر من أهل بدر. (تفسير مقاتل 2: 68؛ البحر المحيط 5: 92؛ تفسير الطبريّ 11: 7؛ الجامع لأحكام القرآن 8: 235؛ الكشّاف 2: 210؛ معاني القرآن للأخفش 2: 336؛ تفسير الفخر الرازيّ 16 / 171؛ إعراب القرآن للنحّاس 2: 37؛ إعراب القرآن للعكبري 2: 11). وذكر ابن عساكر من حديث الفضائل العشرة الخاصّة بعليّ عليه‌السلام قال: قال عمرو بن ميمون: إنّي لجالس إلى ابن عبّاس إذ أتاه تسعة رهط، فقالوا: إمّا أن تقوم معنا، وإمّا أن تخلونا يا هؤلاء، قال: بل أقوم معكم، فجاء وهو ينفض ثوبه، وهو يقول: أف تف، يقعون في رجل له عشر، وقعوا في رجل، قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «..» ثمّ ذكر تلك المناقب وهي أوّل من أسلم، وتبليغه براءة، وطهارته وحديث الكساء، وشراء النّفس بمبيته على فراش النبيّ، وحديث المنزلة، وسدّ الأبواب في المسجد إلاّ باب عليّ، وحديث الغدير، وحديث العشيرة، وحديث الرّاية، وحديث الموالاة دنياً وآخرةً. (مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر 17: 328 - 329).

قال: وعن أنس، وعن أبي أيوب، قالا: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «لقد صلّت الملائكة عليَّ وعلى عليٍّ سبع سنين، لأنّا كنّا نصلّي ليس معنا أحد يصلّي غيرنا». ثمّ ذكره بلفظ آخر. (مختصر تاريخ دمشق 17: 306). قال: قال أبو سخيلة: حججت أنا وسلمان، فنزلنا بأبي ذرّ...، ثم ذكر قول أبي ذرّ له، قال: الزم كتاب الله عزّ وجلّ وعليَّ بن أبي طالب، فأشهدُ أني سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: «عليّ أوّل من آمن بي، وأوّل من يصافحني يوم القيامة، وهو الصدّيق الأكبر، وهو الفاروق بين الحقّ والباطل». (مختصر تاريخ دمشق 17: 306 - 307).

وعن عبد الرحمن بن عوف: في قوله عزّ وجلّ: ( وَالسّابِقُونَ الْأَوّلُونَ)، التوبة 101 - قال: هم عشرة من قريش كان أوّلهم عليّ بن أبي طالب. (مختصر تاريخ دمشق 17: 307).

(1) شواهد التنزيل 2: 125؛ اُسد الغابة 4: 94 (عن أبي أيوب الأنصاريّ)؛ مناقب الإمام عليّ: 14 (عن أنس)؛ المستدرك على الصحيحين 3: 136؛ المناقب للخوارزميّ: 53. وفي المنتظم لأبي الفرج 2: 359 بسندٍ عن حبة العوفي - والصحيح: العرني - قال: قال عليّ عليه‌السلام: لا أعرف أنّ عبداً لك من هذه الأُمّة عبدك قبلي غير نبيِّك - ثلاث مرّاتٍ، لقد صلّيت قبل أن يصلّي النّاس سبعاً. وسنن ابن ماجة - المقدّمة -.

وفي مسند أحمد بن حنبل 1: 160 (ت 241  هـ)، أيضاً عن حبّة العرني، مثله. وأيضاً سنن ابن ماجة (ت 275  هـ)، 1: 44 - المقدّمة، ح 120: عن عبّاد بن عبد الله قال: قال عليّ: أنا عبد الله وأخو رسول الله، وأنا =

 


الصفحة 24

وعليّ من بيت لم يشركه أحد ممّن ذكرهم ابن تيميّة بشرف الانتساب إليه؛ فعليّ من البيت الّذي طهّره الله تطهيراً. عن أبي سعيد الخدريّ قال: لما نزل قوله تعالى: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا) (1)، كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يأتي باب فاطمة وعليّ عليهما‌السلام، تسعة أشهر، في كلّ صلاة فيقول: الصلاة، يرحمكم الله (إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً) (2)،(3) وعليّ باسقٌ على أولئك في أنّه نفس (4) رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله؛ فمن يباهي رسول الله في نفسه؟! وليس لأحد من طيب الأَرُومة ما لعليّ. عن جابر قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «أنا وعليّ من شجرة واحدة، والنّاس من أشجار شتّى». (5)

____________________

= الصدّيق الأكبر. لا يقولها بعدي إلاّ كذّاب. صلّيت  قبل أن يصلّي النّاس لسبع سنين».

ونختم بذكر بعض المصادر الّتي ذكرت أنّ عليّاً أول من أسلم وصلى من غير ذكر المتون والرواة؛ إذ سنذكر ذلك في مواضع اخرى: (شواهد التنزيل: عبيد الله الحاكم الحسكاني الحنفي (ت 490  هـ) 2: 220 / 936، و 1: 85 و 2: 125؛ تفسير فرات (القرن الرابع): 2؛ تفسير الحبريّ (ت 286  هـ) 237؛ الأوائل: العسكريّ (ت 382): 107 ح معرفة علوم الحديث للحاكم - صاحب المستدرك على الصحيحين -: 102. الموفقيات: الزبير بن بكار (ت 256  هـ): 299، 235، 580، 598؛ الإرشاد: المفيد (ت 413  هـ): 21؛ سنن الترمذي (ت 279  هـ): 5: 304 ح، 3812 و 5: 305؛ الثقات: ابن حبان (ت 354  هـ) 5: 141؛ أنساب الأشراف للبلاذري (القرن الثالث)،: 92 و 93.. ومواضع أخرى؛ مسند أبي داود (ت 204  هـ) 360. مسند أحمد 1: 373 و 99، 3: 495، 5: 499 و 498؛ المحاسن والمساوئ للبيهقيّ: 43؛ وقعة صفّين: نصر بن مزاحم المنقري (ت 207  هـ): 137، 112، 37، 355؛ مسند أبي يعلى 1: 348 / 446؛ معجم الصحابة للبغويّ 418).

(1) طه / 132.

(2) الأحزاب / 33.

(3) شواهد التنزيل 2: 29؛ ترجمة الإمام عليّ بن أبي طالب من تاريخ ابن عساكر (حديث 320)؛ المناقب للخوارزميّ: 60 (حديث 29)؛ الدر المنثور للسيوطي 5: 198.

(4) انظر الآثار الواردة المتواترة في آية المباهلة.

(5) المناقب للخوارزمي: 143، حديث (165). ومحمّد بن عمر المازنيّ، عن أبي بكر عبّاد بن صهيب، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «الناس من أشجار شتّى وأنا وعليّ من شجرة واحدة، أنا أصلها وعليّ فرعها والحسن والحسين اثمارها، وفي قلب كلّ مؤمن من أغصانها». (مناقب أمير المؤمنين لكوفيّ 1: 516 / 364). وعن عليّ قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «شجرة أنا أصلها وعليّ فرعها، والحسن و =

 


الصفحة 25

وعن سلمان قال: سمعت حبيبي المصطفى محمّداً صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: «كنت أنا وعليّ نورا بين يدي الله عزّ وجلّ ن فلمّا خلق الله تعالى آدم ركّب ذلك النور في صلبه فلم نزل في شيء واحد، حتى افترقنا في صلب عبد المطلب، فجزء أنا وجزء علي». (1)

ومجاهد، عن ابن عباس ال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «علي مني منزلة رأسي من بدني». (2)

وعليّ النّظر إلى وجهه عبادة (3). عن عائشة قالت: كان أبوبكر يديك النّظر إلى عليّ،

____________________

= الحسين ثمرها، والشيعة ورقها. فهل يخرج من الطيّب إلاّ الطيّب؟ وأنا مدينة العلم، عليّ بابها، فمن أراد العلم فليأت الباب». (مختصر تاريخ دمشق 18: 17).

وبسندٍ عن حسين بن حسن عن عامر السراج عن سلام الخثعميّ قال: دخلت على أبي جعفر محمّد بن عليّ فقلت: يا ابن رسول الله، قول الله تعالى: (أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السّماءِ)؟ قال: يا سلام الشجرة محمّد، والفرع عليّ امير المؤمنين، والثمر الحسن والحسين، والغصن فاطمة، وشعب ذلك الغصن الأئمّة من ولد فاطمة، والورق شيعتنا ومحبّونا أهل البيت، فإذا مات من شيعتنا رجل تناثر من الشجرة ورقة، فإذا ولد لمحبّينا مولود اخضر مكان تلك الورقة ورقة. فقلت: يا ابن رسول الله، قول الله تعالى: ( تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبّهَا)، ما يعني؟ قال: يعني الأئمّة تفتي شيعتهم في الحلال والحرام في كلّ حجّ وعمرة. (شواهد التنزيل: الحسكاني الحنفي 1: 311، في تفسير الآيتين 24 - 25 في سورة ابراهيم). وبسنده عن عبد الرزّاق قال، حدثني أبي، عن مينا مولى عبد الرحمن بن عوف قال: قال عبد الرحمن يا مينا ألا أحدثك حديثا قبل أن تشاب الأحاديث بالأباطيل؟ سمعت رسول الله يقول: أنا شجرة وفاطمة فرعها وعلي لقاحها، وحسن وحسين ثمرها، ومحبيهم من أمتي أوراقها. ثم قال: هم في جنة عدن، والذي بعثني بالحق. (شواهد التنزيل 1: 312 / 429، وأمالي الطوسي 18). وبنفس السند مع اختلاف في اللفظ: «أنا الشجرة...، وشيعنا ورقها، و أصل الشجرة في جنة عدن وسائر ذلك في سائر الجنة». شواهد التنزيل 1: 312 / 430.

(1) المناقب للخوارزمي: 145، حديث (169)؛ مناقب الإمام علي لابن المغازلي: 87، فضائل الصحابة لابن حنبل 2: 662.

(2) المناقب للخوارزمي: 148، مناقب الإمام علي ك 92.

(3) المستدرك للحاكم 3: 141، حلية الأولياء 5: 58 و 2: 182؛ تاريخ بغداد للخطيب البغدادي 2: 51، ترجمة الإمام علي من تاريخ ابن عساكر - عدة مواضع -؛ مناقب الإمام علي: 109؛ المناقب للخوارزمي: 361 - 362؛ المستدرك على الصحيحين 3: 152 / 4682: يحيى بن عيسى الرملي، عن الأعمش، عن إبراهيم =

 


الصفحة 26

فقيل له في ذلك، فقال: سمعت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: «النظر إلى علي عبادة». (1)

وعلي مع القرآن، والقرآن مع علي، والحق مع علي، وهو مع الحق، وهو الفاروق بين الحق والباطل، ومفارقته مفارقة لله تعالى ولرسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله. (2)

وهل الأخ الصاحب في الهجرة والحضر، الفدائي المجاهد مثل الصاحب؟! عن هجرة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى الطائف؛ يعرض نفسه على القبائل بعدما وجد من قريش ما وجد روى أبو الحسن المدائني في ذلك: «أنه كان معه في هجرته هذه علي بن أبي طالب عليه‌السلام، وزيد

____________________

= - النخعيّ - عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «النظر إلى وجه علي عبادة». تابعه عمرو بن مرة عن إبراهيم النخعي. وأخرجه عن المسعودي بسنده الثاني عبد الله بن مسعود. (المستدرك عليى الصحينين 37: 152 / 4683)؛ حلية... 362؛ رواه الطبراني في مسند عبد الله بن مسعود 10: 76 / 10006، عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود؛ مجمع الزوائد 9: 119.

(1) ترجمة الإمام علي تاريخ بغداد المناقب للخوارزمي ومختصر تاريخ دمشق 18: 7. وعن يونس مولى الرشيد قال: مت واقفا على رأس المأمون وعنده يحيى بن أكثم القاضي، فذكروا عليا وفضله، فقال المأمون: سمعت الرشيد يقول: سمعت المهدي يقول: سمعت المنصور يقول: سمعت أبي يقول: سمعت جدي يقول: سمعت ابن عباس يقول: رجع عثمان إلى علي فسأله المصير إليه، فصار إليه، فجعل يحدّ النظر إليه، فقال له علي: ما لك يا عثمان! ما لك تحد النظر إلي؟ قال: سمعت رسول يقول: «النظر إلى علي عبادة».

ومختصر تاريخ دمشق 18: 7: وروي عن عمران بن حصين وعن جابر بن عبد الله وعن أنس بن مالك، وغيرهم أن رسول الله قال: «النظر إلى علي عبادة»  وفي المعجم الكبير للطراني - مسند عمران بن حصين - 18: 109 / 207، قال: حدثنا أبو مسلم الكشي حدثنا أبو نجيد عمران بن طليق الضرير، عن أبيه عن جده، قال: رأيت عمران بن حصين يحد النظر غلى علي، فقيل له فقال: سمعت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: «النظر إلى علي عبادة. وهو في الباب 37 من فرائد السمطين 1: 181، واللالي المصنوعة 1: 177، و 345؛ مناقب امير المؤمنين للكوفي 1: 293 / 160 و 295 / 165 وعن عائشة قالت: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «ذكر علي عباده». مختصر تاريخ دمشق 18: 8.

وانظر في الأحاديث السابقة: كفاية الطالب 158 - 160؛ ميزان الاعتدال 4: 401، 3: 484؛ لسان الميزان 6: 178، منتخب كنز العمال 5: 30، البداية والنهاية 7: 357، تاريخ الخلفاء: 66، ينابيع المودة 90.

(2) صحيح الترمذي 5: 633، المستدرك للحاكم 3: 124، فضائل الصحابة لابن حنبل 2: 570، تاريخ بغداد 13: 186، فرائد السمطين للجويني 1: 178، الصواعق المحرقة لابن حجر: 75، أنساب الأشراف 2: 350 و 383، فرائد السمطين 1: 178، الاستيعاب 4: 170، الاصابة 4: 171، اسد الغابة 6: 270.

 


الصفحة 27

ابن حارثة وقد غاب عن مكة اربعين يوما. وأما هجرته صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى بني عامر بن صعصعة وإخوانهم من قيس عيلان، فإنّه لم يكن معه إلا علي عليه‌السلام وحده، وذلك عقيب وفاة أبي طالب أوحي إليه صلى‌الله‌عليه‌وآله: اخرج منها فقد مات ناصرك فخرج إلى بني عامر بن صعصعة، ومعه علي عليه‌السلام وحده فعرض نفسه عليهم وسألهم النصر، وتلا عليهم القرآن فلم يجيبوه، فعادا عليهما السلام إلى مكة. وكانت مدة غيبته في هذه الهجرة عشرة أيام، وهي أول هجرة هاجرها صلى‌الله‌عليه‌وآله بنفسه». (1)

ولم يتخلف اميرالمؤمنين عليه‌السلام عن صحبة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في هجرته إلى المدينة، وإنما بقي في مكة لتأدية ودائع (2) النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله، مع تاديته دورا ما كان غيره مؤهلا أن يؤديه، وهو دور الفدائي المستعد للموت على أن يسلم النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله، فبات على فراشه ليلة هجرته المباركة، متحملا رمي قريش بالحجارة، حتى إذا دخلوا البيت وكشفوا الغطاء، فإذا هو الشاب الشجاع: علي، فأسقط في أيديهم.

ولقد باهي الله تعالى ملائكته بهذه المكرمة العلوية الشريفة وأنزل بها بيانا، ذلك قوله تعالى: (وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللّهِ). (3) قالوا: لما أراد النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله الهجرة إلىالمدينة خلف علي بن أبي طالب عليه‌السلام بمكة، لقضاء ديونه وأداء الودائع التي كانت عنده، وأمره ليلة خرج غلى الغار - وقد أحاط المشركون بالدّار، أن ينام على فراشه صلى‌الله‌عليه‌وآله، ففعل ذلك علي عليه‌السلام، فأوحى الله تعالى إلى جبرئيل ويكائيل: إني آخيت بينكما، وجعلت عمر أحدكما أطول من الآخرة، فأيكما يؤثر صاحبه بالحياة؟ فاختار كلاهما الحياة، فأوحى الله تعالى إليهما: أفلا كنتما مثل علي بن أبي طالب؟! آخيت بينه و بين محمد، فبات على فراشه يفديه بنفسه، ويؤثره بالحياة، اهبطا إلى الأرض فاحفظاه من

____________________

(1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي 4: 127 - 128.

(2) رغم حربهم الكلامية، فقد بقيت قريش وغيرها تسمي النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله «الصادق الامين» فتودع أموالها عنده. قال ابن اسحاق: «أمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله عليا أن يتخلف بعده بمكة حتى يؤدي عنه الودائع التي كانت عنده للناس، وكان رسول الله ليس بمكة أحد عنده شيء يخشى عليه إلا وضعه عنده، لما يعلم من صدقه وأمانته صلى‌الله‌عليه‌وآله السيرة لابن هشام 2: 129.

(3) البقرة: 207. وذكرنا في فصل (ما نزل من القرآن في أهل البيت) بيانا فيمن رواه، ومصادر ذلك.

 


الصفحة 28

عدوه فنزلا، كان جبرئيل عند رأسه، وميكائيل عند رجليه، وجبرئيل ينادي: بخ بخ، من مثلك يا علي بن أبي طالب، يباهي الله تبارك وتعالى بك الملائكة؟! فأنزل الله على رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله وهو متوجه إلى المدينة في شأن عليّ عليه‌السلام: (وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللّهِ ) (1). فمن الملائكة آخى سبحانه بين الملكين الكريمين، ومن البشر آخى بين محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله؛ ففاق عليّ الملكين في هذه المكرمة والمزية وهي الفداء من أجل أخيه إذ تعلق الملكان بالحياة لكنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله شرى نفسه فداء للنبيّ ابتغاء مرضاة الله تعالى؛ وبذا علا عليّ.

ورواه ابن سبع المغربيّ في: «شفاء الصدور»، في بيان شجاعة عليّ عليه‌السلام، وقال: علماء العرب أجمعوا على أنّ نوم عليّ على فراش رسول الله أفضل من خروجه معه، وذلك أنّه وطّن نفسه على مفاداته لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، وآثر حياته على حياته، وأظهر شجاعته بين أقرانه. (2)

وعليّ عليه‌السلام داخل في كلّ فضيلة يمدح عليها صاحبها، وخارج من كلّ رذيلة يقدح به صاحبها. عن ابن عبّاس، قال: ليس في القرآن (يَا أيّهَا الّذِينَ آمَنُوا) إلاّ وعليّ رأسها وأميرها وشريفها. ولقد عاتب الله أصحاب محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله في القرآن وما ذكر عليّاً إلاّ بخير». (3) وعليّ هو العلامة المائزة بين المؤمن والمنافق عن أمّ سلمة: قالت: قال رسول

____________________

(1) كفاية الطّالب: 239؛ عن تفسير الثعلبيّ؛ مرآة الجنان 3: 46؛ الفصول المهمة: 33؛ تذكرة الخواصّ ك 41، وفيه شعر لأمير المؤمنين في الحادثة؛ طبقات ابن سعد 1: 227؛ مسند أحمد 1: 330 - 331؛ أنساب الأشراف 2: 106؛ خصائص النّسائيّ 61 - 62؛ إحياء علوم الدين للغزاليّ 3: 252؛ المعجم الكبير 3: 151؛ تفسير الطبريّ 9: 149؛ تفسير الحبريّ 410 ح 9؛ شواهد التنزيل 1: 96؛ تاريخ بغداد 13: 191 - 192؛ أسد الغابة 4: 25؛ مختصر تاريخ دمشق 17: 329؛ دلائل النبوّة لأبي نعيم 63 - 65؛ مناقب الخوارزميّ 126؛ مجمع الزوائد 9: 19 - 20؛ المستدرك على الصحيحين 3: 5؛ خصائص امير المؤمنين للشريف الرضيّ 26، مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ الشافعيّ 155؛ كنز العمّال 3: 156؛ سنن ابن ماجة 1: 42؛ الفصول المهمّة لابن الصبّاغ المالكيّ: 33؛ أمالي الطوسيّ 83؛ تفسير أبي الفتوح 2: 152؛ تفسير البرهان 1: 207؛ غاية المرام 346.

(2) كفاية الطّالب: 240.

(3) حلية الأولياء 1: 64؛ شواهد التنزيل للحسكانيّ الحنفيّ 1: 21؛ المناقب للخوارزميّ 188؛ كفاية =

 


الصفحة 29

الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «لا يحبّ عليّا منافق، ولا يبغضه مؤمن». (1)

ومن ثمّ فعليّ «لو أنّ الغياض أقلام، والبحر مداد، والجنّ حسّاب، والإنس كتّاب؛ ما أحصوا فضائل عليّ بن أبي طالب» (2). رواه مجاهد عن ابن عبّاس عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله.

لقد دلّ عليّ عليه‌السلام بذاته على ذاته، وتنزّه عن ابن تيميّة وأمثاله ولم يفتقر غلى من يثبت ساطع أنواره.

أمّا قوله: «إنّ الرّافضة لا يمكنهم إثبات إيمان عليّ إلاّ إذا صاروا من أهل السّنّة». فشنشنة نعرفها من أخزم! فما لابن تيميّة وأهل السّنّة؟!

إنّما أراد بذلك أمرين: أن يثبت إسلامه بنسبة نفسه إلى المسلمين السّنّة بعد أن تقرّر

____________________

= الطالب: 139؛ كنز العمّال للمتّقيّ 15: 94؛ مجمع الزوائد للهيتميّ 9: 112 عن الطبرانيّ؛ تفسير الحبريّ: 234؛ خصائص الوحي المبين لابن البطريق: 119؛ المعجم الكبير 11: 210 / 11687؛ معرفة الصحابة لأبي نعيم 1: 298؛ الأمالي الخميسية للمرشد بالله: 132؛ تفسير فرات: 3؛ ذخائر العقبى 89؛ فضائل الصحابة لأحمد 2: 654؛ نظم درر السمطين للزرنديّ الحنفيّ 89؛ بحار الأنوار 35: 353.

(1) الرياض النضرة 2: 214؛ مسند أحمد بن حنبل 1: 84؛ صحيح الترمذيّ 2: 301؛ المستدرك على الصحيحين 3: 129؛ المحاسن والمساوئ للبيهقيّ 1: 290 ح تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزيّ: 15؛ حلية الأولياء 6: 294؛ تاريخ بغداد 2: 255؛ كفاية الطالب: 69؛ سنن ابن ماجة، المقدمة 114؛ سنن النسائيّ - في الإيمان - 8: 117؛ كتاب الولاية لابن عقدة: 174؛ تفسير فرات: 115؛ تفسير الحبريّ 350؛ مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ 137؛ بشارة المصطفى للطبريّ 64، 76 وغيرها؛ مناقب امير المؤمنين للكوفي 2: 342 / 975 و 990 و 991؛ كشف الأستار للبزّار 3: 199؛ مجمع الزوائد 9: 133؛ كتاب الفضائل لأحمد 143 / 208؛ اللالي المصنوعة 1: 184؛ المعجم الأوسط 5: 89 / 4163؛ المصنّف: ابن أبي شيبة 7 / 505 / 64 في فضائل علي؛ صحيح مسلم 1: 86 ح 131 - كتاب الإيمان، معجم الصحابة للبغويّ الشافعيّ 420؛ الإرشاد للمفيد 39؛ مسند أبي يعلى 1 / 251: 291؛ معرفة علوم الحديث للحاكم 180؛ شرح السنة للبغويّ 14: 114 / 3909؛ مسند الحميدي 1: 31 ح 58؛ انساب الأشراف 1: 350؛ أمالي الطوسيّ ح 3 من المجلس 28؛ الشفا 31 - الصواعق المحرقة 75؛ تاريخ الإسلام للذهبيّ 3: 634؛ الاستيعاب 3: 46 و 47؛ مختصر تاريخ دمشق 18: 15؛ فضائل علي لابن مردويه 115 ح 138. «والمصادر التي ذكرناها تذكر الحديث بألفاظ مختلفة والمعنى واحد، ثمّ إنّ كثيراً منها ذكرته في أكثر من موضع فآثرنا الاختصار».

(2) المناقب للخوارزميّ: 32؛ فرائد السمطين 1: 16.

 


الصفحة 30

تفسيقه وتكفيره ونفاقه. والآخر إثارة المسلمين السّنّة ضد إخوانهم المسلمين الشّيعة.

وهل يرتضي السّنّيّ لنفسه أن يناصب عليّاً ويوالي معاوية الخارجيّ المنافق الّذي سبّب بخروجه على إمام زمانه حربا لا نظير لها، لما أريق فيها من دماء المسلمين، وهي حرب صفّين. وابنه يزيد الخمر والفهود والقرود، قاتل أهل بيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، يوم الطفّ. ثمذ انعطف على طيبة - المدينة المنوّرة - فأعمل السّيف في رقاب المسلمين وأباحها لجيشه ثلاثة أيّام: قتلا - فلم يسلم الشّيخ والطّفل والرّضيع - ونهبا، وزنى، حتذى حبلت ألف امرأة من غير زوج (1)، وافتضّ فيها ألف بكر (2)! وبعد هتك حرمة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، هتك حرمة الله تعالى؛ إذ دكّ جيشه الكعبة بالمجانيق وحرّقها! (3) ما هذا الظّنّ بالمسلم السّنيّ الّذي حكم بزندقة ابن تيميّة، وابن القيّم لفساد عقيدتهما في الله تعالى، ورسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله. في حين تجمعه مع الشّيعيّ عقيدة التوحيد وهما ينزّهان الله تعالى من أحاديث رؤية الله عيانا، ويجلاّنه من التجسيم والتحيّز، ممّا لغط به ابن تيميّة وابن القيّم. ويؤمن الشذيعيّ ومثله السّنّيّ بوجوب توقير النّبيّ وتعظيمه وشدّ الرّحال لزيارته والاستشفاع به، وأنّ من الجفاء ترك زيارته لمن حجّ البيت الحرام، ومصدر التشريع عندهما القرآن والسّنّة الثابتة وهما يصليّان الخمس، وقبلتهما واحدة هي الكعبة. ولم يثبت عندهما فضيلة لمعاوية إلاّ قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «لا أَشْبَعَ اللهُ بَطْنَهُ». (4)

والشّذرات الرائقة الّتي التمسناها من سنا عليّ العلويّ، لم يَجْرِ بها قلم رافضيّ!

إلاّ إذا قلنا: إنّ الوحي رافضيّ!! والصّحابة والتّابعين، والحنفيّ والمالكيّ والشّافعيّ والحنبليّ كلّ أولئك روافض!

____________________

(1) البداية والنهاية لابن كثير 8: 221.

(2) تاريخ الخلفاء للسيوطيّ: 233.

(3) تاريخ الطبريّ 4: 382 - 383؛ الإمامة والسّياسة، ابن قتيبة 2: 9؛ الكامل في التاريخ، ابن الأثير 4: 49؛ شذرات الذهب لابن العماد الحنبليّ 1: 72؛ الفتوح لابن أعثم 5: 301 - 303.

(4) الاستيعاب 3: 401؛ أسد الغابة 5: 210؛ وفيات الأعيان 1: 59؛ ترجمة النّسائيّ (صاحب السّنن) وفيه قال: «خرج إلى دمشق فسئل عن معاوية وفضائله فقال: أما يرضى ماوية أن يخرج رأسا برأس، حتّى يفضّل؟! ما أعرف له فضيلة إلاّ: لا أشبع الله بطنك»؛ تذكرة الخواصّ 182.

 


الصفحة 31

لقد كذبا - ابن تيميّة، وابن القيّم - إذا نسبا نفسيهما إلى الحنبليّ، وأحمد بن حنبل هو القائل: «ما جاء لأحد من أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله من الفضائل ما جاء لعليّ بن أبي طالب عليه‌السلام. (1)

أطلنا الوقوف مع إله ابن القيّم الّذي ظلّ عليه عاكفاً؛ فما ابن القيّم إلاّ أصداء ترجيع لابن تيميّة، والحديث عن الثاني هو حديث عن الأوّل، (وَالّذِي خَبُثَ لاَيَخْرُجُ إِلّا نَكِداً). (2)

 

وشهد شاهدٌ من أهلها:

عمرو بن العاص (3)، وزير معاوية ومستشاره في الملمّات؛ فقد حفظ له سرير الحكم بحيلته في رفع المصاحف يومَ صِفِّين، يقول في قصيدة بعث بها إلى معاوية:

ولما   عصيت   إمام   iiالهدى      وفي    جيشه   كلّ   مستفحل
أبا   البقر   البكم  أهل  iiالشآم      لأهل  التّقى  والحجى iiاُبتلي؟
فقلت:   نعم،   قم  فإنّي  iiأرى      قتال     المفضّل     iiبالأفضل
فبي  حاربوا  سيّد  الأوصياء      بقولي: دم طلّ من نعثل! (4)
وكدت  لهم أن أقاموا iiالرّماح      عليها المصاحف في iiالقسطل

وعَمْرو هو الّذي علّم معاوية، وبُسْر بن أبي أرطاة اتّخاذ عوراتهم مِدرَأً يَقُونَ بها

____________________

(1) تفسير الثعلبيّ: 74؛ شواهد التنزيل 1: 18؛ المستدرك على الصحيحين 3: 107؛ المناقب للخوارزميّ 34؛ ترجمة الإمام عليّمن تاريخ دمشق لابن عساكر 3: 83؛ مختصر تاريخ دمشق 18: 31. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل كنت بين يدي ابي جالساً ذات يوم فجاءت طائفة من الكرخيّين فذكروا خلافة أبي بكر، وخلافة عمر، وخلافة عثمان، فاكثروا، وذكروا خلافة عليّ بن أبي طالب وزادوا، فأطالوا، فرفع أبي رأسه إليهم فقال: يا هؤلاء، قد أكثرتم في عليّ والخلافة، وعلى أنّ الخلافة لم تُزيّن عليّاً بل علي زيّنها»؛ مختصر تاريخ دمشق 18: 44.

(2) الأعراف: 58.

(3) هو ابن النّابغة، بغيّ لها راية تؤتى وعمرو - ابنها - يُعزى إلى ستّة! تجد تفاصيله في مكان آخر من البحث.

(4) طُلّ الدم هُدِر ولم يُثأر له. ونعثل اسم لعثمان سمّته به عائشة.

 


الصفحة 32

أنفسهم من صولة حيدرة.

وعلّمتهم كشف سوءاتهم      لردّ   الغضنفرة   المقبل

وقد خطب الوزير ملكه يذكّره فضله عليه في توطئة الأمور له مع أنّه ليس أهلا لهذا المقام:

ورقيتك المنبر iiالمشمخرّ      بلا حدّ سيف ولا iiمنصل
ولو لم تكن أنت من أهله      وربّ  المقام  ولم iiتكمل!

وعن إقراره بالمنزلة العليا لعليّ عليه‌السلام، واعترافه بيوم الغدير، وأنّهما - معاوية وابن العاص - حطب جهنّم:

نصرناك من جهلنا يا ابن هند      على  النبأ  الأعظم  iiالأفضل!
وحيث  رفعناك فوق iiالرؤوس      نزلنا    إلى   أسفل   iiالأسفل!
وكم  قد  سمعنا من iiالمصطفى      وصايا  مخصّصةً في iiعلي؟!
وفي  يوم  «خمّ»  رقى iiمنبراً      يبلّغ،    والرّكب    لم   يرحل
وفي      كفّه      كفّه     iiمعلنا      ينادي   بأمر   العزيز  iiالعلي:
ألست  بكم  منكم  في  iiالنّفوس      بأولى؟   فقالوا:   بلى   iiفافعل
فأنحله      إمرة      iiالمؤمنين      من    الله   مستخلف   المنحل
وقال:   فمن   كنت  مولى  iiله      فهذا    له   اليوم   نعم   الولي
فوال   مواليه   يا   ذا   iiالجلا      ل  وعاد  معادي  أخ iiالمرسل
ولا  تنقضوا العهد من iiعترتي      فقاطعهم    بي    لم    iiيوصل
فبخبخ    شيخك    لما    iiرأى      عرى   عقد   حيدر  لم  iiتحلل
فقال:       وليّكم      iiفاحفظوه      فمدخله       فيكم       iiمدخلي
وإنّا    وما   كان   من   iiفعلنا      لفي  النّار  في  الدّرك iiالأسفل
وما    دم   عثمان   منج   iiلنا      من  الله  في  الموقف iiالمخجل
وإنّ     عليّاً    غداً    خصمنا      ويعتزّ       بالله      iiوالمرسل
يحاسبنا   عن   أمور   iiجرت      ونحن  عن  الحقّ  في  iiمعزل

 

الصفحة 33

 

فما  عذرنا يوم كشف iiالغطا؟!      لك الويل منه غداً، ثمّ لي (1)!

أم سيقولون: ارتدّ ابن العاص فصار رافضيّاً؟!

(كَلّا بَلْ رَانَ عَلَى‏ قُلُوبِهِم مّا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) (2)

 

شهادة المغيرة في معاوية

والمغيرة بن شعبة أحد أفراد الهيئة الاستشاريّة لابن هند، يعطيه نصحا فيأخذ مالاً.

حدّث الزّبير (3) بن بكّار، عن مطرف بن المغيرة بن شعبة، قال: وفدت مع أبي المغيرة على معاوية، وكان أبي يأتيه فيتحدّث ثمّ ينصرف إليّ فيذكر ماوية ويعجب بما يرى منه، غذ جاء ذات ليلة فأمسك عن العشاء ورأيته مغتمّاً. فانتظرته ساعة، وظننت أنّه لشيء حدث فينا وفي علمنا. فقلت: ما لي اراك مغتمّاً منذ الليلة؟ فقال يا بنيّ، جئت من عند أخبث الناس. قلت: وما ذاك؟ قال: قلت له وقد خلوت به: إنّك قد بلغت سنّاً، فلو أظهرت عدلاً وبسطت خيراً، فإنّك قد كبرت! ولو نظرت إلى إخوتك من بني هاشم فوصلت أرحامهم، فو الله ما عنه اليوم شيء تخافه.

فقال: هيهات هيهات!، ملك أخو بني تيم، فعدل وفعل ما فعل. فو الله، ما عدا أن هلك ذكره، إلاّ أن يقول قائل: أبو بكر.

ثم ملك أخو بني عديّ، فاجتهد وشمّر عشر سنين. فو الله، ما عدا أن هلك فهلك ذكره، إلاّ أن يقول قائل: عمر.

ثمّ ملك عثمان، فملك رجل لم يك أحد في مثل نسبه (4) وفعل ما فعل وعمل به ما عمل فو الله، ما عدا أن هلك فهلك ذكره، وذكر ما فعل به. وأنّ أخا بني هاشم يصاح به في كلّ يوم

____________________

(1) ما ذكرناه من شعر ابن العاص، من قصيدة له تسمّى الجلجليّة؛ كتبها إلى معاوية جوابا له على كتابه إليه يطلب خراج مصر ويعاتبه على امتناعه عنه. وروى جملةً منها ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 2: 522؛ وذكر جلّها الأمينيّ في «الغدير» 2: 114 - 117.

(2) المطفّفين / 14.

(3) والزّبير بن بكار من المعاندين لعليّ عليه‌السلام، فروايته في أثبت.

(4) وكأنّه بهذا فضّل عثمان على الشّيخين، باعتبار أنّ نسبه مثل نسب معاوية، فكلاهما من أميّة.

 


الصفحة 34

خمس مرّات: «اشهد أنّ محمّداً رسول الله»، فأيّ عمل يبقى بعد هذا، لا أمّ لك؟! إلاّ دفناً دفناً!! (1)

أم يقولون: صبا المغيرة فصار رافضيّاً، فهو كذّاب يصانع!

(كَذلِكَ يَطْبَعُ اللّهُ عَلَى‏ قُلُوبِ الّذِينَ لاَيَعْلَمُونَ) (2).

إنّه أحد الأدلّة - وهي كثيرة - على زندقة معاوية، فهو يرى في حاكميّة الإسلام ملكا، وكذلك كان يراها أبو سفيان، الذي نسب إليه معاوية فصار يدعى: معاوية بن أبي سفيان، ولم يصحّ إسلامهما على ما سنرى ومعاوية مبتئس أن تكون النبوّة التي سمّاها ملك محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله أوسع من ملك من ذكر، وأنّ ملكه جار شامخ تعلن الشّهادة له خمس مرّات في اليوم. وممّا يفصح عن نظرته الجاهليّة وأنّه ما زال على خطى أبي سفيان في نظرته إلى النّبوّة ومقام النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله: إنزاله النّبيّ بمنزلة غيره، ومضى أبعد من ذلك فانتقص منه حين عرّف به: «وأنّ أخا بني هاشم، من غير ما يستحقّه من الخطاب ممّا أدّب به الوحي المسلمين إذا ذكروه فقالوا: النّبيّ، ورسول الله. مع تعظيمه بصلاة الله وملائكته عليه: «اللّهمّ صلّ على محمّد وآله». وإزاء ذلك عرّف بعثمان: «فملك رجل لم يك أحد في مثل نسبه». ولسنا ننكر نسب عثمان ونعلم أنّه أمويّ، ولكن هل نسب عثمان مثل نسب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله؟! ومتى كان النسب مثل النبوّة في المعيار والموازنة؟! وأيّ صراحة في زندقته من قوله: «دفناً دفناً» أي دفن اسم محمّد! وهذه ورثها يزيد عن أبيه وجدّه إذ تمثّل بشعر الزّنديق ابن الزّبعرى:

لعبت   هاشم  بالملك  فلا      خبرٌ جاء ولا وحيٌ نزل!

وذلك لما وضع بين يديه رأس الحسين بن علي بن أبي طالب عليهما‌السلام

____________________

(1) كشف اليقين: 474 - 475؛ كشف الغمّة 2: 44.

(2) الرّوم / 59.

 


الصفحة 35

شهادة معاوية في حق عليّ عليه‌السلام

حدّث الزّبير بن بكار، قال: دخل محقن بن ابي محقن الضبيّ على معاوية فقال: جئتك من عند الأم العرب وأبخل العرب وأعيا العرب وأجبن العرب! قال: ومن هو، يا أخا بني تميم؟ قال: عليّ بن ابي طالب! قال معاوية: اسمعوا يا أهل الشّام، ما يقول أخوكم العراقي! فابتدروه أيّهم ينزل عليه ويكرمه! فلمّا تصدّع النّاس عنه قال: كيف قلت؟ فأعاد عليه. فقال له: ويحك، يا جاهل، كيف يكون ألأم العرب وأبوه أبوطالب، وجدّه عبد المطلب، وامرأته فاطمة بنت رسول الله؟! وأنى يكون أبخل العرب؟! فو الله لوكان له بيتان؛ بيت تبن وبيت تبر (1)، لأنفد تبره قبل تبنه وأنّى يكون أجبن العرب؟! فو الله ما التقت فتيان قطّ إلاّ كان فارسهم غير مدافع. وأنى يكون أعيا العرب؟! فو الله ما سنّ البلاغة لقريش غيره. ولما (2) قامت أمّ محقن عنه ألأم وأبخل وأجبن وأعيا لبظر أمّه، فو الله، لو لا ما تعلم لضربت الّذي فيه عيناك. فإيّاك عليك لعنة الله، والعودة إلى مثل ذلك.

قال: والله، أنت أظلم منّي، أيّ شيء قاتلته وهذا محلّه؟!

قال: على خاتمي (3) هذا، حتّى يجوز به أمري.

قال: فحسبك ذلك عوضا من سخطالله، وأليم عذابه. قال: لا يا ابن محقن، ولكنّي أعرف من الله ما جهلت حيث يقول: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلّ شَيْ‏ءٍ) (4). (5)

أم ينغضون رؤوسهم: إنّ معاوية قد ندم على ما كان منه فرجع غلى عليّ، وترفّض؛ فسقطت بذلك عدالته؟! أو يقولون: إنّ رواية الزّبير بن بكّار لا تثبت وإن علم من حاله أنّه من المعاندين لعليّ، وهذا من الأسباب الّتي لأجلها استقضاه المتوكّل العبّاسيّ أشدّ بني

____________________

(1) التبر: الذهب غير المضروب.

(2) أي أنّ الذي ولدته هذه المرأة وهو محقن بن ابي محقن، أحقّ بهذه النعوت.

(3) إشارة منه إلى التحكيم وتثبيت ابن العاص له من خلال مهزلة تثبيت الخاتم في إصبعه!

(4) الأعراف / 156.

(5) كشف الغمّة 2: 47؛ كشف اليقين: 475 - 476. (وهذه شهادة من أعتى أعداء الإسلام صاحب الفتنة العظيمة الّتي شقّت صفّ المسلمين وأراقت دماءهم يوم صفّين. وهو بعد إنكاره على هذا الّذي جاء إليه متملّقاً بتنقيص عليّ، عاد إلى الدّفع عن نفسه متعلّلا بالآية الشّريفة).

 


الصفحة 36

العبّاس عداوة لأهل البيت عليهم‌السلام، ولشيعتهم. وبعد: فمن هو أشدّ النّاس كذباً؟

(إِنّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ ). (1)

 

حديث ردّ الشّمس لعليّ عليه‌السلام

كذّب ابن القيّم حديث ردّ الشّمس لعليّ عليه‌السلام، مقتدياً في ذلك بشيخه ابن تيميّة.وقد عمي فجعل ذلك من روايات الشيعة واتّخذ منه دليلا على كذبهم.قال: «وكذلك روايتهم أنّ الشّمس ردّت لعليّ بعد العصر، والنّاس يشاهدونها. قال: ولا يشتهر هذا أعظم الاشتهار، ولا يعرفه إلاّ أسماء بنت عميس». (2)

من نافلة الكلام أنّ الشّمس وعليّاً عليه‌السلام من موجودات الله تعالى، وبدائع صنعه. ومعلوم أنّ بعض الموجودات أشرف من بعض، وشمس عليّ أشرف وأشرق من هذا الجرم السماويّ - الشّمس - الدائب الحركة في فلك؟ قدّره الخالق تعالى، طائعا من غير اختيار، مجبورا لمشيئة الجبّار: إن شاء فجّره أو أمسك، وإن شاء بعث فيه الحركة أو أسكن.

أمّا سنا عليّ فهو من طهارة مولده وعلوّ شأنه؛ إذ هو وسيّد الكائنات مطلقاً محمّد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله من شجرة واحدة، ونفس واحدة، ونور كان بين يدي الرّحمن قبل أن يخلق الشّمس وغيرها، ومن سابقته وحمل الأمانة إيماناً وجهادا وتبليغاً في وقت أشفق منها رجال ونافق آخرون! فما وجه إكبار توقّف الشّمس أو رجوعها لتقرير حقيقة هي شرف وعلوّ منزلة عليّ لتعي ذلك أذن واعية!

(أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ ) (3)

____________________

(1) النّحل / 105.

(2) المنار المنيف: 57، الفصل العاشر (فقرة 83).

وفي هامش المصدر: وكثركلام اللماء فيه بين مثبت له وناف فممّن نفاه: الإمام أحمد، فقال: لا أصل له، وتبعه ابن الجوزيّ في «الموضوعات» والشّيخ ابن تيميّة وأطال في بطلانه في كتابه «منهاج السّنّة» وتابعه من تلامذته الحفّاظ الأئمّة: الذّهبيّ كما في تنزيه الشّريعة، والشّيخ ابن القيّم هنا، وابن كثير في البداية والنّهاية.

(3) هود / 28.

 


الصفحة 37

حرمة المؤمن

وإذ سلف الكلام في اثنين من موجودات الله تعالى متماثلين في أمر، مختلفين في أمور، فانّ للحجر الأسود شأناً لم يكن للشّمس. عن ابن عبّاس قال: رأيت النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله يسجد على الحجر. (1)

وعن أبي الطّفيل: رأيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يطوف بالبيت ويستلم الركن بمحجن معه ويقبّل المحجن. (2)

ولقد قيل في الحجر الأسعد إنّه نزل من الجنّة. عن ابن عبّاس: إنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله قال: «الحجر الأسود من الجنّة». (3) وقد استنّ المسلمون بفعل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، فكانوا يقبّلون الحجر الأسود، إلاّ أنّه قد عرض لبعضهم شبهة إذ جهلوا علّة تقبيل هذا الحجر والسجود عليه!

عن عابس بن ربيعة، قال: رايت عمر بن الخطّاب قام عند الحجر وقال: والله إنّي أعلم أنّك حجر لا تضرّ ولا تنفع، ولو لا أنّي رأيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قبّلك ما قبّلتك. فقال له عليّ: بلى؛ هو يضرّ وينفع، ولو علمت ذلك من كتاب الله لعلمت أنّه كما أقول، قال الله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرّيّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى‏ أَنْفُسِهِمْ ) (4)، فلمّا أقرّوا أنّه الربّ عزّ وجلّ، وأنّهم العبيدُ؛ كتب ميثاقهم في رقّ وألقمه في هذا الحجر، وأنّه يبعث يوم القيامة وله عينان ولسان وشفتان، يشهد لمن وافى بالموافاة، فهو أمين الله في هذا الكتاب. فقال عمر: أعوذ بالله أن أعيش في قوم لست فيهم يا أبا الحسن. (5)

____________________

(1) السّنن الكبرى للبيهقيّ 5: 75.

(2) سنن أبي داود 2: 176؛ سنن ابن ماجة 2: 983؛ صحيح مسلم 2: 893؛ البداية والنهاية 6: 12.

(3) سنن النّسائيّ: 5 - 226؛ الدرّ المنثور 1: 135.

(4) الأعراف / 172.

(5) شرح نهج البلاغة للمعتزليّ 3: 122؛ المستدرك للحاكم 1: 457؛ كنز العمّال 5: 93؛ السيرة الحلبيّة 1: 188؛ الدرّ المنثور 3: 144.

 


الصفحة 38

الحجر الأسود يمين الله

عن ابن عبّاس، قال: الحجر الأسود يمين الله في الأرض. فمن لم يدرك بيعة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، فاستلم الحجر، فقد بايع الله ورسوله. (1)

 

حرمة الكعبة

أخرج الطبرانيّ في الأوسط عنجابر، قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «إنّ للكعبة لسانا وشفتين، وقد اشتكت فقالت: يا ربّ قلّ عوّادي وقلّ زوّاري. فأوحى الله: أنّي خالق بشراً سجّداً يحنّون إليك كما تحنّ الحمامة إلى بيضها». (2)

إذا كانت هذه هي حرمة الكعبة ومنزلتها الرفيعة إذ يطوف بها الحجيج القادمون من كلّ صقع، ملبّين: لبّيك اللّهمّ لبّيك... فهم في بيت الله تعالى، وضيافته وتلك هي رفعة الحجر الأسعد، إذ (هو يمين الله في أرضه، يصافح به عباده) (3)، يشهد لمن وافى بالموافاة، فإنّ المؤمن أكرم عند الله تعالى من الكعبة. أخرج البيهقيّ عن ابن عبّاس قال: لما نظر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى الكعبة، قال: «مرحباً بكِ من بيت ما أعظمك وأعظم حرمتك، وللمؤمن أعظم عند الله حرمة منك». (4)

وأخرج ابن أبي شيبة، والأزرقيّ عن مكحول: إنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، لما رأى البيت حين دخل مكّة، رفع يديه وقال: «اللّهمّ زد هذا البيت تشريفاً وتعظيماً وتكريماً ومهابةً، وزد من شرّفه وكرّمه ممّن حجّه واعتمره تشريفاً وتعظيماً وتكريماً وبرّاً». (5)

والأسّ الذي بني عليه هذا المقام الكريم، هو الدّور الرياديّ الّذي اُنيطت مهمّته إليه

____________________

(1) الدرّ المنثور 1: 134؛ في الذّريّة الطاهرة للدولابي 131 ح 160: عن فاطمة بنت حسين، عن أبيها قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «لما أخذ الله ميثاق العباد جعل في الحجر، فمن الوفاء بالبيعة استلام الحجر».

(2) نفس المصدر.

(3) نفس المصدر 1: 134.

(4) نفس المصدر 1: 132.

(5) نفس المصدر 1: 132.

 


الصفحة 39

من الباري سبحانه، فهو بفاعليّته هذه على خطى الأنبياء في تبليغ دين الله تعالى، فرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله شاهد على أمّته، وأمّته شاهدة على النّاس (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً). (1) والآية بيان منه سبحانه لفضل هذه الأمّة على سائر الأمم. ومعنى شهداء على النّاس أي: «لتشهدوا على النّاس بأعمالهم، أو لتكونوا حجّة على النّاس فتبيّنوا لهم الحقّ والدّين، ويكون الرسولُ عليكم شهيداً بما يكون من أعمالكم وحجّة عليكم». (2)

 

المُحصّلة

إنّ أشرف البقاع على الأرض هي مكّة المكرّمة، ففيها أوّل بيت وضعه الله تعالى لعبادته (إِنّ أَوّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلّذِي بِبَكّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ ) (3).

والكعبة هي قطب الرّحى؛ فقد قيل: إنّ أوّل شيء خلقه الله من الأرض موضع الكعبة. (4) ولا نعلم جرماً أشرف من الأرض لما سلف. والمؤمن أكرم وأشرف من الكعبة، فرسولُ الله صلى‌الله‌عليه‌وآله سيّد البشر جميعاً لأنّه خاتم الأنبياء الّذي بشّر به من سبق، ورسالته خاتمة الرسالات، والكتاب الّذي جاء به مهيمن على غيره، ولا تصحّ نبوّة ولا شريعة ماضية ما لم يقرّها القرآن الكريم؛ فمحمّد رسولُ الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أولى من جميع المؤمنين بالشّرف الباذخ الّذي لا تطاله الكعبة. والنبيّ هو الّذي حرّر البيت الحرام وطهّر الكعبة من أدران الجاهليّة إذ حطّم الأصنام الّتي نصبتها قريش وغيرها على سطحها؛ فالنّظر إلى وجهه الكريم وتبجيله هو مثلما يكون للكعبة. وكان الّذي باشر عمل ذلك هو عليّ إذ أعلاه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله منكبيه... فذكروا ذلك في منزلة عليّ وفضائله. (5)

____________________

(1) البقرة / 143.

(2) مجمع البيان 1: 225.

(3) آل عمران / 97.

(4) مختصر مجمع البيان 1: 232.

(5) مسند أحمد بن حنبل 1: 84، 151؛ مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ: 202 - 203؛ المناقب =

 


الصفحة 40

وللإمام الشّافعيّ قول منظوم في شرف هذه المكرمة العلويّة العلويّة:

قيل   لي:   قل  لعليّ  مدحا      ذكره  يخمد  ناراً  iiموصده
قلت: لا أقدم في مدح امرئ      ضلّ  ذو اللُّبّ إلى أن iiعبده
والنبيّ  المصطفى  قال  لنا      ليلة   المعراج   لما  صعده
وضع   الله   بظهري   iiيده      فأحسّ  القلب  أن  قد  برده
وعليّ      واضع     أقدامه      في محلّ وضع الله يده(ii(1

النظر إلى وجه عليّ عبادة

والنظر إلى الكعبة يذكّر المؤمن بربِّ الكعبة، فيعقد العزم على السير حثيثاً لملاقاة الله تعالى نقيّاً من أدران الدُّنيا، بعد أن اغتسل وقصّر...، فقد عاهد الله سبحانه على إخلاص الرّبوبيّة والعبوديّة؛ وهذه هي الحكمة من تشريع هذه الفريضة العباديّة؛ ولتحرير النّفس من آسارها، وعليّ أشرف من الكعبة وأوقع أثراً في النّفوس؛ فالنظرُ إليه عبادة (2)،

____________________

= للخوارزميّ: 123؛ المستدرك على الصحيحين 2: 367 و 3: 5؛ خصائص أمير المؤمنين للنّسائيّ: 31؛ صفة الصفوة لابن الجوزيّ 1: 119؛ تاريخ بغداد 13: 302؛ كفاية الطّالب: 257، وقال: هذا حديث حسن ثاب عند أهل النقل؛ الخصائص الكبرى للسيوطيّ 1: 264؛ ذخائر العقبى: 85؛ الرّياض النّضرة 2: 200؛ المواهب اللّدنيّة للقسطلانيّ 1: 204؛ ينابيع المودّة: 139.

واحتفاء المصادر واحتفالها هذا بالحديث كاشف عن حقيقة: أن لم يرتق من النبيّ هذا المرقى إلاّ عليّ وهو واحد من أساليب النبيّ في إعداد عليّ لمنصب الخليفة والوصيّ.

(1) ينابيع المودّة: 140.

(2) أورد الگنجيّ الشّافعيّ في كفايته (ص 158 - 160) رأياً لطيفاً فيفقه ذلك، ونحن نذكره هنا لما فيه من الفائدة، قال: «وفقهه في أنّ النّظر إلى وجه عليّ عبادة، وقد ورد حديث أيضاً أنّ النظر إلى الكعبة عبادة، وقد رويت أيضاً بسندٍ عندي أنّ النظر إلى المصحف عبادة.

وقد ورد أيضاً أنّ النظر إلى وجه العالم عبادة، وقد ورد أيضاً أنّ النظر إلى وجه الوالدين عبادة.

فنقول: يريد به نظر الشّخص البّارّ بوالديه، الرؤوف بهما ن المحبّ لهما من غير إكراه ولا عبوس، ولا رفع صوت ولا تبرّم ولا تقشّف ولا تأنّف، واللطف لهما عبادة. «والنظر إلى وجه العالم عبادة» بمعرفة الفضل له =

 


الصفحة 41

والطّواف في رحابه حجّ، وذكره موعظة.

بسندٍ عن عبد الله بن مسعود، قال قال لي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «النظر إلى وجه عليّ عبادة». (1)

وكيع عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة أنّ النبيّ قال: «النظر إلى وجه عليّ

____________________

= لكونه وارث علم النبوّة، وهو من دعاة الهدى للأمّة يجنّب النّاس المكاره والمعاطب، ويرشدهم إلى سبيل الخير والصّلاح، ويدعوهم إلى ما دعاهم الله إليه ورسوله، وينهاهم عمّا نهاهم الله عنه ورسوله، فيكونون بين يدي العالم كالأسير بين يدي مالكه، لا يتّهمه في أمر ولا نهي ويكون عند رؤيته كالنّاظر إلى وجه رسول الله، والجالس بين يديه ولا ينظر إليه شزرا ولا يرفع صوته بين يديه. «والنّظر إلى المصحف عبادة» من حيث معرفة وجوب حرمته وجلالته وإكرامه وإعظامه، وتأمّله إلى الأمر والنّهي، والندب والاستحباب، وسؤال الله تعالى الرّحمة عند ذكر الرّحمة والجنّة، والاستعاذة بالله من النّار والفتن والشّرور عند ذكرها، فيفرّغ سرّه وجوارحه عند النّظر في كتاب الله، ويدّبر آياته ويتفكّر في عبره وتبيانه، فيكون من العابدين بقراءته ومن العائذين بالنظر إليه «والنّظر غلى وجه النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله عبادة» إذا كان النظر إليه بعين الاحترام والتبجيل والإكرام أنه سفير بين الله عزّ وجلّ وبين عبده، وله المكانة العظيمة لاختيار الله تعالى إيّاه لرسالته واطّلاعه على أسرار الحقّ.

وكذلك «النظر إلى الكعبة عبادة» وهي حجارة بناها البنّاها إمّا من أهل الإيمان، وغمّا من أهل الشّرك وهي إنّما النظر إليه عبادة من حيث إنّها نسبت إلى الله عزّ وجلّ بالتخصيص والتشريف، وأنّها بيت الله وموضع نظره من أرضه ومهبط وحيه ورحمته وحياطة ملائكته ومحلّ أنبيائه ورسله، ومائدة وليمته في أرضه الّتي دعا النّاس إليها، وأوجب عليهم حجّها؛ فإنّ النّاظر إليها كالناظر إلى الله عزّ وجلّ، فينظر إليها بالتعظيم والتوقير، ويلوذ بها ويطوف حولها، ويتمسّح بأركانها كما يفعل العبد الذليل بين يدي المولى الجليل، يرجو فضله ويخاف من المجازاة لعدله.

«وأمّا النظر إلى وجه عليّ فإنّه عبادة» من حيث إنّه ابن عمّ الرسول، وزوج البتول، ووالد السبطين الحسن والحسين، وأخو الرسول، ووصيّه، وباب علمه، والمبلّغ عنه، والمجاهد بين يديه، والذّابّ عنه، والمجلي الكرب عنه، والباذل نفسه لله تعالى ولرسوله... ويدلّ على فضل النظر إليه على فضل النظر إلى الكعبة: أنّ النّبيّ وقف حيال الكعبة، وقال: «ما أجلّك وما أشرفك وما أعظمك عند الله! والمؤمن عند الله أعظم وأشرف منك». وهذا يدلّ على أنّ النظر إلى وجه عليّ أفضل من النظر إلى الكعبة.

(1) المناقب للخوارزميّ: 361؛ المستدرك للحاكم 3: 141؛ حلية الأولياء 5: 58؛ ميزان الاعتدال للذهبيّ 4: 401؛ لسان الميزان لابن حجر 6: 178.

 


الصفحة 42

عبادة». (1)

وعن أبي هريرة، قال: رأيت معاذ بن جبل يديم النظر إلى عليّ بن أبي طالب، فقلت: ما لك تديم النظر إلى عليّ كأنّك لم تره؟! فقال: سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: «النظر إلى وجه عليّ عبادة». (2)

وعن جابر بن عبد الله الأنصاريّ، وواثلة بن الأسقع - وبطرقٍ عدّة - عن عمران بن حصين: «النظر إلى عليّ عبادة». (3)

وعن معمر، عن الزّهريّ، عن عروة، عن عائشة قالت: رأيت أبابكر يكثر النظر إلى وجه عليّ؛ فقلت له: يا أبه، أراك تكثر النظر إلى وجه عليّ! فقال: يا بنيّة، سمعت رسول الله يقول: «النظر إلى وجه عليّ عبادة» (4).

 

الحجّ إلى عليّ

بسند عن أبي ذرّ، قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «مثل عليّ فيكم - أو قال: في هذه الأمّة - كمثل الكعبة المستورة - أو المشهورة -، النظر إليها عبادة، والحجّ إليها فريضة» (5).

وفيه رمز لعلوّ منزلة عليّ السامقة؛ فقصد البيت الحرام والطّواف بالكعبة فريضة لمن استطاع إليه سبيلاً، ويجزئ فيه مرّة في العمر. أمّا الطّواف بعليّ فلا، ذلك أنّه خليفة رسولالله صلى‌الله‌عليه‌وآله، ومنه يستمدّ المسلم معالم دينه، وهو سبيل النجاة ولما كان عليه‌السلام بهذه المنزلة

____________________

(1) خلية الأولياء 2: 182؛ منتخب كنز العمّال 5: 30؛ مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ: 207؛ لسان الميزان 1: 242.

(2) تاريخ بغداد 2: 51؛ ميزان الاعتدال 3: 484؛ مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ: 207.

(3) مناقب الإام عليّ: 209؛ ينابيع المودّة: 90؛ الرياض النّضرة 2: 219؛ البداية والنهاية 7: 357؛ تاريخ الخلفاء: 66؛ كفاية الطّالب: 161؛ المناقب للخوارزميّ: 362.

(4) مناقب الامام عليّ: 211؛ ترجمة الإمام عليّ 2: 391؛ تاريخ بغداد 2: 51؛ كفاية الطّالب: 161، 362.

(5) كفاية الطّالب: 161؛ مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ 107؛ كنز العمّال 6: 158؛ مجمع الزوائد 9: 119؛ الرياض النضرة 2: 219.

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة