الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة 296

____________________

= عادوا، ولكن لم عادوا؟ فليس هذا ذا بالٍ؛ فقد ذهبوا فيها عريضة! كما أنّ ابن القيّم لم يجعل صراطه مستقيماً!

وفي الطرف الآخر يقف عليّ عليه‌السلام خارجاً عمّن انكفأ حين انكفأ المشركون على عسكر النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، ولم يكن لإذاعة الشّيطان أنّ «محمّداً قد قتل» أدنى أثر في نفسه إلاّ زيادة اليقين في وجوب مجاهدة العدوّ والغوص في لهوات الحرب وقد كسر جفن سيفه. إنّها بيعة لله ولرسوله، فأمعن في جموعهم تقتيلاً وتشريداً، ولم تقرّ نفسه حتّى وجد النّبيّ يجاهد الكفّار ويغلظ عليهم. فعليّ أنأى ما يكون عن حالة الارتداد الّتي أصابت القوم يومئذ وبعدئذ، وترجمتها الوقائع المتلاحقة.

ولهذا وغيره: فعليّ عليه‌السلام أمير كلّ آية فيها خطاب (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)، وقد عاتب الله سبحانه عامّة الصّحابة، وما عاتب عليّاً بشيء من ذلك. وممّا كان من أمر عليٍّ يومئذ ما رواه حبان عن محمّد بن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن جدّه، قال: لما قتل عليّ بن أبي طالب أصحاب الألوية أبصر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله جماعةً من مشركي قريش، فقال لعليّ احمل عليهم، فحمل عليهم، ففرّق جمعهم وقتل عمرو بن عبد الله الجمحيّ. قال: ثمّ أبصر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله جماعةً من مشركي قريش، فقال لعليّ: احمل عليهم، فحمل عليهم ففرّق جماعتهم وقتل شيبة بن مالك ابن المضرّب، أحد بني عامر بن لؤي، فقال جبريل عليه‌السلام: يا رسول الله، إنّ هذه للمواساة! فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «إنّه منّي وأنا منه». فقال جبريل عليه‌السلام: وأنا منكما. قال: فسمعوا صوتاً:

لا سيف إلاّ ذو الفقار        ولا   فتى   إلاّ   عليّ

تاريخ الطّبري 20: 197؛ الأغاني لأبي الفرج الأصبهانيّ 15: 192؛ الفصول المهمّة لابن الصبّاغ المالكيّ 56؛ السّيرة النّبويّة لابن هشام 3: 106؛ مختصر تاريخ ابن عساكر 17: 31 إلاّ أنّه اقتصر على ذكر حديث أبي رافع، ولم يذكر النّداء، وذكر في ص 319 حديث أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر عليه‌السلام، قال: نادى منادٍ في السماء يوم بدر يقال له رضوان: لا سيف إلاّ ذو الفقار ولا فتى إلاّ عليّ» ومثله في مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ 199 ح 235؛ كفاية الطّالب 277؛ سنن البيهقيّ 3: 276؛ المستدرك على الصحيحين 2: 285؛ ذخائر العقبى 74؛ الرّياض النّضرة 2: 190؛ المناقب للخوارزميّ 167؛ المستدرك على الصحيحين 2: 285؛ ذخائر العقبى 74؛ الرّياض النّضرة 2: 190؛ المناقب للخوارزميّ 167: عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يوم بدر: «هذا رضوان ملك من ملائكة الله ينادي: لا سيف إلاّ ذوالفقار ولا فتى إلاّ عليّ»، وميزان الاعتدال 2: 317؛ لسان الميزان 4: 406؛ مجمع الزّوائد 6: 114، وفي كفاية الطّالب 274 ذكر حديث أبي رافع من غير ذكر النداء ومصادر الحديث أكثر من هذا بكثير، من ذلك: خصائص النّسائيّ 77؛ كنز العمّال 11: 350؛ كنوز الحقائق للمناويّ 37.

ونجد في بعض هذه المصادر ما ينصّ على أنّ النّداء كان يوم بدر، ويوم أحد، ممّا يؤكّد خطر منزلة عليّ عليه‌السلام =

 


الصفحة 297

قوله تعالى: (الّذِينَ اسْتَجَابُوا للّهِ‏ِ وَالرّسُولِ مِن بَعْدِمَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ) (1).

(الّذِينَ قَالَ لَهُمُ النّاسُ إِنّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) (2).

بعد انتهاء وقعة أحد ظلّت الحالة العامّة على ما هي عليه قبل المعركة؛ فالمشركون بزعامة أبي سفيان عادوا منها ولما يحقّقوا ما كانوا يصبون إليه من استئصال المسلمين،

____________________

= وخصوصيّته من بين أتباع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله.

الاستدلال: يستدلّ بالواقعة على انقطاع النّظير، في الشّجاعة، لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله إلاّ في عليّ عليه‌السلام، من غير بخس لأسد الله وأسد رسوله: حمزة بن عبد المطّلب، وأبي دجانة. إلاّ أنّ لعليّ من بينهما خصوصيّة في كلّ ميدان وعلى أيّ صعيد؛ ولذا خصّ بالهتاف وقول جبريل عليه‌السلام: «إنّ هذه للمواساة» أي أنّ المواساة كلّ المواساة تتجلّى في سلوك عليّ، وقول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «إنّه منّي وأنا منه»، وإدخال جبريل نفسه معهما: «وأنا منكم يا رسول الله». كلّ ذلك يدلّل على عصمة عليّ عليه‌السلام لأنّه بعض من كلٍّ لا يجوز على أحدهم ما ينافي العصمة، فهو بين نبيٍّ وملك جليل.

والشّجاعة والفداء على هذا الحال ممّا يكشف عن نفس صاحبها وطهارة معدنه، وهو من دعائم شخصيّة المتصدّي للحكم؛ لأن الشّجاع من قهر ذاته ولم يغلبه هواه. ومن انتصر على نفسه كان على غيرها أقدر، من إقامة الحدود بعدالة، والتصدّي لأعداء الإسلام.

والأمر الآخر أنّ الآية قبلها (إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى‏ أَحَدٍ وَالرّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمّا بِغَمّ ) آل عمران / 153. شرح لحال المنهزمين من المسلمين وهم يمعنون بالفرار مخالفين لله تعالى في وجوب الثّبات في الحرب، ومخالفين النّبيّ في أمرين: الثّبات في مواضعهم، والآخر عدم التفاتهم للنّبيّ وهو يناديهم «ارجعوا إليّ عباد الله! أنا رسول الله». ولم يقع من امير المؤمنين عليّ عليه‌السلام شيء من هذا، فما زال من موضعه قدما وإنّما أمعن في المضيّ قدماً يجندل أبطال العدوّ ويفدي الرّسول بمهجته ويأتمر بأمره: «احمل عليهم»، فيحمل...

وطاعة رسول الله طاعة الله، ومن هذا شأنه فصراطه بالاتّباع أولى ومشايعته أوجب؛ لقوله تعالى: (يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) النّساء / 59. ولا يعقل أن يكون وليّ الأمر من يخالف الله والرّسول، فوجب طاعة عليّ دون غيره، ولأنّ الله تعالى قرن طاعته بطاعته. وسيأتي الكلام على الآية إن شاء الله.

(1) آل عمران / 172.

(2) نفس المصدر 173.

 


الصفحة 298

فندموا وقررّوا الودة لذلك، فبعث أبو سفيان رسالة إلى النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله يتوعّد ويهدّد. والمنافقون عاودوا نشاطهم في تثبيط المسلمين وتهويل الأمر عليهم... فما كان جواب النّبيّ والمؤمنين معه إلاّ أن قالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل. ثمّ إنذه انتدب عصابة مع ما بهم من القروح والجراح الّتي أصابتهم يوم أحد، ونادى منادي رسول الله: ألا لا يخرجنّ أحد إلاّ من حضر يومنا بالأمس. وكان هدف النّبيّ أن يرهب العدو، ويريهم أنّ المسلمين قوّة لا تقهر.

وهل لمثل الجسام إلاّ عليّ؟ فنفر في تسعة من المؤمنين استجابوا لله ورسوله، ممّا أوقع الرّعب في قلوب المشركين، فولّوا إلى مكّة، وعاد المسلمون رافعي الرأس. وقد سجّل لهم الوحيّ ذلك، وعليّ أمير الجماعة الّتي استجابت لله ورسوله، ولم يكن عليه أمير فيها ولا في غيرها، ولم يكن معه في هذا النّفير الصّعب واحد ممّن ذكر ابن القيّم، فبات صراط عليّ هو الصّراط المستقيم لطاعته لله ورسوله على كلّ حال وفي كلّ آن، ولأنّ الله تعالى قرن طاعته بطاعته (أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ).

في قوله تعالى: ( الّذِينَ اسْتَجَابُوا للّهِ‏ِ وَالرّسُولِ مِن بَعْدِمَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ) الآية، قالوا: نزلت في عليّ عليه‌السلام وتسعة نفر معه، بعثهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في أثر أبي سفيان حين ارتحل، فاستجابوا لله ورسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله (1).

____________________

(1) تفسير الحبريّ: 251؛ تفسير فرات 19 عن الحبريّ؛ شواهد التنزيل 1: 135، كلّ عن محمّد بن السائب الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس وشواهد التنزيل حديث 183 عن موسى بن عمير، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس.

وعن أبي رافع. شواهد التنزيل ح 182؛ مناقب ابن شهر آشوب 3: 125، وقال: روي عن أبي رافع بطرق كثيرة أنّه لما انصرف المشركون يوم أحد قالوا: لا الكواعب أردفتم، ولا محمّداً قتلتم، ارجعوا. فبلغ ذلك رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، فبعث عليّاً عليه‌السلام في نفر من الخزرج». البرهان 1: 326؛ غاية المرام 407.

وعن سالم بن أبي مريم، عن أبي عبد الله الصّادق عليه‌السلام. شواهد التنزيل ح 185؛ تفسير العيّاشيّ 1: 206، وفيه: قال لي أبو عبد الله عليه‌السلام: إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بعث عليّاً عليه‌السلام في عشرة «استجابوا لله وللرّسول من بعد ما أصابهم القرح» إلى «أجر عظيم»: إنّما نزلت في أمير المؤمنين عليه‌السلام.

وعن جابر، عن محمّد الباقر عليه‌السلام، قال: لما وجّه النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله امير المؤمنين وعمّار بن ياسر إلى أهل مكّة، =

 


الصفحة 299

قوله تعالى (أَمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلَى‏ مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ ) (1).

أبو عبيد الله المرزبانيّ، بسنده عن الكلبيّ، عن أبي صالح، قال: نزلت في رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وفي عليّ (2).

____________________

= قالوا: بعث هذا الصبيّ، ولو بعث غيره إلى أهل مكّة وفي مكّة صناديد قريش ورجالها؟! والله الكفر أولى بنا ممّا نحن فيه! فساروا وقالوا لهما وخوّفوهما بأهل مكّة وغلظوا عليهما الأمر، فقال عليّ عليه‌السلام: حسبنا الله ونعم الوكيل، ومضيا. وأخبر الله نبيّه بقولهم لعليّ وبقول عليّ لهم، فأنزل الله بأسمائهم في كتابه وذلك قوله تعالى: ألم تر إلى (الّذِينَ قَالَ لَهُمُ النّاسُ إِنّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)، وإنّما نزلت «ألم تر» إلى فلان وفلان لقوا عليّاً، وعمّاراً، فقالا: إنّ أبا سفيان، وعبد الله بن عامر وأهل مكّة قد جمعوا لكم فاحشوهم؛ فزادهم إيماناً وقالوا:

«حسبنا الله ونعم الوكيل». تفسير العيّاشيّ 1: 206.

والآية فيصل بين حقّ محض وباطل. وهذا الباطل تمثّل في الّذين يصعدون في الجبل فراراً ولا يستجيبون لأمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بالعودة إليه، كما لم يستجيبوا أمره أوّلاً بالثّبات في مواضعهم، فمنهم من تعلّل بأنّه سمع بموت رسول الله، فلم ينتصر لنبيّه وإنّما جلس في رفقة له يأكلون. وآخرون مضوا على وجوههم إلى المدينة. وطائفة يعلمها الله تعالى بدخائل نفوسها (يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِم مَا لاَ يُبْدُونَ لَكَ). وهذا يقتضي عدم جواز اتّباع هذه الفئات؛ لفقدها العصمة المانعة من معصية الله تعالى ومخالفة أحكامه.

إنّ الحقّ - والحالة هذه - مع المعنيّين بالخطاب بأن لا يحزنوا لما فاتهم من النّصر، ولما أصابهم من الشدائد يوم أحد. وخير مصداق له: المعنيّ بنزول الأمنة عليه في ذلك الموقف الصّعب، وهو عليّ عليه‌السلام. يقوّيه في المعنى ويعضده توالي الزّمن م ثبوت الحال؛ فالكفّار يتوعّدون، والمنافقون يرجفون، وغيرهم مخذول مخذّل! وعليّ - على ما به من قروح - أوّل من استجاب لأمر رسول الله، فخرج في أثر المشركين، ولم يلتف إلى المثّاقلين إلى الأرض، وما زاد على قوله: حسبنا الله ونعم الوكيل» والله تعالى يقول: (إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُتَوَكّلِينَ) آل عمران / 159.

(1) النّساء / 54.

(2) البرهان 1: 378؛ غاية المرام: 268؛ اللّوامع النورانيّة: 81؛ وينابيع المودّة: 121 عن ابن المغازليّ، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس. وابن حجر الهيتميّ في الصّواعق المحرقة: 150، من نفس الطريق.

وفي تفسير الحبريّ: 255 ونقله عنه الحسكانيّ في شواهد التنزيل ح 186 من طريق المرزبانيّ، وفيه: «نزلت في رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، بما أعطاه الله من الفضل». والرواية متّحدة الطريق - من المرزبانيّ - وإنّ الأصل في عنوان تفسير الحبريّ هو: «ما نزل من القرآن في عليّ» وأحياناً «ما نزل في أهل البيت» وعليّ من أهل البيت =

 


الصفحة 300

قوله تعالى: (يَاأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) (1).

____________________

= ونفس رسول الله وأخوه، والآية بلفظ الجماعة، مضافاً إلى أنّ المصادر والرّوايات من غير هذا الطّريق متّفقة على أن المعنيّ: رسول الله وعليّ، وفي بعضها: رسول الله وأهل بيته، فربّما حذف اسم عليّ لسبب أو آخر، على أنّه يبقى من المحسودين.

* ومن الآثار الدّالّة على ذلك ما جاء عن امير المؤمنين عليه‌السلام، في جواب له لمعاوية بن أبي سفيان، وذكره سليم بن قيس الهلاليّ العامريّ «المتوفّى سنة 90 هـ) في كتابه السّقيفة: 194، جاء فيه: (أَمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلَى‏ مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ ) فنحن النّاس ونحن المحسودون، قال الله عزّ وجلّ: (فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُلْكاً عَظِيماً) [ تكملة الآية السّابقة ]. إنّ الملك العظيم أن جعل فيهم أئمّة من أطاعهم أطاع الله ومن عصاهم عصى الله، وآتاهم الكتاب والحكمة والنّبوّة؛ فلم يقروّن بذلك في آل إبراهيم وينكرونه في آل محمّد؟!

* محمّد الباقر عليه‌السلام

رواه جابر عنه قال: نحن النّاس. مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ: 267 وعنه في العمدة: 185؛ ينابيع المودّة: 121؛ غاية المرام: 268؛ أمالي الطّوسيّ 1: 178 وعنه البرهان 1: 376.

ورواه بريد العجليّ، عنه عليه‌السلام. البرهان 1: 375؛ غاية المرام: 268 ولفظه: «نحن النّاس المحسودن على ما أتانا الله من الإمامة دون خلق الله أجمعين». وله طرق أخرى عن الإمام الباقر عليه‌السلام غير هذه.

* جعفر الصادق عليه‌السلام

رواه أبو حمزة الثماليّ عنه عليه‌السلام، قال: «نحن والله المحسودون». البرهان 1: 377؛ غاية المرام 269.

وأبو سعيد المؤدّب، عنه عليه‌السلام، قال: «نحن النّاس، وفضله: النبوّة». شواهد التنزيل ح 196؛ البرهان 1: 378.

ورواه أبان بن تغلب، عنه عليه‌السلام. شواهد التنزيل ح 195. ومحمّد بن فضيل عنه عليه‌السلام. شواهد التنزيل: 197 ولفظه: «نحن والله هم، نحن والله المحسودون».

في مختصر تاريخ دمشق 17: 381 عن أبي رافع: إنّ عليّاً دخل على النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وهو مغضب، فشكا إليه بغض قريش له، وحسد النّاس إيّاه، فقال رسول الله: «يا عليّ، أما ترضى أنّ أوّل أربعة يدخلون الجنّة أنا وأنت والحسن والحسين؟».

ونفس المصدر: وعن عليّ قال: شكوت إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله حسد النّاس لي، فقال: «يا علي، أما ترضى أنّ أوّل أربعة يدخلون الجنّة أنا وأنت والحسن والحسين، وأزواجنا عن أيماننا وشمائلنا وذرارينا خلف أزواجنا وأشياعنا من ورائنا؟».

بعد كلّ ذلك فلم لا يحسد عليّ؛ وغنيّ عن الزيادة في البيان في ظهور الآية في استقامة صراط عليّ.

(1) النساء / 59.

 


الصفحة 301

بعد ما حثّ سبحانه وتعالى الولاة على إنصاف الرعيّة في حقوقها وأمرهم بوجوب التزام العدالة، بقوله تعالى: (وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) (1).

وجّه سبحانه الخطاب إلى الرعيّة يحثّها على طاعتهم والاقتداء بهم، إذ عطف ذلك على طاعة الله وطاعة رسوله.

وفي معنى أولي الأمر ذهب بعض إلى أنّهم عموم الولاة والحكّام كيف ما كانوا! وقال بعض إنّهم العلماء. ولكن الّذي عن طريق أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام - وهم أولى بفهم كتاب الله تعالى وأعرف فيمن ورد - أنّ أولي الأمر هم الأئمّة من آل محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله، أوجب الله طاعتهم كما أوجب طاعته وطاعة رسوله. ولا يجوز أن يوجب الله طاعة أحد على الإطلاق إلاّ من ثبتت عصمته وعلم أنّ باطنه كظاهره، وأمن منه الغلط والأمر بالقبيح. ولم يجتمع من القرائن في عصمة أحد بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله مثلما كان في أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام.

عن عيسى بن السريّ، قال: قلت لجعفر الصّادق عليه‌السلام: حدّثني عمّا ثبت عليه دعائم الإسلام إذا أخذت بها زك عملي ولم يضرّني جهل ما جهلت. قال: «شهادة أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله، والإقرار بما جاء به من عند الله، وحقّ في الأموال من الزّكاة، والإقرار بالولاية الّتي أمر الله بها ولاية آل محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله، قال رسول الله: من مات لا يعرف إمامه مات ميتة جاهليّة، قال: الله عزّ وجلّ: (أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ)، فكان عليّ صلوات الله عليه، ثمّ صار من بعده حسن ثمّ حسين ثمّ من بعده عليّ ابن الحسين ثمّ من بعده محمّد بن عليّ، وهكذا يكون الأمر. إنّ الأرض لا تصلح الاّ بإمام، ومن مات لا يعرف إمامه مات ميتة جاهليّة. وأحوج ما يكون أحدكم إلى معرفته إذا بلغت نفسه هاهنا، وأهوى بيده إلى صدره، يقول حينئذ: لقد كان على أمرٍ حسن» (2).

وفي روايات عدّة عن أبي جعفر محمّد الباقر عليه‌السلام أنّها في أئمّة أهل البيت، من ذلك: عن جابر الجعفيّ قال: سألت أبا جعفر عليه‌السلام عن هذه الآية (أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرّسُولَ وَأُولِي

____________________

(1) النّساء / 58.

(2) ينابيع المودّة: 117.

 


الصفحة 302

الْأَمْرِ مِنْكُمْ) قال: الأوصياء (1).

وفي رواية أبي بصير، عنه عليه‌السلام، قال: «نزلت في عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام. قلت له: إنّ النّاس يقولون لنا: ما منعه أن يسمّي عليّاً وأهل بيته في كتابه؟ فقال أبو جعفر عليه‌السلام: «قولوا لهم: إنّ الله أنزل على رسوله الصّلاة ولم يسمّ ثلاثاً ولا أربعاً، حتّى كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله هو الّذي فسذرذلكلهم. وأنزل الحج فلم ينزل طوفوا أسبوعا حتى كان رسول الله هو الذي فسر لهم ذلك. وأنزل: (أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) فنزلت في علي والحسن والحسين، وقال في عليّ: «من كنت مولاه فعليّ مولاه». وقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «أوصيكم بكتاب الله وأهل بيتي، إنّي سألت الله أن لا يفرّق بينهما حتّى يوردهما عليّ الحوض فأعطاني ذلك» وقال: «فلا تعلّموهم؛ فإنّهم أعلم منكم، إنّهم لن يخرجوكم من باب هدى ولن يدخلوكم في باب ضلال»، ولو سكت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ولم يبيّن أهلها لادّعاها آل عبّاس، وآل عقيل، وآل فلان وآل فلان، ولكن أنزل الله في كتابه (إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً) فكان عليّ والحسن والحسين وفاطمة تأويل هذه الآية، فأخذ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بيد عليّ وفاطمة والحسن والحسين فأدخلهم تحت الكساء في بيت أمّ سلمة، وقال: «اللّهمّ إنّ لكلّ نبيّ ثقلاً وأهل فهؤلاء ثقلي وأهلي». فقالت أمّ سلمة: ألست من أهلك؟ قال: (إنّك إلى خير، وهؤلاء ثقلي وأهلي). ثمّ قال أبو جعفر عليه‌السلام: «الرّجس هو الشّكّ، والله لا نشكّ في ديننا أبداً» (2).

وعن أبان، أنه دخل على أبي الحسن الرضا عليه‌السلام، قال: فسألته عن قول الله: (يَاأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ)، فقال: ذلك عليّ بن أبي طالب، ثمّ سكت. قال: فلمّا طال سكوته قلت: ثمّ من؟ قال: ثم الحسن، ثم سكت، فلمّا طال سكوته قلت: ثمّ من؟ قال: الحسين. قلت: ثم من؟ قال: علي بن الحسين. وسكت، فلم يزل يسكت عند كل واحد حتى أعيد المسالة فيقول حتى سماهم إلى آخرهم (3).

____________________

(1) تفسير العياشي 1: 249.

(2) تفير العياشي 1: 249 - 251؛ البرهان 1: 385.

(3) نفس المصدر.

 


الصفحة 303

وعن أبان، عن سليم بن قيس، عن أمير المؤمنين عليه‌السلام في كلام طويل هذا بعضه، قال: «فما نزلت ىية من القرآن إلاّ أقرأنيها وأملاها عليّ فكتبتها بخطّي، ودعا الله أن يفهمني إياها ويحفظني، فما نسيت آية من كتاب الله منذ حفظتها. وعلمني تأويلها فحفظته وأملاه عليّ فكتبته. وما ترك شيئا علّمه الله من حلال وحرام، أو أمر أو نهي أو طاعة أو معصية، كان أو يكون إلى يوم القيامة، إلاّ وقد علّمنيه وحفظته ولم أنس منه حرفا واحداً. ثمّ وضع يده على صدري ودعا الله أن يملأ قلبي علماً وفهما وفقها وحكما ونورا، وأن يعلّمني فلا أجهل وأن يحفّظني فلا أنسى، فقلت له ذات يوم: يا نبيّ الله، غنّك منذ يوم دعوت الله لي بما دعوت لم أنس شيئاً ممّا علّمتني، فلم تمليه عليّ وتأمرني بكتابته، أتتخوّف عليّ النّسيان؟ فقال: يا أخي لست أتخوّف عليك النّسيان ولا الجهل، وقد أخبرني الله أنّه قد استجاب لي فيك وفي شركائك الّذين يكونون من بعدك. قلت يا رسول الله، ومن شركائي؟ قال: الذين قرنهم الله بنفسه وبي، الّذين قال في حقّهم: (يَاأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) الأئمّة، فقلت: يا رسول الله ومن هم؟ فقال: الأوصياء منّي غلى أن يردوا عليّ الحوض، كلّهم هاد مهتد لا يضرّهم من خذلهم، هم مع القرآن، والقرآن معهم، لا يفارقهم ولا يفارقونه، بهم تنصر أمّتي، وبهم يمطرون وبهم يدفع عنهم، وبهم يستجاب دعاؤهم. فقلت: يا رسول الله سمّهم لي، فقال: ابني هذا، ووضع يده على رأس الحسن، ثمّ ابني هذا ووضع يده على راس الحسين، ثمّ ابن له يقال له عليّ، وسيولد في حياتك فأقرئه منّي السّلام، ثمّ تكملة الاثني عشر غماماً من ولدك. فقلت: يا نبيّ الله، سمّهم لي. فسمّاهم لي رجلاً رجلاً. منهم - والله - يا أخا بني هلال مهديّ هذه الأمّة الّذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلما وجورا، والله إنّي لأعرف من يبايعه بين الرّكن والمقام، وأعرف أسماء آبائهم وقبائلهم...» (1).

أنكر النّواصب وجود المهدي عليه‌السلام، وجعلوه من بدع - كذا! - الرّوافض؛ وسيسعد به الّذين آمنوا به ويشقى الّذين أنكروه وناصبوه!

____________________

(1) كتاب سليم بن قيس «السقيفة» 106 - 107. ولمعرفة المزيد من أحاديث أئمّة أهل البيت في هذا الشأن، انظر الجزء الأوّل من تفسير العيّاشيّ.

 


الصفحة 304

أبو أسامة عن عوف عن محمد قال: يكون في هذه الأمّة خليفة لا يفضّل عليه أبوبكر، ولا عمر. (المصنّف لابن أبي شيبة 8 / 679 / 196).

يعلى عن عبيد عن الأجلح عن عمّار الدّهنيّ عن سالم عن عبد الله بن عمر قال: يا أهل الكوفة، أنتم أسعد النّاس بالمهديّ. المصنّف لابن أبي شيبة ح 189.

الفضل بن دكين قال: حدّثنا فطر - بن خليفة - عن القاسم بن أبي برزة عن أبي الطّفيل عن عليّ عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله قال: «لو لم يبق من الدّهر إلاّ يوم واحد لبعث الله رجلا من أهل بيتي يملأها عدلا كما ملئت جوراً».

(المصنّف لابن أبي شيبة ح 194).

وحميد بن عبد الرحمن عن محمّد بن مسلم عن إبراهيم بن ميسرة قال: قلت لطاووس: عمر بن عبد العزيز، المهديّ؟ قال: لقد كان مهديّاً وليس به، إنّ المهديّ إذا كان زيد المحسن في إحسانه، وتيب عن المسيء من إساءته، وهو يبذل المال ويشتدّ على العمّال ويرحم المساكين. (المصنّف لابن أبي شيبة ح 198).

ففكرة المهديّ وحديثه قديمة ولذا حاول أقوام الإفادة من الحديث لجلب الناس إلى صفّه، ممّا يؤكد الحديث وتواتره لدى الأمّة. وإنّ الأحاديث لتؤكّد أنّه عليه‌السلام من الشجرة المباركة أهل البيت.

الفضل بن دكين، وأبو داود عن ياسين العجلي عن إبراهيم بن محمّد بن الحنفيّة عن أيه عن عليّ عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله قال: «المهديّ منّا أهل البيت يصلحه في ليلة».

(المصنّف لابن أبي شيبة ح 190).

وكيع عن فضيل بن مرزوق عن عمران بن ظبيان عن حكيم بن سعد قال: لما قام سليمان - فأظهر  ما أظهر، قلت لأبي يحيى: هذا المهديّ الّذي يذكر؟ قال: لا، ولا المشتبه. (المصنف لابن أبي شيبة ح 197).

أبو أسامة عن هشام عن ابن سيرين قال: المهديّ في هذه الأمّة وهو الذي يؤمّ عيسى ابن مريم. (نفسه ح 195). فكم هي خصوصيّات هذا البيت الطّاهر، بدءاً برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله الذي هو سيّد البشر مطلقاً بما فيهم الأنبياء والرّسل، وبفاطمة بنت النبيّ، الّتي هي سيّدة

 


الصفحة 305

نساء أهل الجنّة، وبزوجها سيّد العرب ووصيّ النبيّ، وابنيهما اللّذين هما سيّدا شباب أهل الجنّة الحسن والحسين، عليهم السلام أجمعين، ثمّ السلسلة العلويّة الطاهرة وخاتمتها منقذ البشريّة المهديّ المنتظر عليه‌السلام؛ فحقّ للناصبيّ أن ينفّس عن غيظه فينكر الشّمس في رائعة النّهار!

أبو معاوية - الضّرير - وابن نمير، عن موسى الجهنيّ عن زيد العمي عن أبي الصديق النّاجي عن أبي سعيد الخدريّ قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «يكون في أمّتي المهديّ غن طال عمره أو قصر عمره يملك سبع سنين أوثماني سنين أو تسع سنين، فيملأها قسطا وعدلا كما ملئت جورا، وتمطر السماء مطرها وتخرج الأرض بركتها، قال: وتعيش أمّتي في زمانه عيشا لم تعشه قبل ذلك». (المصنّف لابن أبي شيبة ح 184) وأبو معاوية عن داود عن أبي نضرة عن أبي سعيد عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله قال: «يخرج في آخر الزمان خليفة يعطي الحقّ بغير عدد».

(المصنّف لابن أبي شيبة ح 186).

أبو معاوية عن الأعمش عن عطيّة - العوفيّ - عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «يخرج رجل من أهل بيتي عند انقطاع من الزمان وظهور من الفتن يكون عطاؤه حثياً». (المصنّف لابن ابي شيبة ح 185).

فالاسلام بدأ بالهاشمي محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله، والوصي بعده ابن عمه عليّ عليه السلام، وواسطة العقد بنت النبي فاطمة عليها السلام، ويختم بسليل النبوّة، والامامة المهدي عليه السلام؛ فأنى والحال هذه للضمائر المنطوية على ما فيها أن ترضى بذلك وتسكت عليه؟! وهذه بعض المصادر التي ذكرت المهدي عليه السلام، وقد ذكرته في موارد كثيرة فاقتصرنا على بعضها للإختصار: المسند: أحمد بن حنبل 2 / 74 / 645، تاريخ البخاري الكبير 1 / 317 / 994، سنن أبي داود 4 / 107 / 4283، سنن ابن ماجة 2 / 23 ح 4085 باب خروج المهدي - من كتاب الفتن، أمالي ابن بابويه (ت 383 هـ): 426 ح 15 من مجلس 72، الاختصاص للمفيد 26، حلية الأولياء 3 / 184 ح 19، مسند البزار: 493، مناقب امير المؤمنين للكوفي 1: 827 / 666.

 


الصفحة 306

إذا ثبت - وهو ثابت يقيناً! - أنّ أولي الأمر من بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله هم عليّ وولده المذكورة أسماؤهم المعلومة أشخاصهم، الذين قرن الله تعالى طاعتهم بطاعته... فهم معصومون وصراطهم صراط الله المستقيم، الخارج عليهم والحائد عن صراطهم خارج عن الحق وفي الباطل داخل، وسبيله سبيل أهل الغصب والضلال.

قوله تعالى: (إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالّذِينَ آمَنُوا فَإِنّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ). (1)

إنّ القرآن يفسّر بعضه بعضا، وتؤكد آياته المعنى المستقى من آيات أخر، والآيتان من سورة المائدة ناهضتان بالمعنى المتحصّل من الآية السابقة من سورة النساء، ومعضدة لما ذكرناه من ظهور الآية في علي والأئمة المعصومين من ولده وأنّ الفلاح في نهجهم الحقّ.

وإذا كان ثمة لبس في تعيين أولي الأمر الّذين يجب طاعتهم مع طاعة الله ورسوله، فإنّهم هنا: من أقام الصلاة وأعطى الزّكاة وهو في هيئة الرّكوع. فما بقي إلا الفحص عمن قام بهذا الفعل. وقبل هذا فإن الآية حصرت الولاية بثلاثة: الله تعالى، ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، والمؤمن المتصدق حال الركوع، وبهذا خرج غيرهم من عنوان الولاء واستقامة الصراط.

في شأن الآية الأولى: عن حبّان، عن الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عباس، في قوله تعالى: (إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)، قال: نزلت في عليّ عليه‌السلام خاصّة. (2)

وقوله: ( وَمَن يَتَوَلّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالّذِينَ آمَنُوا فَإِنّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ)، قال: عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام (3).

____________________

(1) المائدة / 56 - 56.

(2) تفسير الحبريّ: 260؛ تفسير فرات: 38.

(3) تفسير الحبريّ: 261؛ تفسير فرات: 38. عن محمد بن السائب، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: أقبل عبد الله بن سلام ومعه نفر من قومه ممن قد آمنوا بالنّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، فقالوا: يا رسول الله، إنّ منازلنا بعيدة وليس لنا مجلس ولا متحدّث دون هذا المجلس، وإنّ قومنا لما رأونا آمنّا بالله ورسوله وصدّقنا رفضونا وآلوا على أنفسهم أن لا يجالسونا ولا يواكلونا ولا يناكحونا ولا يكلّمونا، فشقّ ذلك علينا. فقال لهم النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله: (إِنّمَا =

 


الصفحة 307

____________________

=

وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)، ثمّ إنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله خرج إلى المسجد والنّاس بين قائم وراكع، وبصر بسائل، فقال له النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله: هل أعطاك أحد شيئاً؟ قال: نعم، خاتماً من ذهب. فقال النّبيّ: من أعطاك؟ قال: ذلك القائم وأومى بيده إلى عليّ عليه‌السلام، فقال النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله: على أيّ حال أعطاك؟ قال: أعطاني وهو راكع، فكبّر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ثمّ قرأ: (وَمَن يَتَوَلّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالّذِينَ آمَنُوا فَإِنّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ). فأنشأ حسّان بن ثابت يقول في ذلك:

أبا  حسن  تفديك  نفسي ومهجتي        وكلّ  بطيء  في الهدى iiومسارع
أيذهب   مدحيك  المحبّر  iiضائعاً        وما  المدح  في ذات الإله بضائع
فأنت الّذي أعطيت إذ كنت راكعاً        فدتك  نفوس القوم، يا خير iiراكع
بخاتمك  الميمون  يا  خير  iiسيّد،        ويا  خير  شار،  ثمّ  يا  خير بايع
فأنزل    فيك   الله   خير   iiولاية        فأثبتها   في   محكمات   iiالشرايع

وقال أيضاً:

من  ذا  بخاتمه  تصدّق  iiراكعاً        وأسرّها   في  نفسه  iiإسرارا؟!
من كان بات على فراش محمّد        ومحمّد   أسرى   يوم  iiالغارا؟!
من كان في القرآن سمّي مؤمنا        في  تسع  آيات  تلين  iiغرارا؟!

ويرد الخبر في نزول الآية في أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام بألفاظ مختلفة تتّحد في أصل المتن، وهو تصدّقه بالخاتم ونزول الآية عقب ذلك، ومن حشد من الصّحابة والتّابعين في مختلف المصادر ن وكلّها تجمع أنّها خاصة في عليّ عليه‌السلام، هذا بعض منه:

* أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام. مختصر تاريخ ابن عساكر 18: 8.

وبرواية عيسى بن عبد الله، عن أبيه، عن عمر بن عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام، عنه. المناقب للخوارزميّ ك 266 و عنه في غاية المرام 9: 18؛ شواهد التنزيل 1: 182؛ البداية والنهاية 7: 357؛ معرفة علوم الحديث للحاكم النيسابوريّ: 102.

ورواية محمّد بن الحسن، عن أبيه، عن جدّه، عنه عليه‌السلام: في قوله عزّ وجلّ (إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا) الآية، قال: «الله ورسوله، والّذين آمنوا: عليّ بن أبي طالب» في مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ: 312، وعنه في العمدة: 60؛ غاية المرام: 104؛ الدرّ المنثور 2: 293؛ تفسير ابن كثير 2: 71، ومعرفة علوم الحديث للحاكم: 102.

عن سعد بن طريف، عن الأصبغ بن نباتة، عنه عليه‌السلام. الأمالي الخميسيّة للمرشد بالله الشجريّ، (المتوفّى =

 


الصفحة 308

____________________

= سنة 499 هـ) 1: 138.

وعن حصين بن مخارق، عن أبي الجارود، عن محمّد، وزيد ابني عليّ بن الحسين عليهما‌السلام، عن آبائهما أنها نزلت في عليّ عليه‌السلام. الأمالي الخميسيّة 1: 137، - وعنه عليه‌السلام. تفسير فرات: 39 و 41؛ الدرّ المنثور 2: 293.

* الإمام الحسن بن عليّ بن أبي طالب عليهم‌السلام. تذكرة الخواصّ: 207.

* الإمام محمّد الباقر بن عليّ زين العابدين عليهما‌السلام.

قال عليّ بن عابس: دخلت أنا وأبو مريم على عبد الله بن عطاء، فقال أبو مريم: حدّث عليّاً بالحديث الذي حدّثتني عن أبي جعفر - أي الباقر عليه‌السلام -، قال: كنت عند أبي جعفر جالساً إذ مرّ عليه ابن عبد الله بن سلام، قلت: جعلني الله فداك، هذا ابن الذي عنده علم الكتاب؟ قال: لا، ولكنّه صاحبكم عليّ بن أبي طالب الّذي نزلت فيه آيات من كتاب الله عزّ وجلّ (الَّذِي عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ)، (أَفَمَن كَانَ عَلَى‏ بَيّنَةٍ مِنْ رَبّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ) و (إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ). مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ 314، وعنه في العمدة 61؛ غاية المرام 105؛ تفسير فرات 36؛ تفسير القرطبيّ 9: 336؛ سعد السّعود 70.

* أنس بن مالك. كفاية الطّالب: 228، وفيه: إنّ سائلاً أتى المسجد وهو يقول: من يقرض المليّ الوفيّ، وعليّ راكع يقول بيده للسائل، أي أخلع الخاتم من يدي. قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «يا عمر وجبت» قال: بأبي أنت وامّي يا رسول الله ن ما وجبت؟ قال: «وجبت له الجنّة، والله ما خلعه من يده حتّى خلعه الله من كل ذنب ومن كلّ خطيئة». قال: فما خرج أحد من المسجد حتّى نزل جبرئيل عليه‌السلام بقوله عزّ وجلّ (إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ) الآية، فأنشأ حسّان - ذكرنا شعره -.

* جابر بن عبد الله، مثل حديث ابن عبّاس في قصّة مجيء ابن سلام نصا، ولكن من غير شعر حسّان. أسباب النزول للواحدي؛ 133 - 134.

* أبو ذرّ الغفاريّ، وله كلام طويل في نزول الآية في أمير المؤمنين عليه‌السلام، ذكرها الثعلبيّ في تفسيره، ومجمع البيان للطّبرسي 2: 210؛ الغاية 103 ح العمدة 59؛ نظم درر السّمطين للزرنديّ: 87؛ تفسير غرائب القرآن للنيسابوريّ 6: 167، وتذكرة الخواصّ: 24 - 25 مرسلاً.

* أبو رافع. برواية عون بن عبيد الله بن ابي رافع، عن أبيه، عن جدّه. الدرّ المنثور 2: 294؛ أمالي الطوسيّ 1: 58؛ سعد السعود 96 ت 97 نقلاً عن «تأويل ما نزل من القرآن» لابن الجحّام.

وبسند عن هارون بن عسيد، عن محمّد بن عبيد الله الرافعيّ، عن أبيه، عن جدّه، عن أبي رافع. الأمالي الخميسيّة 1: 138. =

 


الصفحة 309

____________________

=

* عمّار بن ياسر. تفسير العيّاشيّ 1: 327: عن الحسن بن زيد، عن أبيه، عن جدّه عليه‌السلام، قال: سمعت عمّار بن ياسر يقول: وقف لعليّ بن أبي طالب عليه‌السلام سائل، وهو راكع في صلاة تطوّع، فنزع خاتمه فأعطاه السّائل. فأتى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فأعلمه بذلك، فنزل على النّبيّ هذه الآية (إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا) الآية، فقرأها رسول الله علينا ثمّ قال: «من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه». ويرد ذكر حديث عمّار بالفاظ مختلفة يسيراً في: مجمع الزّوائد 7: 17؛ تفسير ابن كثير 2: 71؛ الدرّ المنثور 2: 292؛ لباب النقول: 90؛ فتح القدير 2: 50. وذكره مرسلاً في درر السمطين: 86.

* ابن عبّاس. حديث مجيء ابن سلام. مناقب الخوارزميّ: 264 - 265 ح تفسير الطّبريّ 6: 186 - 187؛ شواهد التنزيل 1: 181؛ الدرّ المنثور 2: 293؛ فرائد السمطين 1: 189؛ العمدة: 119.

ورواية مجاهد عن ابن عبّاس. مناقب الإمام عليّ لابن المغازلي: 311؛ لباب النقول: 91، الأمالي الخميسيّة 1: 138، تفسير الطبريّ 6: 165؛ تفسير ابن كثير 2: 71، الدرّ المنثور 2: 295.

ورواه السّدّيّ، عن أبي عيسى، عن ابن عبّاس، قال: مرّ سائل بالنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وفي يده خاتم، فقال: «من أعطاك هذا الخاتم»؟ قال: ذاك الرّاكع، وكان عليّ يصلّي، فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله: «الحمد لله الّذي جعلها في وفي أهل بيتي (إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا) الآية». مناقب الإمام علي لابن المغازلي: 312؛ العمدة: 60؛ الدرّ المنثور 2: 293، وجامع الأصول لأحاديث الرّسول لابن الأثير 9: 478، وفتح القدير 2: 50.

ورواه عمر بن ثابت، عن محمّد بن السّائب، عن أبيه، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، قال: كان عليّ راكعاً فجاءه مسكين فأعطاه خاتمه، فقال: رسول صلى‌الله‌عليه‌وآله: «من أعطاك هذا الخاتم؟» فقال: أعطاني هذا الرّاكع، فأنزلت هذه الآية: (إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا) الآية. مناقب ابن المغازليّ: 313؛ لباب النقول: 90؛ كفاية الطّالب: 250؛ الدرّ المنثور 2: 293. وطرق حديث ابن عباس أكثر من هذا، فنجتزئ بهذا.

* عبد الله بن سلام. عن الواقدي، وابن الجوزي في ذخائر العقبى: 102 ح الرياض النضرة 2: 302؛ العمدة: 60؛ الغاية: 104؛ تفسير غرائب القرآن 6: 167.

ومن رجال التاريخ والتفسير: الواقديّ - صاحب المغازي المتوفّى 207 هـ في أنساب الأشراف للبلاذريّ 2: 150، وذخائر العقبى 102، والجصّاص المتوفّى 370 هـ في أحكام القرآن 2: 542، وعبد الرزّاق الصنعانيّ المتوفّى 211 هـ في تفسير ابن كثير 2: 71، والفرّاء الشّافعيّ (المتوفّى 516 هـ) في تفسيره: معالم التنزيل، بهامش تفسير الخازن 2: 55، والزمخشريّ الحنفيّ في تفسيره الكشّاف 1: 422، وفخر الدّين الرّازيّ الشّافعي في تفسير 3: 431، والسّدّيّ، وعتبة بن أبي الحكيم، وغالب بن عبد الله، في تذكرة الخواصّ: 24، وابن أبي الحديد المعتزليّ في شرح نهج البلاغة 3: 275، ومحمّد بن طلحة الشّافعيّ في مطالب السّؤول: 31، والنّسفيّ في =

 


الصفحة 310

وقد أكر الناصبيّ نزل الآية في امير المؤمنين عليّ عليه السلام قال: إنّ الآية لو نزلت في عليّ لذكرها الطبريّ في تفسيرها. وبدءاً نقول: هذا هو دأبه، فهو يلوذ بالبخاريّ ويعلن أن

____________________

= تفسيره، بامش الخازن 1: 496، وعلاء الدّين الخازن في تفسير 1: 496، و أبو حيان الأندلسي في تفسيره البحر المحيط 3: 514، وابن جزيّ الكلبيّ في تفسيره التّسهيل لعلوم التنزيل 1: 181، ونظام الدّين النيسابوريّ في تفسيره غرائب القرآن 3: 461 ن وابن الصبّاغ المالكيّ في الفصول المهمّة: 123، وابن حجر في الصواعق 24، والبيضاويّ الشّافعيّ في تفسيره 1: 345، والقندوزيّ الحنفيّ في ينابيع المودّة: 212، والشبلنجيّ في نور الأبصار: 77....

وممّن روى حديث ابن عبّاس: سعيد بن جبير، والضحّاك، ومجاهد، وحماد بن سلمة، وحبّان بن عليّ العنزيّ، وعمرو بن ثابت، ومحمّد بن مروان....

هذه أمّة أجمعت على نزول الآية والّتي تليها في عليّ عليه‌السلام وأنّ حزبه هم الغالبون لأنّهم حزب الله، فصراطهم هو الصراط المستقيم؛ ولكن شيخ بن القيّم وأستاذه «ابن تيميّة» كذّب النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله!! وعليّاً عليه‌السلام الّذي احتجّ - من جملة ما احتجّ به يوم المناشدة - بهذه الآية ونزولها فيه عليه‌السلام.

وقد اتّهم أئمّة أهل البيت وسادات الصّحابة والتّابعين، وأئمّة التفسير والحديث والتاريخ بالوضع! فقال: «قد وضع بعض الكذّابين حديثاً مفترى أنّ هذه الآية (إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) نزلت في عليّ تصدّق بخاتمه في الصّلاة. وهذا كذب بإجماع أهل العلم بالنّقل». منهاج السّنّة لابن تيميّة 1: 156.

وهكذا شأن شيخ الإسلام - كذا - ابن تيميّة في كتابه هذا: نفي مناقب أمير المؤمنين. ودليله دائماً في ذلك هو إجماع نفسه مقابل إجماع الصّحابة والتّابعين وهكذا من طبقات العلماء.

وإن تعجب فعجبك أكبر إذا علمت أنّ شخصاً في أيّامنا هذه يحمل شهادة عالية، وله مؤلّفات كثيرة، ذلك هو الدكتور بشير عوّاد معروف، قد أنكر حديث الولاية يوم غدير خمّ! إذ جاء في ترجمة أمير المؤمنين عليه‌السلام، في كتاب تهذيب الكمال في أسماء الرّجال للمزّيّ 2: 484 وتحقيق بشير عوّاد: وروى بريدة، وأبو هريرة، وجابر، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم، كلّ واحد منهم عن النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال يوم غدير خمّ: «من كنت مولاه فعليّ مولاه» زاد بعضهم «اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه». فقال بشير في هامش الكتاب: ليس في كلّ طرق هذا الحديث طريق صحيح، ولم يكن هذا الحديث معروفاً حتّى نعق به ناعق من خراسان»!

استعمل بشير عوّاد في تعامله مع الحديث نفس أسلوب ابن تيميّة وألفاظه، فهو مفتتن بفتنته، وقد نعته بالإمام وشيخ الإسلام وذي الآراء التجديديّة. انظر مقدّمته لتهذيب الكمال 1: 18 - 21. وحال بشير حال ابن القيّم، فهو مصدّق لخوارق العادات وتلكم المكارم الّتي ذكرنا كثيراً منها من تهذيب الكمال، لكنّه ينكر صحّة حديث الغدير! ودليله: أنّه ليس في طرقه طريق صحيح!

 


الصفحة 311

مسلم تفرّد بحديث كذا، وإذا تفرّد به لم يتابع عليه، هذا وإن ذكره من هو أقدم من البخاريّ ومسلم، والّذين هم شيوخ صاحبي الصحيحين ينقلان عنهما، مع ذكر أمّة من المحدّثين بما فيهم أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين... للحديث الذي أنكره رافض الحقّ!، وهنا نقول: لو صحّ أنّ الطبريّ لم يذكر ذلك، فهل يكون ذلك حجّةً في إلغاء من وإن كان متقدّماً على الطبريّ؟ مع إعتقادنا أنّ الطبريّ لو ذكره للاذ بحجّة أخرى في نفيه!

ومع كلّ ذلك نقول: غنّ الطبريّ قد ذكره في تفسيره!! ولا نصدّق أبداً أنّ تفسير الطبريّ لم يكن متوفّراً لديه. أمّا لم هذا الإصرار: فإننا لم نجد فضيلة خاصّة بعليّ امير المؤمنين عليه‌السلام إلاّ وكذّبها، مع ظنّه أن ليس هناك من يتابه فيفتّش عن حقيقة ما يقول؟

في تفسير الطبريّ 6: 343: (إِنّمَا وَلِيّكُمُ)، فإنّ أهل التأويل اختلفوا في المعنيّ به، فقال بعضهم: عني به عليّ بن أبي طالب. وقال بعضهم: عني به جميع المؤمنين.

(والمصدر: 344): أسباط عن السدّيّ، قال: ثمّ أخبرهم بمن يتولاّهم فقال: (إِنّمَا وَلِيّكُمُ ... وَهُمْ رَاكِعُونَ) هؤلاء جميع المؤمنين، ولكن عليّ بن أبي طالب مرّ به سائل وهو راكع في المسجد، فأعطاه خاتمه.

قال: حدّثنا إسماعيل بن إسرائيل الرمليّ، قال: حدّثنا أيّوب بن سويد، قال: حدّثنا عتبة بن أبي حكيم في هذه الآية (إِنّمَا وَلِيّكُمُ ...) الآية، قال: عليّ بن أبي طالب. (المصدر: 344). قال: حدّثني عبد العزيز، قال: حدّثنا غالب بن عبيد الله، قال: سمعت مجاهداً يقول في قوله (إِنّمَا وَلِيّكُمُ ... رَاكِعُونَ) الآية نزلت في عليّ بن أبي طالب تصدّق و هو راكع. (المصدر: 344). وفي قوله تعالى: (وَمَن يَتَوَلّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالّذِينَ آمَنُوا فَإِنّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) - المائدة: 56 - قال: وهذا إعلام من الله تعالى، ذكره عباده جميعاً، الذين تبرّؤوا من اليهود وحلفهم رضا بولاية الله ورسوله والمؤمنين، والّذين تمسّكوا بحلفهم وخافوا دوائر السوء تدور عليهم فسارعوا إلى موالاتهم بأنّ من وثق بالله وتولّى الله ورسوله والمؤمنين ومن كان على مثل حاله من أولياء الله من المؤمنين، لهم الغلبة والدوائر على من عاداهم وحادّهم لأنّهم ضرب الله وحزب الله هم الغالبون دون حزب الشيطان (تفسير الطبريّ 6: 344).

 


الصفحة 312

فعلى هذا: فهذه الآية أيضاً في عليّ عليه‌السلام، إذ هي معطوفة على ما قبلها مبيّنة للنتيجة المترتّبة على موالاة المؤمن المتصدّق وهو علي عليه‌السلام.

ونذكر مفسّراً متقدّماً على الطبريّ بأكثر من قرن ونصف ذلك هو مقاتل بن سليمان المتوفّى سنة (150 هـ)، فقد ذكر في تفسيره قال: وقوله سبحانه: (إِنّمَا وَلِيّكُمُ ...) الآية - 55 -، وذلك أنّ عبد الله بن سلام وأصحابه قالوا للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله عند صلاة الأولى: أنّ اليهود أظهروا لنا العداوة من أجل الإسلام، ولا يكلّمونا، ولا يخالطوننا في شيء، ومنازلنا فيهم، ولا نجد متحدّثاً دون هذا المسجد، فنزلت هذه الآية، فقرأها النبيّ فقالوا: قد رضينا بالله ورسوله و بالمؤمنين أولياء، وجعل الناس يصلّون تطوّعاً بعد المكتوبة، وذلك في صلاة الأولى.

وخرج النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى باب المسجد، فإذا هو بمسكين قد خرج من المسجد، وهو يحمد الله عزّ وجلّ فدعاه النبيّ فقال: «هل أعطاك أحد شيئاً؟» قال: نعم يا نبي الله، قال: «من أعطاك؟» قال: الرجل القائم أعطاني خاتمه، يعني عليّ بن أبي طالب، رضوان الله عليه، فقال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله: «على أيّ حال أعطاكه؟»، قال: أعطاني وهو راكع، فكبّر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وقال: «الحمد لله الّذي خصّ عليّاً بهذه الكرامة»، فأنزل الله عزّ وجلّ: (وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ ... وَهُمْ رَاكِعُونَ) (وَمَن يَتَوَلَّ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا) يعني عليّ بن أبي طالب رضى الله عنه، (فَإِنَّ حِزْبَ اللَّـهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) الآية: 56.

قال: يعني شيعة الله، والّذين أمنوا هم الغالبون، فبدأ بعليّ بن أبي طالب رضى الله عنه، قبل المسلمين؛ ثمّ جعل المسلمين وأهل الكتاب المؤمنين، فيهم عبد الله بن سلام، وغيره هم الغالبون لليهود، حيث قتلوهم وأجلوهم من المدينة إلى الشام وأذرعات وأريحا. (تفسير مقاتل بن سليمان 1: 306 - 307).

 


الصفحة 313

قوله تعالى: (يَا أَيّهَا الرّسُولُ بَلّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبّكَ وَإِن لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ) (1).

نزلت يوم الثامن عشر من ذي الحجّة سنة 10 هـ، وتسمّى عام الوداع؛ إذ هي آخر حجّة لرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله، ولم يلبث بعدها طويلاً، فتوفّي سنة 11 هـ ولما قفل صلى‌الله‌عليه‌وآله راجعاً، وبلغ غدير خمّ، أتاه جبرئيل بهذه الآية. ومن شأنها أنّ الله عزّ وجلّ أمر النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله أن يقيم عليّاً عليه‌السلام علماً للنّاس ويخبرهم بولايته، فتخوّف رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أن يقولوا حابى ابن عمّه وأن يطعنوا في ذلك عليه، وهم بعد ما يزالون حديثي عهد بالإسلام، فأوحى الله تعالى إليه هذه الآية، وطمأنه أنّ الله تعالى يعصمه من النّاس فعندها نادى صلى‌الله‌عليه‌وآله الصلاة جامعة، فاجتمع الحجيج وخطب رسول الله خطبة بالغة أكّد فيها وأمر بأمر الله سبحانه بلزوم عليّ والأئمّة من ولده، وأخذ بيد عليٍّ وقال: «من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه». ولحسّان بن ثابت في يوم الغدير شعر، منه:

يناديهم     يوم     الغدير    iiنبيّهم        بخمّ،   وأسمع   بالرسول  iiمناديا
يقول:   فمن   مولاكم   iiووليّكم؟        فقالوا  ولم  يبدوا  هناك iiالتّعاميا:
الهك     مولانا،    وأنت    iiوليّنا        ولم  تر  منّا  في  الولاية iiعاصيا
فقال   له:   قم   يا  عليّ،  iiفإنّني        فكونوا  له  أنصار  صدق مواليا
فمن   كنت   مولاه   فهذا   iiوليّه        فكونوا  له  أنصار  صدق مواليا
هناك   دعا:   اللّهمّ   وال   iiوليّه        وكن   للّذي  عادى  عليّاً  iiمعاديا
فيا ربّ انصر ناصريه لنصرهم        إمام  هدى  كالبدر  يجلو الدّياجيا

رواة ومصادر حديث الغدير:

ليس سهلاً الإحاطة بأسماء رواة حديث الغدير والمصادر الّتي ذكرت عيد إكمال الدّين وإتمام النّعمة بإقامة عليٍّ عليه‌السلام علماً للأمّة ومناراً. وإنّ محاولة مثل هذه تبعدنا عن المقصود وهو إقامة الحجّة على أنّ صراط عليّ هو الصّراط المستقيم، وهو موضوع بحثنا.

____________________

(1) المائدة / 67.

 


الصفحة 314

وقد تكفّلت حديث الغدير وأعطته مستحقّه من البحث والتحليل مصادر وفيرة. من ذلك: الجهد المشكور للعلاّمة عبد الحسين الأمينيّ، في موسوعته الخالدة «الغدير في الكتاب والسّنّة والأدب»، والسيّد حامد حسين الهنديّ في كتابه «عبقات الأنوار» الجزء الأوّل والثاني.

ولكنّ الحاجة إلى ذكر الأعلام والمصادر تظلّ مطلوبة للقارئ، ليعلم أنّ الحديث حقّ وليس من مبتكرات الفرس، ولا من ناعق خراسان، كما زعموا. وبعد ذلك ليس له إلاّ أن يصدّق الحديث أو أن يكذّبه، فيتّهم لذلك عليّاً عليه‌السلام، وهو من رواته وقد خاصم به القوم فخصمهم، والحسنين وأمّهما الزّهراء عليهم‌السلام، وزيد بن أرقم، وأبا الهيثم بن التّيّهان، وعمّار بن ياسر، وعبد الله بن جعفر...

على أنّا سنذكر بعض رواته إدراجاً من غير إشارة إلى مصادر ورود كلّ منهم، ولا رواية أحدهم، ثمّ نذكر بعضاً من المصادر تعضيداً للحديث، تاركين للباحث الرّجوع إليها إذا شاء التوسّع.

رواته: عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام، فاطمة عليها‌السلام بنت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، الحسن والحسين ابنا عليّ بن أبي طالب عليهم‌السلام، ابن عبّاس، الفضل بن عبّاس، أبو أيّوب الأنصاريّ، زيد بن أرقم، سعد بن أبي وقّاص، جابر بن عبد الله الأنصاريّ، أبو سعيد الخدريّ، عمر بن الخطّاب، جرير بن عبد الله البجليّ، أبو هريرة، عبد الرّحمن بن أبي ليلى، عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعيّ، حبيب بن بديل بن ورقاء الخزاعيّ، خزيمة بن ثابت ذو الشّهادتين، عمّار بن ياسر، هاشم المرقال بن عتبة، قيس بن ثابت بن شمّاس الأنصاريّ، قيس بن سعد بن عبادة، أبو الهيثم مالك بن التّيّهان الخزرجيّ، حذيفة بن أسيد الغفاريّ، البراء بن عازب الأوسيّ، زياد بن الحارث الصدائيّ، أنس بن مالك، أسعد بن زرارة الأنصاريّ الخزرجيّ النّجاريّ، أبو رافع مولى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، أبو بكر بن أبي قحافة، أبيّ بن كعب الأنصاريّ الخزرجيّ، أسماء بنت عميس الخثعميّة، أمّ سلمة زوجة النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، خويلد بن خالد الهذليّ الشّاعر المشهور، أبو عمرة بن عمرو بن محصن الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو ليلى الأنصاريّ، بريدة بن الحصيب الأسلميّ، جبير بن مطعم بن عديّ القرشيّ النوفليّ، أبو ذرّ جندب بن

 


الصفحة 315

جنادة الغفاريّ، حسّان بن ثابت، حذيفة بن اليمان، حبّة بن جوين البجليّ العرنيّ، حبشيّ ابن جنادة السلوليّ، زيد بن ثابت الأنصاريّ الخزرجيّ، زيد - أو يزيد - بن شراحيل الأنصاريّ، سعيد بن زيد القرشيّ العدويّ، طلحة بن عبيد الله القرشيّ التّيميّ الّذي قتل يوم الجمل، سلمان المحمّديّ «الفارسيّ»، سهل بن سعد الأنصاريّ الخزرجيّ السّاعديّ، أبو الطّفيل عامر بن واثلة اللّيثيّ، عائشة بنت أبي بكر، ثابت بن وديعة الأنصاريّ الخزرجيّ، أمّ هاني بنت أبي طالب، أبو فضالة الأنصاريّ الّذي استشهد يوم صفّين، أبو زينب بن عوف الأنصاريّ، أبو قدامة بن الحارث أو سهل بن الحارث الّذي استشهد يوم صفّين، جابر بن سمرة بن جنادة العامريّ ثمّ السوائيّ، جندع بن عمرو بن مازن، الزّبير بن العوّام، سمرة بن جندب الفزاريّ، سهل بن حنيف الأنصاريّ الأوسيّ، عامر بن ليلى بن ضمرة، عامر بن ليلى الغفاريّ - قال أبو موسى: أظنّهما واحداً - عبد الله بن حنطب القرشيّ، عبد الرّحمن بن عبد ربّ الأنصاريّ، عبد الله بن عمر بن الخطّاب، عثمان بن عفّان، عمارة الأنصاريّ الخزرجيّ، عمر بن أبي سلمة المخزوميّ ربيب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، عبد الله بن مسعود، عديّ بن حاتم الطّائيّ، عمران بن حصين الخزاعيّ، عمرو بن مرّة الجهنيّ. مالك ابن الحويرث اللّيثيّ، المقداد بن عمرو الكنديّ، عبيد بن عازب الأنصاريّ الأوسيّ، أخو البراء بن عازب -، كعب بن عجرة الأنصاريّ، يعلى بن مرّة بن وهب الثقفيّ، ناجية بن عمرو الخزاعيّ، نعمان بن عجلان الأنصاريّ، عمرو بن الحمق الخزاعيّ ن عقبة بن عامر الجهنيّ، عبد الرّحمن بن عوف القرشيّ الزّهريّ، أبو برزة الأسلميّ، عبد الله بن ياميل، عمرو بن العاص، العبّاس بن عبد المطّلب، عبد الله بن ثابت الأنصاري....

هذه طائفة من الصّحابة ممّن ذكروا حديث الغدير، اكتفينا بهم بغية الإيجاز. ومع ذلك فهم أمّة، تجد فيهم العدول الّذين لا مطعن فيهم، وفيهم من انحرف عن عليٍّ بعد، حتّى حاربه بعض مثل عمرو بن العاص وغيره. ولعلّهم جميعاً عرب، إلاّ سلمان الفارسيّ الصحابيّ الكبير الّذي ضمّه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى البيت الطّاهر، فقال: «سلمان منّا أهل البيت».

ولم تنقطع سلسلة رواة الحديث، فهي تبدأ بأمير المؤمنين عليه‌السلام وعلية الصحابة،

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة