الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة 358

للخيل، فأتينا من خلفنا، وصرخ صارخ: ألا إنّ محمّداً قد قتل! فانكفأنا وانكفأ علينا القوم (1).

وفي حديث البراء: لما لقي القوم هزم المشركون حتّى رأيت النّساء قد رفعن عن سوقهنّ وبدت خلاخيلهنّ فجعلوا - أي الرّماة - يقولون: الغنيمة الغنيمة! فقال عبد الله بن جبير: مهلاً، أما علمتم ما عهد إليكم رسول الله، فأبوا إلاّ الغنيمة، فانطلقوا فلمّا أتوهم صرف الله وجوههم فأصيب من المسلمين سبعون (2).

وكان ابن مسعود يقول: ما شعرت أنّ أحداً من أصحاب النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله كان يريد الدّنيا وعرضها حتّى كان يومئذ (3).

لقد غلبت غنيمة المال على غنيمة الآخرة والجنّة في نفوس هؤلاء، فلا المال غنموا ولا أنفسهم حفظوا، بل كانت خسارة كبيرة هي قتل سبعين وما لحق بالنّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله إذ كسرت رباعيّته وشجّ رأسه.

وإذا كان حواريّ رسول الله: الزّبير بن العوّام قد أبلى يومئذ بلاء حسناً، فما له غدا مثل غيره إذ صرخ صارخ: ألا إنّ محمّداً قد قتل فانكفأ أمام العدوّ من غير أن يتبيّن الحقيقة؟ أو غاب عن باله أنّ محمّداً صلى‌الله‌عليه‌وآله بشر يجري عليه ما يجري عليهم من موت أو قتل: (وَمَا مُحمّدٌ إِلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى‏ أَعْقَابِكُمْ) (4)، ولكن شريعته باقية وعليه الدفاع عنها على أيّ حال. فليس للزّبير عذر ولا لعمر ولا لغيرهما. والآية في مقام الحديث عن حالة الرّدّة الّتي ترافق غياب القائد، وقد عبّر عنها القرآن الكريم بالانقلاب على الأعقاب، أي الرّجوع إلى الحالة الجاهليّة! وإن كان عمر قد تمسّك بهذا العذر - وهو الصّراخ - ليكون بعيداً عن المعركة، فإنّه صرخ في القوم المؤتمرين في سقيفة بني ساعدة قائلاً: إنّ رجالاً من المنافقين يزعمون أنّ رسول الله قد توفّي؛ وإنّ رسول الله

____________________

(1) السّيرة النّبويّة لابن هشام 3: 82.

(2) تاريخ الطبريّ 2: 193.

(3) نفس المصدر 2: 194.

(4) آل عمران / 144.

 


الصفحة 359

ما مات، ولكنّه ذهب إلى ربّه كما ذهب موسى بن عمران، فقد غاب عن قومه أربعين ليلة ثمّ رجع إليهم بعد أن قيل: قد مات، ووالله ليرجعنّ رسول الله كما رجع موسى، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم زعموا أنّ رسول الله مات (1)!

 

عود على أحد

ويبقى عليّ هو عليّ! المؤمن الّذي لم يعاتبه الله تعالى بشيء، هو السّابق إلى الإسلام والفدائيّ الّذي يقي النّبيّ بنفسه العليّة فينام على فراشه ليلة هجرته من غير مراجعة، كما صنع غيره في مواطن دون ذلك، فلم يسأل: أن لو هجمت عليّ قريش ماذا أفعل؟ وإنّما نام متحمّلاً رشقهم إيّاه بالحجارة، وهو يتضوّر حتّى الفجر، وواصل مسيرته الجهاديّة الفذّة. وإذا كان غيره يوم أحد بين فارٍّ أهمّته نفسه وبين: إنّ فلاناً قاتل يوم كذا، ولم يقل قتل فلاناً أو بارز فلاناً... فإنّ أسماء من عجّل بهم إلى جهنّم سيف الحقّ الّذي مع عليّ المسدّد من الباري العليّ، محفوظة في ذمّة التاريخ ونطق بها الوحي، في أحد وغير أحد. وللموقف الفريد الّذي وقفه علي عليه السلام يوم أحد هتف جبريل عليه السلام: لا سيف إلاّ ذو الفقار ولا فتى إلاّ عليّ... فيما قال في المنهزمين: (إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى‏ أَحَدٍ وَالرّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمّا بِغَمّ) (2). تعبير ووصف لحالهم هاربين مذعورين، وفي الآية تفنيد لمن تعلّل بصراخ الشّيطان! فإنّ النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله على ما به من الجراح يهتف بهم ليشعرهم أنّه حيّ ليعودوا، فما أجدى!

وقوله تعالى: (إِنّ الّذِينَ تَوَلّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنّمَا اسْتَزَلّهُمُ الشّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا) (3).

____________________

(1) السيرة النبويّة لابن هشام 4: 305؛ تاريخ الطبريّ 2: 442.

(2) آل عمران / 153.

(3) نفس المصدر 155.

 


الصفحة 360

تبيان لسبب الهزيمة

وهي المعاصي السالفة أو تعلّق نفوسهم بالغنائم وحبّ الدّنيا، ولذلك تمكّن الشّيطان منهم فاستزلّهم، فكان حالهم يومئذ أقرب إلى الكفر منه إلى الإيمان: (يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالّذِينَ كَفَرُوا) [ آل عمران / 156 ] فهل يعقل أنّ المتمرّد على الله تعالى ورسوله، المحبّ للدّنيا المستجيب للشّيطان والمعرض عن نداء النّبيّ... هو صراط الله المستقيم من دون المؤمن الثّابت الّذي يقي النّبيّ بمهجته؟!

إذن لماذا أنكر أبو بكر على عروة كلامه وأسمعه كلاماً ما ينبغي أن يقال في حضرة النّبيّ؟ وإذا كانت أحداث أحد قد باتت قديمة لا يذكر أبوبكر شيئاً منها، فإنّ غزوة الخندق ما تزال واقعتها ماثلةً في أذهان الجميع؛ فقد وقعت في شوّال سنة خمس، والآن نحن في سنة ستّ حيث جلسات صلح الحديبيّة... فما الّذي وقع في تلك الغزوة؟ مختصراً: اقتحم عمرو بن عبدودّ العامريّ الخندق الّذي أقامه المسلمون حولهم بمشورة سلمان الفارسيّ، ومعه مجموعة من الفرسان، فخرج إليه عليّ عليه السلام فقتله، وهل غير عليّ لمثل عمرو؟! ثمّ عطف على نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزوميّ فقتله، وفرّ أصحاب عمرو منهزمين حتّى اقتحموا الوادي (1) راجعين.

ولم تمض إلاّ أشهر عدّة حتّى وقع أمر يؤيّد قول عروة بن مسعود؛ فقد خرج رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في محرّم سنة سبع غلى خيبر، وفيها بعث رسول الله أبا بكر برايته إلى بعض حصون خيبر، فعاد ولم يك فتح، ثمّ بعث الغد عمر بن الخطّاب فرجع ولم يك فتح (2). وفي رواية بريدة الأسلميّ: أعطى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله اللواء عمر بن الخطّاب ونهض من نهض معه من النّاس فلقوا أهل خيبر، فانكشف عمر وأصحابه فرجعوا إلى رسول الله يجبّنه أصحابه ويجبّن أصحابه، فقال رسول الله: «لأعطينّ اللّواء - وأكثر المصادر: الرّاية - غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله، يفتح الله على يديه ليس بفرّار 9. فتطاولت لها أعناق قريش، فلمّا كان الغد جاء عليّ عليه السلام وهو أرمد، فجعل النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله من ريقه فيهما، فما

____________________

(1) السّيرة النّبويّة 3: 236؛ الطبريّ 2: 240.

(2) السّيرة النّبويّة النّبويّة 3: 349.

 


الصفحة 361

وجعها بعد. ثمّ أعطاه الرّاية فنهض بها وجاء خيبر يهرول، حتّى ركزها في أطم من آطامها، فخرج إليه مرحب، فاختلفا ضربتين فبدره عليّ عليه السلام فقتله «ذكرنا القصّة والمصادر سابقاً». إنّ القوم قد كشفهم اليهود ورجعوا يجبّن بعضهم بعضاً حتّى كان الفتح على يد فتى الإسلام وسيفه المسلول: عليّ عليه السلام.

وفي العام الثامن وقعت أمور من قبيل ما كان يوم أحد «فرارهم عن النّبيّ» وسلوك عمر في حضرة النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله على شاكلة سلوك أبي بكر الّذي ذكرناه، وقول الصّحابة للنّبيّ قولاً شبيهاً بما قالته بنو إسرائيل لموسى عليه السلام! ففي هذا العام كانت غزوة حنين؛ حيث اجتمعت هوازن وثقيف، وانضمّت إليهما قبائل أخرى، وتوجّهوا يريدون حرب رسول الله. فلمّا سمع النّبيّ بذلك، بعث إليهم عبد الله بن أبي حدرد الأسلميّ، وأمره أن يدخل في النّاس حتّى يعلم علمهم، ثمّ يأتيه بخبرهم. فانطلق ابن أبي حدرد، فدخل فيهم، فأقام معهم حتّى سمع وعلم ما قد أجمعوا له من حرب رسول الله، ثمّ أقبل حتّى أتى رسول الله فأخبره الخبر، فدعا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله عمر بن الخطّاب فأخبره الخبر، فقال عمر: كذب ابن أبي حدرد! فقال ابن أبي حدرد: إن كذّبتني فربّما كذّبت الحقّ يا عمر، فقد كذّبت من هو خير منّي. فقال عمر: يا رسول الله، ألا تسمع ما يقول ابن أبي حدرد؟! فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «قد كنت ضالاًّ فهداك الله يا عمر» (1).

العجب أنّ عمر هنا مثل صاحبه: قدّم بين يدي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله! وإذا كان أبوبكر دفع عن نفسه لأنّ عروة قال لرسول الله: لكأنّي بهؤلاء انكشفوا عنك، فإنّ ابن أبي حدرد لم يقل شيئاً قبيحاً في عمر ولا في أصحاب النّبيّ؛ وابن أبي حدرد واحد منهم، وإنما قد امتثل أمر النّبيّ. وليس لعمر دليل على كذب الرّجل وإلاّ لذكره، فهل يجوز له أن يتّهم صحابيّاً وفي حضرة النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، من غير برهان؟! ونفس ما يقال لأبي بكر، يقال لعمر: هل استأذنت النّبيّ في الكلام، أو أنّ النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله قد طلب منك أن تكلّم ابن أبي حدرد؟ كما إنّ النّبيّ لم يؤيّده، بل إنّه - وعلى العكس - أقرّ كلام ابن أبي حدرد إذ لم يكذّبه، ومن خلال توكيد جوابه لعمر حيث قال له: «لقد كنت ضالاًّ فهداك الله يا عمر».

____________________

(1) السّيرة النّبويّة لابن هشام 4: 82 - 83؛ تاريخ الطبريّ 2: 346.

 


الصفحة 362

ومن المفارقات الّتي حصلت في هذه الغزوة، ما قاله الحارث بن مالك، قال: خرجنا مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى حنين ونحن حديثو عهد بالجاهليّة، فسرنا معه. وكانت لكفّار قريش ومن سواهم من العرب شجرة عظيمة خضراء يقال لها «ذات أنواط» يأتونها كلّ سنة فيعلّقون أسلحتهم عليها ويذبحون عندها ويعكفون عليها يوماً. قال: فرأينا ونحن نسير مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله سدرة خضراء عظيمة، قال: فتنادينا من جنبات الطريق: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط! فقال رسول الله: «الله أكبر! قلتم، والّذي نفس محمّد بيده، كما قال قوم موسى لموسى: (اجْعَلْ لَنَا إِلهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) (1)، إنّها السّنن، فتركبنّ سنن من كان قبلكم» (2).

عجباً من قوم يرون وثناً بعد مضيّ سنين على إسلامهم، فتطفو رواسب الماضي ويطالبون نبيّهم أن يعود بهم إلى جاهليّتهم! فكيف والحال هذه يواجهون قومهم الذين ما يزالون يعبدون هذه الأوثان وينتصرون لها؟!

عن جابر بن عبد الله قال: لما استقبلنا وادي حنين انحدرنا في واد من أودية تهامة أجوف حطوط (3)، إنّما ننحدر فيه انحداراً، قال: وفي عماية (4) الصّبح، وكان القوم قد سبقونا إلى الوادي، فكمنوا لنا في شعابه وأحنائه (5) ومضايقه وقد أجمعوا وتهيّأ وأعدّوا، فو الله ما راعنا ونحن منحطّون إلاّ الكتائب قد شدّوا علينا شدّة رجل واحد، وانشمر (6) النّاس راجعين لا يلوي أحد على أحد. وانحاز رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ذات اليمين، ثمّ قال: اين، أيّها النّاس؟! هلمّوا إليّ، أنا رسول الله، أنا محمّد بن عبد الله. قال: فلا شيء، حملت الإبل بعضها على بعضٍ، فانطلق الناس، إلاّ أنذه بقي مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله نفر من المهاجرين

____________________

(1) الأعراف / 138.

(2) السّيرة النّبويّة لابن هشام 4: 85.

(3) تهامة: ما انخفض من الأرض، وعكسه النّجد أي المرتفع. وهنا أراد به تهامة الحجاز. وأجوف: أي متّسع. وحطوط: منحدر.

(4) عماية الصّبح: ظلامه قبل أن يتبيّن.

(5) الشّعاب: الطّرق الخفيّة. وأحناؤه: جوانبه.

(6) انشمر الناس: انفضّوا وانهزموا.

 


الصفحة 363

والأنصار وأهل بيته (1).

وعن أبي قتادة قال: وانهزم المسلمون وانهزمت معهم فإذا بعمر بن الخطّاب في الناس، فقلت له: ما شأن النّاس؟ قال: أمر الله (2)!

واعجباً! هل أمر الله تعالى بالفرار من الزّحف وخذل نبيّه وإسلامه للعدوّ؟! وإذا كان القول إنّ ما وقع بأمر الله وقضائه فهو تأسيس لمبدأ الجبر في أفعال العباد الّذي يرفضه أهل البيت وشيعتهم. وإنّ عليّاً عليه السلام لم يراجع النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله لا في حنين ولا في غيرها، ولم يقدّم بين يديه ولا رفع صوته صوته ولم يفرّ في زحف، فصراطه الصّراط المستقيم.

ومن ذلك: ما كان منه ومن أبي بكر، ونزول سورة الحجرات اعتراضاً وزجراً عن نافع ابن عمر عن أبي مليكة قال: كاد الخيّران أن يهلكا: أبو بكر وعمر، رفعا أصواتهما حين قدم عليه ركب بني تميم - في العام التاسع، ويدعى عام الوفود - فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس، وأشار الآخر برجل آخر، فقال أبو بكر لعمر: ما أردت إلاّ خلافي! قال: ما أردت خلافك! فارتفعت أصواتهما عند النّبيّ صلّى الله عليه «وآله» وسلّم فنزلت: (يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النّبِيّ وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ) (3).

وأخرج البخاريّ عن عبد الله بن الزّبير قال: قدم ركب من بني تميم على النبيّ صلّى الله عليه (وآله) وسلّم، فقال أبو بكر ك أمّر القعقاع بن معبد بن زرارة فقال عمر: بل أمّر الأقرع بن حابس. قال أبو بكر: ما أردت إلاّ خلافي، قال عمر: ما أردت خلافك! فتماريا حتّى ارتفعت أصواتهما، فنزلت في ذلك: (يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللّهِ وَرسُولِهِ وَاتّقُوا اللّهَ إِنّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (4).

____________________

(1) السّيرة النّبويّة لابن هشام 4: 85؛ تاريخ الطبريّ 2: 347.

(2) صحيح البخاريّ 5: 101.

(3) الحجرات / 2. صحيح البخاريّ 6: 46، 8: 145؛ سنن الترمذيّ 5: 63 رقم 3319؛ تفسير ابن كثير 2: 527؛ سنن النّسائيّ 8: 226؛ مسند أحمد 2: 6؛ تفسير الطبريّ حديث 31673؛ أحكام القرآن لابن العربيّ 4: 108؛ معالم التنزيل للبغويّ 1990؛ مسند أبي يعلى 6816؛ أسباب النزول للواحديّ 258.

(4) الحجرات / 1. والخبر في صحيح البخاريّ 8: 145 كتاب الاعتصام بالكتاب والسّنّة. وأسباب =

 


الصفحة 364

ويمكن القول: إنّ الآيتين نزلتا في الحادثة، وهما يناسب بعضهما الآخر ويعبّران عن حالة سلبيّة، فالمشاجرة في حضرة النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ورفع الصّوت ممّا يخالف الخلق الحميد لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وقد وصفه الباري تعالى بأنّه على خلق عظيم؛ فإنّ مثل هذا السّلوك يؤذيه. وإنّهما قدّما بين يدي الله ورسوله من غير إذنٍ من النّبيّ في الكلام ولم يسألهما صلى‌الله‌عليه‌وآله المشورة فيمن يجعل على وفد تميم أميراً!

ومن ذلك: تخلّف أبي بكر وعمر عن جيش أسامة بن زيد، وهو آخر بعوث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، مع تسليمهما عليه بالإمرة، ممّا أغضب النّبيّ فخرج عاصباً رأسه لما هو به من الوجع، فخطب النّاس وقال: «ما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأمير أسامة؟! ولئن طعنتم في تأميري أسامة لقد طعنتم في تأمير أبيه من قبل، وإنّه لخليق للإمارة، وإن كان أبوه لخليقاً لها» (1).

ومواقف المخالفة لأوامر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله والاجتهاد قبال قبال النصّ الشرعيّ من الكثرة في حياة الصحابة بحيث لو جمعت لكانت كتاباً مستقلاًّ واسعاً، حيث امتدّت بعد رحلة النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، فألغيت أحكام فيها نصوص من كتاب الله تعالى ومارسها النّبيّ، سنذكر بعضها بعد حين.

ومن أعظم ما يذكر هنا أنّ النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله أراد وهو يودّع أمّته ويودعها تركته: الثّقلين، كتاب الله تعالى وعترته الطّاهرة، وفي سي منه لتوكيد ما عهده إليهم سابقاً... أراد أن يكتب لهم كتاب هداية وعصمة، إلاّ أنّ البعض اعترضه بشدّة حتّى قال فيه كلمةً لا تنبغي في حقّ مسلم محترم، فكيف بالنّبيّ؟! عن عبد الله بن عبّاس، قال: لما احتضر النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله - قال: وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطّاب - قال: هلمّ أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده. فقال

____________________

= النزول للواحديّ 257.

(1) السّيرة النبويّة لابن هشام 4: 291، 300؛ الطبقات الكبرى لابن سعد 2: 248؛ مختصر تاريخ ابن عساكر 4: 248 وذكره سليم بن قيس عن أمير المؤمنين في كتاب السقيفة: 139؛ صحيح مسلم ح 1637 من طريق عبد الرزّاق؛ المصنّف لعبد الرزّاق 5: 298 / 9820؛ تفسير الطبريّ 3: 193؛ الكامل في التاريخ 2: 320؛ البداية والنهاية 5: 200.

 


الصفحة 365

عمر: إنّ النّبيّ غلبه الوجع، وعندكم القرآن فحسبنا كتاب الله! واختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول: قرّبوا يكتب لكم رسول الله كتاباً لن تضلّوا بعده. ومنهم من يقول ما قال عمر، فلمّا أكثروا اللّغط والاختلاف عند النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، قال: قوموا عنّي. فكان ابن عبّاس يقول: إنّ الرّزيّة كلّ الرّزيّة ما حال بين رسول الله وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم (1).

وليس الخبر بهذا اللفظ الّذي هذّبته بعض الأقلام! ولكنّه يكفي وحده - وبهذا اللّفظ - للتدليل على عمق المأساة! إنّ ميّتاً من عرض المجتمع يتنادى ذووه وأصدقاؤه وتقع جلبة ويحملون نعشه إلى مثواه الأخير ظاهرة عليهم آثار الحزن ومظاهر الأسى لفقده وهذا سيّد الخلق طرّاً وخاتم الأنبياء والرّسل يعيش لحظاته الأخيرة مع أصحابه ويريد أن يتمّ نصيحته وهدايته لئلاّ يضلّوا من بعده ولا يتعرّضوا لغضب الله تعالى كما حدث لليهود والنّصارى، وليثبّتهم على الصّراط المستقيم، بيد أنّ البعض قدّم بين يديه وقطع عليه كلامه، - وهذا أمر منهيّ عنه في القرآن الكريم، كما ذكرناه - وخالف سنّته وهو ما يزال حيّاً معهم يمارس وظيفته في التبليغ، فكيف يكون إذن بعد وفاته؟! وقد ردّ عليه واجتهد قبال قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله، وهو نصّ شرعيّ. وكيف كان الرّد؟ كان نابياً بحق النّبيّ، فإنّ تعبيره بـ «غلبه الوجع» يعني أنّ النّبيّ بات لا يملك قواه العقليّة، ويقول ما لا يدري لما به من وجع! ومع تهذيب الخبر والتعديل فيه لا ينجي قائله من طائلة الحساب. وليعلم أنّ «غلبه الوجع» تساوي يهجر الّتي تعني يهذي - والعياذ بالله! كما أن حالة اللّغو والاختلاف واللّغط الناتجة عن هذا التصرّف سوء أدب في حضرة النّبيّ، وقد نهى القرآن عن رفع الأصوات فوق صوت النّبيّ وعن الهجهر له بالسّوء، وإنّ النبيّ يهجر، أو غلبه الوجع ما هو إلاّ جهر بالسّوء!

ثمّ ماذا يعني قول النّبيّ لهم: «قوموا عنّي»؟ إنّه لا يعني إلاّ أنّه ساخط عليهم غير راض عنهم، ورضاه من رضى الله تعالى وسخطه من سخطه!

وثمّه سؤال: لماذا اعترض عمر على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في كتابة الكتاب؟ هل كان يدرك

____________________

(1) صحيح البخاريّ 1: 37، 5: 138، 8: 161؛ الطبقات الكبرى لابن سعد 2: 242.

 


الصفحة 366

ما سيكتبه؟ أهو خير أم شرّ؟ وحاشا للنّبيّ إلاّ أن يقول ويكتب عن وحي.

ورواية ابن عبّاس تؤكّد أنّه قال: أهجر. عن سفيان، عن سليمان بن أبي مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس قال: يوم الخميس وما يوم الخميس! قال: اشتدّ برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وجعه فقال: ائتوني أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعدي أبداً. فتنازعوا - ولا ينبغي عند نبيّ أن يتنازع - فقالوا: ما شأنه أهجر؟ أستفهموه! فذهبوا يعيدون عليه، فقال: دعوني، فما أنا فيه خير ممّا تدعونني إليه. وأوصى بثلاث، قال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحوٍ ممّا كنت أجيزهم، وسكت عن الثالثة عمداً أو قال: فنسيتها (1).

نعم، يوم الخميس وما يوم الخميس؟! اشتدّ برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وجعه، واشتدّ بقوم وجدهم إلى أمور، فأساؤوا إلى نبيّهم، فرموه بالمقذع من القول، وذلك قولهم: ما شأنه أهجر؟! ذكر ابن السّكّيت في (باب رفعك الصّوت بالوقيعة في الرّجل والشّتم له، ص 264 من: تهذيب الألفاظ) قال: وأهجر يهجر إهجاراً، إذا قال القبيح.

فهل يجوز على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أن يقول قبيحاً؟! فعند من تجد الأمّة الحسن - إذن - لتتوجّه صوبه فتأخذه منه ولا تضلّ؟ ومتى كان كتاب الهداية والعصمة من الضّلالة هجراً؟!

والرّاوي لم يعيّن صاحب هذا الكلام المستهجن، فقد استعمل لفظ الجماعة «فقالوا»! فنقول هنا - مثل ما قلناه في قول النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله للمسلمين في مسيرهم يوم الحديبيّة: «قولوا نستغفر الله ونتوب إليه» -: لا يمكن على هذا تعيين الصّراط المستقيم في أشخاص بعينهم من الصّحابة، ولكن القرائن في نصوص القرآن والسّنّة أكّدت تعيّن الصّراط المستقيم في رسول الله وأهل بيته عليهم السلام أجمعين.

وهذا اللّون من السّلوك يتعارض مع الآداب الإسلاميّة الّتي نستجليها في آيات القرآن في توقير النّبيّ وتعظيمه، فلا يمكن أن نصدّق. أن سلمان المحمّديّ وأبا ذرّ وعمّاراً وأمّ سلمة وأمّ أيمن والمقداد... ممّن كان للنّبيّ مثل الظلّ لصاحبه قد صدر منهم مع النبيّ مثل هذا الفعل، فكيف يكون الحال لو ذكرنا عليّاً الّذي هو نفس النّبيّ يوم المباهلة، والمعصوم

____________________

(1) تاريخ الطبريّ 2: 436.

 


الصفحة 367

بصريح القرآن - آية التطهير - وغير ذلك من المعايير الّتي تنفي قطعاً أن يكون عليّ داخلاً في جماعة تخاطب النّبيّ بما سلف.

ترى... ماذا تعني كلمة «استفهموه» الواردة في الخبر؟ وماذا يعني أنّ القوم ما زالوا يعيدون سؤالاً ما على النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله حتّى ردعهم؟ أيّ سؤال هو؟ هل هو الوصيّة الثالثة الّتي سكت عنها ابن عبّاس عمداً؟! فلماذا سكت؟! أمّا هذا الاستدراك: «أو قال: فنسيتها» فهو ممّا لا يليق بمن هو دون ابن عبّاس بكثير، فكيف بحبر الأمّة؟!

على أنّ المرويّ عن ابن عبّاس - كما في البخاريّ وطبقات ابن سعد، ذكرناه - ينصّ على أنّ صاحب القول هو عمر بن الخطّاب، وحسب تلك الرّواية وقول عمر فيها: «وعندكم القرآن فحسبنا كتاب الله» يتّضح أنّ النّبي قد أوصى باثنين متلازمين، هما كتاب الله وأهل بيته، وهو ما كان يعيده على مسامعهم في أكثر من مناسبة. وقد ذكر أمير المؤمنين عليه السلام طائفة من مواقف عمر واجتهاداته مقابل النصّ الشرعيّ، فذكر في جملتها موقفه ذلك، قال: علم الله وعلم النّاس أنّه الذي صدّ رسول الله عن الكتف الّذي دعاه به (1).

وعن عمر بن الخطّاب قال: لما مرض النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله قال: ادعوا لي بصحيفة ودواة أكتب كتاباً لا تضلّوا بعده أبداً. فقال: النّسوة من وراء السّتر: ألا تسمعون ما يقول رسول الله؟! فقلت: إنّكنّ صواحباتُ يوسف: إذا مرض رسول الله عصرتنّ أعينكنّ، وإذا صحّ ركبتنّ عنقه! فقال رسول الله: دعوهنّ، فإنهنّ خير منكم (2).

حصحص الحقّ وثبت أنّ عمر هو الذي قدّم بين يدي النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله. ومع أنّه لم يذكر، في هذه الرواية، اعتراضه على رسول الله في كتابة الكتاب، إلاّ أنّ قول النّسوة: «ألا تسمعون ما يقول رسول الله؟» بيّن الدلالة على هذا المعنى، وذلك بعد أن صكّ أسماعهنّ لغط الرّجال واختلافهم على أثر الكلام الّذي قاله عمر كما في الرّوايات السّابقة، فزجرتهم النّساء على سوء سلوكهم هذا. ويؤيّد أنّ عمر هو صاحب الاعتراض على النّبيّ، رفع

____________________

(1) كتاب السقيفة لسليم بن قيس: 140.

(2) كنز العمّال 5: 644.

 


الصفحة 368

صوته من جديد ليسمع النّسوة مقالته فيهنّ، إذ اللّغط الدائر بين الرّجال ووجود السّتر بينهم وبين النّساء يقتضي مناداتهنّ بصوت عال، وإلاّ لم ردّ عليهنّ دون غيره من الحاضرين؟ وقوله: «إنّكنّ صواحبات يوسف...» فيه تنقيص لهنّ، ومن هنّ؟ إنّهنّ أمّهات المؤمنين، وحاضنة الرّسول، والصّحابيّات المبايعات، وفاطمة المعصومة بنت النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله! ووصف هؤلاء بالنّسوة اللاّتي شغفن(1) بجمال يوسف النّبيّ عليه السلام، أراد بذلك، إنّكنّ ما كرات وأتباع لذّة!

وكلامه لم يتنقّص من النّساء وحسب، وإنّما تطاول به على النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، إذ راح يذكره بصيغة الغائب النّكرة من غير ما ينبغي له من نعت النّبوّة والرّسالة. وعبارته «ركبتنّ عنقه» فيها ما فيها من المعاني السّلبيّة الواضحة، وجواب النّبيّ: «إنّهنّ خير منكم» لهو خير بيان لرزيّة رجال يوم الخميس. ولا يدخل في هذا الباب رجل لم يغيّروا ولم يبدّلوا أوّلهم عليّ عليه السلام، فكان صراطه صراط الله المستقيم.

ولقد جرت أحاديث ومحاورات بين ابن عبّاس وعمر بن الخطّاب - بعد وفاة النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله - أقرّ فيها عمر أنّه الّذي منع النّبيّ من كتابة الكتاب، من ذلك: قال عمر لابن عبّاس: هل بقي في نفس عليّ شيء من أمر الخلافة؟ فقال ابن عبّاس: نعم. قال عمر: ولقد أراد رسول الله في مرضه أن يصرّح باسمه فمنعته من ذلك، إشفاقاً وحيطةً على الإسلام (2)!

إنّ الله تعالى أعلم بمواطن الحيطة على الإسلام فيوحي بها إلى نبيّه، ومن ذلك التبليغ بإمامة عليّ وخلافته في كلّ موطن، ومنه المهرجان الكبير يوم غديرخمّ، وفي مرضه لما أراد أن يكتب كتاباً فمنعه عمر. ولكن ما الّذي وجده عمر من نقص في عليّ يتخوّف منه على مستقبل الإسلام، وهو الّذي سلّم عليه بالإمارة يوم خمّ؟! فهلاّ عابه يومئذ؟! أم أنّه يعلم أنّ رجالاً يأتمرون في الخفاء على إزواء الخلافة عن عليّ، وكتبوا بذلك عهداً، فتخوّف الفتنة؟! قال أبو حامد الغزاليّ: ولما مات رسول الله قال قبل وفاته بيسير: «ائتوني

____________________

(1) وقصّة ذلك في القرآن الكريم سورة يوسف 23 - 52.

(2) شرح نهج البلاغة للمعتزليّ 12: 21.

 


الصفحة 369

بدواة وبياض لأكتب لكم كتاباً لا تختلفوا فيه بعدي». فقال عمر: دعوا الرّجل؛ فإنّه ليهجر! (1)

وفيما ذكرنا ممّا جرى في حياة النّبيّ كفاية لإبطال زعم ابن القيّم بشأن الصّراط المستقيم. أمّا بعد وفاة النّبيّ فأنّ المواقف الاجتهاديّة مقابل النصّ وتعطيل الأحكام الشرعيّة، فحدّث ولا حرج! هذا بعض منها.

 

عمر يغيّر في الأذان

قال علي عليه السلام: «ثمّ تركه من الأذان «حيّ على خير العمل»، فاتّخذوه سنّة، وتابعوه على ذلك» (2).

 

إبطال حكم التيمّم للمجنب

وقال عليّ عليه السلام: «والعجب لجهله أنّه كتب إلى جميع عمّاله أنّ الجنب إذا لم يجد الماء فليس له أن يصليّ وليس له أن يتيمّم بالصّعيد - وإن لم يجده - حتّى يلقى الله! وقد علم وعلم النّاس أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قد أمر عمّاراً وأمر أبا ذرّ أن يتيمّما من الجنابة ويصلّيا، وشهدا به عنده، وغيرهما، فلم يقبل ذلك ولم يرفع به رأساً» (3).

وقد ذكر أصحاب الصّحاح والسّنن والحديث روايات عدّة في الحادثة من ذلك: إنّ رجلاً أتى عمر بن الخطّاب فقال: إنّي أجنبت فلم أجد ماءً؟ فقال: لا تصلّ! فقال عمّار: أما تذكر يا أمير المؤمنين إذ أنا وأنت في سريّة فأجنبنا فلم نجد ماءً، فأمّا أنت فلم تصلّ وأمّا أنا فتمعّكت (4) في التراب وصلّيت، فقال النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله: «إنّما يكفيك أن تضرب بيديك الأرض ثمّ تنفخ ثمّ تمسح بهما وجهك وكفّيك»؟! فقال عمر: اتّق الله يا عمّار! قال: إن

____________________

(1) تذكرة الخواصّ: 65.

(2) كتاب السّقيفة لسليم بن قيس: 139.

(3) السقيفة، لسليم بن قيس: 138.

(4) تمعّك: أي تمرّغ بالتّراب.

 


الصفحة 370

شئت لم أحدّث به! وله صور أخرى قريبة منه في اللّفظ والمعنى (1).

ولعلّ الّذي حمل عمر على ذلك هو اجتهاده على عهد النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، إذ لم يصلّ وهو مجنب، فشقّ عليه أن يرجع عنه بعد وفاة النّبيّ! إلاّ أنّ سنّة النّبيّ فيه واضحة ولم يرد ما يرفع الحكم. وورد التيمّم في موردين من القرآن ولم ينسخه: (وَإِن كُنتُم مَرْضَى‏ أَوْ عَلَى‏ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنكُم مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمّمُوا صَعِيداً طَيّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ) (2) وقوله تعالى: ( وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطّهّرُوا وَإِن كُنتُم مَرْضَى‏ أَوْ عَلَى‏ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنكُم مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمّمُوا صَعِيداً طَيّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِنْهُ) (3)

 

النهي عن المتعة

شرّع الله تعالى المتعة وأنزل فيها بياناً: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنّ فَآتُوهُنّ أُجُورَهُنّ) (4).

ذكر جمعٌ أنّها في المتعة، أو ما يمكن تسميته بالزواج الموقّت، تجد ذلك في:

1 - مسند أحمد بن حنبل 5: 603 حديث 19406 عن عمران بن حصين، وحديثه: «نزلت آية المتعة في كتاب الله تبارك وتعالى، وعملنا بها مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، فلم تنزل آية تنسخها ولم ينه عنها النّبيّ حتّى مات».

وفي مسند أحمد - مسند أبي سعيد الخدريّ، قال: كنّا نتمتّع بالثّوب حتّى منع عمر.

وأيضاً أحمد، عن عبد بن شقيق - عبد الله بن شقيق العقيليّ، وثّقة أحمد، وابن معين، والعجليّ، وابن حبّان، وأبو حاتم: تاريخ الثّقات للعجليّ 261 / 824، التاريخ الكبير 3: 1 / 116، الثّقات 5: 10، التهذيب 5: 253، قال: كان عثمان ينهى عن المتعة، وعليّ

____________________

(1) سنن أبي داود 1: 53؛ صحيح مسلم 1: 110؛ سنن ابن ماجة 1: 200؛ صحيح البخاريّ 1: 129 ح سنن النّسائيّ 1: 59، 61؛ سنن البيهقيّ 1: 209؛ تيسير الوصول 3: 98؛ عمدة القاري شرح صحيح البخاري 2: 172؛ مسند أحمد 4: 265؛ فتح الباري 2: 172.

(2) النّساء / 43.

(3) المائدة / 6.

(4) النساء / 24.

 


الصفحة 371

يأمر بها، فقال عثمان لعليّ كذا وكذا، ثمّ قال عليّ: لقد علمت أنّا قد تمتّعنا مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، فقال: أجل، ولكنّا كنّا خائفين»! مسند أحمد 1 / 156 / 758.

والعجب كلّه! فعثمان يتمتّع ويخاف، فمن أيّ يخاف؟ هل لعلمه أنّ في القوم من يكره حكم الله تعالى، ولا يظهره ما زال النبيّ بينهم؟ وما وجه الكراهة هذا؟

وعن مروان بن الحكم قال: شهدت عليّاً وعثمان بين مكّة والمدينة، وعثمان ينهى عن المتعة وأن يجمع بينهما، فلمّا رأى ذلك عليّ أهلّ بهما، لبّيك بعمرةٍ وحجّ معاً، فقال عثمان: تراني أنهى النّاس عنه وأنت تفعله! قال: لم أكن أدع سنّة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لقول أحد من النّاس. - مسند أحمد 1 / 219 / 1143.

2 - تفسير الطّبريّ 5: 9 عن ابن عبّاس، وأبيّ بن كعب، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وغيرهم.

3 - سنن البيهقيّ 7: 205، عن ابن عبّاس.

4 - تفسير البغويّ 1: 423 وقال: وعن عامّة أهل العلم أنّها منسوخة.

5 - تفسير الكشّاف للزمخشريّ 1: 498 قال: وعن ابن عبّاس هي محكمة، يعني لم تنسخ. روى شعبة عن الحكم - الحكم بن عتيبة الكنديّ، ثقة، ثبت في الحديث، من فقهاء أصحاب إبراهيم النخعيّ، وكان صاحب سنّة واتّباع، روى عنه؛ الأعمش، وشعبة. تاريخ الثّقات 126 / 315، تاريخ ابن معين 2: 125، الثّقات لابن حبّان 4: 144، التاريخ الكبير 1: 2 / 230 - عن هذه الآية: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنّ) أمنسوخة هي؟ قال: لا. قال الحكم: قال عليّ كرّم الله وجهه: لو لا أنّ عمر نهى عن المتعة ما زنى إلاّ شقيّ.

6 - أحكام القرآن للجصّاص 2: 178 عن عدّة.

7 - تفسير القرطبيّ المالكيّ 5: 130 وفيه: وقال الجمهور: المراد نكاح المتعة الذي كان في صدر الإسلام.

8 - تفسير الرازيّ 3: 130. قال: قال الجمهور: إنّها في المتعة.

9 - تفسير ابن كثير 1: 474 عن جماعة من الصّحابة والتّابعين.

10 - تفسير أبي السّعود 3: 251.

 


الصفحة 372

11 - تفسير مقاتل بن سليمان 1: 224، قال: ثمّ ذكر المتعة فقال: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنّ) إلى أجل مسمّى....

12 - تفسير عبد الرزّاق الصنعانيّ «تفسير القرآن العزيز» 1: 153 / 552، قال: أنبأنا معمر، عن الحسن، في قوله: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنّ)، قال: هو النكاح.

ومضى التشريع فعمل به الصّحابة على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وأبي بكر وردحاً من عهد عمر، ثمّ حرّمها عمر وهدّد بالعقوبة والرّجم لمن يأتي بها. صحيح مسلم 1: 395 - 396، ومسند أحمد 3: 356، 4: 436، والموطّأ لمالك 2: 542؛ وسنن البيهقيّ 7: 206 وتفسير الطبريّ 5: 9، وتفسير القرطبيّ 5: 130 - وفيه: وروى عطاء عن ابن عبّاس قال: ما كانت المتعة إلاّ رحمة من الله تعالى رحم بها عباده، ولو لا نهي عمر عنها ما زنى إلاّ شقيّ - وتفسير الرّازيّ 3: 201، والنّهاية لابن الأثير 2: 249، وفتح الباري 9: 141، وتاريخ الخلفاء للسيوطيّ: 93.

تلك بعض من الاجتهادات قبال النصّ الشّرعيّ، وليس منها شيء في صراط أهل البيت عليهم السلام؛ فهم صراط الله المستقيم الّذي تمسّك به شيعة أهل البيت عليهم السلام.

وحان الآن أن ننظر نظرةً عجلى إلى نشأة الشّيعة، وهل لهذه التسمية أصل في الشّريعة أم هي من ابتداع المبتدعة المتأخّرين؟ أو أنّ الشيعة مثل غيرهم في أحسن الأحوال: أتباع رجال جدّوا في الفقه وعلوم الشريعة فاجتهدوا، فنسب أتباعهم إليهم وتسمّوا بأسمائهم فظهرت بذلك المذاهب والفرق؟

 

نشأة الشّيعة

ولدت الشّيعة مع ولادة الدّعوة الإسلاميّة المباركة، ولذا جاز لنا القول: إنّ الشّيعة بذرة أنبتها الله تعالى، فهم وأهل البيت توأمان. وأوّل من شايع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله هو عليّ عليه السلام، فما زال النّبيّ يتعهّده وينشأه نشأةً إلهيّة خاصّة، ويقرأ على مسامع القوم ما نزل فيه وأهل بيته، ويصرّح بفضائله والدعوة إلى مولاته، فأخبت لذلك الجيل المخلص، وظهرت طلائع الشّيعة على عهده صلى‌الله‌عليه‌وآله.

 


الصفحة 373

إنّ الإجماع منعقد على أنّ عليّاً عليه السلام لم يداخله شرك ولا كفر - ولو لحظةً واحدة - لينتقل منه إلى إيمان كما وقع لغيره وقد تكلّمنا عليه بما فيه كفاية في فصول سبقت، ولذا قالوا عنه: «كرّم الله وجهه» لهذا المعنى، ولم يقولوا مثله لغيره - وهو أوّل من أسلم وأمضى مع النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله سنين عدّة يصلّيان حتّى دخل في الإسلام غيره، وتكلّمنا عليه. وكان يشهد الوحي ويسمع صوته، وتناولته يد العناية الإلهيّة منذ أول الصّيرورة، فكان سبباً لعصمة أمّه وهو في بطنها من أن تسجد لصنم، ومن رحمها إلى رحم الكعبة إذ ولد فيها وما ولد فيها أحد غيره. ثمّ نقلته يد الرّحمن إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ينهله من خلقه الحميد. وهذه مفردات نحسب أنّنا وفّينا بعض حقّها سابقاً، وذكرناها هنا مجملاً، للتذكير ولأجل أن نقول: فبات عليّ هو المرشّح لخلافة النّبيّ القياديّة والفكريّة، وهو أمر يعسر على شيوخ قريش إذ يرون فتى الإسلام قد تقدّمهم!

 

حديث الدّار

«لما نزل قوله تعالى (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) (1) دعا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بني عبد المطّلب - وهم يومئذٍ أربعون رجلاً - وصنع لهم طعاماً فلمّا أكلوا وشربوا تكلّم فيهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، فقال: يا بني عبد المطّلب، إنّي والله ما أعلم شابّاً في العرب جاء قومه بأفضل ممّا جئتكم به، إنّي قد جئتكم بخير الدّنيا والآخرة، وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه... فأيّكم يوازرني على هذا الأمر، على أن يكون أخي ووصيّي وخليفتي فيكم؟ فأحجم القوم عنها جميعاً إلاّ عليّاً قال: أنا يا نبيّ الله. ثمّ أعادها ثانيةً وثالثةً، ولم يجبه أحد منهم إلاّ عليّ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا». فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع (2)!

____________________

(1) الشعراء / 214.

(2) تاريخ الطّبريّ 2: 63؛ مختصر تاريخ ابن عساكر 17: 311. ويرد الحديث بعدّة ألفاظ متقاربة من عدّة طرق في المصدرين السّابقين، وتجدها في: مسند أحمد 1: 111؛ الفضائل، له: 91؛ تفسير الحبريّ: 348؛ الخصائص للنّسائيّ: 86؛ تفسير الطبريّ 19: 74؛ شواهد التنزيل 1: 420 - 424؛ شرح نهج البلاغة للمعتزليّ =

 


الصفحة 374

وهكذا كانت نشأة التشيّع سليمة في رحم الإسلام، وولدت الشّيعة ولادة طبيعيّة في حضن الدّعوة الإسلاميّة في أيّامها الأولى وكان «حديث الدّار» بمثابة إعلان تشريعيّ للتشيّع ونواة للشّيعة ثمّ توالت أحاديث: الثّقلين، وحدث المنزلة، وحديث الغدير، تكريساً لذلك. فهي والحال هذه ليست ابتكار مبتدع ولا مذهباً انفجر بعد غياب النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله.

 

الشّيعة في السّنّة الشّريفة

إنّ أوّل من نطق بكلمة «الشّيعة» هو رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، أطلقها على من شايع عليّاً عليه السلام، وقرنهم وإيّاه بالفوز، وأنّهم خير البريّة الّذين ذكرهم القرآن الكريم وبشّرهم بخير الآخرة، وسمّاهم تارة: شيعة عليّ، وأخرى حزبه، وغير ذلك من المفردات المرادفة لمعنى الشّيعة. فإذا كان ثمّة إشكال على التسمية؛ فالأولى أن يوجّه ذلك إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله إذ هو الّذي سمّاهم كذلك.

ولم تكن كلمة (شيعة غريبة على أذهان العرب، ولذا فهموا المقصود منها لما أنزل الله تعالى بها قرآناً: (وَإِنّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ) (1) أي أنّ إبراهيم النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله من شيعة نوح النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، بدليل الآيات التي قبلها، إذ هي في صدد الحديث عن نوح. وقوله تعالى في قصّة موسى عليه السلام: (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى‏ حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هذَا مِن شِيعَتِهِ وَهذَا مِنْ عَدُوّهِ) (2).

وهذه قبسات من أحاديث النّور ترد فيها لفظة الشّيعة:

عن ابن عبّاس قال: لما نزلت هذه الآية (إِنّ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ

____________________

= 3: 254؛ الكامل في التاريخ 2: 41؛ تفسير ابن كثير 3: 351؛ كنز العمّال 15: 115؛ السّيرة الحلبيّة 1: 286؛ ينابيع المودّة: 105؛ علل الشّرائع للصدوق 1: 170؛ سعد السعود: 105 - 106.

(1) الصافّات / 83.

(2) القصص / 15.

 


الصفحة 375

الْبَرِيّةِ) (1)، قال: رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لعليّ: هو أنت وشيعتك تأتي يوم القيامة أنت وهم راضين مرضيين، ويأتي أعداؤك غضاباً مقمحين» (2).

وعن أمير المؤمنين عليّ عليه السلام قال: حدّثني رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله - وأنا مسنده إلى صدري - فقال: أي عليّ، ألم تسمع قول الله تعالى: (إِنّ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيّةِ)؟! أنت وشيعتك، وموعدي وموعدكم الحوض إذا جثت الأمم للحساب تدعون غرّاً محجّلين».

وعن مجاهد في قوله تعالى: (أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيّةِ)، قال: هم عليّ وأهل بيته ومحبّوهم. ومحبّتهم عليهم السلام ليست محض عاطفة لأنّهم أهل بيت النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وإنّما هي أيضاً للخصوصيّات الّتي تعرّفنا على بعضها، وهي غير موجودة في غيرهم ومحبّتهم لا يصدّقها إلاّ العمل بسنّتهم، وهذا هو التشيّع الّذي لا يرضون من أحد أن يتسمّى بأنّه شيعيّ إلاّ به، وسنذكر أحاديث في ذلك.

وعن جابر بن عبد الله الأنصاريّ: كنا عند النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، فأقبل عليّ بن أبي طالب، فقال النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله: «قد أتاكم أخي. ثمّ التفت إلى الكعبة فضربها بيده، ثمّ قال: والّذي نفسي بيده إنّ هذا وشيعته هم الفائزون يوم القيامة» (3).

وكان سلمان يقول: يا معشر المؤمنين، تعاهدوا ما في قلوبكم لعليّ صلوات الله عليه؛ فإنّي ما كنت عند رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قطّ، فطلع عليّ، إلاّ ضرب النّبيُّ بين كتفيّ ثمّ قال: «يا سلمان، هذا وحزبه هم المفلحون» (4).

والحزب، والشّيعة، والأمّة، جند الرجل وأصحابه الّذين هم على رأيه... يرادف بعضها بعضاً.

____________________

(1) البيّنة / 7.

(2) ذكرنا مصادر هذا الحديث وما بعده في فصل «ما نزل في أهل البيت من القرآن».

(3) خرّجناه ومصادره في فصل «ما نزل من القرآن في أهل البيت».

(4) تفسير الحبريّ: 232؛ تفسير الطبريّ 30: 146؛ حلية الأولياء 1: 66؛ شواهد التنزيل 1: 70؛ بشارة المصطفى 187؛ أمالي الصدوق: 294؛ مختصر تاريخ دمشق 18: 14؛ الأمالي الخميسيّة 1: 3؛ خصائص الوحي المبين 213.

 


الصفحة 376

عن عليّ عليه السلام قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: (شجرة أنا أصلها، وعليّ فرعها، والحسن والحسين ثمرها، والشّيعة ورقها. فهل يخرج من الطيّب إلاّ الطيّب؟» (1).

فمن عاب الورق من الشجرة عاب أصلها! والحديث يؤكّد الّذي قلناه من أنّ الشّيعة بذرة أنبتها الله تعالى، فهم وأهل البيت توأمان من أهل واحد لا يعطي إلاّ طيّباً.

عن عليّ قال: قال لي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله:

«أنت وشيعتك في الجنّة» (2).

وأخرج ابن عساكر بسنده عن القاسم بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمّد، عن أبيه محمّد بن عبد الله، عن أبيه عبد الله بن جعفر بن محمّد، عن أبيه محمّد بن عليّ، عن أبيه عليّ بن الحسين، عن أبيه الحسين بن عليّ، عن أبيه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «يا عليّ، إذا كان يوم القيامة يخرج قوم من قبورهم، لباسهم النّور، على نجائب من نور، أزمّتها يواقيت حمر، تزفّهم الملائكة إلى المحشر». فقال عليّ: تبارك الله! ما أكرم هؤلاء على الله! قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «يا عليّ، هم أهل ولايتك وشيعتك ومحبّوك، ويحبّونك بحبّي، ويحبّونني بحبّ الله، هم الفائزون يوم القيامة» (3).

وعن عليّ قال: شكوت إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله حسد النّاس لي، فقال: «يا عليّ، أما ترضى أنّ أوّل أربعة يدخلون الجنّة: أنا وأنت والحسن والحسين، وأزواجنا عن أيماننا وشمائلنا، وذرارينا خلف أزواجنا، وأشياعنا من ورائنا؟» (4).

وعن أمّ سلمة قالت: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «أبشر يا عليّ، أنت وأصحابك في الجنّة. أبشر يا عليّ، أنت وشيعتك في الجنّة» (5).

وعن أبي سعيد الخدريّ قال: قال: رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «إنّ عن يمين العرش كراسي من

____________________

(1) مختصر تاريخ دمشق 18: 17.

(2) نفس المصدر 17: 384.

(3) مختصر تاريخ ابن عساكر 17: 384.

(4) مختصر تاريخ دمشق 17: 381؛ تفسير الزمخشريّ 4: 172؛ كفاية الطّالب 326؛ الصواعق المحرقة 96؛ نور الأبصار 100.

(5) مختصر تاريخ دمشق 17: 385.

 


الصفحة 377

نور، عليها أقوام تتلألأ وجوههم نوراً». فقال أبو بكر: أنا منهم يا نبيّ الله؟ قال: «أنت على خير». فقال عمر: يا نبيّ الله أنا منهم؟ فقال مثل ذلك، ولكنّهم قوم تحابّوا من أجلي، وهم هذا وشيعته - وأشار بيده إلى عليّ بن ابي طالب» (1).

ما أشبه جواب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله للشيخين - إذ سألاه أن يكونا في تلك الطّائفة الّتي نالت أعلى مراتب الرّحمة والكرامة، فأجابهما أنّهما ليسا منها ولكنّهما على خيرٍ - بجوابه لأمّ سلمة أن تكون مع عليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، تحت الكساء، فنحّاها النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله قائلاً: «إنّك على خير»!

وبسند عن أبي جعفر الباقر عليه السلام في قوله تعالى: (وَبَشّـرِ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ) (2) الآية. قال عليه السلام: «عليّ والأوصياء من بعده وشيعتهم» (3). عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «لما أدخلت الجنّة رأيت فيها شجرة تحمل الحليّ والحلل، أسفلها خيل بلق، وأوسطها حور عين، وفي أعلاها الرّضوان قلت: يا جبرئيل، لمن هذه الشّجرة؟ قال: هذه لابن عمّك أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب؛ إذا أمر الله الخليقة بالدخول إلى الجنّة يؤتى بشيعة عليّ حتّى ينتهى بهم إلى هذه الشّجرة، فيلبسون الحليّ والحلل ويركبون الخيل البلق وينادي منادٍ: هؤلاء شيعة عليّ بن أبي طالب، صبروا في الدّنيا على الأذى، فحبوا (4) اليوم» (5).

عن أنس قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «إذا كان يوم القيامة ينادون عليّ بن أبي طالب بسبعة أسماء: يا صدّيق، يا دالّ، يا عابد، يا هادي، يا مهديّ، يا فتى، يا عليّ؛ مرّ أنت وشيعتك إلى الجنّة بغير حساب» (6).

____________________

(1) مختصر تاريخ دمشق 17: 384.

(2) البقرة / 25.

(3) تفسير فرات 4 - 5.

(4) حباه: أعطاه، ومنه الحباء أي العطيّة.

(5) مائة منقبة لابن شاذان: 171 حديث 96، والمناقب للخوارزميّ: 73.

(6) المناقب للخوارزميّ: 319؛ مائة منقبة: 150 حديث 83.

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة