الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة 316

وتتواصل حلقاتها في التّابعين وتابعي التّابعين إلى يومنا. ولم يخل قرن من شعراء ومؤرّخين أشادوا بيوم الغدير.

وهذه طائفة من مشاهير التّابعين: حبيب بن أبي ثابت الأسديّ، سعيد بن جبير، سعيد ابن المسيب، سلمة بن كهيل الحضرميّ، عبد الرّحمن بن أبي ليلى، سليم بن قيس الهلاليّ العامريّ، عبد الله بن شريك العامريّ، الضحّاك بن مزاحم الهلاليّ، سهم بن الحصين الأسديّ، عبد الله بن محمّد بن عقيل الهاشميّ، عديّ بن ثابت الأنصاريّ الخطميّ، عطيّة ابن سعد بن جنادة، طاووس بن كيسان اليمانيّ الجنديّ، سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب، أبو مريم زرّ بن حبيش الأسديّ، زيد بن يثيع، عامر بن سعد بن أبي وقّاص، عبد الحميد بن المنذر بن الجارود العبديّ، أبو مريم عبد الله بن زياد الأسديّ، عبد الله بن أسعد بن زرارة الأنصاريّ، عبد الله بن يعلى بن مرّة الثقفيّ، عمر بن عبد العزيز الخليفة الأمويّ، عليّ بن زيد بن جدعان البصريّ، محمّد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب، مصعب ابن سعد بن أبي وقّاص، المطّلب بن عبد الله بن حنطب القرشيّ المخزوميّ، مهاجر بن مسمار الزّهريّ، أبو عبد الله ميمون البصريّ مولى عبد الرّحمن بن سمرة، نذير الضّبيّ الكوفيّ، فطر بن خليفة المخزوميّ، يحيى بن جعدة بن هبيرة المخزوميّ، عيسى بن طلحة ابن عبيد الله التيميّ، طلحة بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله التيميّ، الحسن بن الحكم النخعيّ الكوفيّ، مسعر بن كدام الهلاليّ الرّواسيّ، معمّر بن راشد الأزديّ البصريّ، حمّاد ابن سلمة البصريّ، مسلم بن صبيح الهمدانيّ الكوفيّ، عبد الملك بن مسلم الملائيّ، يزيد ابن أبي زياد الكوفيّ، هاني بن هاني الهمدانيّ الكوفيّ، أبو نجيح يسار الثّقفي، يزيد بن حيّان التيميّ الكوفيّ، يزيد بن عبد الرحمن الأوديّ، عمرو بن جعدة بن هبيرة، أبو إسحاق عمرو بن عبد الله السّبيعيّ، عمرو بن ميمون الأوديّ، عبد الرّحمن بن سابط الجمحيّ، أبو راشد الحبرانيّ الشّاميّ، عبد الله بن عبد الرّحمن بن عوف، اصبغ بن نباتة التميميّ، أبو ليلى الكنديّ ن الحسين بن مالك بن الحويرت، حكم بن عتيبة الكنديّ، حميد الطّويل أبو عبيدة ابن ابي حميد البصريّ، حميد بن عمارة الأنصاريّ، أبو صالح السمّان ذكوان المدنيّ مولى جويريّة الغطفانيّة ن خيثمة بن عبد الرّحمن الجعفيّ، ربيعة الجرشيّ، رياح بن

 


الصفحة 317

الحارث النخعيّ، قبيصة بن ذؤيب، - يحيى بن سليم الفزاريّ الواسطيّ، شهر بن حوشب، سليمان بن مهران الأعمش.

أمّا الرّواة من العلماء على امتداد القرون المتعاقبة، فحدّث ولا حرج. وقد أصفقت كلمتهم فكانت إجماعاً على نصب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بأمر الله تعالى عليّاً عليه‌السلام وليّاً لأمر المسلمين وأميراً تجب طاعته، وأنّ الله عدوّ من عادى عليّاً، وذلك يوم عيد الغدير الأغرّ.

وأكثر المصادر ذكرت حديث الغدير في صفحات متعدّدة، ومنها ما كان مؤلّفاً من أجزاء كثيرة فذكره في أكثر أجزائه، وقد أكتفينا بذكر مورد واحد من كلّ مصدر، وللمتابع الرّجوع إليها، إن أراد المزيد.

مصادر حديث الغدير:

كتاب صفّين، نصر بن مزاحم ك 186.

وقعة صفّين، نصر بن مزاحم: 186.

مسند أحمد بن حنبل 1: 118، 4: 370، 5: 366.

صحيح مسلم 2: 325، 15: 179.

المعارف لابن قتيبة: 291، والإمامة والسياسة له: 93.

سنن ابن ماجة 1: 28، وغيرها.

سنن الترمذيّ 2: 298 ن 5: 297.

أنساب الأشراف للبلاذريّ 2: 108 - 112.

تفسير الحبريّ: 262.

تفسير العيّاشيّ 1: 331 ت 334.

خصائص أمير المؤمنين عليه‌السلام، للنّسائيّ 7، وغيرها.

تفسير الطّبريّ 3: 428.

مشكل الآثار للطحاويّ الحنفيّ 2: 307.

العقد الفريد، لابن عبد ربّه 2: 275، 3: 42.

مروج الذّهب، للمسعوديّ 2: 11.

 


الصفحة 318

كتاب الأغاني، لأبي الفرج الأصفهانيّ 7: 263، وغيرها.

المعجم الصّغير للطّبرانيّ 1: 64 - 65.

تفسير الثعلبيّ، «الكشف والبيان» 4: 92.

المستدرك على الصّحيحين، للحاكم النيسابوريّ 3: 109 ومواضع منه كثيرة.

محاضرات الأدباء، للرّاغب الأصفهانيّ، أو الأصبهانيّ 4: 463.

تاريخ بغداد للخطيب البغداديّ 12: 344، 5: 474، 7: 377، 8: 290، 14: 236.

الاستيعاب لابن عبد البرّ القرطبيّ، بهامش الإصابة لابن حجر 3: 64.

اسباب النزول للواحديّ النيسابوريّ: 135.

تفسير فرات الكوفيّ: 38.

مناقب الإمام عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام لابن المغازليّ الشّافعيّ: 16 - 27.

شواهد التنزيل للحاكم الحسكانيّ الحنفيّ 1: 190.

الأمالي الخميسيّة للمرشد بالله الشجري (ج 1 ص 5، وغيرها).

مصابيح السّنة للبغويّ الشّافعيّ 2: 199.

المناقب للموفّق بن أحمد الخوارزميّ الحنفيّ: 154 - 157.

صفة الصفوة لأبي الفرج ابن الجوزيّ  1: 121.

التفسير الكبير للفخر الرّازيّ 3: 636.

معجم الأدباء لياقوت الحمويّ 18: 84.

تذكرة الخواصّ، لسبط ابن الجوزيّ: 35 - 40.

شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 1: 289، 2: 273.

سعد السّعود لابن طاووس: 69 - 73.

كفاية الطّالب للگنجيّ الشّافعيّ: 56 - 62.

الرّياض النّضرة لمحبّ الدّين الطّبريّ 2: 161، وغيرها.

ذخاير العقبى، له: 67.

 


الصفحة 319

العمدة في عيون صحاح الأخبار لابن البطريق: 53.

مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر، اختصار ابن منظور 17: 352 - 359.

فرائد السمطين للجوينيّ الشّافعيّ 1: 171.

تهذيب الكمال للمزّيّ 20: 484.

التلخيص للذّهبيّ هامش المستدرك على الصحيحين للحاكم 3: 109، الموارد الأخرى منه وقد وافقه فيها.

ميزان الاعتدال للذّهبيّ 1: 115، 2: 303، 3: 224.

البداية والنهاية لابن كثير 2: 246، 3: 340، 5: 209، 7: 347.

تفسير النيسابوريّ 6: 194.

مجمع الزّوائد للهيثميّ 9: 103 وغيرها.

أسنى المطالب للجزريّ الشّافعيّ: 48 - 51.

تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلانيّ 1: 391، 7: 337.

الإصابة لابن حجر 2: 509، والصّواعق المحرقة، له: 25 وغيرها.

الفصول المهمّة لابن الصبّاغ المالكيّ: 25.

عمدة القاري للعينيّ 8: 584.

تاريخ الخلفاء للسيوطيّ: 114 وغيرها والدرّ المنثور، له 2: 259، وغيرها.

مطالب السؤول لابن طلحة الشّافعيّ: 16 وغيرها.

كنز العمّال للمتّقي الهنديّ 11: 608 - 610، وغيرها.

الخطط للمقريزيّ 2: 222.

كنوز الحقائق لعبد الرؤوف المناويّ الشّافعيّ: 147.

السّيرة الحلبيّة لبرهان الدّين الحلبيّ 3: 302.

شرح المواهب اللّدنيّة للزرقانيّ المالكيّ 7: 13.

ينابيع المودّة للقندوزيّ الحنفيّ: 30 - 34.

نور الأبصار للشبلنجيّ: 159.

 


الصفحة 320

المناقب الثلاثة للبلخيّ الشّافعيّ: 19 - 21.

غاية المرام: 334.

- مناقب ابن شهر آشوب 3: 21.

- مقتل الحسين للخوارزميّ 47.

- خصائص امير المؤمنين عليه‌السلام للنّسائيّ: 85.

- أمالي الطوسيّ، المجلس 10 / 47.

- العلل الواردة في الأحاديث النبويّة: للدار قطنيّ 3 / 224 / 375.

- تاريخ الإسلام للذهبيّ 3 / 628 و 629 و 631.

- فضائل عليّ بن أبي طالب - باب ما نزل في عليّ من القرآن: 340 / 573.

- نزل الأبرار للبدخشيّ: 21.

- مجمع البيان للطبرسيّ 3: 223.

- خصائص الوحي المبين لابن البطريق: 210.

- العمدة في عيون صحاح الأخبار، لابن البطريق أيضاً: 152.

- المصنّف لابن أبي شيبة 7: 499 و 503 و 504.

- الشّفا للقاضي عياض: 31.

- مناقب امير المؤمنين عليّ: محمّد بن سليمان الكوفيّ ج 1 و ج 2.

قوله تعالى: (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَيَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ) (1).

إحدى المناقب في السّيرة العلويّة ينطق بها الوحي، شهادةً من عند الله تعالى لعليٍّ عليه‌السلام، وأنّه فوق غيره في الإيمان والجهاد. والآية المباركة فيها ردّ على أولئك الّذين يفخرون بأنّهم يعمرون المسجد الحرام ويقومون على خدمة الحاجّ، وهم مع ذلك مشركون بالله عزّ وجلّ، فردّهم سبحانه بأنّهم غير جديرين بهذا الأعمال، وذلك في قوله:

____________________

(1) التوبة / 19.

 


الصفحة 321

(مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللّهِ شَاهِدِينَ عَلَى‏ أَنْفُسِهِم بِالْكُفْرِ أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النّارِ هُمْ خَالِدُونَ) التوبة / 17. كما أعلن سبحانه عن ميراث من هو أولى بتعاهد المسجد الحرام، فقال: (إِنّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصّلاَةَ وَآتَى الزّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلّا اللّهَ ) التوبة / 18.

فحصر عمارة مساجد الله بمن له هذه النّعوت؛ وكلّ ذلك متحقّق في أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام، فهو أوّل من آمن بالله تعالى، وصدّق نبيّه صلوات الله عليه وآله، وأعدّ للآخرة عدّتها من العمل الصالح واليقين التّامّ، وأعطى الزكاة وهو راكع، ولم يخش إلاّ الله تعالى. ولذلك لم يكن يكعّ عن خوض لهوات الرّدى وتورّط الشّدائد في سبيل الله، فهو على بيّنة من ربّه وعلى صراط مستقيم، انتهى به إلى أعظم الدّرجات عند الله تعالى.

ومضى الوحي في سرد السّيرة العلويّة، قال: (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَيَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَيَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ ) التوبة / 19.

إنّه حتّى لو مكنّت الأحوال بعضكم من خدمة الحاجّ وسقايته ومن عمارة المسجد الحرام والإنفاق عليه - وهي أمور تفخرون بها - فإنّها ليست بمستوى الإيمان بالله واليوم الآخر، وإنّ المجاهد في سبيل الله أعظم منزلة وأعلى عند الله رتبة منكم.

قال الطبريّ: وهذا اقتضاء من الله بين فرق المفتخرين الّذين افتخروا بالسقاية «العبّاس» والآخر بالسدانة «شيبة»، والآخر بالإيمان بالله والجهاد في سبيله «عليّ». يقول تعالى ذكره: (الَّذِينَ آمَنُوا) بالله: صدقوا بتوحيده من المشركين، (وَهَاجَرُوا) دور قومهم، (وَجَاهَدُوا) المشركين في دين الله (بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّـهِ)، و أرفع منزلة عنده من سقاة الحاجّ وعمّار المسجد الحرام وهم بالله مشركون (وَأُولَـٰئِكَ) يقول: وهؤلاء الذين وصفنا صفتهم أنّهم آمنوا وهاجروا وجاهدوا، و (هُمُ الْفَائِزُونَ) بالجنّة النّاجون من النّار. (تفسير الطبريّ 10 / 111 / 112).

أسباط عن السدّيّ: (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ...) الآية، قال: افتخر عليّ وشيبة بن عثمان، فقال العبّاس: أنا أفضلكم، أنا أسقي حجّاج بيت الله، وقال شيبة: أنا أعمر مسجد الله، وقال

 


الصفحة 322

عليّ: أنا هاجرت مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وأجاهد معه في سبيل الله، فأنزل الله (الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا ...) إلى (نَعِيمٌ مُّقِيمٌ) - التوبة 21، (تفسير الطبريّ 10 / 111).

وقوله تعالى: (مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ) خاصّ بعليّ عليه‌السلام. وقبل ذكر مصادر ذلك، نرى من الأفضل ذكر أسباب نزول الآيات، ذكر الواحديّ في أسباب النّزول: 163 قال: قال المفسّرون: لما أسر العبّاس يوم بدر أقبل عليه المسلمون يعيّرون بكفره بالله وقطيعة الرّحم، وأغلظ عليّ له القول، فقال العبّاس: ما لكم تذكرون مساوئنا ولا تذكرون محاسننا؟! فقال له عليّ: ألكم محاسن؟! قال: نعم، إنّا لنعمر المسجد الحرام، ونحجب الكعبة، ونسقي الحاجّ، ونفكّ العاني. فأنزل الله عزّ وجلّ ردّاً على العبّاس: (مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللّهِ) الآية.

وفي قوله تعالى: (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ)، عن أبي بصير عن أبي عبد الله الصادق عليه‌السلام: قال: إنّ أمير المؤمنين صلوات الله عليه قيل له: يا أمير المؤمنين أخبرنا بأفضل مناقبك؟ قال: نعم، كنت أنا وعبّاس وعثمان ابن أبي شيبة في المسجد الحرام، قال عثمان: أعطاني رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله الخزانة - يعني مفاتيح الكعبة - وقال العبّاس: أعطاني رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله السّقاية - وهي زمزم - ولم يعطك شيئاً يا عليّ. قال: فأنزل الله: ( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ). تفسير العيّاشيّ 2: 83، وتفسير البرهان 2: 110، والصافي 1: 688.

وقال الحسن والشّعبيّ والقرظيّ: نزلت الآية في عليّ والعبّاس وطلحة بن شيبة، وذلك أنّهم افتخروا، فقال طلحة: أنا صاحب البيت بيدي مفتاحه وإليَّ ثياب بيته. وقال العبّاس ك أنا صاحب السّقاية والقائم عليها. وقال عليّ: ما أدري ما تقولان! لقد صلّيت ستّة أشهر قبل النّاس، وأنا صاحب الجهاد. فأنزل الله تعالى هذه الآية. أسباب النزول للواحديّ 164، والفصول المهمّة 124 - 125 وزاد فيه: إلى أن قال: (الّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدَوا فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) (1).

____________________

(1) التوبة / 20.

 


الصفحة 323

وعن أنس أنّه قال: قعد العبّاس وشيبة صاحب البيت يفتخران، فقال له العبّاس: أنا أشرف منك، أنا عمّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، ووصيّ أبيه وساقي الحجيج فقال شيبة: أنا أشرف منك، أنا أمين الله على بيته وخازنه، أفلا ائتمنك كما ائتمنني؟ فهما على ذلك يتشاجران حتّى أشرف عليهما عليّ، فقال له العبّاس: إنّ شيبة فاخرني فزعم أنّه أشرف منّي. فقال: فما قلت له أنت يا عمّاه؟ قال: قلت: أنا عمّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، ووصيّ أبيه وساقي الحجيج، أنا أشرف منك. فقال لشيبة: ماذا قلت أنت يا شيبة؟ قال: قلت أنا أشرف منك، أنا أمين الله على بيته وخازنه، أفلا ائتمنك كما ائتمنني؟ قال: فقال لهما: اجعلاني معكما فخراً، قالا: نعم. قال: فأنا أشرف منكما، أنا أوّل من آمن بالوعيد من ذكور هذه الأمّة، وهاجر وجاهد. وانطلقوا ثلاثتهم إلى النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، فأخبر كلّ واحد منهم بمفخره، فما أجابهم النّبيّ بشيء فانصرفوا عنه، فنزل جبرئيل عليه‌السلام بالوحي بعد أيّام فيهم. فأرسل النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله إليهم ثلاثتهم، حتّى أتوه، فقرأ عليهم: (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ...) إلى آخر العشر - أي إلى آخر قوله تعالى: (يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِنّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هذَا) التوبة / 28. كفاية الطّالب: 238، والدرّ المنثور 3: 219، ومختصر تاريخ ابن عساكر 18: 9.

وللحديث طرق كثيرة عن أهل البيت عليهم‌السلام، وغيرهم من رجال الحديث والتفسير والرّجال، لا نذكرها لتشابه نصوصها وابتغاءً للإيجاز، ونكتفي بذكر مصادرها: تفسير الحبريّ 273، وتفسير العيّاشيّ: 83، وتفسير الثعلبيّ - مخطوط، عنه في العمدة في عيون صحاح الأخبار: 98، وغاية المرام: 362، وتفسير الطبريّ 10: 110 - 111، وأسباب النّزول للواحديّ: 164 وتفسير فرات 52، 54، 57، 58، ومناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ: 321، 322، والتفسير الكبير للفخر الرازي 4: 422، وكفاية الطّالب: 238، ومختصر تاريخ دمشق لابن عساكر 18: 8 - 9، وتفسير القرطبيّ 8: 91، وتفسير الخازن 2: 221، والفصول المهمّة: 125، وتفسير النّيسابوريّ 20: 55، وتفسير ابن كثير 2: 341، والدرّ المنثور للسيوطيّ 3: 218، ولباب النّقول، له: 115، وفتح القدير للشوكانيّ 2: 330، وجامع الأصول 9: 478، وينابيع المودّة: 93، ونور الأبصار: 157. و

 


الصفحة 324

تفسير القرآن العزيز: عبد الرزّاق الصنعانيّ 1: 243، والمصنّف: لابن أبي شيبة 7: 504 ح 61، وتفسير مقاتل بن سليمان 2: 40، والكشّاف: للزمخشريّ 2: 180، والبحر المحيط 5 / 20، وإعراب القرآن للنحّاس 2: 9».

قوله تعالى: (الّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدَوا فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ * يُبَشّرُهُمْ رَبّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ) (1).

في الآيتين توكيد من الله تعالى للصفات والحالات الّتي - يجب أن يكون عليها من يستحقّ عمارة مساجد الله، وهي: الإيمان والهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام، والجهاد في سبيل الله بالمال والنّفس، وشرح وتبيان للنتيجة المترتّبة على ذلك، وهي الفوز برضوان الله تعالى وهو النّعمة الكبرى، وجنّة نعيم غير منقطع.

وقيل في الآيتين إنّهما في عليّ عليه‌السلام خاصّةً. قاله الحبريّ في تفسيره: 274، وتفسير فرات: 52، وتفسير الطبريّ 10 / 111.

وقد مرّ من حديث أنس أنّ الله تعالى أنزل بعد المفاخرة بين القوم وعليّ عليه‌السلام من قوله (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) الآية، إلى آخر العشر: (الّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدَوا فِي سَبِيلِ اللّهِ) التوبة 28، كما في تاريخ ابن عساكر، وكفاية الطّالب. وقال بعضهم: إنّ الله تعالى أنزل: (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) الآية، إلى أن قال: (الّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدَوا فِي سَبِيلِ اللّهِ) (2).

والآية بعدها غير منفصلة عمّا قبلها، وإنّما هي في سياق تتميم نتيجة المؤمن المهاجر المجاهد من الأجر والثّواب. والآيات بجميعها في شأن عليّ عليه‌السلام وسيرته العطرة؛ فالّذي

____________________

(1) التوبة / 20 و 21.

(2) نفس المصدر 20.

 


الصفحة 325

هذا شأنه في القرآن فهو صراط إلى الله مستقيم تجب طاعته ومشايعته.

قوله تعالى: (يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا اتّقُوا اللّهَ وَكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ ) (1).

والآية خاصّة بأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام (2).

____________________

(1) نفس المصدر 119.

(2) في تفسير الحبريّ: 275 قال: وفي قوله: ( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا اتّقُوا اللّهَ وَكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ ) قال: نزلت في عليّ بن أبي طالب خاصّة.

وابن عساكر، عن أبي جعفر عليه‌السلام، في قوله تعالى: ( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا اتّقُوا اللّهَ وَكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ ) قال: مع عليّ بن أبي طالب. مختصر تاريخ دمشق 18: 10؛ تفسير فرات: 53؛ شواهد التنزيل 1: 259؛ المناقب للخوارزميّ: 280؛ كفاية الطّالب: 236؛  الدرّ المنثور 3: 290؛ غاية المرام: 248؛ البرهان 2: 170؛ فتح القدير 2: 395؛ جواهر العقدين 245.

وعن أبي سعيد الخدريّ، قال: لما نزلت هذه الآية التفت النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله فقال: أتدرون فيمن نزلت هذه الآية؟ قالوا: لا والله يا رسول الله ما ندري. فقال أبو دجانة: يا رسول الله، كلّنا من الصادقين قد آمنّا بك وصدّقناك. قال صلى‌الله‌عليه‌وآله -: «لا يا أبا دجانة، هذه نزلت في ابن عمّي خاصّة دون النّاس، وهو من الصّادقين». تفسير فرات: 56.

ويرد من طرق أخرى بألفاظ أخرى؛ فتارةً أنّه - أي مع الصّادقين - محمّد وعليّ عليهما‌السلام، وليس فيه منافاة ولا تعارض إذ صراط عليّ هو صراط النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، وصراط النّبيّ هو الصراط المستقيم؛ فصراط عليّ هو الصّراط المستقيم حقّاً.

عن الإمام جعفر الصّادق عليه‌السلام قال: (مَعَ الصّادِقِينَ) محمّد وعليّ. شواهد التنزيل 1: 260؛ غاية المرام: 248.

واُخرى أنّهم أهل البيت عليهم‌السلام، وعليّ أبوهم تذكرة الخواصّ: 25: قوله تعالى: (يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا اتّقُوا اللّهَ وَكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ) قال علماء السّير: معناه كونوا مع عليّ وأهل بيته. قال ابن عبّاس: عليّ سيّد الصّادقين.

وفي تفسير الثعلبيّ 5: 109: أخبرني عبد الله بن محمّد بن عبد الله عن محمّد بن عثمان بن الحسن، عن محمّد بن الحسين بن صالح، عن عليّ بن جعفر بن موسى، عن صندل بن والق، عن محمّد بن عمر المازنيّ ن عن الكلبيّ، عن أبي صالح عن عبّاس في هذه الآية: (مَعَ الصّادِقِينَ).

قال: مع عليّ بن أبي طالب وأصحابه».

وأصحاب عليّ عليه‌السلام الّذين هم معه على صراط محمّد وآل محمّد عليهم‌السلام فهم جميعاً ومن تبعهم بإحسان صراط الله المستقيم. =

 


الصفحة 326

والصّدق ملكة لا يلقّاها إلاّ ذو حظّ عظيم، فهي صدق في القول من حيث مطابقته للواقع والحقيقة، وهو أمر يشقّ على كثير وهم يواجهون مواقف صعبة إن صدقوا فيها ربّما لحقهم ضرر دنيويّ، ويجتازها الصّادق في النيّة ومحض الإيمان وصدق اليقين. وعليّ عليه‌السلام كان كذلك، وهو المجاهر بقوله: «لوكشف لي الغطاء ما ازددت يقيناً»، أي لو رأيت الله جهرة وعياناً ما زاد ذلك في إيماني وتصديقي به شيئاً؛ فقد أترع وجدانه الطّاهر بوجود الله تعالى وعظمته، فهو ليس محتاجاً أن يراه عياناً ويشير إليه في جهة كما زعم المبطلون؛ فأنزلوا واجب الوجود بمنزلة الممكنات!

وصدق الوجدان يظهر على صفحة صاحبه من حيث التضحية واقتحام الشّدائد، وهكذا كان أبو الحسنين عليّ عليه‌السلام، فلم تثنه الأهوال، ولم تفتّ من عضده الصّعاب وهو يخرج مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى شعاب مكّة وإلى الكعبة يصلّيان لا ثالث معهما إلاّ خديجة أحياناً، فلم يتهيّب غارة قريش، وإنّما مضى في مسيرته فدائيّاً للإسلام ونبيّه، فبات على فراش النّبيّ ليلة هجرته موطّناً نفسه على القتل، ومرّغ كبرياء قريش في سوح المواجهة،

____________________

= وانظر: بصائر الدرجات لابن فرّوخ الصفّار (ت 290 هـ) 31؛ كشف الغمّة 1: 429؛ مناقب ابن شهر آشوب 3: 111؛ أمالي الطوسيّ 2: 170؛ خصائص الوحي المبين 136؛ نظم درر السمطين: 91؛ فرائد السمطين 1: 370.

وفي تفسير العيّاشيّ 2: 116، عن أبي حمزة الثماليّ، قال: قال أبو جعفر عليه‌السلام: «يا أبا حمزة، إنّما يعبد الله من عرف الله، فأمّا من لا يعرف الله كأنّما يعبد غيره. قلت: اصلحك الله وما معرفة الله؟ قال: يصدّق الله ويصدّق محمّداً رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في موالاة عليّ والائتمام به وبأئمّة الهدى من بعده، والبراءة إلى الله من عدوّهم، وكذلك عرفان الله - قال: قلت أصلحك الله أيّ شيء إذا عملته استكملت حقيقة الإيمان؟ قال: توالي أولياء الله وتعادي أعداء الله، وتكون مع الصّادقين كما أمرك الله.قال: قلت: ومن أولياء الله ومن أعداد الله؟ فقال: أولياء الله محمّد رسول الله وعليّ والحسن والحسين وعليّ بن الحسين، ثمّ انتهى الأمر إلينا ثمّ ابني جعفر - وأومأ إلى جعفر وهو جالس - فمن والى هؤلاء فقد والى الله وكان مع الصّادقين كما أمره الله»، والحديث طويل. إنّ الأحاديث يعضد بعضها بعضاً، وكذلك آيات القرآن الكريم، فمن طهّرهم الله تعالى أولى أن يكونوا هم الصّادقين، ونحن ملزمون بحكم العقل السليم والأمر الإلهيّ أن نكون معهم، فصراطهم صراط الله المستقيم؛ فأين تذهبون؟! وكم تأفكون؟!

 


الصفحة 327

ولما دعا عمرو بن عبد ودّ عسكر المسلمين إلى البراز حتّى بحّ صوته، فما برز إليه إلاّ عليّ فجندله، ولم يجرؤ على رأس اليهود «مرحب». غير عليّ فقتله وقلع حصن خيبر ن فكان الفتح للمسلمين على يده وما زالت سيرته من ظفر إلى آخر، وما دوّن فيها عتاب لعليّ ولا لوم كشأن غيره حتّى مضى شهيداً. وما أن وقع السّيف على رأسه الشّريف حتّى هتف: «فزت وربّ الكعبة»!

إنّ سيرة عليٍّ تكشف عن صدقه وعصمته ورسوخ إيمانه. وممّا يتساوق مع قوله تعالى: (...وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ).

قوله تعالی: (وَالّذِي جَاءَ بِالصّدْقِ وَصَدّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتّقُونَ ) (1)

حبّان، عن الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، قوله: (وَالّذِي جَاءَ بِالصّدْقِ وَصَدّقَ بِهِ) رسول الله جاء بالصّدق، وعليّ صدّق به (2).

____________________

(1) الزّمر / 33.

(2) تفسير الحبريّ: 315.

وعن مجاهد قال: الّذي جاء: بالصّدق محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله، وصدّق به عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام. مختصر تاريخ دمشق 18: 9 - 10؛ مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ: 270؛ كفاية الطّالب: 233؛ العمدة لابن البطريق 184؛ البحر المحيط لأبي حيّان الأندلسيّ 7: 428؛ تفسير القرطبيّ 15: 256.

وذكر ابن مردويه، عن أبي جعفر عليه‌السلام: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ) محمّد. والّذي (وَصَدَّقَ بِهِ) عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام. «مناقب عليّ بن أبي طالب: ابن مردويه 315 ح 520؛ كشف الغمّة 1: 324؛ كشف اليقين: 299».

«وقال أبو الأسود وجماعة منهم مجاهد: الذي صدّق هو عليّ بن أبي طالب». المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، للقاضي عبد الحقّ بن غالب الأندلسيّ (ت 546 هـ) 4: 546.

وعن أبي هريرة في البحر المحيط، والدرّ المنثور 5: 328.

والمصدّق المتّقي الّذي نطق الوحي بسابقيّته وتقواه أولى بمشايعته فهو على صراط مستقيم يهدي شيعته إلى نعيم مقيم. ورواه ابن مردويه عن أبي هريرة كما في فضائل عليّ عليه‌السلام: 314 ح 518؛ روح المعاني للآلوسيّ 24: 3.

 


الصفحة 328

قوله تعالى: (أَفَمَن كَانَ عَلَى‏ بَيّنَةٍ مِنْ رَبّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ ) (1).

ما زال الوحي الكريم يطرّز سيرة عليّ عليه‌السلام آياتٍ باهرات من لدن عليم حكيم، يرتّلها المسلمون منذ تلقّوها من فم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وإلى قيام السّاعة، وهم يعلمون ويفخرون أنّ هذه الآية خاصّة بعليّ، أو هي مشتركة ولكن بين عليٍّ ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، فهما نفس واحدة خلقا من شجرة واحد والنّاس من أشجار شتّى، (وَلكِنّ الظّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ ) (2).

والآية ظاهرة في صدق عليّ وسابقيّة إسلامه ومعيّته لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، فهو بلك مع الحقّ والحقّ معه، ووجبت لذلك طاعته، فكان صراطه هو الصّراط المستقيم الّذي لا يقبل الله سبحانه غيره.

بسند عن حبّان، عن الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، قال: (أَفَمَن كَانَ عَلَى‏ بَيّنَةٍ مِنْ رَبّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ ): عليّ عليه‌السلام خاصّةً (3).

____________________

(1) هود / 17.

(2) الأنعام / 33.

(3) تفسير الحبريّ: 280 وذكره الحاكم الحسكانيّ في عدّة موارد في شواهد التنزيل 1: 275 وما بعد، والخوارزميّ في المناقب: 278، وفيه: قال ابن عبّاس: هو عليّ عليه‌السلام شهد للنّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وهو منه.

وذكر القرطبيّ في تفسيره 9: 16. وعن تفسير الثعلبيّ، برواية ابن عبّاس ذكرها سبط ابن الجوزيّ في تذكرة الخواصّ: 25 وقال: ذكر الثعلبيّ في تفسيره عن ابن عبّاس أنّه عليّ عليه‌السلام، ومعنى (وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ ) أنّه أقرب النّاس إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله.

وذكره ابن البطريق عن تفسير الثعلبيّ في العمدة: 100، البحرانيّ في غايةالمرام: 360؛ تفسير الثعلبيّ 5: 162؛ كنز العمّال 2: 439 / 4440 وجاء في تفسير الطبريّ 12: 21: «ذكر أنّه محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله وأنّه جبريل، وقال آخرون هو عليّ بن ابي طالب؛ قال صباح الفرّاء عن جابر عن عبد الله بن يحيى، قال: قال عليّ رضى الله عنه: ما من رجل من قريش إلاّ وقد نزلت فيه الآية والآيتان، فقال له رجل: فأنت أيّ شيء نزل فيك؟ فقال عليّ: أما تقرأ الآية الّتي نزلت في هود: (وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ ).

وعن عبد الله بن يحيى، عن ابن عبّاس، في تفسير الطبريّ 12: 11؛ تفسير فرات: 69؛ الدرّ المنثور 3: 324.

ومن شواهده عن أهل بيت العصمة عليهم‌السلام: =

 


الصفحة 329

عن زاذان (1)، قال: سمعت عليّاً عليه‌السلام يقول: «والّذي فلق الحبّة، وبرأ النّسمة لو ثنيت (2) لي وساد لحكمت بين أهل التّوراة بتوراتهم، وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم، وبين أهل الزّبور بزبورهم، وبين أهل الفرقان بفرقانهم، بقضاء يزهر، يصعد إلى الله. والله ما نزلت آية في ليل أو نهار ولا سهل ولا جبل ولا برٍّ ولا بحر إلاّ وقد عرفت أيّ ساعة نزلت وفي من نزلت. ما من قريش رجل جرّت عليه المواسي إلاّ أنا أعرف به، آية تسوقه إلى جنّةٍ

____________________

=

* رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله. سعد السّعود: 73 عن أبي النجار بإسناد إلى ابن مردويه، بإسناده إلى النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، قال: «إنّ الشّاهد منه عليّ». وفي منتخب كنز العمّال بهامش مسند أحمد بن حنبل 1: 449. عن ابن مردويه وابن عساكر، عن عليّ قال: قال رسول الله (أَفَمَن كَانَ عَلَى‏ بَيّنَةٍ مِنْ رَبّهِ): أنا (وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ): عليّ.

وفي كفاية الطّالب: 235 عن ضمرة، عن عطا، عن أبي إسحاق، عن الحرث، عن عليّ عليه‌السلام، قال قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «عليّ على بيّنة من ربّه، وأنا الشّاهد منه». ومثله في مختصر تاريخ دمشق 18: 10.

* أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام.

تفسير الحبريّ: 277 - 279 ح تفسير الثعلبيّ، وعنه في العمدة 100، وغاية المرام 360؛ إحقاق الحق للشهيد التستريّ 3: 353؛ تذكرة الخواصّ: 25؛ تفسير فرات: 64، 68، 69؛ تفسير العيّاشيّ 2: 142 - 143؛ شواهد التنزيل 1: 280؛ مصابيح السّنّة للبغويّ الشّافعيّ بهامش تفسير الخازن 3: 183؛ مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ: 270 - 271؛ الإتقان في علوم القرآن للسيوطيّ 2: 151.

ويرد عن الإمام الحسن بن عليّ عليهما‌السلام، والإمام محمّد الباقر عليه‌السلام وعن غير أهل البيت ن وكلّها تنتهي بعليّ عليه‌السلام.

(1) زاذان، أبو عمر الكنديّ، مولاهم. سمع عليّ بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وسلمان الفارسيّ...، قال يحيى بن معين: ثقه وقال الخطيب البغداديّ: كان ثقة. توفّي سنة اثنتين وثمانين. وقال ابن سعد: توفّي بالكوفة أيّام الحجّاج بعد الجماجم - وكانت الجماجم سنة 83 - وكان ثقة قليل الحديث. الطبقات الكبرى لابن سعد 6: 179؛ تاريخ بغداد 8: 487؛ مختصر تاريخ دمشق 8: 371. وقال العجليّ: سمع من عبد الله بن مسعود، ثقة.

(تاريخ الثّقات: العجليّ - 182 - 261 هـ -: 163 / 450).

وذكره ابن شاهين في الثّقات. (تاريخ أسماء الثّقات: ابن شاهين - 297 - 385 - 140 / 400». روى له البخاري في «الأدب» ومسلم في «صحيحه» والأربعة في سننهم: تهذيب الكمال 9: 263 / 400؛ تهذيب التهذيب 3: 302).

(2) في تفسير الحبريّ 277: لو كسرت.

 


الصفحة 330

وآية تسوقه إلى نار».

فقام رجل فقال: ما آيتك يا أمير المؤمنين الّتي نزلت فيك؟

قال: (أَفَمَن كَانَ عَلَى‏ بَيّنَةٍ مِنْ رَبّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ)؛ فرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله على بيّنة من ربّه وأنا الشّاهد منه أتلوه: أتبعه. والله لأن تعلمون ما خصّنا الله عزّ وجلّ به أهل البيت أحبّ إليّ ممّا على الأرض من ذهبة حمراء أو فضّةٍ بيضاء (1).

قوله تعالى: (إِنّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلّ قَوْمٍ هَادٍ ). (2)

الآية،على نسق أخواتها، ظاهرة في التلازم بين رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وعليّ عليه‌السلام، عصمةً وأداءً للرّسالة؛ فرسول الله نبيّ وعليّ وصيّ، ونبيّ الله على بيّنة وعليّ شاهده، ورسول الله منذر وعليّ هادٍ؛ فعليّ لا غيره صراط الله المستقيم الّذي جاء به رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله. وقوله تعالى: (إِنّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلّ قَوْمٍ هَادٍ ) في عليّ عليه‌السلام، فالنّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله المنذر، وعليّ الهادي (3).

____________________

(1) تفسير الحبريّ: 277 - 279. وروي بتباين في بعض الألفاظ في تفسير الطبريّ 12: 10؛ تفسير فرات: 69؛ مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ 270 - 271؛ شواهد التنزيل 1: 280؛ شرح نهج البلاغة للمعتزليّ 1: 208، بالإسناد إلى المنهال عن عبد الله بن الحارث؛ وتذكرة الخواصّ: 25، عن الثعلبيّ، وينابيع المودّة: 99، بسند ابن المغازليّ عن المنهال عن عبّاد بن عبد الله.

(2) الرّعد / 7.

(3) والآثار الدّالّة عليه من الوفرة بمكان، من ذلك عن:

* رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله.

عن أبي داود السّبيعيّ، عن أبي برزة الأسلميّ، عن النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله: ( إِنّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلّ قَوْمٍ هَادٍ ) فوضع يده على منكب عليّ عليه‌السلام فقال: «هذا الهادي من بعديّ». سعد السّعود: 99؛ نظم درر السّمطين للزرنديّ: 89 ن وفي الدرّ المنثور 4: 45؛ فتح القدير 3: 66 عن ابن مردويه من رواية أبي برزة.

وفي تفسير الحبريّ: 283 عن أبي الجارود، عن أبي برزة، قال: سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: (إِنّمَا أَنتَ مُنذِرٌ ) ردّ يده إلى صدره، ثمّ يقول: (وَلِكُلّ قَوْمٍ هَادٍ ) يشير إلى عليّ عليه‌السلام بيده وفي تفسير الطّبريّ 13: 72 بسند عن ابن عبّاس، قال: لما نزلت (إِنّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلّ قَوْمٍ هَادٍ ) وضع صلى‌الله‌عليه‌وآله يده على صدره، فقال: «أنت الهادي يا عليّ، بك يهتدي المهتدون بعدي».

ولا يخفى على أحد أنّ الحديث من نظير «من كنت مولاه فعليّ مولاه». ومثلما كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله سبب هداية المسلمين وأنّ طاعته واجبة عليهم، فكذلك عليّ عليه‌السلام؛ فإنّ طاعته تجب عليهم لنفس العلّة والسبب، وإلاّ =

 


الصفحة 331

____________________

= تفرّقت بهم السّبل وركبوا غير طريق الحقّ. ولم يقل صلى‌الله‌عليه‌وآله لغير عليّ: بك يهتدي المهتدون بعدي؛ فصراط عليّ هو صراط الله المستقيم وليس سواه!

قال الفخر الرّازيّ: واعلم أنّ أهل الظّاهر من المفسّرين ذكروا هاهنا أقوالاً:...، والثالث: المنذر النّبيّ، والهادي عليّ. ثمّ ذكر نفس حديث الطّبريّ، إلاّ أنّ ذيل الحديث: من بعدي، بزيادة «من» التفسير الكبير 19: 14؛ تفسير ابن كثير 2: 501؛ كنز العمّال 11: 620؛ نور الأبصار: 70 ؛ كنوز الحقائق للمناويّ 42.

وفي الدرّ المنثور، في ذيل تفسير الآية، قال: وأخرج ابن مردويه عن أبي برزة الأسلميّ قال: سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: (إِنّمَا أَنتَ مُنذِرٌ) ووضع يده على صدره، ثمّ وضعها على صدر عليّ عليه‌السلام، ويقول: (وَلِكُلّ قَوْمٍ هَادٍ).

وفي بصائر الدّرجات، محمّد بن الحسن بن فرّوخ الصّفّار «المتوفّى 290 هـ) من أصحاب الإمام الحسن العسكريّ عليه‌السلام - ص 29: عن أحمد بن محمّد عن الحسين بن محبوب عن أبي حمزة الثماليّ، قال: دعا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بطهور فلمّا فرغ أخذ بيد عليّ فألزمها يده، ثمّ قال: (إِنّمَا أَنتَ مُنذِرٌ) ثمّ ضمّ يده إلى صدره وقال: (لِكُلّ قَوْمٍ هَادٍ).ثمّ قال: «يا عليّ، أنت أصل الدّين ومنار الإيمان وغاية الهدى وقائد الغرّ المحجّلين، أشهد لك بذلك».

* ابن عبّاس.

حبّان عن الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس: (إِنّمَا أَنتَ مُنذِرٌ): رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، (وَلِكُلّ قَوْمٍ هَادٍ): عليّ عليه‌السلام؛ تفسير الحبريّ 281.

وبسند آخر: عن معاذ بن مسلم الهرويّ، عن عطاء بن السّائب، عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس، قال: لما نزلت (إِنّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلّ قَوْمٍ هَادٍ)، قال النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله: «أنا المنذر وعليّ الهاد، بك يا عليّ يهتدي المهتدون». تفسير الطّبريّ 13: 72؛ المستدرك على الصحيحين 3: 129؛ كفاية الطّالب: 232 - 233، وذكره ابن عساكر مرسلاً في مختصر تاريخ دمشق 18: 9؛ لسان الميزان 2: 199 ح ميزان الاعتدال 1: 484؛ نهج الحقّ وكشف الصّدق لابن المطهّر الحلّيّ: 180.

تفسير الطبريّ 13: 130؛ تفسير الثعلبيّ 5: 272؛ كنز العمال 11 / 63 / 33075.

ورواه عن ابن عبّاس مرسلاً: أبو جعفر محمّد بن أبي القاسم الطبريّ من علماء القرن السادس الهجريّ. بشارة المصطفى 246؛ منتخب كنز العمّال بهامش مسند أحمد 5: 34؛ الدرّ المنثور 4: 45؛ البرهان 2: 282.

* أمير المؤمنين عليه‌السلام. عن عباد بن عبدالله الأسدي، عن عليّ عليه‌السلام قال: رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله المنذر، وأنا الهادي. المستدرك على الصحيحين 3: 129 - 130 قال: هذا حديث صحيح الإسناد، وشواهد التنزيل 1: 300، =

 


الصفحة 332

____________________

= والبرهان 2: 280.

وعن عبد خير - بن محمّد بن خولي الهمدانيّ صاحب عليّ عليه‌السلام، طبقات خليفة 252؛ النّسب لأبي عبيد القاسم بن سلاّم 337، وفي طبقات ابن سعد 6: 230 قال: عبد خير بن يزيد - عن عليّ في مسند أحمد 1: 126، والمعجم الصّغير للطّبرانيّ 1: 261، وعن الثعلبيّ في ينابيع المودّة 99؛ شواهد التنزيل 1: 300؛ بشارة المصطفى: 237؛ تفسير ابن كثير 2: 126؛ البرهان 2: 282.

* مجاهد بن جبر.

أخرج الحسكانيّ بسند عن عليّ بن القاسم، عن عبد الوهّاب بن مجاهد، عن أبيه في قول الله عزّ وجلّ: (إِنّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلّ قَوْمٍ هَادٍ)، قال: محمّد المنذر وعليّ الهادي. شواهد التنزيل 1: 302.

* الإمام أبو جعفر محمّد الباقر عليه‌السلام.

عن عبد الله بن عطاء، قال: «كنت جالساً مع أبي جعفر عليه‌السلام. قال: نزل في عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام: (إِنّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلّ قَوْمٍ هَادٍ)، فالنّبي صلى‌الله‌عليه‌وآله المنذر، وبعليٍّ يهتدي المهتدون».

محمّد بن الحسن الصفّار، في بصائر الدّرجات: 29؛ تفسير فرات: 76؛ نفس المصدر 30، بسند عن محمّد بن مروان، عن نجم، قال: سمعت أبا جعفر عليه‌السلام - وذكر الآية - قال: «المنذر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله والهادي عليّ عليه‌السلام.

أيضاً بصائر الدّرجات: 30، بسند عن جابر عن الباقر عليه‌السلام، وذكر مثله. ومثله عن أبي بصير عن الباقر عليه‌السلام، في نفس المصدر.

ونفس المصدر أيضاً، عن الحسين عن النّضر بن سويد، وفضالة عن موسى بن بكر عن الفضيل قال: «سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن قول الله تبارك وتعالى: (إِنّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلّ قَوْمٍ هَادٍ)، قال: كلّ إمام هادٍ للقرن الّذي هوفيهم».

وبسند عن يعقوب بن يزيد، عن أبي عمير، عن ابن أذينة، عن بريد العجليّ، عن أبي جعفر عليه‌السلام في قول الله - وذكر الآية - فقال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «أنا المنذر» وفي كلّ زمان إمام منّا يهديهم إلى ما جاء به نبيّ الله صلى‌الله‌عليه‌وآله. والهداة من بعده عليّ، ثمّ الأوصياء من بعده واحد بعد واحد. أما والله ما ذهبت منّا ولا زالت فينا إلى السّاعة؛ رسول الله المنذر، وبعليٍّ يهتدي المهتدون. بصائر الدرجات: 29؛ تفسير العيّاشيّ 2: 204؛ البرهان 2: 282؛ الصّافي 1: 865.

وبسند عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال: «المنذر رسول الله، وعليّ الهادي. يا أبا محمّد فهل منّا هادٍ اليوم؟ قلت: بلى جعلت فداك ما زال فيكم هاد من بعد هادٍ حتّى رفعت إليك. فقال: يا أبا محمّد، ولو كانت إذا نزلت آية على رجل ثمّ مات ذلك الرّجل ماتت الآية مات الكتاب». فالإمام عليه‌السلام يفنّد نظريّة من قال إنّ =

 


الصفحة 333

قوله تعالى: (الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ طُوبَى‏ لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ ) (1).

الآية دالّة على استقامة صراط عليّ عليه‌السلام يسلك بشيعته إلى الجنّة، والمحروم من حرم نفسه من نعمة ولاية عليّ والاستنان بسنّة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وسنّة عليّ عليه‌السلام ، للوحدة التي لا تقبل التجزئة في الأصل وطهارة النّشأة والسّيرة.

عن حبّان، عن الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس: (الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ طُوبَى‏ لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ). قال: شجرة أصلها في دار عليّ عليه‌السلام في الجنّة، في دار كلّ مؤمن منها غصن، يقال لها: «شجرة طوبى»، وحسن مآب: حسن المرجع (2).

____________________

= النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله لم يوص ولم يعيّن خليفته! لحاجة الأمّة - وهي حديثة عهد بالإسلام - إلى من يبيّن لها تفسير الآية من القرآن العزيز، ولم يكن - بإجماع الفضلاء - غير عليٍّ مع القرآن والقرآن معه وعياً وفهماً؛ فعليّ صراط الله المستقيم.

(1) الرّعد / 29.

(2) تفسير الحبريّ: 284؛ تفسير فرات: 76. ورواه الثعلبيّ في تفسيره 5: 290، بسند عن الدهّان والجصّاص، عن الحبريّ كما في المتن الذي ذكره، نقله ابن البطريق في خصائص الوحي المبين: 231؛ العمدة: 183، والسيّد البحرانيّ في غاية المرام: 392.

وفي تفسير القرطبيّ 9: 317: قال ابن عبّاس: «طوبى» شجرة في الجنّة أصلها في دار عليّ، وفي دار كلّ مؤمن منها غصن.

وعن الإمام الحسين بن عليّ عليهما‌السلام مثل الّذين في المتن. اليقين في إمرة أمير المؤمنين لابن طاووس 62.

وعن الإمام محمّد بن عليّ الباقر عليهما‌السلام، قال: سئل النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله عن قوله تعالى: (طُوبَى‏ لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ )، قال: «شجرة أصلها في داري وفروعها في الجنّة». ثمّ سئل عنها مرّةً أخرى، فقال: «شجرة أصلها في دار عليّ وفروعها في الجنّة». فقيل له: يا رسول الله! سئلت عنها فقلت «أصلها في داري وفروعها في الجنّة» ثمّ سئلت عنها فقلت» «أصلها في دار عليّ وفروعها في الجنّة» فقال النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله: «إنّ داري ودار عليّ غداً في الجنّة واحدة، في مكان واحد». تفسير العيّاشيّ 2: 212، والعمدة 183، وتفسير القرطبيّ 9: 317، والبرهان 2: 295، وينابيع المودّة 96.

إنّ عليّاً من النّبيّ بمنزلة الرأس من الجسد، وهو نفسه الزكيّة الّتي خرج بها يباهل بها طواغيث النّصارى، ووصيّه وصنوه وأبو ولده... وعليّ يحلّ له ما يحلّ لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله من المبيت في المسجد ولا يحلّ ذلك لغيرهما. وعليّ والنّبيّ عليهما‌السلام في دار واحد في الجنّة، وليس لغير عليّ مثل هذه المزيّة الكريمة والمنزلة =

 


الصفحة 334

قوله تعالى: (قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ) (1).

من عنده علم الكتاب الإلهي، فإنّه يصدّ عن الضّلال ويقود إلى الحقّ، وهو أحقّ أن يتّبع؛ لأنّ صراطه مستقيم، وهذا ممّا نجده في عليّ وأهل بيته عليهم‌السلام.

عن عليّ بن عابس، قال: دخلت أنا وأبو مريم على عبد الله بن عطاء. قال أبو مريم: حدّث عليّاً بالحديث الّذي حدّثتني عن أبي جعفر. قال: كنت عند أبي جعفر إذ مرّ عليه ابن عبد الله بن سلاّم، قلت: جعلني الله فداك! هذا ابن الذي عنده علم من الكتاب؟ قال: لا، ولكنّه صاحبكم عليّ بن أبي طالب الّذي نزلت فيه آيات من كتاب الله عزّ وجلّ: (الّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مّنَ الْكِتَابِ) (2) و (أَفَمَن كَانَ عَلَى‏ بَيّنَةٍ مِنْ رَبّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ) (3) و (إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ ) (4) الآية (5).

____________________

= الرفيعة.

ومن لم يكن على صراط عليّ، فليس له غصن من شجرة طوبى يتعلّق به. وذكره ابن المغازليّ في مناقبه 268 بسند عن ابن سيرين.

(1) الرّعد / 43.

(2) النّمل / 40.

(3) هود / 17.

(4) المائدة / 55.

(5) مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ ك 314. وبنفس السند واللفظ في تفسير القرطبيّ 9: 336، والثعلبيّ كما في العمدة لابن البطريق: 152، وينابيع المودّة 102.

ومن حديث سعيد بن جبير أنّه سئل عن هذه الآية: أهو عبد الله بن سلاّم؟ قال: كيف، وهذه السّورة مكّيّة؟! الدرّ المنثور 4: 69. وقال: أخرجه سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والنحّاس في ناسخه. وقال: أخرج ابن المنذر عن الشعبيّ قال: ما نزل في عبد الله بن سلاّم شيء من القرآن.

وعن بريد بن معاوية العجليّ قال: قلت لأبي جعفر عليه‌السلام: (قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ).

قال: «إيّانا عنى، وعليّ أفضلنا وأوّلنا وخيرنا بعد النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله. تفسير العيّاشيّ 2: 220؛ البرهان 2: 303؛ الصافي 1: 880؛ ينابيع المودّة: 102 - 103. =

 


الصفحة 335

قوله تعالى: (يُثَبّتُ اللّهُ الّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثّابِتِ ) (1).

الآية من خصوصيّات عليّ عليه‌السلام الدّالّة على صدقه وعصمته واستقامة صراطه ووجوب التمسّك بولايته.

عن ابن مروان، عن الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس: «يثبّت الله الّذين آمنوا بالقول الثّابت». قال: بولاية عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام (2).

إنّ كثرة الآيات الدّالّة على منزلة عليّ الخاصّة، وإلى جوارها زخّ الأحاديث النّبويّة الّتي تأمر المسلمين بوجوب الرّجوع إلى عليّ عليه‌السلام وعدم مخالفته وتوّجت بتنصيبه أميراً للمؤمنين بأمر الله تعالى يوم الغدير، ويوجب كلّ ذلك الأخذ برواية ابن عبّاس، وإنّ الآية

____________________

= وعن عبد الله بن عجلان، عن أبي جعفر الباقر عليه‌السلام، قال: سألته عن قوله - وذكر الآية - فقال: «نزلت في عليّ بعد - رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، وفي الأئمّة بعده، وعليّ عنده علم الكتاب». تفسير العيّاشيّ 2: 221؛ البرهان 2: 303.

عن الفضيل بن يسار عن الباقر عليه‌السلام، قال: «نزلت في عليّ عليه‌السلام، إنّه عالم هذه الأمّة بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله. تفسير العيّاشيّ 2: 221؛ ينابيع المودّة 102.

عن عطيّة العوفيّ، عن أبي سعيد الخدريّ قال: سألت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله عن هذه الآية: (الّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مّنَ الْكِتَابِ)، قال: «ذاك وزير أخي سليمان بن داود عليهما‌السلام وسألته عن قول الله عزّ وجلّ (قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ) قال: «ذاك أخي عليّ بن أبي طالب». ينابيع المودّة: 103.

والثعلبيّ، وأبو نعيم بسنديهما عن زاذان، عن محمّد بن الحنفيّة، قال: من عنده علم الكتاب: عليّ بن أبي طالب». ينابيع المودّة: 102.

وفي تفسير الثعلبيّ 5: 303: أخبرني عبد الله بن محمّد الفاسي حدّثنا الحسين بن محمّد بن عثمان النصيبيّ أخبرنا أبوبكر محمّد بن الحسين السميعي، حدّثني الحسين بن إبراهيم بن الحسين الجصّاص، أخبرنا الحسن بن الحكم حدّثنا سعيد بن عثمان عن أبي مريم، وحدّثني عبد الله بن عطاء قال: كنت جالساً مع أبي جعفر - الباقر عليه‌السلام - في المسجد، فرأيت عبد الله بن سلام جالساً في ناحيةٍ فقلت لأبي جعفر: زعموا أنّ الّذي عنده علم الكتاب عبد الله بن سلام، فقال: إنّما ذلك عليّ بن أبي طالب.

والأحاديث أكثر من هذه فلا لم على من اتّخذ ربّانيّ الأمّة وأعلمها بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، إماماً يسترشد بنهجه، ولم يتّخذ الجاهلين قدوة.

(1) إبراهيم / 27.

(2) تفسير الحبريّ: 288، وتفسير فرات: 79؛ غاية المرام: 400؛ إحقاق الحقّ 3: 548.

 


الصفحة 336

ظاهرة في المقصد.

قوله تعالى: (فَسْأَلُوا أَهْلَ الذّكْرِ إِن كُنتُم لاَ تَعْلَمُونَ ) (1).

في هذه الآية المباركة إرشاد من الباري سبحانه وتعالى لأمّة محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله بالرّجوع إلى أهل المعرفة والاختصاص في كلّ أمرٍ مشكل، لتبيّن وجه الصّواب والحقّ. وقد أشكل الأمر على بعضهم، فحمل الآية على غير ما أراده الله تعالى من خطابه العزيز؛ إذ نظر إلى ظاهر الآية ففهم أنّ أهل الذّكر هم اليهود والنّصارى، مثلما نقل عن سفيان الثوريّ (2)؛ ذلك أنّ تمام لفظ الآية: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْأَلُوا أَهْلَ الذّكْرِ إِن كُنتُم لاَ تَعْلَمُونَ ). وفي حمل من قال بهذا المعنى على محمل حسن بعد كبير عن المقصود، بل هو باطل مدفوع، وذلك لأنّ القرآن الكريم قد صرّح في آيات كثيرة بأنّهم حرّفوا ما أنزل الله تعالى على أنبيائهم،وأنهم كتبوا بأهوائهم وقالوا: هذا من عند الله، ليشتروا به متاع الحياة الدّنيا وشهد بكذبهم وتقليبهم الحقائق ومناصرتهم للمشركين على حرب النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله.

ولليهود والنّصارى اعتقاداتهم الخاصّة، وكلّ يكذّب الآخر. وهما يكذّبان النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ويكتمون ما يعلمون من حقّ رسالته. عن ابن عبّاس قال: يا معشر المسلمين، كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الّذي أنزل الله على نبيّكم صلى‌الله‌عليه‌وآله أحدث الأخبار بالله محضاً لم يشب (3)، وقد حدّثكم الله أنّ أهل الكتاب قد بدّلوا من كتاب الله وغيّروا، فكتبوا بأيديهم، قالوا: هو من عند الله؛ ليشتروا بذلك ثمناً قليلاً أو لا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم؟ قلا والله ما رأينا رجلاً منهم يسألكم عن الّذي أنزل عليكم (4).

وما أجمل جواب باقر العلوم عليه‌السلام لمحمّد بن مسلم لما قال له: إنّ من عندنا يزعمون أنّ قول الله: (فَسْأَلُوا أَهْلَ الذّكْرِ إِن كُنتُم لاَ تَعْلَمُونَ) أنّهم اليهود والنّصارى! فقال: «إذا يدعونكم إلى دينهم». قال: ثمّ قال بيده - أي أشار - إلى صدره: «نحن أهل الذّكر، ونحن

____________________

(1) النحل 43، والأنبياء / 7.

(2) تفسير القرطبيّ 11: 272.

(3) أي نقيّاً لم يخالطه غيره.

(4) صحيح البخاريّ 8: 208.

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة