الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة 238

النّسفيّ، المتوفّى سنة 710 هـ.

هذه أهمّ التفاسير المشتهرة والذّائعة الصّيت. وأمّا أهمّ كتب التاريخ والتراجم والحديث الّتي رجعنا إليها في حديث براءة، فهي:

- السّيرة النّبويّة: ابن هشام، المتوفّى سنة 218 هـ، 4: 190.

الطبقات الكبرى - محمّد بن سعد، المتوفّى سنة 230 هـ، 2: 169.

تاريخ الأمم والملوك: محمّد بن جرير الطّبريّ، المتوفّى سنة 310 هـ، 2: 283.

أنساب الأشراف: أحمد بن يحيى البلاذريّ، من أعلام القرن الثالث الهجريّ، 2: 154.

- مختصر تاريخ دمشق: ابن عساكر عليّ بن الحسين الشّافعيّ، المتوفّى سنة 573 هـ اختصار محمّد بن مكرّم المعروف بابن منظور، المتوفّى سنة 711 هـ، 18: 5، 6، 7.

المختصر في تاريخ البشر: عماد الدّين إسماعيل أبو الفداء، المتوفّى سنة 732 هـ، 1: 150.

البداية والنّهاية: ابن كثير الدّمشقيّ الحنبليّ، المتوفّى سنة 774 هـ، 5: 33، 34، 35.

مسند أحمد بن حنبل، المتوفّى سنة 241 هـ، 1: 150، 151، 79، 331؛ 3: 212، 283.

سنن الترمذيّ «الجامع الصّحيح»: محمّد بن عيسى الترمذيّ، المتوفّى سنة 279 هـ، 2: 179، 180؛ 4: 339، 340؛ 5: 300.

صحيح البخاريّ - محمّد بن إسماعيل الجعفيّ البخاريّ، المتوفّى سنة 256 هـ، 1: 103؛ 6: 81.

سنن الدّارميّ: عبد الله بن عبد الرحمن السّمرقنديّ التميميّ الدّارميّ، المتوفّى سنة 255 هـ، 2: 67، 68، 237.

السّنن الكبرى: أحمد بن الحسين البيهقيّ، المتوفّى سنة 458 هـ، 9: 224.

سنن ابن ماجة: محمّد بن يزيد القزوينيّ، المتوفّى سنة 273، 1: 44.

السّنن: أحمد بن عليّ النّسائيّ، المتوفّى سنة 303 هـ، 5: 234. وكتاب الخصائص له، 28، 29.

المستدرك على الصّحيحين: الحاكم النّيسابوريّ، 2: 331؛ 3: 51، 52.

 


الصفحة 239

التلخيص، بذيل مستدرك الصّحيحين: محمّد بن أحمد بن عثمان الذّهبيّ، المتوفّى سنة 848 هـ، 2: 331.

فتح الباري شرح صحيح البخاري: أحمد بن عليّ بن حجر العسقلانيّ الشّافعيّ، المتوفّى سنة 852 هـ، 8: 104، 404 - 409.

الصواعق المحرقة: ابن حجر العسقلانيّ، 19، 73.

ينابيع المودّة: سليمان بن إبراهيم القندوزيّ الحنفيّ، المتوفّى سنة 1294 هـ، 88، 89.

مصابيح السّنّة النّبويّة: الحسين بن مسعود البغوي الشّافعيّ، 2: 275.

مناقب الإمام عليّ بن أبي طالب: الفقيه ابن المغازليّ عليّ بن محمّد الشّافعيّ، المتوفّى سنة 483 هـ: 116.

المناقب: الموفّق بن أحمد المكّيّ الخوارزميّ الحنفيّ، المتوفّى سنة 568 هـ، 126، 164، 165.

تذكرة الخواصّ: سبط ابن الجوزيّ يوسف بن فرغليّ الحنبليّ ثمّ الحنفيّ، المتوفّى سنة 654 هـ، 42، 43.

كفاية الطّالب في مناقب عليّ بن أبي طالب: محمّد بن يوسف الگنجيّ الشّافعيّ، المقتول سنة 658 هـ، 254، 255.

الرّياض النضرة: أحمد بن عبد الله الطّبريّ الشّافعيّ، المتوفّى سنة 694 هـ، 2: 74، 173، 174.

ذخائر العقبى - له، 69، 87.

فرائد السّمطين: عبد الله بن عليّ الجوينيّ، المتوفّى سنة 730 هـ، 1: 58، 59، 61.

الرّوض الأنف في تفسير السّيرة النّبوية لابن هشام: عبد الرّحمن بن عبد الله السهيليّ، المتوفّى سنة 581 هـ، 2: 328.

تهذيب الكمال في أسماء الرّجال: يوسف المزّيّ، المتوفّى سنة 742 هـ، 5: 349.

كنز العمّال: عليّ المتّقيّ بن حسام الدّين الهنديّ، المتوفّى سنة 975 هـ، في مواضع كثيرة، منها: 2: 379، 417، 420، 422 - 424، 431.

 


الصفحة 240

تفسير القرآن العزيز: عبد الرزّاق بن همام الصنعانيّ، المتوفّى 211 هـ 1: 240 / 1038 و 1039 و 1040.

المغازي: الواقديّ، المتوفّى 207 هـ 3: 1077.

المصنّف: ابن أبي شيبة، المتوفّى 235 هـ 7: 506 / 72.

 

الاستدلال بآية التّطهير

ليس أصدق دليل على استقامة صراط عليّ عليه‌السلام الّذي يجب مشايعته - من طهارته. ليس من المهد إلى اللّحد؛ بل من عالم الذّرّ (1)، فعالم التكوين (2) والصّيرورة، ومن المهد (3) الّذي لم يشركه به أحد إلى خضاب الشّهادة الّتي طال أمدها فاستبطأها ليث وغاها، فكان يرفع صوته بها: ما يحبس أشقاها؟! فإذا وقع الموعود هتف طود التّقى في محرابه: فزت وربّ الكعبة! وعليّ عليه‌السلام لم يخالط جسده ولا سرى في شيء من دمه ما وقع لغيره من الخبائث والحرام. وكان ممّا أنعم الله تعالى به عليه أن جعله في حجر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، يغذّيه مكارم الأخلاق.

نزول آية التّطهير: (إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً)(4).

قال جميع بن عمير: دخلت مع أمّي على عائشة، فقالت: أخبريني كيف كان حبّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لعليّ؟ فقالت عائشة: كان أحبّ النّاس إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، لقد رأيته يوماً أدخله تحت ثوبه وفاطمة وحسناً وحسيناً، فقال: «اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي، اللّهمّ أذهب عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيراً». قالت: فذهبت لأدخل رأسي فمنعني، فقلت: يا رسول

____________________

(1) قال سلمان: سمعت حبيبي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: «كنت أنا وعليّ نوراً بين يدي الله مطيعاً، يسبّح الله ذلك النّور ويقدّسه قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام. فلمّا خلق الله آدم ركز ذلك النّور في صلبه، فلم يزل في شيء واحد حتّى افترقنا في صلب عبد المطّلب، فجزء أنا وجزء عليّ». مختصر تاريخ دمشق 17: 318.

(2) كانت أمّه إذا أرادت أن تسجد لصنم وهو في بطنها منعها من ذلك. (ذكرناه في ص 27).

(3) ولد عليه‌السلام في الكعبة، وما ولد قبله أحد فيها. المجدي للعمريّ 11؛ تذكرة الخواصّ 20؛ العمدة لابن البطريق 12؛ تاريخ بغداد 3: 106؛ مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ 6 - 7.

(4) الأحزاب / 33.

 


الصفحة 241

الله، أو لست من أهلك؟ قال: «إنّكِ على خير، إنّك على خير» (1).

ومن طرق عدّة، عن محمّد بن بشر، عن زكريّا، عن مصعب بن شيبة، عن صفيّة بنت شيبة، قالت: قالت عائشة: خرج رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ذات غداة وعليه مرط (2) مرحّل من شعر أسود، فجاء الحسن بن عليّ فأدخله، ثمّ جاء الحسين فأدخله معه، ثمّ جاءت فاطمة فأدخلها، ثمّ جاء عليّ فأدخله، ثمّ قال: (إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً)(3).

 

حديث أمّ سلمة:

الحبريّ (4)، قال: حدّثنا مالك بن إسماعيل، عن أبي شهاب الخيّاط، قال: أخبرني عوف

____________________

(1) مختصر تاريخ دمشق 17: 365. وسئلت عائشة عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضى الله عنه، فقالت: وما عسيت أن أقول فيه، وهو أحبّ النّاس إلى رسول الله، لقد رأيت رسول الله جمع شملته على عليّ وفاطمة والحسن والحسين وقال: «هؤلاء أهل بيتي اللّهمّ أذهب عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيراً» قيل لها: فكيف سرت إليه؟ قالت: أنا نادمة، وكان ذلك قدراً مقدوراً. (المحاسن والمساوئ للبيهقيّ 298). ويبدو أنّ أمّ المؤمنين قدريّة! فهي تظهر النّدم على ما صنعته يوم الجمل ثمّ تردّ الفعل إلى الله! تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً، فكيف يقدّر سبحانه على عبدٍ فعلاً يندم العبد من فعله؟!

(2) مرط: كساء يؤتزر به. ومرحّل:موشّى منقوش عليه صور رحال الإبل.

(3) صحيح مسلم 7: 130؛ المستدرك على الصحيحين 3: 147؛ التلخيص للذهبيّ - بذيل مستدرك الصحيحين -، ينابيع المودّة: 107؛ كفاية الطالب: 373 - 375، وفي صفحة 54 قال: «الصحيح أنّ أهل البيت عليّ وفاطمة والحسنان عليهم‌السلام، كما رواه مسلم بإسناده عن عائشة أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله خرج ذات غداة وعليه مرط مرحّل من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثمّ جاء الحسين فأدخله معه...» وذكر بقيّة الحديث عن صفيّة، عن عائشة. ثمّ عقّب قائلاً: وهذا دليل على أنّ أهل البيت هم الّذين ناداهم الله بقوله: أهل البيت، وأدخلهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في المرط. قال: وأيضاً روى مسلم بإسناده أنّه لما نزلت آية المباهلة دعا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً، وقال: «اللّهمّ هؤلاء أهلي». وأخرجه إمام أهل الحديث أحمد بن حنبل في مسنده عن غير واحد من أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله والتّابعين. ذكره أحمد بن حنبل في المسند 1: 185، من طرق كثيرة. وفي تفسير الخازن 3: 467 مثله، وقال: أخرجه مسلم.

(4) أبو عبد الله الحسين بن الحكم بن مسلم الحبريّ المتوفّى سنه 286 هـ. محدّث مفسّر، له: تفسير الحبريّ.

 


الصفحة 242

الأعرابيّ، عن أبي المعدّل عطيّة الطّفاويّ، عن أبيه، عن أمّ سلمة، قالت: كنت مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في البيت، فقالت الخادم: هذا عليّ وفاطمة معهما الحسن والحسين قائمين بالسّدّة (1). فقال: قومي تنحّي عن أهل بيتي. فقمت، فجلست في ناحية، فأذن لهم فدخلوا، فقبّل فاطمة واعتنقها، وقبّل عليّاً واعتنقه، وضمّ إليه الحسن والحسين صبيّين صغيرين، ثمّ أغدف عليهم خميصةً(2) له سوداء، وقال: اللّهمّ إليك لا إلى النّار. فقلت: وأنا يا رسول الله؟! قال: وأنت على خير(3).

إن قول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لأمّ المؤمنين: «قومي تنحّي عن أهل بيتي» له من الدلالة ما لا يمكن إنكارها؛ فأهل بيت النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله هم أصحاب الكساء: عليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم‌السلام، لا يشركهم أحد من أزواجه ولا من غير أزواجه. وهذا وحده عال في شأنهم وصدق صراطهم؛ فكيف إذا أنضاف اليه تطهيرهم من لدن العليّ المتعال؟! فهل لحاطب ليل بعدئذ أن لا يقول: الصّراط المستقيم هو صراط آل محمّد عليهم‌السلام؟!

وأخرج أحمد بن حنبل، عن عطاء بن أبي رباح، قال: حدّثني من سمع أمّ سلمة، أمّ النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله كان في بيتها، فأتته فاطمة ببرمة (4) فيها حريرة (5) فدخلت بها عليه، فقال لها: «ادعي زوجك وابنيك». قالت: فجاء عليّ والحسن والحسين فدخلوا عليه، فجلسوا يأكلون من تلك الحريرة، وهو على منامة له على دكّان تحته كساء خيبريّ. قالت: وأنا أصلّي في الحجرة، فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية: (إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً). قالت: فأخذ فضل الكساء فغشّاهم به، ثمّ أخرج يده فألوى بها إلى السّماء، ثمّ قال: «اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي، وخاصّتي، فأذهب عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيراً، اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي وخاصّتي فأذهب عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيرا». قالت:

____________________

(1) السّدّة: باب الدّار.

(2) أغدف: أرسل عليهم. والخميصة: كساء مربّع.

(3) تفسير الحبريّ: 304 - 305؛ تفسير فرات الكوفيّ: 121؛ والكنى والأسماء للدولابيّ 2: 254/2619 و 255/2623.

(4) إناء من فخار.

(5) الحريرة: حساء من دقيق يطبخ باللّبن.

 


الصفحة 243

فأدخلت راسي البيت فقلت: وأنا معكم يا رسول الله؟ قال: «إنّك إلى خبر، إنّك إلى خير»(1).

وقال: قال عبد الملك: وحدّثني أبو ليلى عن أمّ سلمة مثل حديث عطاء سواء. قال عبد الملك: وحدّثني داود بن أبي عوف الجحّاف، عن حوشب (2)، عن أمّ سلمة بمثله سواء (3).

مالك بن إسماعيل، عن أبي إسرائيل الملاّئيّ، عن زبيد عن شهر بن حوشب، عن أمّ سلمة أنّ الآية. [آية التّطهير (3) من سورة الأحزاب] نزلت في بيتها، والنّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وعليّ وفاطمة والحسن والحسين في البيت، فأخذ عباء فجلّلهم بها، ثمّ قال: «اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيراً». فقلت: وأنا عند عتبة الباب -: يا رسول الله! وأنا منهم - أو معهم -؟ قال: إنّك لعلى خير» (4).

ومالك بن إسماعيل، عن جعفر الأحمر، عن شهر بن حوشب، عن أمّ سلمة.

____________________

(1) مسند أحمد بن حنبل 6: 292؛ أسباب النزول للواحديّ 239.

(2) لعلّه شهر بن حوشب الأشعريّ، المتوفّى سنة ثمان وتسعين، وقيل غير ذلك. مختصر تاريخ دمشق 11:6؛ تهذيب الكمال 12: 588؛ المعارف لابن قتيبة 448. وسنذكر له حديثاً آخر عن أمّ سلمة.

(3) مسند أحمد 6: 292.

(4) تفسير الحبريّ 300 ح شواهد التنزيل - بطريق المرزبانيّ، رقم 731. وفي سنن الترمذيّ 5: 361: سفيان عن زبيد، عن شهر بن حوشب، عن أمّ سلمه أنّ النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله جلّل الحسن والحسين وعليّاً وفاطمة كساء، ثمّ قال: «اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي وحامّتي، أذهب عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيراً». فقالت أمّ سلمة: وأنا معهم يا رسول الله؟ قال: «إنّك على خير». وفي الباب عن أنس، وعن أبي سلمة، وأبي الحمراء.

وعن داود بن أبي عوف، قال: حدّثني شهر بن حوشب، قال: أتيت امّ سلمة زوج النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، لأسلّم عليها، فقلت لها: رأيت هذه الآية، يا أمّ المؤمنين: (إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً)؟ قالت: نزلت وأنا ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله على منامة لنا، تحتنا كساء خيبريّ، فجاءت فاطمة ومعها حسن وحسين، وفخار فيه حريرة، فقال: «وأين ابن عمّك؟». قالت: في البيت. قال: فاذهبي فادعيه». قالت: فدعوته، فأخذ الكساء من تحتنا، فعطفه، فأخذ جميعه بيده. فقال: «اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيراً» وأنا جالسة خلف رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمّي، فأنا؟ قال: «إنّك على خير». ونزلت هذه الآية: ( إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) في النّبيّ وعليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم‌السلام. تفسير فرات الكوفيّ: 121؛ تفسير الحبريّ: 299.

 


الصفحة 244

وعبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء بن أبي رباح، عن أمّ سلمة، قالت: جاءت فاطمة بطعيّم لها إلى أبيها وهو على منام له، فقال: آتيني ابنيّ، وابن عمّك. فقالت: جلّلهم، أو قالت: حوّل عليهم الكساء وقال: «اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي وحامّتي فأذهب عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيراً». فقالت أمّ سلمة: يا رسول الله! وأنا معهم؟ فقال: «أنت زوج النّبيّ، وأنت على - أو إلى خير»(1).

وعبد الرّحمن بن عبد الله بن دينار، عن شريك بن أبي نمر، عن عطاء بن أبي يسار، عن أمّ سلمة رضي الله عنها، أنّها قالت: في بيتي نزلت هذه الآية: (إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً). قالت: فأرسل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى عليّ وفاطمة والحسن والحسين رضوان الله عليهم أجمعين، فقال: «اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي». قالت أمّ سلمة: يا رسول الله، ما أنا من أهل البيت؟ قال: «إنّك أهلي، وهؤلاء أهل بيتي» (2).

وعن فضيل بن مرزوق، عن عطيّة الوفيّ، عن أبي سعيد الخدريّ عن أمّ سلمة، قالت: نزلت هذه الآية في عليّ: (إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ). قالت: قلت يا رسول الله! ألست من أهل البيت؟ قال: «إنّك على خير، إنّك من أزواج النّبيّ». وكان في البيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، وعليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم‌السلام (3).

 

ويروى الحديث عن أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه مستقيماً

عن إسحاق بن إبراهيم، عن أبي هارون، عن أبي سعيد - أي الخدريّ - قال: نزلت هذه الآية: (إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً) في رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله،

____________________

(1) مسند أحمد 6: 292؛ تفسير الحبريّ: 302 - 303؛ أسباب النزول للواحديّ 239؛ شواهد التنزيل للحسكانيّ رقم 737؛ المعجم الكبير للطبرانيّ 1: 128؛ مشكل الآثار 1: 333.

(2) المستدرك على الصحيحين 2: 416، 3: 146، وبذيله التلخيص للذهبيّ. وفي سنن الترمذيّ 5: 328، عن عمر بن أبي سلمة، ربيب النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، أنّ النّبيّ قال: «أنتِ على مكانكِ وأنتِ إلى خَيْرٌ». وفي الباب عن أمّ سلمة، ومعقل بن يسار، وأبي الحمراء، وأنس بن مالك.

(3) مشكل الآثار 1: 334؛ تفسير الحبريّ 298؛ شواهد التنزيل برقم 712 - 713؛ تفسير ابن كثير 3: 485؛ المعجم الكبير للطبرانيّ 1: 127.

 


الصفحة 245

وعليٍّ، وفاطمة، والحسن، والحسين، في بيت أمّ سلمة. (1)

وعمران بن مسلم عن عطيّة العوفيّ، عن أبي سعيد الخدريّ، عن النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، في قوله تعالى: (إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً )، قال: جمع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله عليّاً، وفاطمة، والحسن، والحسين، ثمّ أدار عليهم الكساء، فقال: «هؤلاء أهل بيتي، اللّهمّ أذهب عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيراً». وأمّ سلمة على الباب، فقالت: يا رسول الله، ألست منهم؟ فقال: «إنّك لعلى خير، أو إلى خير» (2).

وسفيان الثوريّ، عن أبي الجحّاف، عن عطيّة، عن أبي سعيد الخدريّ: (إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً). قال: نزلت في خمسة، في النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وعليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم‌السلام (3).

وأخرج ابن عساكر في تاريخه، عن أبي سعيد الخدريّ، عن النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، قال: حين نزلت: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا) (4).

كان يجيء نبيّ الله صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى باب عليّ صلاة الغداة ثمانية أشهر، يقول: الصلاة، رحمكم الله، (إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (5).

 

رواية ابن عبّاس

وممّن روى الحديث، الصّحابيّ الجليل ابن عبّاس:

حبّان، عن الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس: (إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً )، قال: نزلت في رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، وعليٍّ، وفاطمة والحسن،

____________________

(1) تفسير الحبريّ: 306.

(2) تاريخ بغداد 10: 278.

(3) المعجم الكبير 1: 128؛ المعجم الصغير 1: 135؛ أسباب النزول للواحديّ: 239؛ كفاية الطّالب: 276؛ ينابيع المودّة: 108؛ ذخائر العقبى: 25.

(4) طه: 132.

(5) مختصر تاريخ دمشق 17: 342.

 


الصفحة 246

والحسين. قال: والرّجس الشّكّ (1).

وعن عمرو بن ميمون، عن ابن عبّاس، في حديثه مع الرّهط التسعة الذين وقعوا في عليٍّ عليه‌السلام، فانبرى ابن عبّاس يبكّتهم ويعدّد فضائل عليٍّ عليه‌السلام. قال: ودعا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله الحسن والحسين وعليّاً وفاطمة عليهم‌السلام، ومدّ عليهم ثوباً، ثمّ قال: «اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي وحامّتي، فأذهب عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيراً» (2).

في رواية ابن مردوية، عن ابن عبّاس: إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، بعد نزول هذه الآية، كان يمرّ ببيت فاطمة إذا خرج إلى صلاة الفجر، يقول: «السّلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته، الصّلاة رحمكم الله ( إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً )، وذلك طيلة سبة أشهر. (3)

ومن جواب ابن عبّاس ليزيد بن معاوية، وقد كتب إليه يطلب منه أن يدخل في طاعته،! وأن يحثّ النّاس على ذلك: «ثمّ إنّك سألتني أن أحثّ النّاس على طاعتك، وأن أخذّلهم عن ابن الزّبير، فلا مرحبا ولا كرامة! تسألني نصرتك ومودّتك، وقد قتلت ابن عمّي وأهل رسول الله، مصابيح الهدى، ونجوم الدّجى؟! غادر تهم جنودك بأمرك صرعى في صعيد واحد قتلى. أنسيت إنفاذ أعوانك إلى حرم الله لقتل الحسين؟! فما زلت وراءه تخيفه حتّى أشخصته إلى العراق؛ عداوةً منك لله ورسوله ولأهل بيته الّذين أذهب الله عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيراً (4).

وكتاب ابن عبّاس إلى يزيد طويل، كشف فيه عن سوءات بني أميّة، وأنّ يزيد كان يتحرّك في نفس الدائرة الّتي كان يتحرّك فيها أبوه: الطّلب بثار أهلهم يوم بدر! واتخاذهما دم عثمان وسيلةً لذلك، ويتهدّده ابن عبّاس بعذاب الله الأليم. وقد ثارت ثائرة الرِّعْدِيد

____________________

(1) تفسير الحبريّ: 307؛ شواهد التنزيل 2: 30 رقم 671.

(2) مختصر تاريخ دمشق 17: 329؛ مسند أحمد بن حنبل 1: 331؛ مجمع الزوائد 9: 119؛ شواهد التنزيل 2: 31 رقم 670؛ المستدرك على الصحيحين 2: 132؛ كفاية الطّالب: 244؛ الرياض النضرة 2: 269؛ تفسير فرات: 125.

(3) ما نزل من القرآن في عليّ: ابن مردويه 301/4754؛ نور الأبصار للشبلنجيّ: 226.

(4) تذكرة الخواصّ لسبط ابن الجوزيّ: 248.

 


الصفحة 247

يزيد، فأراد البطش بابن عبّاس، ولكن شغله أمر ابن الزّبير، ثمّ أخذه الله تعالى بعد ذلك بيسير، أخذ عزيز مقتدر.

عن سعد بن أبي وقّاص قال: قال: نزل على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله الوحي، فأدخل عليّاً وفاطمة وابنيهما تحت ثوبه ثمّ قال: «اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي». ما نزل من القرآن في عليّ: ابن مردويه 301/476، والدرّ المنثور 5: 199. وفي الشّفا للقاضي عياض: 31، لفظه: «اللّهمّ هؤلاء أهلي».

وفي المعاني الجليلة لآية التطهير، وفيمن هم الّذين شملهم الخطاب الإلهيّ... ذكر في ذلك يوسف النبهانيّ كلاماً طريفاً نذكر هنا بعضه، قال:

قال الإمام أبو جعفر محمّد بن جرير الطبريّ في تفسيره: يقول الله تعالى: إنّما يريد الله ليذهب عنكم السّوء والفحشاء يا أهل محمّد، ويطهّركم من الدّنس الّذي يكون في معاصي الله تطهيراً. وروي عن أبي زيد: أنّ الرّجس هاهنا الشّيطان. وذكر أي الطبريّ، بسنده إلى سعيد بن قتادة أنّه قال: قوله: (إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً)، فهم أهل بيتٍ طهّرهم الله من السّوء وخصّهم برحمة منه.

وقال ابن عطيّة: والرّجس اسم يقع على الإثم والعذاب وعلى النجاسات والنقائص ن فأذهب الله جميع ذلك عن أهل البيت.

وقال الإمام النّوويّ: قيل هو الشّكّ، وقيل العذاب، وقيل الإثم. قال الأزهريّ: الرّجس اسم لكل مستقذر، من عمل وغيره (1).

 

المحصّلة

من مجموع الأقوال الّتي ذكرها النبهانيّ، فإنّ الآية المباركة قد نصّت على عصمة أهل البيت عليهم‌السلام، عصمةً مطلقة؛ فليس في صراطهم وسوسة شيطان، ولم يدنّسهم إثم ولم يقترفوا معصية، وقد رحمهم الله رحمة خاصّة. فليس فيهم عيب كما في غيرهم، ولم يتنجّسوا بما قارفه الآخرون... فماذا غير كلّ ذلك وسواه من معاني الكمال ليكون

____________________

(1) الشّرف المؤبّد لآل محمّد: يوسف بن إسماعيل النبهانيّ: 6.

 


الصفحة 248

صراطهم الصّراط المستقيم؟!

أمّا من هم أهل البيت المخاطبون بالآية؟

إنّهم الخمسة أهل العباء. قال النبهانيّ: «واختلف المفسّرون في أهل البيت في هذه الآية، فذهبت طائفة - منهم أبو سعيد الخدريّ وجماعة من التّابعين منهم مجاهد، وقتادة، وغيرهم، كما نقله الإمام البغويّ، وابن الخازن، وكثير من المفسّرين - إلى أنّهم هنا أهل العباء. وهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، وعليّ، وفاطمة، والحسن، والحسين رضي الله عنهم. وذهب جماعة - منهم ابن عبّاس، وعكرمة - إلى أنّهم أزواجه الطّاهرات، قال هؤلاء: الآيات كلّها من قوله: (يَا أَيّهَا النّبِيّ قُل لِأَزْوَاجِكَ) (1) إلى قوله: (إِنّ اللّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً) (2) منسوق بعضها على بعض، فكيف صار في الوسط كلام لغيرهنّ؟!

وأجاب عن هذا القائلون بأنّ المراد أهل العباء بأنّ الكلام العربيّ يدخله الاستطراد والاعتراض، وهو تخلّلُ الجملة الأجنبيّة بين الكلام المتناسق، كقوله تعالى: (إِنّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزّةَ أَهْلِهَا أَذِلّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ ) (3)؛ (وَإِنّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيّةٍ) (4). فقوله: وكذلك يفعلون، جملة معترضة من جهة الله تعالى بين كلام بلقيس. وقوله تعالى: (فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النّجُومِ * وَإِنّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ) (5)، أي: فلا أقسم بمواقع النّجوم إنّه لقرآن، وما بينهما اعتراض على اعتراض. وهو كثير في القرآن وغيره من كلام العرب.

وقد ثبت من طرق عديدة صحيحة أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله جاء ومعه عليّ وفاطمة وحسن وحسين، قد أخذ كلّ واحد منهما بيد حتّى دخل، فأدنى عليّاً وفاطمة وأجلسهما بين يديه، وأجلس حسناً وحسيناً كلّ واحد منهما على فخذه، ثمّ لفّ عليهم كساءً، ثمّ تلا هذه الآية: (إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ). وفي رواية: «اللّهمّ

____________________

(1) الأحزاب / 28.

(2) نفس المصدر 34.

(3) النّمل / 34.

(4) نفس المصدر 35.

(5) الواقعة / 77 - 77.

 


الصفحة 249

هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرّجس وطهرهم تطهيراً». قالت أمّ سلمة: فرفعت الكساء لأدخل معهم، فجذبه من يدي، فقلت: وأنا معكم يا رسول الله؟ فقال: «إنّك من أزواج النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله على خير».

وروى أحمد والطّبرانيّ عن أبي سعيد الخدريّ، قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «أنزلت هذه الآية في خمسة: فيّ وفي عليّ وحسن وحسين وفاطمة» وروي من طرق عديدة حسنة وصحيحة عن أنس رضى الله عنه أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله كان يمرّ ببيت فاطمة إذا خرج إلى صلاة الفجر يقول: «الصّلاة أهل البيت، (إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً)». وعن أبي سعيد الخدريّ أنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله جاء أربعين صباحاً - يعني بعد نزول هذه الآية - إلى باب فاطمة، يقول: «السّلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته الصلاة رحمكم الله، (إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً)». وعن ابن عبّاس: سبعة أشهر، وفي رواية: ثمانية أشهر. وهذا نصّ منه صلى‌الله‌عليه‌وآله على أنّ المراد من أهل البيت في هذه الآية هم الخمسة (1).

قال: وقال شيخ الصوفيّة محيي الدّين بن عربيّ رضى الله عنه، في الباب التاسع والعشرين من الفتوحات المكّيّة: ولما كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله عبداً محضاً قد طهّره الله وأهل بيته تطهيراً، وأذهب عنهم الرّجس وهو كلّ ما يشينهم، فإنّ الرّجس هو القّذر عند العرب؛ هكذا حكى الفرّاء، قال الله تعالى: (إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً )، فلا يضاف إليهم إلاّ مطهّر ولا بدّ؛ فإنّ المضاف إليهم هو الذي يشبههم، فما يضيفون لأنفسهم إلاّ من له حكم الطّهارة والتقديس؛ فهذه شهادة من النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله لسلمان الفارسيّ بالطّهارة والحفظ الإلهيّ والعصمة، حيث قال فيه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «سلمان منّا أهل البيت». وشهد الله لهم بالتّطهير وذهاب الرّجس عنهم. وإذا كان لا يضاف إليهم إلاّ مطهّر مقدّس، وحصلت له العناية الربّانيّة الإلهيّة بمجرّد الإضافة، فما ظنّك بأهل البيت في نفوسهم؟! فهم المطهّرون، بل هم عين الطّهارة. فهذه الآية تدلّ على أنّ الله تعالى قد شرك أهل البيت مع

____________________

(1) الشّرف المؤبّد لآل محمّد: يوسف بن إسماعيل النبهانيّ 6 - 8.

 


الصفحة 250

رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، في قوله تعالى: (لِيَغْفِرَ لَكَ اللّهُ مَا تَقَدّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخّرَ) (1)، وأيّ وسخ وقذر أقذر من الذنوب وأوسخ؟! فطهّر الله سبحانه نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله بالمغفرة ممّا هو ذنب بالنسبة إلينا، ولو وقع منه صلى‌الله‌عليه‌وآله، لكان ذنباً في الصورة لا في المعنى؛ لأنّ الذمّ لا يلحق به على ذلك من الله، ولامنّا شرعاً. فلو كان حكمه حكم الذّنب لصحبه ما يصحب الذّنب من المذمّة، ولم يكن يصدق قوله: (لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ). فدخل الشّرفاء أولاد فاطمة كلّهم رضي الله عنهم - ومن هو من أهل البيت، مثل سلمان الفارسيّ رضى الله عنه - إلى يوم القيامة في حكم هذه الآية من الغفران ن فهم المطهّرون اختصاصاً من الله وعنايةً بهم، لشرف محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله، وعناية الله بهم...» (2).

وتوسّع الشبلنجيّ في الحديث عن مفهوم أهل البيت، وقال: إنّهم عليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم‌السلام، وإنّهم معجزة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، ودليل نبوّته يوم المباهلة. قال: اختلف في أهل البيت... ويشهد للقول بأنّهم عليّ وفاطمة والحسن والحسين ما وقع منه صلى‌الله‌عليه‌وآله حين أراد المباهلة هو ووفد نجران، كما ذكره المفسّرون في تفسير آية المباهلة، وهي قوله تعالى: (فَمَنْ حَاجّكَ فِيهِ مِن بَعْدِمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ) (3). قيل: أراد بالأبناء الحسن والحسين، وبالنّساء فاطمة، وبالنّفس نفسه صلى‌الله‌عليه‌وآله وعليّاً رضى الله عنه، كذا في تفسير الخازن. (ثُمّ نَبْتَهِل ) قال ابن عبّاس: قال ابن عبّاس: نتضرّع في الدّعاء، وقيل معناه: نجتهد ونبالغ في الدّعاء، وقيل معناه: نلتعن.

قال المفسّرون لما قرأ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله هذه الآية على وفد نجران، ودعاهم إلى المباهلة، قالوا: حتّى نرجع وننظر في أمرنا، ثمّ نأتيك غداً. فلمّا خلا بعضهم ببعض قالوا للعاقب - وكان كبيرهم وصاحب رأيهم - ما ترى يا عبد المسيح؟ قال: لقد علمتم يا معشر النّصارى أنّ محمّداً نبيّ مرسل، ولئن فعلتم ذلك لنهلكنّ. وفي روايةٍ قال لهم: ما لا عن قوم قطّ نبيّاً إلاّ هلكوا عن آخرهم، فإن أبيتم إلاّ الإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم

____________________

(1) الفتح / 2.

(2) الشّرف المؤبّد لآل محمّد: 12 - 13.

(3) آل عمران / 61.

 


الصفحة 251

فوادعوا الرّجل، وانصرفوا إلى بلادكم. فأتوا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، وقد احتضن الحسين وأخذ بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه وعليّ يمشي خلفها، والنّبيّ يقول لهم: إذا دعوت فأمّنوا. فلمّا رآهم أسقف نجران قال: يا معشر النّصارى، إنّي لأرى وجوهاً لو سألوا الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله، فلا تبتهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصرانيّ إلى يوم القيامة. فقالوا: يا أبا القاسم، قد رأينا أن لا نباهلك وأن نتركك على دينك وتتركنا على ديننا. فقال لهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «فإن أبيتم المباهلة فأسلموا يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم». فأبوا ذلك، فقال: «فإنّي أنابذكم (1)». فقالوا ما لنا في حرب العرب طاقة، ولكنّا نصالحك على أن لا تغزونا ولا تخيفنا ولا تردّنا عن ديننا، وأن نؤدّي إليك في كلّ سنة ألفي حلّة: ألف في صفر وألف في رجب. زاد في رواية: وثلاثاً وثلاثين درعاً، وثلاثاً وثلاثين بعيراً، وأربعاً وثلاثين فرساً غازية. فصالحهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله على ذلك، وقال: «والّذي نفسي بيده، إنّ العذاب تدلّى على أهل نجران، ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير، ولاضطرم عليهم الوادي ناراً، ولاستأصل الله نجران وأهله الطّير على الشّجر، ولما حال الحول على النّصارى كلّهم حتّى هلكوا»؛ انتهى عن الخازن وغيره. وفي «الخطيب» عن عائشة: إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله خرج وعليه مرط مرحّل من شعر أسود، فجاء الحسن فأدخله، ثمّ جاء الحسين فأدخله، ثمّ فاطمة، ثمّ عليّ، ثمّ قال: (إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً).

قال الشبلنجيّ: وفي ذلك دليل على نبوّته صلى‌الله‌عليه‌وآله، وعلى فضل أهل الكساء (2).

قال: ما قدّمناه من أنّ أهل البيت هم عليّ وفاطمة والحسن والحسين، هو ما جنح إليه - أي مال - الفخر الرّازيّ في تفسيره (3)، والزمخشريّ في كشّافه، وعبارته عند تفسير قوله

____________________

(1) أي أناجزكم الحرب.

(2) نور الأبصار لمؤمن بن حسن الشبلنجيّ: 223 - 224. (تكلّمنا عن ذلك في حديث ردّ الشّمس).

(3) التفسير الكبير للفخر الرّازيّ 27: 166، وعبارته: «آل محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله هم الّذين يؤول أمرهم إليه، فكلّ من كان أمرهم إليه أشدّ وأكمل كانوا هم الآل. ولا شكّ أنّ فاطمة وعليّاً والحسن والحسين كان التعلّق بينهم وبين رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أشدّ التعلّقات، وهذا كالمعلوم بالنّقل المتواتر، وجب أن يكونوا هم الآل».

 


الصفحة 252

تعالى: (قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلّا الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى‏) (1): روي أنّها لما نزلت قيل: يا رسول الله، من قرابتك الّذين وجبت علينا مودّتهم؟ قال: «عليّ وفاطمة وابناهما» (2)

____________________

(1) الشورى / 23.

(2) الكشّاف للزمخشريّ 2: 339. وأيضاً مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ 311؛ كفاية الطّالب 91؛ والصواعق المحرقة 101؛ الفضائل لأحمد بن حنبل: 108؛ تفسير ابن كثير 4: 112؛ فرائد السّمطين 2: 13؛ شواهد التنزيل 2: 130؛ تفسير فرات: 145؛ سعد السّعود: 140؛ مجمع الزّوائد 7: 103؛ المعجم الكبير للطبرانيّ 1: 126، 3: 155 و 7: 103؛ ذخائر العقبى: 25؛ نور الأبصار: 224 و 227؛ مطالب السؤول لابن طلحة الشّافعيّ: 8؛ الفصول المهمّة لابن الصبّاغ المالكيّ: 12؛ شرح المواهب اللّدنيّة للزرقانيّ: 7 و 21؛ تذكرة الحفّاظ للذهبيّ 4: 1433؛ بغيةالوعاة للسيوطيّ ك 419؛ المستدرك على الصحيحين 3: 172؛ العمدة في عيون صحاح الأخبار لابن البطريق: 24 وفي ص 26: قال الثعلبيّ: قيل هم الّذين تحرم عليهم الصّدقة، ويقسّم فيهم الخمس؛ وهم بنو هاشم وبنو المطّلب الذين لم يفترقوا في الجاهليّة والإسلام. يدلّ عليه قوله عزّ وجلّ: (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى‏ حَقّهُ)، قال يحيى بن الحسن: هذا الوجه لا يتعدّى عليّاً وفاطمة والحسن والحسين، فلا يشرك بهم سواهم، إلاّ من كان من نسلهم. يدلّ على ذلك قوله: لم يفترقوا في الجاهليّة والإسلام، وليس يوجد من هو كذلك إلاّ من قال الله تعالى في حقّه: (إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً)، فمن أذهب الله عنهم الرّجس وطهّره بذلك فهو الّذي لم يفترق في جاهليّة ولا إسلام».

ونفس المصدر: إبراهيم الجرجانيّ، قال: أنشدني الفقيه منصور لنفسه:

إن  كان  حبّي  iiخمسة      كيت    بهم   iiفرائصي
وبغض   من   iiعاداهم      رفضاً، فإنّي رافضي!

وفي ينابيع المودّة للقندوزيّ الحنفيّ 106، قال: أخرج أحمد في مسنده، بسنده عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: لما نزلت (قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلّا الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى ) قالوا: يا رسول الله، من هؤلاء الّذين وجبت لنا مودّتهم؟ قال: «عليّ وفاطمة والحسن والحسين». والسيوطيّ في كتابه إحياء الميت 13؛ تفسير النّسفي - بهامش تفسير الخازن 4: 990؛ المعرفة والتاريخ للفسويّ 1: 296؛ تفسير الثعلبيّ 8: 310.

وذكر الثعلبيّ في تفسيره (8: 312): عن إسحاق بن أبي عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «نحن ولد عبد المطّلب سادة أهل الجنّة، أنا وحمزة وجعفر وعليّ والحسن والحسين والمهديّ». وفي تفسيره لآية المودّة، قال: قال بعضهم: معناه أن تودّوا قرابتي وعترتي وتحفظوني فيهم، وهو قول سعيد بن جبير، وعمرو بن شعيب. (المصدر نفسه 310).

قال: ثمّ اختلفوا في قرابة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله الذين أمر الله تعالى بمودّتهم. عن الأعمش عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس قال: لما نزلت: (قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلّا الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى) الآية، قالوا: يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا =

 


الصفحة 253

____________________

= مودّتهم؟ قال: «عليّ وفاطمة وابناءهما» (المصدر نفسه 310؛ مجمع الزوائد 7: 103). قال: ودليل هذا التأويل: إسماعيل بن عمرو عن عمر بن موسى عن زيد بن عليّ بن حسين، عن أبيه، عن جدّه عن عليّ بن أبي طالب قال: «شكوت إلى رسول الله حسد النّاس لي!». فقال: «أما ترضى أن تكون أربعة، أوّل من يدخل الجنّة: أنا وأنت والحسن والحسين، وأزواجنا عن أيماننا وشمالنا، وذرّيّتنا خلف أزواجنا وشيعتنا من ورائنا». (تفسير الثعلبيّ 8: 311؛ شواهد التنزيل 1: 185).

«والمصدر نفسه: 312» قال: قيل هم الذين تحرم عليهم الصدقة، ويقسّم...، إلى قوله: بهامش تفسير الخازن: 990.

وللإمام السبط الشهيد الحسن بن عليّ عليهما‌السلام خطبة خطبها بعد شهادة امير المؤمنين عليه‌السلام، فعن أبي الطّفيل، قال: خطبنا الحسن بن عليّ عليهما‌السلام بعد وفاة أبيه، فحمد الله وأثنى عليه، وذكر أمير المؤمنين عليه‌السلام، فقال: خاتم الوصيّين، ووصيّ خاتم الأنبياء، وأمير الصّدّيقين والشّهداء والصّالحين.

ثمّ قال: أيّها النّاس! لقد فارقكم رجل ما سبقه الأوّلون ولا يدركه الآخرون؛ لقد كان رسول الله يعطيه الرّاية، فيقاتل جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره، فما يرجع حتّى يفتح الله عليه. ولقد قبضه الله في الليلة الّتي قبض فيها وصيّ موسى، وعرج بروحه في الليلة الّتي عرج فيها بروح عيسى بن مريم، وفي الليلة التي أنزل الله عزّ وجلّ فيها الفرقان. والله ما ترك ذهبا ولا فضّة، وما في بيت ماله إلاّ سبعمائة درهم فضلت من عطائه أراد أن يشتري بها خادماً لأمّ كلثوم. ثمّ قال: من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن محمّد النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله. ثمّ تلا هذه الآية: (وَاتّبَعْتُ مِلّةَ آبَائي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ) [ يوسف / 38 ] أنا ابن البشير، أنا ابن النذير، أنا ابن النّبيّ الدّاعي إلى الله بإذنه، أنا ابن السرّاج المنير، وأنا ابن الّذي أرسل رحمة للعالمين، وأنا من أهل البيت الّذي كان جبريل ينزل إلينا ويصعد من عندنا، وأنا من أهل البيت الّذي أذهب الله عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيراً. وأنا من أهل البيت الّذين افترض الله تعالى مودّتهم وولايتهم على كلّ مسلم، فقال تبارك وتعالى لنبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله: (قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلّا الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى‏ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً) [الشورى 23]، واقتراف الحسنة: «مودّتنا أهل البيت». مقاتل الطّالبيين لأبي الفرج الأصبهانيّ 43-44؛ المستدرك على الصحيحين 3: 172؛ سنن النّسائي 61؛ خصائص امير المؤمنين للنّسائي أيضاً 172؛ الصواعق المحرقة 101 و 136؛ الفصول المهمّة لابن الصبّاغ المالكيّ 166؛ مجمع الزوائد 9: 146؛ شرح نهج البلاغة للمعتزليّ 4: 11؛ مسند أحمد بن حنبل 1: 199؛ حلية الأولياء 1: 65؛ الطبقات الكبرى لابن سعد 3: 26؛ أسد الغابة 2: 14 - 15؛ كفاية الطّالب 92 - 93؛ ينابيع المودّة 8 - 9 وفيه زيادة بعد قوله: «واقتراف الحسنة: مودّتنا»، قال: ولما نزلت (يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا صَلّوا عَلَيْهِ وَسَلّمُوا تَسْلِيماً ) [ الأحزاب / 56 ] فقالوا: يا رسول الله، كيف =

 


الصفحة 254

قال الشبلنجيّ: وروي من طرق عديدة صحيحة أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله جاء ومعه عليّ وفاطمة والحسن والحسين، ثمّ أخذ كلّ واحد منهما على فخذه، ثمّ لفّ عليهم كساءً، ثمّ تلا هذه الآية (إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً )، وقال: «اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيراً». وفي رواية: «اللّهمّ هؤلاء آل محمّد، فاجعل صلواتك وبركاتك على آل محمّد، كما جعلتها على آل إبراهيم، إنّك حميد مجيد». وفي رواية أمّ سلمة، قالت: فرفعت الكساء لأدخل معهم، فجذبه من يدي! فقلت: وأنا معكم يا رسول الله؟فقال: «إنّك من أزواج النّبيّ، على خير».

وفي رواية أنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله أدرج معهم جبريل وميكائيل، وفي رواية أن ذلك الفعل كان في بيت فاطمة، وقد أشار المحبّ الطّبرانيّ إلى أن هذا الفعل تكرّر منه صلى‌الله‌عليه‌وآله.

ومن الآيات، زيادة على ما سبق، ما أخرجه الثعلبيّ في تفسير قوله تعالى (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً) (1). عن جعفر الصادق، أنّه قال: «نحن حبل الله». وأخرج بعضهم عن محمّد الباقر في قوله تعالى: (أَمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلَى‏ مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ ) (2) أنّه قال: «أهل البيت هم النّاس».

وأخرج بعضهم عن محمّد بن الحنفيّة، في قوله تعالى (إِنّ الّذِينَ آمَنُوْا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ

____________________

= الصّلاة عليك؟ فقال: «قولوا: اللّهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد»، فحقّ على كلّ مسلم أن يصلّي علينا فريضة واجبة. وأحلّ الله خمس الغنيمة لنا كما أحلّ له، وحرّم الصدقة علينا كما حرّم عليه صلى‌الله‌عليه‌وآله. فأخرج جدّي صلى‌الله‌عليه‌وآله يوم المباهلة من الأنفس أبي، ومن البنين أنا وأخي الحسين، ومن النّساء فاطمة أمّي، فنحن أهله ولحمه ودمه، ونحن منه وهو منّا. وهو يأتينا كلّ يوم عند طلوع الفجر، فيقول: «الصّلاة، يرحمكم الله»، وتلا: (إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً) وقد قال الله تعالى: (أَفَمَن كَانَ عَلَى‏ بَيّنَةٍ مِنْ رَبّهِ ) [ هود 17 ] وأبي الّذي يتلوه وهو شاهد منه. وأمر الله رسوله أن يبلّغ أبي سورة البراءة في موسم الحجّ. وقال جدّي صلى‌الله‌عليه‌وآله حين قضى بينه وبين أخيه جعفر ومولاه زيد في ابنة عمّه حمزة: «أمّا أنت يا عليّ فمنّي وأنا منك وأنت وليّ كلّ مؤمن بعدي»، فكان أبي أوّلهم إيماناً، فهو سابق السّابقين، وفضّل الله السّابقين على المتأخّرين، وفضّل سابق السابقين على السابقين.

(1) آل عمران / 103.

(2) النساء / 54.

 


الصفحة 255

سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرّحْمنُ وُدّاً ) (1)، أنّه قال: لا يبقى مؤمن إلاّ وفي قلبه ودّ لعليّ وأهل بيته، وذكر النقّاش أنّها نزلت في عليٍّ رضى الله عنه.

وعن ابن عبّاس رضي الله عنهما، أنّه قال: لما نزلت هذه الآية: (إِنّ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيّةِ ) (2)، قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لعليّ: «هو أنت وشيعتك، تأتي يوم القيامة أنت وهم راضين مرضيّين، ويأتي أعداؤك غضاباً مقمحين».

وعن أنس بن مالك، في قوله تعالى (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ ) (3)، قال: عليّ وفاطمة، يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان، قال: الحسن والحسين.

وعن محمّد بن سيرين، في قوله تعالى: (وَهُوَ الّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً) (4) أنّها نزلت في النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، وعليّ بن أبي طالب هو ابن عمّ النّبيّ وزوج فاطمة رضي الله عنها، فكان نسباً وصهراً.

قال: ذكر الفخر الرّازيّ أنّ أهل بيته صلى‌الله‌عليه‌وآله ساووه في خمسة أشياء: في الصّلاة عليه وعليهم في التشهّد، وفي السّلام، والطّهارة، وفي تحريم الصدقة، وفي المحبّة. (5)

____________________

(1) مريم / 96.

(2) البيّنة / 7.

(3) الرّحمن / 9.

(4) الفرقان / 54.

(5) التفسير الكبير للفخر الرّازيّ 27: 166، قال: إنّ الدّعاء للآل منصب عظيم، ولذلك جعل هذا الدّعاء خاتمة التشهّد في الصّلاة وهو قوله: اللّهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد، وارحم محمّداً وآل محمّد. وهذا التعظيم لم يوجد في حقّ غير الآل؛ فكلّ ذلك يدلّ على أنّ حبّ آل محمّد واجب. وقال: إنّ أهل بيته صلى‌الله‌عليه‌وآله ساووه في خمسة أشياء: في الصلاة عليه وعليهم في التشهّد، وفي السّلام...».

لقد أغنانا الفخر الرّازيّ بقوله: «إنّ الدّعاء للآل منصب عظيم ولذلك جعل هذا الدّعاء خاتمة التشهّد في الصّلاة، وهذا التعظيم لم يوجد في حقّ غير الآل» عن التعليق والإطناب في بعض ما لأهل البيت عليهم‌السلام من حقّ على أمّة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله؛ بمكانتهم منه صلى‌الله‌عليه‌وآله، إذ هم أهله من دون غيرهم من قرابته وصحابته، وبالمنزلة الّتي لم ينزلهم إيّاها أحد من البشر، إنّما اطّلع سبحانه إلى أهل الأرض ن فاختار منهم محمّداً صلى‌الله‌عليه‌وآله نبيّاً، واطّلع أخرى فاختار عليّاً عليه‌السلام وصيّاً لنبيّه وصهراً على ابنته البتول فاطمة الزّهراء عليها‌السلام، ولم يجد الباري تعالى غير هذا البيت محلاًّ لأعلى مراتب الشّرف، فأكرمهم بالعصمة والطّهارة، وجعلهم أئمّة يهدون بأمره. ومنهم المهديّ المنتظر عليه‌السلام =

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة